#1  
قديم 06-19-2011, 10:31 AM
سعيد سعيد غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Nov 2010
المشاركات: 55,261
افتراضي الاكراه البدني

- من إعداد الطالبتين:


× جلاب سارة


× حابس كحيلة


السنة الجامعية 2010 - 2011

يلجأ صاحب الحق للقضاء طالبا الحماية، ولا تتحقق هذه الحماية بمجرد حصوله على حكم يجسد حقه فالحصول على حكم لا يعني أن الحق قد عاد لصاحبه، فهو مجرد تأكيد نظريللحق ولا يشبع حاجة الشخص في الحماية القضائية، ذلك أن صدور مثل هذه الأحكام تشكل الخطوة الأولى لاستيفاء المتقاضين حقوقهم، لكن بلوغ هؤلاء هدفهم لا يتأتى إلا بتنفيذ ما قضت به الأحكام، لأجل ذلك شمل المشرع الأحكام القضائية بحماية خاصة وأوكل مهمة تنفيذها إلى القضاء الذي يتدخل مباشرة، وفي بعض الأحيان بواسطة مساعديه وهذا طبعا بعد سعي صاحب المصلحة، من أجل ذلك تجسيدا لهذا المبدأ فإن المشرع قسم التنفيذ إلى مرحلتين: مرحلة التنفيذ الاختياري وهي الأصل، حيث يعتمد القانون أساسا على السلوك الإرادي للمخاطبين بأحكامه وهو ما يحقق للمدين حفظ كرامته بتجنيبه مهانة التنفيذ القهري وبيع أمواله رغما عن إرادته ومنحه فرصة الدخول في تعاملات مع الآخرين دون خوف من مماطلته (1)، كما أنه لا يحتاج إلى إجراءات معينة لأنه لا يحصل بطريقة رسمية أو بتدخل سلطة الدولة، لكن قد يتعنت المدين عن التنفيذ الودي فتأتي مرحلة التنفيذ الجبري كمرحلة أخيرة للتنفيذ، وقد وفر المشرع ضمن هذه المرحلة للدائن وسائل لاستيفاء حقوقه منها التنفيذ عن طريق الإكراه البدني.
حيث تناوله في المواد من 597 إلى 611 من قانون الإجراءات الجزائية،بينما ألغاه في المواد المدنية.
وقد كان الإكراه البدني هو الوسيلة العادية للتنفيذ في العصور البدائية حيث كانت الحماية التنفيذية تباشر بواسطة صاحب الحق اعتمادا على قوته الذاتية التي تغذيها مشاعر الانتقام و الثأر، فلم تكن هناك ضوابط أو قيود تحدد مدى حدود التنفيذ وما يلازمه من إجبار فكان الإجبار مطلقا لا يعرف حدودا أو تمييزا، فهو ينصرف إلى أموال المدين بالاستيلاء عليها عنوة كما ينصرف إلى شخص المدين فيتناول شخصه في حياته و جسده وحريته يتصرف فيها الدائن تصرف المالك في ملكه يسترقه ويستعبده ببيعه أو يقتله.
_______________
(1) د/نبيل عمر، د/ أحمد هنديي: التنفيذ الجبري(قواعده و إجراءاته) الدار الجامعية الجديدة ـ طبعة 2002 ـ ص:06.
وقد نظم قانون الألواح الإثني عشرة دعوى "إلقـاء اليـد" بمقتضاها كان للدائن أن يحضر مدينه أمام القاضي ويسمح لكل شخص بالتدخل لوفاء الدين أو إثارة أي إدعاء ضد التنفيذ على المدين، فإذا لم يحدث هذا التدخل كان للدائن أخذ المدين وقيده بالسلاسل وحبسه في منزله ستين يوما يتم خلالها عرضه ثلاث مرات في السوق لتمكين أقاربه أو أصدقاءه من الوفاء نيابة عنه، وإذا انقضت المدة دون قيامه بذلك كان له أن يقتله أو يبيعه كرقيق في الخارج وإذا تعدد الدائنون كان من حقهم اقتسام جثته(1).
إلا أنه بصدور قانون بوتيليا خلال القرن الخامس الميلادي حرم على الدائن تقييد مدينه بالسلاسل و بيعه أو قتله، فأصبح الحق في حبسه معلق على صدور قرار من القاضي، وبصدور قانون نكسي أصبحت القاعدة أنه إذا تخلى المدين عن جميع أمواله لدائنه يؤدي إلى خروجه من الحبس (02).
أما في الفقه الإسلامي فقد أجاز بعض الفقهاء حبس المدين غير أنهم فرقوا في الحكم بين الموسر والمعسر(3)، فمنعوا حبس المدين المعسر لأنه لا فائدة ترجى من ذلك وأجازوا حبس المدين الموسر الممتنع عن الوفاء بسب مماطلته رغم قدرته على ذلك.
كما أنه مقرر في التشريع الفرنسي إلى غاية إلغائه بقانون 32 جويلية 1867 أين حرم التنفيذ بطريق الإكراه البدني في المواد المدنية فلم يعد يطبق إلا في المواد الجزائية وللمدين في كل الأحوال أن يتفادى الإكراه البدني بفض يده عن جميع أمواله حتى يتمكن الدائنين من استيفاء حقوقهم ولا تبرئ ذمة المدين إلا بقدر ما يتم الوفاء به بالفعل.
_______________
(1) أ/أحمد خلاصي: قواعد و إجراءات التنفيذ الجبري وفقا لقانون الإجراءات المدنية الجزائري و التشريعات المرتبطة به . منشورات عشاش طبعة 1999. ص 16.
(2) د/محمد حسنين: طرق التنفيذ في قانون الإجراءات المدنية الجزائري . ديوان المطبوعات الجامعية. طبعة 2001. ص 28.
(3) د/أحمد أبو الوفاء: إجراءات التنفيذ في المواد المدنية والتجارية. منشأة المعارف بالإسكندرية. ص 14.
وقد احتفظ المشرع بالإكراه البدني في المواد التجارية والمدنية كطريق استثنائي للتنفيذ وبعد استنفاذ الطرق العادية إلى غاية مصادقته على العهد الدولي للحقوق المدنية و السياسية،حيث إنه بهذه المصادقة ألغى ضمنيا تطبيق الإكراه البدني في المواد المدنية ,إلا أنه بصدور القانون 08/09 المؤرخ في 25فيفري2008 المتضمن قانون الإجراءات المدنية و الإدارية تم إلغاء جميع نصوص الإكراه المدني و لم يبقى الإكراه البدني إلا في المواد الجزائية (597-611)ق إج.

و نظرا لأهمية هذا الموضوع من الناحية النظرية والعملية، أي كيفية ومدى تطبيقه خاصة مع بروز فكرة تحجيم الإكراه البدني في المواد المدنية و الانتقال من فكرة أن المدين لم يعـد ضامنا للوفاء بديونه وأن جميع أمواله هي الضامنة للوفـاء بديونه، و لكون الموضوع يتناول و يمس بكرامة الإنسان المكفولة دستوريا لكونها من الحريات الأساسية فقد أحاطه المشرع بجملة من الشروط و الإجراءات يتعين احترامها و مراعاتها كما حدد نطاق تطبيقه.


إنطلاقا من المعطيات السالفة الذكر نطرح التساؤل التالي :


ماهوالواقع القانوني و القضائي الذي يحكم موضوع الإكراه البدني في الجزائر لاسيما بعد انضمامها إلى العهد الدولي و بعد إصدار قانون الإجراءات المدنية و الإدارية الجديد؟


هذا ما سنعالجه ضمن الخطة التالية:

المقدمة:
الفصل الأول: ماهيةالإكراه البدني.
المبحث الأول: مفهوم الإكراه البدني و موقف التشريعات منه.
المطلب الأول: مفهوم الإكراه البدني.
الفرع الأول: تعريف الإكراه البدني.
الفرع الثاني: الطبيعة القانونية للإكراه البدني.
المطلب الثاني: موقف كل من الشريعة الإسلامية و القانون المقارن من الإكراه البدني.
الفرع الأول: موقف الشريعة الإسلامية من الإكراه البدني.
الفرع الثاني: موقف بعض التشريعات المقارنة من الإكراه البدني.
المبحث الثاني: آثار الإكراه البدني بين الإلغاء و التطبيق.
المطلب الأول: آثار تطبيق الإكراه البدني و القيود الواردة عليه.
الفرع الأول: آثار التنفيذ بطريق الإكراه البدني
الفرع الثاني: القيود الواردة على حبس المدين.
المطلب الثاني: آثار إلغاء الإكراه البدني نتيجة الانضمام إلى العهد الدولي.
الفرع الأول:قواعد الإلغاء.
الفرع الثاني: تحليل حكم هذا الإلغاء والآثار المترتبة عنه.
الفصل الثاني:الإكراه البدني في ظل قانون الإجراءات الجزائية الجزائري
المبحث الأول: نطاق تطبيق الإكراه البدني في المواد الجزائية والشروط المتعلقة به.
المطلب الأول: نطاق تطبيق الإكراه البدني.
الفرع الأول: مجال تطبيق الإكراه البدني.
الفرع الثاني: السلطة المكلفة بتنفيذ الإكراه البدني .
المطلب الثاني: شروط الحكم بالإكراه البدني .
الفرع الأول: الشروط الشكلية لتوقيع الإكراه البدني.
الفرع الثاني: الشروط الموضوعية لتوقيع الإكراه البدني.
المبحث الثاني: إجراءات التنفيذ بطريق الإكراه البدني في المواد الجزائية.
المطلب الأول: الأحكام المنظمة لإجراءات التنفيذ بالإكراه البدني في المواد الجزائية.
الفرع الأول: القواعد الخاصة بالمواد الجزائية.
الفرع الثاني: القبض على المحكوم عليه وحبسه.
الفرع الثالث: المركز القانوني للمكره بدنيا داخل المؤسسة العقابية.
المطلب الثاني: المنازعات المتعلقة بالإكراه البدني.
الفرع الأول: المنازعات المتعلقة بصحة إجراءات الإكراه البدني.
الفرع الثاني: المنازعات المتعلقة بمسألة فرعية.
خاتمــــة

الفصل الأول: ماهية الإكراه البدني.


المبحث الأول:مفهوم الإكراه البدني و موقف التشريعات منه.

المطلب الأول : مفهوم الإكراه البدني.
الفرع الأول:تعريف الإكراه البدني.

يعتبر تنفيذ الأحكام الصادرة عن القضاء عامة من أسمى الغايات التي كرسها المشرع لحماية حق اللجوء للقضاء المكرس دستوريا.


إذ للمحكوم عليه أن ينفذ اختياريا ما هو ملزم به قضاء. و في حالة امتناعه فإن القانون كفل للمحكوم له حق إتباع إجراءات التنفيذ الجبري إما مباشرة أو عن طريق الحجز.


و في كل الحالات فإن الموازنة بين حقوق و التزامات أطراف التنفيذ أدرجت قواعد من خلالها يتمكن المحكوم له ( الدائن- الدولة بمفهومها الواسع ) أن يطلب – إذا ما توافرت شروط حددها القانون -تهديد المحكوم عليه ( المدين – الملزم بسداد الغرامة و/أو المصاريف القضائية ) في جسمه نتيجة لعدم الوفاء .أو ما يصطلح عليه ب " الإكراه البدني".(1)و الذي يمكن تعريفه بأنه "طريق من طرق التنفيذ يلجأ فيها إلى تهديد المحكوم عليه في جسمه بتحقيق حبسه إرغاما له على الوفاء بما هو ملزم به قضاءا بموجب أمر أو حكم أو قرار."

أو هو "وسيلة ضغط لإجبار المحكوم عليه على الوفاء بما في ذمته من التزام".
و أمام هذا التعريف وجب تحديد الطبيعة القانونية للإكراه البدني لما لها من أهمية بالغة في فهم العديد من المسائل القانونية المرتبطة بالموضوع.(1)
______________

(1)الطالب القاضي/مرابط عمار،الإكراه البدني في التشريع الجزائري وعلى ضوء العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ص01

الفرع الثاني: الطبيعة القانونية للإكراه البدني
هناك بعض التشريعات جعلت من طبيعة الإكراه البدني مزدوجة حسب السلطة التي أمرت به، فإذا صدر عن جهة الحكم فهو يعتبر جزاءا جنائيا يتضمن معنى العقوبة، وإذا أمرت به سلطة التنفيذ أي النيابة العامة اعتبر وسيلة تنفيذ وليس جزاء.
إلا أن هذا الرأي يعاب عليه في أن الإكراه البدني مجرد وسيلة للتنفيذ لا غير مهما اختلفت الجهة التي أمرت به أو النص الذي نظم أحكامه، و رغم أن تنفيذه سيودع الشخص السجن و يسلبه حريته إلا أنه لا يعد عقوبة و يختلف عن الحبس الوارد في المواد الجزائية من حيث السبب و الغاية، فالحبس التنفيذي أو الإكراه البدني سببه الامتناع عن الوفاء و الغاية منها إجبار المدين على الوفاء أما الحبس الجزائي فسببه إخلال الجريمة بالنظام العام و الأمن العام للمجتمع(1).
و بالرجوع لنص المادة 599 من قانون الإجراءات الجزائية نجدها تنص "يجوز تنفيذ الأحكام الصادرة بالإدانة و برد ما يلزم رده و التعويضات المدنية والمصاريف بطريق الإكراه البدني، و ذلك بقطع النظر عن المتابعات على الأموال حسبما هو منصوص عليه في المادة 597 " ثم تنص المادة 610 "يجوز أن ينفذ الإكراه البدني من جديد على المدين الذي لم ينفذ الالتزامات التي أدت إلى إيقاف تنفيذ الإكراه البدني عليه و ذلك بالنسبة لمقدار المبالغ الباقية في ذمته، فلو كانت عقوبة لما أكره المحكوم عليه ثانية لنفس الالتزام الذي أكره من أجله في المرة الأولى، لأنه من المبادئ القانونية أن الشخص لا يعاقب على نفس الوقائع المتابع من أجلها مرتين.
_______________
(1) د/ إدوارد غالي الذهني: مجموعة بحـوث قانونية ـ الطبعـة الأولى سنة 1987ـ توزيع دار الكتاب الحديث ـ ص 23.

أما بالنسبة للقضاء الفرنسي فقد وردت قرارات عن الغرفة الجنائية، منها القرار المؤرخ في 17 جوان 1953 و القرار المؤرخ في 12 ماي 1960 والقرار المؤرخ في 30 جويلية 1960 مفادها أن الإكراه البدني ليس بعقوبة ولكن وسيلة تنفيذ .
كما ورد في تقرير مجلس الشيوخ الأول في إطار التعليق على نص المادة 520 إجراءات جنائية أن "الإكراه البدني ليس عقوبة و إنما هو طريقة تنفيذ و لا يوجد محكوم عليه بالإكراه البدني".
لكن السؤال المطروح :هل الإكراه البدني طريق من طرق التنفيذ الجبري؟
يعد الإكراه البدني كآخر مرحلة في التنفيذ الجبري، أو هو طريق غير مباشر للتنفيذ المنصوص عليه في قانون الإجراءات المدنية، إلا أنه مجرد وسيلة للضغط على المدين أو نفسه للوفاء بما في ذمته من ديون لوقوعه على الجسد، و بالتالي فإن تنفيذه لا يبرئ ذمة المدين من الدين العالق في ذمته أي لا يحرم الدائن من التنفيذ من جديد على أموال مدينه.
فلو اعتبرناه طريق من طرق التنفيذ الجبري الواردة في قانون الإجراءات المدنية، فإن الحبس المنفذ على المحكوم عليه بالإكراه البدني يبرئ ذمته، إلا أنه بالرجوع لنص المادة 599 الفقرة الثانية من قانون الإجراءات الجزائية نجد خلاف ذلك إذ تنص "يتحقق تنفيذ هذا الإكراه البدني بحبس المحكوم عليه المدين، ولا يسقط الإكراه البدني بحال من الأحوال الالتزام الذي يجوز أن تتخذ بشأنه متابعات لاحقة بطرق التنفيذ العادية.
المطلب الثاني:موقف كل من الشريعة و القانون المقارن في الإكراه البدني.
الفرع الأول: موقف الشريعة الإسلامية من الإكراه البدني(1)
أجازت الشرائع السماوية بما فيها الشريعة الإسلامية اللجوء إلى الإكراه البدني بحبس المدين إرغاما له على الوفاء بالدين, الحبس بسبب الدين في الفقه الإسلامي ثلاثة أضرب وهي :

- حبس تلوم واختبار في حق المدين المجهول الحال. إذ للقاضي أن يحبس المدين الذي لا تعرف عسرته من يسرته بقدر ما يستبرأ أمره ويكشف عن حالته المادية.


- حبس تضييق وتنكيل في حق المدين القادر على الأداء والذي يدعي العدم ثم يثبت أنه كاذب في ادعائه.

- حبس تعزير وتأديب في حق المدين المماطل المتهم بإخفاء ماله. إذ يحبس حتى يقوم بالوفاء أو يثبت فقره .

و تتفق في ذلك المذاهب الأربعة و تقر بأن :


1)-الإكراه البدني جائز(2) إذا ما ثبت للقاضي دين الدائن و يسار المدين مع تأخره في الوفاء مستشهدين بقوله –صلى الله عليه و سلم- " مطل الغني ظلم".والمطل من المماطلة ومعناه الامتناع عن الوفاء. وفي امتناع الغني عن الوفاء ظلم والظلم لا يواجه إلا بالقهر والحبس صورة من صور القهر.


_______________
(1) د/ أحمد مليجي. التنفيذ وفقا لنصوص قانون المرافعات معلقا عليها بآراء الفقه وأحام النقض.ط01 عام 1994 . دار الفكر العربي ص:24-28

(2) جاء في المدونة الكبرى للإمام مالك – الجزء الرابع – الصفحة : 105.


"...لا يحبس الحر ولا العبد في الدين، ولكن يستبرىء أمره، فإن أتهم أنه قد أخفى مالا وغيّبه حبسه، وإن لم يجد له شيئًا لم يحبسه وخلى سبيله فإن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه ((وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة)). إلا أن يحبسه قدر ما يتلوم له من اختباره ومعرفة ما له وما عليه..."


2)- لا يجوز حبس المدين الفقير لأن فكرة الحبس شرعت للتوصل إلى أداء الدين لا لعينه، فهو ليس غاية في ذاته بل وسيلة إكراه ضد المدين المماطل على دفع الدين استنادا لقوله تعالى"و إن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة" و قوله-صلى الله عليه و سلم- لغرماء المدين الذي كثر دينه " خذوا ما وجدتم و ليس لكم إلا ذلك".

-بالإضافة إلى هدا أجازت الشريعة اليهودية الحبس بالإكراه البدني ودليل ذلك ما ورد في الإصحاح الخامس من سفر متى (( كن راضيا لخصمك ما دمت في الطريق لئلا يسلمك إلى القاضي فيلقي بك في السجن ولا تخرج من هناك حتى توفي الفلس الأخير...))(1)
_______________
(1) د/أحمد مليجي ,المرجع السابق, ص19
الفرع الثاني: موقف بعض التشريعات المقارنة من الإكراه البدني.
معظم التشريعات المقارنة أخدت بالإكراه البدني و اعتبرته وسيلة تنفيذ لا عقوبة و تاريخ الإكراه البدني يثبت دلك ,كون أن جل الدراسات المنصبة حول الموضوع تؤكد على أنه قديم قدم العلاقات القانونية بين الناس.

فالقانون الروماني فقد أجاز الحبس كوسيلة لإرغام المدين الموسر الممتنع عن الوفاء إذ يجوز للدائن بعد مضي 30 يوما من تاريخ حصوله على حكم قضائي بدينه أو التزامه الحق في القبض على مدينهو استرقاقه بعد 60 يوما من القبض إذا ما استمر في عدم الوفاء.

و تطورت بعد ذلك المفاهيم التي تحكم الإكراه البدني مع تطور المجتمعات و التشريعات .إلى حد الوصول لفكرة الإستمرارفي الأخذ به أو إلغاءه سيما في بعض المجالات.
- التشريع المصري لا يجيز الإكراه البدني في المواد المدنية إلا في حكم النفقة وملحقاتها أما المواد الجزائية فهو جائز في المبالغ المستحقة للحكومة من غرامة وما يجب رده والتعويضات والمصاريف ( المادة 519 قانون الإجراءات الجنائية المصري )

- في القانون الإنجليزي يحبس المدين إذا امتنع بسوء نية عن الوفاء بالدين المحكوم به لما في ذلك من ) contempt of court ازدراء للمحكمة(


- في التشريع الفرنسي كان الإكراه البدني جائز في المواد المدنية والجزائية إلى غاية صدور قانون 23 جويلية 1867 وألغي الإكراه البدني في المواد المدنية


- في القانون اللبناني ألغي الإكراه البدني في الديون التجارية والمدنية بموجب قانون أصول المحاكمات المدنية الصادر في 11 تشرين الأول ( أكتوبر ) 1934 وبقي جائزا فقط في : دين النفقة وملحقاتها. عدم تسليم قاصر. العطل والضرر الناجم عن جرم جزائي أو جرم مدني. الرسوم القضائية والغرامات.

_______________
(1)تقول القاعدة الرومانية : -manus injectioوتعني القبض على المدين.
- duci jubere وتعني حبس المدين في سجن خاص .
(2) د/ محمد حسنين. التنفيذ القضائي وتوزيع حصيلته في قانون الإجراءات المدنية الجزائري . مكتبة الفلاح.الطبعة الأولى 1984 ص : 43/46/47
المبحث الثاني: آثار الإكراه البدني بين الإلغاء و التطبيق.
المطلب الأول: آثار تطبيق الإكراه البدني و القيود الواردة عليه.
الفرع الأول: : آثار التنفيذ بطريق الإكراه البدني(1)
يترتب على توقيع الإكراه البدني إرغام المدين على دفع ما في ذمته تجاه الدائن و الذي قد يستجيب لذلك قبل توقيع الإكراه البدني أو قبل تنفيذه أو أثناء تنفيذه أو بعده طالما أن ذلك لا يعد وفاء(2).
و القاعدة العامة التي تحكم مسألة الإكراه البدني في مواجهة الدائن أو المدين، هو أن مباشرة التنفيذ بطريق الإكراه البدني لا يستلزم معه براءة ذمة المدين من الالتزام الواقع عليه إذا لم يقم هذا الأخير بالوفاء، حتى وإن استنفذ مدة الحبس المحكوم بها ضده، فالعبرة من توقيع الإكراه البدني هو تهديد المدين في نفسه لإرغامه على الوفاء فإن لم يأتي ذلك بنتيجة ظلت ذمته المالية المستقبلية ضامنة للوفاء بالتزاماته ما لم تسقط هذه الأخيرة بالتقادم. و ما على الدائن إلا تتبع إثراء ذمة مدينه بمنقولات أو عقارات لأجل أن يحجز عليها و يحصل على حقه طبقا للمادة 599/02 من ق إ ج.
هل يجوز توقيع إكراه بدني على إكراه بدني ؟
المبدأ العام هو أنه لا يجوز أن توقع على الشخص الدائن إجراءات التنفيذ بطريق الإكراه البدني مرتين لأجل الدين نفسه أو لأجل أحكام لاحقة على تنفيذ الإكراه البدني لأول مرة طبقا للمادة 611 من ق إ ج.
لكن استثناءا يجوز تنفيذ الإكراه البدني من جديد على المدين الذي لم ينفذ الالتزام الذي يقابل المبالغ المالية الباقية في ذمته، بعد أن أوقف تنفيذ الإكراه البدني لوفائه بجزء من الالتزام.

_______________
(1) د/ أحمد مليحي:التنفيذ وفقا لقانون المرافعات معلقا عليها بآراء الفقه و أحكام النقض. طبعة 01 عام 1994. دار الفكر العربي. ص: 38/39.
(2) أ/ سنقوقة سايح: الدليل العلمي في إجراءات الدعوى المدنية, طبعة1996, دار الهدى للطباعة و النشر, الجزائر . ص: 175/176.
الفرع الثاني: القيود الواردة على حبس المدين
يمكن للمدين المحكوم عليه أن يوقف إجراءات التنفيذ عليه بطريق الإكراه البدني في الحالات التالية:
ـإذا أثبت بعد تبليغه التنبيه بالوفاء و يوم تقديمه لوكيل الجمهورية للتنفيذ بأنه في حالة إعسار مالي، والذي يمكن إثباته وفقا لنص المادة 609 ق إ ج بتقديم شهادة الفقر مسلمة له من طرف رئيس المجلس الشعبي البلدي، أو شهادة الإعفاء من الضريبة مسلمة له من طرف مأمور الضرائب للبلدة التي قيم فيها.
ـ إذا قام المحكوم عليه بتقديم مبلغ يفي الوفاء بالدين الملزم به من أصل و مصاريف، فيمكن تدارك أو وقف إجراءات الإكراه البدني و هذا ما أجازته المادة 609 ق إ ج.
وهنا نلاحظ قصور المشرع في الأخذ بحالتين(1):
*تقديم كفيل للوفاء بالالتزام.
*تقديم طلب من الدائن لإخلاء سبيل مدينه.
و تجدر الإشارة أن المادة 603 من ق إ ج في ظل الأمر 66/155 المتضمن قانون الإجراءات الجزائية كان مضمونها يختلف عما ورد بها حاليا حيث نصت على أنه "تخفض مدة الإكراه البدني إلى النصف لصالح المحكوم عليهم الذين يثبتون لدى النيابة عسرهم المالي" فكانت مدة الإكراه البدني تخفض فقط و لا يعفي نهائيا، و النص الجديد أصبح يعفيه تماما، و هذا موقف إيجابي من المشرع اتجاه المدين فلا فائدة من إكراهه و قد قدم ما يثبت بأنه مدين بائس و معدم، فالأفضل أن يعفى من أن يبقى محبوسا بالمؤسسة بنصف المدة.
_______________
(1) د/ أحمد أبو الوفاء: المرجع السابق. ص: 24.
غير أن ما أثبتته الحياة العملية هو تعسف و تماطل المدين في سداد الدين، و من أجل تفادي الحبس يبادر بإحضار أكثر من شهادة تثبت عسره المالي، و قد تصل إلى إثبات عجزه عن الحركة.
ـ لا يمكن تطبيق الإكراه البدني، أي لا يمكن النطق به و لو بتوفر الشروط السابقة في حالة ما إذا توافرت إحدى الحالات المنصوص عليها في المادتين 600/4ـ5 ، 601 ق إ ج و التي لا يتعارض فحواها مع أحكام قانون الإجراءات المدنية و هي(1):
*إذا ما بلغ عمر المحكوم عليه الخامسة و الستون من عمره.
*ضد المدين لصالح زوجه أو أصوله أو فروعه أو إخوته أو أخواته أو عمه أو عمته أو خالته أو أخيه أو أخته أو إبن أحدهما أو أصهاره من الدرجة نفسها.
*ضد الزوج و زوجته في آن واحد حتى و لو كان ذلك لتغطية وفاء مبالغ متعلقة بأحكام مختلفة.
*هناك حالات نصت عليها المادة 16 من قانون تنظيم السجون 05/04 و التي تبين حالات التأجيل المؤقت لتنفيذ الأحكام المتعلقة بتطبيق الإكراه البدني وهي:
ـ إذا كان مصابا بمرض خطير، يتنافى مع وجوده في الحبس، و ثبت ذلك قانونا بتقرير طبي لطبيب
سخرته النيابة العامة.
ـ إذا حدثت وفاة في عائلته.
ـ إذا أصيب أحد أفراد عائلته بمرض خطير، أو عاهة مستديمة، و أثبت أنه هو المتكفل بالعائلة.
ـ إذا كان التأجيـل ضروريا لتمكيـن المحكوم عليه من إتمام أشغال فلاحية أو صناعية أو أشغال متعلقـة بصناعة تقليدية، و أثبت أنه ليس في وسع أحـد من أفراد عائلته أو مستخدميه، إتمام هذه الأشغال، و بأن توقف هذه الأشغال يتمخض عنه ضرر كبيـر له و لعائلته.
_______________
(1) د/ بوسقيعة أحسن . الوجيز في القانون الجزائي العام . ص: 32/33
ـ إذا أثبت مشاركته في امتحان هام بالنسبة لمستقبله.
ـ إذا كان زوجه محبوسا أيضا، و كان من شأن حبسه هو الآخر إلحاق ضرر بالغ بالأولاد القصر أو بأي فرد من أفراد العائلة الآخرين المرضى منهم أو العجزة.
ـ إذا كانت امرأة حاملا، أو كانت أما لولد يقل سنه عن أربعة وعشرين شهرا.

المطلب الثاني: إلغاء الإكراه البدني نتيجة الإنظمام إلى العهد الدولي.


الفرع الأول: قواعد الإلغاء


إن إدماج المعاهدة الدولية على المستوى الداخلي بعد نشرها(1)، يوجب دراسة المعطيات النظرية التي تحكم مسألة تنازع القوانين من حيث الزمان لأجل توضيح الحلول الواجبة في حالة التعارض الذي يمكن أن يحصل بين المعاهدة الدولية والقانون الداخلي.


فلقد نصت المادة الثانية من ق.م. على أنه "لا يسري القانون إلا على ما يقع في المستقبل ولا يكون له أثر رجعي ولا يجوز إلغاء القانون إلا بقانون لاحق ينص صراحة على هذا الإلغاء.


وقد يكون الإلغاء ضمنيا إذا تضمن القانون الجديد نصا يتعارض مع القانون القديم أو نظم من جديد موضوعا سبق أن قرر قواعده ذلك القانون القديم"


ويستخلص من نص المادة أن المشرع الجزائري عرف نوعين من الإلغاء هما(2):


أولا: الإلغاء الصريح: ونعني به تدخل إرادة المشرع صراحة في القانون اللاحق بواسطة مادة صريحة- للقول بأن القانون السابق أو بعض مواده- ملغى.


ثانيا: الإلغاء الضمني: وهو الصورة العكسية للإلغاء الصريح، أو هو "إلغاء يستنبط من وجود نصين أحدهما سابق والآخر لاحق يستحيل الجمع بينهما في وقت واحد" ويأخذ إحدى الصور التالية:
_______________

(1)أعتمد وعرض للتوقيع والتصديق والانضمام بقرار الجمعية العامة 2200 (ألف)المؤرخ في 16كانون الأول/ديسمبر سنة 1966. تاريخ النفاذ 23آذار/مارس 1976 طبقًا لنص المادة 49 منه.


(2) د/محمدي فريدة –زواوي- المدخل للعلوم القانونية –نظرية القانون- ط2002.01- المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية –وحدة الرغاية- الجزائر ص :63/64


1- إصدار المشرع لقانون جديد ينظم من خلاله نفس الموضوع الذي كان قد نظمه القانون القديم، فيعتبر في مثل هذه الحالة "القانون السابق ملغى بالقانون اللاحق" أو ما يصطلح عليه بحالة الإلغاء الضمني الكلي(1).


2- وجود تعارض بين القانون الجديد والقانون القديم، فيلزم حتما أن تكون الأحكام الجديدة والقديمة من نوع واحد من اجل تطبيق القواعد التالية:

أ‌- في حالة تعارض بين حكم قديم عام وحكم جديد خاص، يبقى الحكم القديم العام ساري المفعول إلا فيما جاء به الحكم الجديد طبقا للقاعدة الفقهية "النص الخاص اللاحق يقيد النص العام السابق" (راجع إلغاء الإكراه البدني في الالتزامات التعاقدية - ).

ب- في حالة تعارض بين حكم قديم خاص وحكم جديد عام فإننا نطبق قاعدة أن النص العام اللاحق لا يلغي النص الخاص السابق ويضل هذا الأخير ساري المفعول إعمالا للقاعدة الفقهية" النص الخاص السابق استثناء في النص العام اللاحق" (راجع إشكالية المواد التجارية).


كل هذه المعطيات والقواعد صالحة من حيث التطبيق في حالة وجود تعارض بين المعاهدة الدولية والقانون الداخلي. سيما وأن المعاهدة الدولية بذاتها أسمى من القانون الداخلي (شرط التماثل من حيث نوع الأحكام الجديدة والقديمة).


أما وكون القانون الداخلي لاحق على المعاهدة الدولية فمن الواجب إحترام "مبدأ تدرج القوانين" الذي يقتضي مطابقة القانون للمعاهدة الدولية السابقة له.

_______________

(1) د/مصطفى محمد الجمال. د/عبد الحميد محمد الجمال – النظرية العامة للقانون- ط01 . عام 1987 .الدار الجامعية بيروت.لبنان. ص: 210-211



الفرع الثاني: تحليل حكم هذا الإلغاء و النتائج المترتبة عنه.


إن تكريس مبدأ سمو المعاهدات الدولية على القوانين الداخلية وفقا لمقتضى أحكام المادة 132 من الدستور . والقول بأن المعاهدة الدولية تدمج ضمن المنظومة القانونية الداخلية , لتصبح تتمتع بالقوة الإلزامية التي يتمتع بها أي قانون داخلي واجب النفاذ . كل هذا يستدعي البحث عن الأثر القانوني لانضمام الجزائر إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية سيما ما تعلق بمسألة الإكراه البدني .


مبدئيا فإن المادة 11 من العهد نصت على أنه " لا يجوز سجن أي إنسان لمجرد عجزه عن الوفاء بالتزام تعاقدي " ، وعليه فإنها أقرت عدم جواز اللجوء للتنفيذ بطريق الإكراه البدني فيما يتعلق بعجز المحكوم عليه الوفاء بالتزام ما ويكون هذا الأخير ذو منشأ تعاقدي محدثة بذلك – أي نص المادة 11 من العهد – تعارض مع ما كان معمول به في المواد 407 إلى 412 من ق. إ.م مما جعل هذه الأخيرة ملغاة ضمنيا بموجب أحكام المادة 11 من العهد باعتباره قانون لاحق يسمو على القانون الداخلي(قانون الإجراءات المدنية)


و قد ترتب عن خذا الإلغاء الضمني ما يلي:


1/ إن القاعدة المكرسة في المادة 11 من العهد والمتعلقة بعدم جواز التنفيذ بطريق الإكراه البدني ( سجن إنسان ) نتيجة العجز عن الوفاء بالتزام تعاقدي قاعدة من النظام العام وجب على القاضي إثارتها ولو من تلقاء نفسه ،كما يمكن للمدعى عليه ( المطالب بمباشرة إجراءات التنفيذ بطريق الإكراه البدني ضده ) التمسك بها في أي مرحلة كانت عليها الدعوى ولو لأول مرة أمام المحكمة العليا


2/ القاعدة سالفة الذكر تلزم القاضي كما تلزم جهات التنفيذ ( النيابة العامة ) ، خاصة وأن بعض الجهات القضائية لا زالت تعمد إلى مباشرة التنفيذ بطريق الإكراه البدني في الالتزامات التعاقدية وغير التعاقدية ، ففي حالة عدم تقيد القاضي بقاعدة المادة 11 من العهد وجب على ممثل النيابة العامة باعتباره مسؤولا على التنفيذ إثارة مسألة عدم قابلية التنفيذ استنادا لنص المادة 11 من العهد .


3/ طالما وأن المادة 11 من العهد حصرت مجال عدم جواز التنفيذ بطريق الإكراه البدني إلا فيما تعلق بالعجز عن الوفاء بالتزام تعاقدي فإنه في المقابل من ذلك يبقى العجز عن الوفاء بالتزام غير تعاقدي قابلا لأن تباشر فيه إجراءات التنفيذ بطريق الإكراه البدني ، فالشخص الذي يسعى لتنفيذ حكم أو قرار قضائي أعطاه تعويض مالي نتيجة لمباشرته دعوى مدنية تبعية لدعوى جزائية طبقا لنصوص المواد 02 . 03 من ق . إ . ج . وكان منشأ هذا التعويض ( أو الإلزام بالوفاء ) غير تعاقدي كأن يكون عملا غير مشروع فإن الحق في طلب مباشرة إجراءات التنفيذ عن طريق الإكراه البدني نتيجة لعجز المحكوم عليه عن الوفاء يبقى قائما .


4/ إن عدم وجود أو كفاية المنقولات أو العقارات نتيجة لمباشرة إجراءات التنفيذ عليها بالحجز تعتبر قرينة قانونية على ثبوت العجز بعدم الوفاء بالالتزام ، يعتمد عليها بعد سنة 1997 لأجل التنفيذ بطريق الإكراه البدني إذا ما كان منشأ الالتزام غير تعاقدي .


وهنا قد يتقارب مفهوم العجز طبقا لنص المادة 11 من العهد مع مفهوم الإعسار المالي طبقا لنص المادتين 411 من ق.ا.م و 603 من ق.ا.ج لكن هذا التقارب يمكن لنا تفنيده ب:


أ / المدين المعسر ماليا والذي لم يسدد التزام تعاقدي ( قبل 1997 ) أو التزام غير تعاقدي أو مصاريف قضائية أو غرامات أو لم يرد ما يلزم رده تمنح له مهلة للوفاء أو يوقف التنفيذ بالإكــراه البدني في مواجـهته مؤقتا


- حسب كل حالة – بناءا على طلبه في ذلك ( فهي مسألة لا تتعلق بالنظام العام )


ب / أما المدين العاجز عن الوفاء بالتزام تعاقدي – فقط – بمفهوم المادة 11 من العهد فلا يجوز أصلا الحكم عليه بالإكراه البدني كوسيلة للتنفيذ كنتيجة لتطبيق حكم الإلغاء وهي قاعدة من النظام العام كما سبق شرحه.


وفي الأخير نشير إلى أن المشرع الجزائري قام-تأكيدا لهذا الإلغاء- بإصدار قانون 08/09 المؤرخ في 25 فبراير 2008 المتضمن لقانون الإجراءات المدنية و الإدارية تماشيا مع ما هو مقرر في العهد الدولي الخاص بالحقوق السياسية و المدنية (إلغاء المواد المتعلقة بالإكراه البدني في المواد المدنية).

_______________
(1) د / أحمد مليجي. المرجع السابق. ص: 50/54 ،بتصرف.




الفصل الثاني:


الإكراه البدني في ظل قانون الإجراءات الجزائية الجزائري:

لقد نظم قانون الإجراءات الجزائية الجزائري أحكام الإكراه البدني في المواد الجنائية في الباب الثالث من الكتاب السادس بالمواد من 597 إلى 611 كطريق للتنفيذ الجبري الواقع على شخص المحكوم عليه بحبسه ضمانا لتسديد المصاريف القضائية و الغرامات المالية و التعويضات المدنية ورد ما يلزم رده، إلا أن الإكراه البدني لا يسقط بأي حال من الأحوال الالتزام الذي يجوز أن تتخذ بشأنه متابعات لاحقـــة بطرق التنفيـــذ العادية.
ومنه يمكن القول الإكراه البدني هو وسيلة للضغط على المحكوم عليه لضمان التنفيذ وليس طريق من طرق التنفيذ(1) وهذا ما تبينه أحكام المادتين 599 فقرة 2 و المادة 609 من قانون الإجراءات الجزائية.
وبناءا عليه سنحـاول في هذا الفصل إبراز القواعــد المنظمة لموضوع الإكراه البدني في المواد الجزائية من خلال تحديد نطاق تطبيقه و تبيـان شروط وإجراءات تطبيقه.

المبحث الأول:


نطاق تطبيق الإكراه البدني في المواد الجزائية و الشروط المتعلقة به

لقد نصت المادة 600 من قانون الإجراءات الجزائية على أنه يتعين على كل جهة قضائية جزائية حينما تصدر حكما بعقوبة غرامة أو رد ما يلزم رده أو تقضي بتعويض أو مصاريف أن تحدد مدة الإكراه البدني،إلاأن تطبيق هذا الأخير لا يتم إلا باحترام مجموعة من الشروط المسطرة من طرف المشرع وفي نطاق محدد حصرا وهذا ما سنتعرض إليه في هذا المبحث.

_______________
(1) د/ محمد حسنين: التنفيذ القضائي و توزيع حصيلته. المرجع السابق. ص: 23.
المطلب الأول: نطاق تطبيق الإكراه البدني
الفرع الأول: مجال تطبيق الإكراه البدني
نصت المادة 599 من قانون الإجراءات الجزائية على إمكانية تنفيذ الأحكام الصادرة بالإدانة(1) أو برد ما يلزم رده أو التعويضات المدنية أو المصاريف القضائية بطريق الإكراه البدني و ذلك بحبس المحكوم عليه.
ومنه فإن مجال تطبيق الإكراه البدني محصور في مجالات أربع وهي:
1ـ الغرامة:
وهي العقوبات المالية الأصلية المقررة في مادة الجنح و المخالفات وفقا للمادة 05 من قانون العقوبات المعدل والمتمم بالقانون رقم06 /23 المؤرخ في 20 ديسمبر 2006 و المحددة على النحو التالي:
ـ في مادة الجنح قيمة الغرامة تتجاوز 20.000 دج .
ـ في مادة المخالفات قيمة الغرامة من 2000 إلى 20.000 دج.
ـ أما بالنسبـة للعقوبات الجنائية فالأصـل أنها لا تكـون مصحوبة بالغرامة، إلا أن قانون العقوبات خرج عن هذه القاعدة لا سيما بعد التعديلات التي أدخلت عليه بموجب القانون رقم 90/15 المؤرخ في 14 جويلية 1990، و الأمر رقم 95/11 المؤرخ في 25 فيفري 1995، والقانون رقم 01/09 المؤرخ في 26 جوان 2001، و كذا القانون رقم 06/01 المؤرخ في 20 فيفري 2006 المتعلق بالوقاية من الفساد و مكافحته، إذ نجده قد نص على عقوبة الغرامة مع السجن المؤقت و المؤبد(2) سيما المواد 87 مكرر 04 إلى87 مكرر 08 من قانون العقوبات والمواد 29 و25 و27 من القانون رقم 06/01.
_______________
(1) و الأصح هو "إدانة بالغرامة" حسب النص الفرنسي.
(2) د/ أحسن بوسقيعة: الوجيز في القانون الجزائي العام. طبعة 01 سنة 2002. د.و. أ. ت.الجزائر. ص: 209 و ما يليها.
2ـ رد ما يلزم رده:
المقصود بها الأحكام و القرارات الصادرة في الدعوى المدنية، والتي تقضي برد الحالة إلى ما كانت عليه قبل وقوع الجريمة، كالحكم القاضي برد المال المسروق أو المال الموجود في حيازة المتهم المدان كان قد استلمه من الضحية على أساس عقد من عقود الأمانة المنصوص عليها في المادة 376 من قانون العقوبات التي تقوم عليها جنحة خيانة الأمانة كعقد الوديعة أو الوكالة أو الرهن ...إلخ
3ـ التعويضات المدنية:
وهي التعويضات الممنوحة للطرف المدني الذي باشر دعواه المدنية إما بصفة تبعية للدعوى الجزائية، بأن يتأسس طرفا مدنيا أمام القاضي الجزائي للمطالبة بالتعويض عن الضرر الذي لحق به طبقا للمادة 02 و 03 من قانون الإجراءات الجزائية أو بصفة مستقلة أمام المحكمة المدنية طبقا للمادة 04 و05 من نفس القانون.
والفـرق بين :رد ما يلزم رده و التعـويض المدني يتمثل في أن الرد يمثل استحقاق الشيء بينما التعويض المدني فهو ما يقابل الضرر المـادي أو المعنوي الذي لحـق الضحية من جـراء الجريمة كما أن الرد يمكن أن يقتـرن مع التعـويض في حالة عدم استغراق الاسترداد لكل مجال الضرر الحاصل أما التعويض إذا ما حكم به لوحده في حـالة استحالة الرد فإنه يستغرق ما يقوم مقام الضرر بالإضافة إلى ما زاد عن ذلك من ضرر.
وتجدر الإشارة أن المشرع الفرنسي قد ألغى التنفيذ عن طريق الإكراه البدني فيما يتعلق بتحصيل مبالغ التعويض الناتجة عن جريمة و التي كان منصوص عليها بالمادة 52 من قانون العقوبات الفرنسي الملغاة بموجب الأمر رقم 529 المؤرخ في 04 جويلية 1960 في مادته الثانية عشر، و هناك قرار عن محكمة الاستئناف مؤرخ في 09 جولية 1960 و كذا قرار عن محكمة النقض مؤرخ في 16 فيفري 1960 اللذان أيدا هذا الموقف، إذ رفضت محكمة الاستئناف الاستجابة لطلب توقيع الإكراه البدني على أساس أن نص المادة 52 قد تم إلغاؤها ضمنيا وقد تم تكريس هذا الموقف بنص المادة 749 من قانون الإجراءات الجزائية الفرنسي بموجب القانون 85/1407.

4ـ المصاريف القضائية:
وهي المبالغ المالية المحكوم بها لصالح الخزينة العمومية وتكون على عاتق المتهم المدان أو المسؤول المدني وفقا لنص المادة 367 من ق. إ.ج .
و قد حدد القانون رقم 02/11 المؤرخ في 24 ديسمبر 2002 المتضمن قانون المالية لسنة 2003 في مادته 35 قيمة الرسم القضائي المنصوص عليه في المواد 213 و265 مكرر من قانون التسجيل علي النحو التالي:
ـ أمــام المحـــاكم: في قضايا المخالفات 500 دج.
في قضايا الجنح 800 دج.
ـ أمام المجالس القضائية:في قضايا المخالفات 700 دج.
في قضايا الجنح 1000 دج.
في القضايا الجنائية 1500 دج
ونلاحظ أن نص المادة 367 من ق.إ.ج حصرت إمكانية تحديد مدة الإكراه البدني بالنسبة للمتهم فقط دون إمكانية الحكم به على المسؤول المدني رغم تحميله المصاريف القضائية، كما لا يجوز تطبيق الإكراه البدني عليه في حالة عدم الوفاء بالتعويضات المدنية، ذلك أنه لا يمكن تصور صدور حكم أو قرار ينص على تحديد مدة الإكراه البدني في قضايا الأحداث طبقا للمادة 600 فقرة 03 من ق.إ.ج. رغم أن التعويضات المدنية تقع على عاتق مسئوله المدني، كما أنه لا يجوز تطبيق الإكراه البدني في الحالة التي تكون فيها شركة التأمين كمسئول مدني .
بالنسبة للمشرع المصري فقد نص في المادة 519 من قانون الإجراءات الجنائية على نوع آخر من الديون يجوز تنفيذها بالإكراه البدني وتتعلق بالنفقة(1) .
_______________
(1) د/ نبيل عمر ـ د/ أحمد هندي: المرجع السابق. ص: 14.

الفرع الثاني: السلطة المكلفة بتطبيق الإكراه البدني
كان الإكراه البدني في العصور البدائية ينفذ مباشرة بواسطة الدائن الذي يقوم بحبس مدينه (وضع اليد) دون تدخل أي سلطة، أما في عهد الشريعة الإسلامية فكان القاضي هو الذي يكره المدين بدنيا على يد دائنه و تحت ولايته و رقابته(1)، أما في ظل التشريعات الوضعية الحالية فقد أصبحت السلطة هي التي تتكفل بذلك و التي تختلف حسب طبعة الدين:
فمثلا بالنسبة للتشريع اللبناني فإنه إذا كان الدين يتعلق بنفقة، مؤجل المهر فإن رئيس دائرة التنفيذ هو الذي يتكفل بذلك.أما إذا كان الدين يتعلق بالعطل أي الضرر الناتج عن جرم جزائي أو مدني، فإن النيابة العامة هي التي تقرر حبسه و كذلك الرسوم القضائية و أتعاب المحامين.
و بالنسبة للتشريع الفرنسي فأن وكيل الجمهورية لدى المحكمة التي صدر عنها الحكم القاضي بالعقوبة هو الذي يمضي أوامر الحبس، أما بالنسبة لتنفيذها فيكون لوكيل جمهورية المحكمة التي يقع بدائرة اختصاصها موطن المدين أو آخر موطن له.
أما المشرع الجزائري فقد نص على وكيل الجمهورية وحده كسلطة للتنفيذ دون أن يخضع اختصاصه لأي معيار آخر ما عدا الإجراءات التي تطبق فيها أوامر القبض.
و بالرجوع لنص المادة 36 من ق إ ج نجد أن وكيل الجمهورية يتلقى المحاضر و الشكاوي البلاغات و يقرر ما يتخذ بشأنها و ذلك تطبيقا لمبدأ الملائمة في المتابعة، فهل يباشر إجراءات الإكراه البدني في إطار هذا المبدأ؟
القانون لم يتطرق لهذه النقطة فحتى النزاعات التي تثور حول صحة الإجراءات أو المسائل الفرعية المتعلقة بالإكراه البدني خص بها المشرع رئيس المحكمة، إلا أن وكيل الجمهورية يمكنه أن يمارس اختصاصه في هذا الشأن مقدرا في ذلك ظروف و شخص المحكوم عليه قبل إيداعه الحبس باسم مبدأ الملائمة بمناسبة القبض عليه و سماعه في محضر.
_____________
د/ أحمد خليل: المرجع السابق. ص: 08.

المطلب الثاني: شروط الحكم بالإكراه البدني(1)
الفرع الأول: الشروط الشكلية لتوقيع الإكراه البدني
حتى يتسنى للدائن استيفاء الديون المتعلقة بتحصيل مصاريف قضائية أو رد ما يلزم رده أو غرامة مالية أو تعويضات مدنية، لابد من توافر الشروط الشكلية المنصوص عليها في المادتين 599 و 604 من قانون الإجراءات الجزائية وهي:
1 ـ ضرورة وجود حكم أو قرار أو أمر جزائي حائز لقوة الشيء المقضي فيه: أي يكون للدائن سند تنفيذي ويشمل هذا الشرط الأحكام و القرارات الصادرة في الدعوى العمومية فيما يتعلق بالغرامات والمصاريف القضائية، و كذا الأحكام و القرارات الصادرة في الدعوى التابعة للدعوى العمومية فيما يتعلق بالتعويضات المدنية و رد ما يلزم رده.
و المقصود بالحكم الجزائي هو ذلك الحكم الصادر عن قسم المخالفات أو الجنح، أما القرار الجزائي فهو صادر عن الغرفة الجزائية في مادة الجنح أو المخالفات حائزين لقوة الشيء المقضي فيه.
أما الأمر الجزائي فهو ما صدر عن رئيس قسم المخالفات فيما يخص قضايا قانون المرور طبقا لأحكام المادة 392 مكرر من قانون الإجراءات الجزائية.
والأحكام و القرارات الصادرة في الدعوى العمومية يجب أن تكون حائزة لقوة الشيء المقضي فيه و التى تحكمها القواعد التالية:
*أن طرق الطعن العـادة و غيـر العادية (المعارضة الاستئناف الطعـن بالنقض ) في المواد الجزائية توقف التنفيذ طبقا للمـواد 409،425 ، 499/1 من قانون الإجراءات الجزائية.
إلا أن هذه القواعد لا تنطبق على الإكراه البدني المنصوص عليه في المادة الجمركية كون أن المادة 299 من قانون الجمارك أقرت بإمكانية تطبيق الإكراه البدني لتحصيل العقوبات المالية الصادرة ضد المتهم المرتكب لعملية تهريب بغض النظر عن كل استئناف أو طعن بالنقض، و هذا ما يشكل مساس بمبدأ حجية الشيء المقضي فيه و كذا خرق لحقوق الإنسان(1).
___________
(1) د/ أحسن بوسقيعة: المنازعات الجمركية . طبعة 02 سنة 2001. دار النشر النخلة. ص: 371 إلى 373.
يوقف تنفيذ الحكم أو القرار الجزائي في المدة المحددة للطعن طبقا للمواعيد المقررة لذلك بموجب المواد 411 و 412 بالنسبة للمعارضة، و المادتين 418 و419 بالنسبة للاستئناف، و المادة 498 من ق.إ.ج بالنسبة للطعن بالنقض، أو يوقف إلى حين صدور الحكم أو القرار بعد ممارسة طرق الطعن.
أما بالنسبة للأحكام والقرارات الصادرة في الدعوى المدنية التبعية للدعـوى العمومية فحيازته لقوة الشيء المقضي فيه تخضع للقواعد العامة المقررة في كل من قانون الإجراءات المدنية والجزائية :
فقبول المعارضة المقامة من طرف المتهم تجعل من الحكم الغيابي كأن لم يكن في جميع ما قضى به طبقا للمادة 409 /1 من قانون الإجراءات الجزائية.
الاستئناف يوقف تنفيذ الحكم الصادر في الدعوى المدنية إلا إذا أمرت المحكمة بأن يدفع مؤقتا كل أو جزء من التعويضات المدنية أو أمرت بمنح الطرف المدني مبلغ احتياطي قابل للتنفيذ رغم المعارضة و الاستئناف وفقا للمادتين 425 و 357/2 من قانون الإجراءات الجزائية.
إن الطعن بالنقض في الأحكام الجزائية يوقف التنفيذ فيما عدى ما قضى به الحكم أو القرار من حقوق مدنية طبقا للمادة 499 /1 من قانون الإجراءات الجزائية .
2 ـ أن يكون المدين قد باشر طرق التنفيذ: و التي تختلف حسب طبيعة الدين
* فإذا كانت مصاريف قضائية أو غرامات مالية فإن إدارة الضرائب ستتكفل بتحصيلها طبقا لقانون الضرائب المباشرة و عن طريق القابض كما يلي:
بمجرد أن تحال الملفات القابلة للتنفيذ على مصلحة تنفيذ العقوبات يتم تحضير ملخص معد لمصلحة الضرائب تدون فيه هوية المحكوم عليه، و مقدار الغرامات والمصاريف القضائية المحكوم بها عليه، وتلحق بجدول إرسال و ترسل إلى مصالح الضرائب محل إقامة المحكوم عليه.
و لكن بعد صدور المذكرة رقم 3663 المؤرخة في 10/07/2000 أصبحت مصلحة تنفيذ العقوبات تعد الملخصات و ترسلها إلى مديرية الضرائب بمعرفة النائب العام لدى المجلس القضائي، فتوزع على مديرية التحصيل فيحيلها نائبها على مكتب التصفية ويبعثها إلى قابضات الضرائب محل إقامة المحكوم عليه، و يتولى القابض التحصيل و يبدأ في إجراءات المتابعة بتوجيه إنذارات إليه ومنحه مهلة ثمانية أيام(08) للتقدم إليه والوفاء بالمبالغ المحكوم بها عليه، فإذا انتهت المدة و لم يستجب يوجه له إلزام بالدفع وتمنح له مهلة ثلاثة أيام، فإذا لم يستجب تضاف إلى المبالغ المدين بها غرامة تأخيرية تقدر ب:10% وهكذا تكون إدارة الضرائب قد استنفذت طرق التنفيذ التي انتهت بدون جدوى و تشرع في مباشرة إجراءات التنفيذ بالإكراه البدني.
* أما إذا كان الدين تعويضات مدنية أو رد ما يلزم رده، فهنا يجب على الدائن أن يستوفي طرق التنفيذ العادية الوارد ذكرها في قانون الإجراءات المدنية، و أن تنتهي هذه الإجراءات بنتائج سلبية و تكون بدون جدوى .
3 ـ أن يقدم الدائن المباشر للتنفيذ أو كما أسماه المشرع الجزائري في نص المادة 604 من قانون الإجراءات الجزائية "طرف الخصومة" طلبا إلى السيد وكيل الجمهورية بحبس المحكوم عليه، فيمنحه مهلة عشرة أيام للتسديد بموجب التنبيه بالوفاء وإلا نفذ ضده الإكراه البدني.
_______________
(1)الطالبة القاضية/حمام صباح،مذكرة تخرج من المدرسة العليا للقضاء في الإكراه البدني في ظل القانون الجزائري، ص30-31
الفرع الثاني: الشروط الموضوعية لتوقيع الإكراه البدني
01 ـ يشترط أن يكون الحكم قد قضى بالإدانة و معناه أن الأحكام القاضية بالبراءة لا تكون محلا للإكراه البدني .
لكن المشكل قد يثور بالنسبة لقضايا حوادث المرور التي تصدر بالبراءة مع إلزام من تمت تبرئته بالتعويضات طبقا للقانون 88/31 المؤرخ في 19 /07/1988 المعدل والمتمم للأمر رقم 74/15 المؤرخ في 30/01/1974 المتعلق بإلزامية التأمين على السيارات و نظام التعويض على الأضرار، لأن الضرر هنا قائم على أساس نظرية المخاطر و ليس الخطأ فهل تكن هذه التعويضات محل إكراه بدني؟
02 ـ أن يكون الدين متعلقا بغرامات مالية أو مصاريف قضائية أو تعويضات مدنية أو رد ما يلزم رده على النحو الذي تمت الإشارة إليه أعلاه طبقا للمادة 600 من قانون الإجراءات الجزائية.
03 ـ عدم وجود قيد على الحكم بالإكراه البدني أو تطبيقه(1) :فلا يجوز توقيع الإكراه البدني أو تطبيقه حسب نص المادتين 600 و601 من قانون الإجراءات الجزائية .
في الحالات التالية:
*إذا كان المحكوم عليه مرتكبا لجرم سياسي(2) : وتجدر الإشارة أن المشرع الجزائري لم يعرف الجريمة السياسية، غير أنه بالرجوع إلى ما استقر عليه الفقه الجنائي يمكن القول أن كل ما ورد في الفصل الأول من الباب الأول الكتاب الثالث من قانون العقوبات بعنوان الجنايات والجنح ضد أمن الدولة، منها جرائم الخيانة و التجسس، و جرائم التعدي على الدفاع الوطني و الاقتصاد ى الوطني، الجرائم الموصوفة بأفعال إرهابية وتخريبية، جنايات المساهمة في أعمال التمرد طبقا للمواد 61 ـ65ـ87مكرر ـ88 من قانون العقوبات يدخل ضمن الجرائم السياسية.

_______________
(1) هذه القيود تسري مثلها مثل تطبيق الإكراه البدني على المتهم سواء كان فاعل أصلي أو شريك أو محرض ..
(2) د/ أحسن بوسقيعة: الوجيز في القانون الجزائي العام. ص: 32/33.
وقد اعترف المشرع الجزائري بالجريمة السياسية في المادتين 59 و 698 من ق.إ.ج واعتمد المعيار الموضوعي للتفرقة بينها وبين جرائم القانون العام.
* إذا كانت العقوبة المحكوم له بها الإعدام أو السجن المؤبد: وقد تم تكريس هذا القيد في العديد من قرارات المحكمة العليا منه القرار المؤرخ في 11/03/1968 .والقرار رقم 270 المؤرخ في 13/05/1986 (غير منشور ) "من المستقر عليه قضاءا أن الإكراه البدني في حالة الحكم بعقوبة الإعدام أو السجن المؤبد لا يؤدي إلى بطلان الحكم كلية وإنما ينقض جزئيا و يبطل على وجه الإقطاع فيما يخص الإكراه البدني بدون إحالة "
*إذا كان عمر الفاعل يوم ارتكاب الجريمة أقل من 18 سنة: و العبرة في تحديد السن هو وقت ارتكاب الوقائع المسندة للفاعل لا وقت صدور الحكم، حتى وان قضى في مواجهة الحدث بعقوبة الغرامة طبقا لنص المادة 469 من ق.إ.ج و المادة 50 من ق.ع(1)
كان نص المادة 600 في ظل الأمر 66/156 المتضمن قانون الإجراءات الجزائية مصوغا كالتالي "..إذا كان عمر مرتكب الجريمة يوم تنفيذ الحكم " ثم عدل بالأمر 69/ 74 وأصبح "...يوم ارتكاب الجريمة " والحكمة من ذلك هو أن المشرع أخذ بعين الاعتبار الجوانب الإنسانية، و حاول أن يحقق توازنا بين مصلحتين متعارضتين بوضع حد لأي تعسف من الدائن في استيفاء حقه و أي تماطل للمدين في آن واحد.
_______________
(1) باعتبار أن التعويضات المدنية يتحملها المسؤول المدني طبقا للمادة 476 من ق إ ج. والمصاريف القضائية تكون على عاتق الخزينة العمومية طبقا للمادة 492 من ق إ ج.

*إذا كان عمر المحكوم عليه يفوق 65 سنة وهنا نميز بين حالتيـن:
ـ إذا كان عمره يفـوق 65 سنة وقت صدور الحكم فلا يجو ز الحكم عليه بالإكراه البدني.
ـ إذا كان عمر المحكوم عليه وقت التنفيـذ 65 سنة: فلا يجـوز تنفيـذ حكم الإكراه البدني عليه.
*ضد المدين لصالح زوجه أو أصوله أو فروعه أو إخوته أو أخواته أو عمه أو عمته أو خالته أو أخيه أو أخته أو من ابن أحدهما أو أصهاره من الدرجة نفسها.
وحكم هذه الفقرة ينصرف إلى ما تعلق بالتعويضات المدنية أو رد ما يلزم رده، ولا يشمل الحكم بالإكراه البدني في مجال الغرامة و المصاريف القضائية، وهذا ما أكدته المحكمة العليا في قرارها المؤرخ في 30 ديسمبر 1996 "إذا كانت المادة 600 قانون الإجراءات الجزائية لا تجيز فعلا في فقرتها 05 الحكم بالإكراه البدني أو تطبيقه ضد المدين لصالح زوجه فإن الأمر مختلف في قضية الحال لأن الإكراه البدني المحكوم به لا يتعلق بالاسترداد أو بالتعويض المدني و إنما بالمصاريف القضائية، و متى كان ذلك فإن القرار المطعون فيه الذي قضى بالإكراه البدني ضد المدعي في الطعن لم يخرق القانون "
*ضد الزوج أو زوجته في وقت واحد: ففي حالة التمسك بهذه الفقرة أمام قاضي الحكم فلا يجوز لهذا الأخير أن يحكم بالإكراه البدني ضد الزوج الموجود في الإفراج، و في حالة التمسك بها أمام جهة التنفيذ فلا يجوز تطبيق الإكراه البدني في مثل هذه الحالة.
ويترتب على عدم التقيد بنص المادتين 600 و 601 من قانون الإجراءات الجزائية أن ذلك يعد وجه من أوجه الطعن بالنقض الجزئي دون إحالة و هذا طبقا للقرارات الصادرة عن المحكمة العليا بتاريخ 01 فيفري 1983، و 26 جوان 1984 بنصها علي ما يلي "يتعرض للنقض الجزئي على وجه الإقطاع و بدون إحالة الحكم القاضي بالسجن المؤبد و الإكراه البدني "
في حالة عدم الفصل في مسألة الإكراه البدني فإن ذلك لا يؤثر على سلامة القرار ما دام أنه لكل ذي مصلحة رفع الأمر للجهة القضائية التي أصدرت حكما في الموضوع كي تستكمله في شقه المتعلق بالإكراه البدني، و هذا ما كرسته المحكمة العليا في قرارها المؤرخ في 12 جانفي 1988.

المبحث الثاني:


إجراءات التنفيذ بطريق الإكراه البدني في المواد الجزائيـة.

سوف نقتصر على ذكر الأحكام الخاصة بالمواد الجزائية والتي يمكن إيجازها في النقاط التالية:
المطلب الأول: الأحكام المنظمة لإجراءات التنفيذ بالإكراه البدني في المواد الجزائية.
الفرع الأول: القواعد الخاصة بالمواد الجزائية.
المشرع الجزائري لم يحصر طالب التنفيذ عن طريق الإكراه البدني بحبس المحكوم عليه في أشخاص معينة، فقد يكون شخصا طبيعيا وقد يكون شخصا معنويا، ما يهم هو أن يكون حاملا لسند تنفيذي مضمونه تعويضات مدنية أو غرامة مالية أو مصاريف قضائية أو رد ما يلزم رده :
أما الأشخاص المعنوية فتتمثل في:
ـ المؤسسات المالية الدائنة له بقروض نقدية مثلا.
ـ إدارة الضرائب فيما يتعلق بتحصيل الغرامات و المصاريف القضائية(1) طبقا لنص المادة 597 من قانون الإجراءات الجزائية، فإذ كان الدين يتضمن مصاريف قضائية أو غرامة مالية فإنها تلتمس من السيد وكيل الجمهورية حبس المحكوم عليه بعد استنفاذ إجراءات المتابعة السالفة الذكر من طرف قابض الضرائب اتجاه المحكوم عليه، و ذلك بموجب استمارة يملؤها قابض الضرائب يدون فيها هوية المحكوم عليه و المبالغ المدين بها و يمضي عليها مع المدير و تؤشر من قبل وكيل الجمهورية الذي يحبسه بموجبها.
_______________
(1) مقال منشور في مجلة الملتقى الجهوي لقضاة النيابة والتحقيق. وزارة العدل. مديرية البحث. 1997 ص:21/22.
أما إذا تعلق الأمر بتعويضات مدنيـة أو رد ما يلزم رده، فإن طالب التنفيـذ يقدم عريضة يلتمس من خلالها حبس المحكوم عليه مرفقة بالسندات التنفيذية و كذا ما يثبت أنه قد استنفذ طرق التنفيذ الجبرية و انتهت بدون جدوى، ثم بعد تبليغ المحكوم بالتنبيه بالوفاء السابق الذكر الذي لا يلقى استجابة منه، فإن وكيل الجمهورية يحرر أمرا بحبسه يوجه لمدير المؤسسة العقابية .
ـ إدارة الجمارك فيما يتعلق بتحصيل العقوبات المالية الجمركية طبقا للمادة 299 من قانون الجمارك ، و تنص المادة 293 مكرر على أنه تنفذ الأحكام والقرارات المتضمنة حكما بالإدانة و الصادرة عن مخالفة جمركية بكل الطرق القانونية ما عدا الإكراه البدني، فالإكراه المنصوص عليه بالمادة 262 لا نقصد به الإكراه البدني بل طريق عادي تباشره إدارة الجمارك لتحصيل الحقوق والرسوم و المبالغ الأخرى المستحقة، بتقديم أمر صادر عن قابض الجمارك إلى رئيس المحكمة للتأشير عليه و يبلغ طبقا لنص المادة 279 من قانون الجمارك.
أما بالنسبة للأشخاص الطبيعية فتتمثل في الطرف المدني فيما يتعلق بتحصيل التعويضات المدنية أو رد ما يلزم رده، مدعما طلبه بالحكم أو القرار النهائي الذي أعطاه التعويضات المدنية و تقديم ما يثبت أنه استنفذ طرق التنفيذ الأخرى وهي الحجز على المنقول ثم على العقار.
ـ إذا كانت أموال المحكوم عليه غير كافية لتغطية كافة المبالغ الملزم بدفعها فإنه طبقا للمادة 598 من ق .إ. ج يخصص المبلغ الموجود فعلا حسب الترتيب الآتي : المصاريف القضائية ثم رد ما يلزم رده ثم التعويضات المدنية ثم الغرامة.
ـ أن الدفع بالعسر المالي في مرحلة التنفيذ لأجل وقفه لا يستفيد منه الأشخاص الذين حكم عليهم بسبب جناية أو جنحة اقتصادية أو أعمال الإرهاب و التخريب أو الجريمة العابرة للحدود الوطنية وكذا الجنايات والجنح المرتكبة ضد الأحداث طبقا للمادة 603 فقرة 02 من قانون الإجراءات الجزائية.
الفرع الثاني: القبض على المحكوم عليه وحبسه
الأصل أنه من بين مهام رجال الضبطية القضائية المنوه عنها في قانون الإجراءات الجزائية أنها تسعى للبحث عن المتهمين و المشتبه فيهم للقبض عليهم و تسليمهم للعدالة ، إلا أن المشرع حسب المادة 604 من نفس القانون قد خول لهم أيضا القبض على المحكوم عليهم بمبالغ مالية لإكراههم بدنيا.
وتطبق في ذلك إجراءات تنفيـذ أوامر القبض التي تحكمها المـواد من 119 إلى122 ق إ ج ، لكن لابد لذلك من توافر شرطين أساسيين و هما:
ـ تقديم طلب لوكيل الجمهورية لحبس المحكوم عليه.
ـ توجيه تنبيه بالوفاء من السيد وكيل الجمهورية يبلغه فيه أن له مهلة 10 أيام للتسديد تسري من تاريخ التبليغ ، فإذا انتهت المدة دون جدوى ودون أن يقدم ما يثبت إعساره طبقا لما نصت عليه المادة 603 ق إ ج الذي يترتب عنه وقف تنفيذ الإكراه البدني لصالح المحكوم عليه ، تم الشروع في مباشرة إجراءات التنفيذ و الأمر بحبسه و عندها يسلم لمدير المؤسسة العقابية بموجب أمر الحبس الصادر عن وكيل الجمهورية فيودع بها حتى صدور أمر مخالف.
و إذا كان المدين محبوسا لسبب آخر جاز للدائن أن يعارض في الإفراج عنه و منه يصدر أمرا من النيابة العامة إلى مدير المؤسسة العقابية بإبقاء المحكوم عليه في الحبس طبقا للمادة 605 ق إ ج.
مــدة الحبس(1):
على كل جهة قضائية جزائية حينما تصدر حكمها القاضي بعقوبة الغرامة أو رد ما يلزم رده أو التعويضات المدنية أو المصاريف أن تحدد مدة الإكراه البدني وفقا لنص المادة 602 ق إ ج كما يلي:
ـ مـن يومين إلى عشرة أيام إذا لم يتجاوز مقدار الغرامـة أو الأحكام المالية الأخـرى 5000 د ج.
ـ من عشرة أيام إلى عشرين يوما إذا كان مقدارها يزيد عن 5000 دينار و لا يتجاوز 10.000 د ج.
ـ من عشرين إلى ستين يوما إذا زاد على 10.000دج و لم يتجاوز 15.000 د ج .
ـ من شهرين إلى أربعة أشهر إذا زاد عن 15.000 د ج و لم يتجاوز 20.000 د ج
ـ من أربعة أشهر إلى ثمـانية أشهر إذا زاد على 20.000 د ج و لم يتجـاوز 100.000 د ج.
ـ من ثمـانية أشهر إلى سنة واحـدة إذا زاد على 100.000 د ج و لم يتجاوز 500.000 د ج .
ـ من سنة واحدة إلى سنتين إذا زاد على 500.000 د ج و لم يتجاوز 3.000.000 د ج.
ـ من سنتين إلى خمس سنوات إذا زاد المبلغ على 3.000.000 د ج.
ـ وإذا كان الأمر يتعلق بقضايا المخالفات فلا يجوز أن تتجاوز مدة الإكراه البدني شهرين في كل الحالات.
أما الإكراه البدني المطبق في الوفاء بعدة مطالبات سواء تضمنها حكم قضائي واحد أو عدة أحكام قضائية فإن مدته تبعا لمجموع المبالغ المحكوم بها.
إلا أن الممارسة القضائية أثبتت أن مدة الإكراه البدني غالبا ما تحدد بحدها الأقصى و هذا ما لا يتماشى و غاية المشرع في نص المادة 602 ق إ ج التي حددت مدة للحبس تختلف باختلاف المبالغ المحكوم (المعيار المالي). (1)
الفرع الثالث: المركز القانوني للمكره بدنيا داخل المؤسسة العقابية
صنفت المـادة الرابعة مـن القـرار الوزاري رقم 025 المـؤرخ فـي 31 /12/1989 المتضمن القانون الداخلي للمؤسسات العقابية المكره بدنيا ضمن قائمة المحبوسين، إذ نصت على أنه "يعتبر محبوسين في نظر هذا القانون:
ـ الشخص المحبوس احتياطيا.
ـ الشخص المحبوس المحكوم عليه.
ـ الحدث المحكوم عليه بعقوبة سالبة للحرية.
ـ الشخص المكره بدنيا ".
و بالتالي فهو سيخضع للقانون 05/04 المؤرخ في 06/02/2005 المتضمن قانون تنظيم السجون وإعادة الإدماج الاجتماعي للمحبوسين، و قد نصت المادة 14 من القرار الوزاري "يخضع المسجون المكره بدنيا لنفس نظام المحكوم عليهم و لا يمكن إلحاقه بعمل إلا إذا طلب ذلك و يستخدم بنفس الشروط المقررة للمحكوم عليه " و قد وردت هذه المادة تحت عنوان القواعد الخاصة ببعض أصناف المساجين، و يعني ذلك أنه رغم اعتباره محبوسا إلا أنه مصنف تصنيفا خاصا.
و المكره بدنيا يودع بمؤسسات ذات بيئة مغلقة، فقد يكون في مؤسسة وقائية مع المحبوسين مؤقتا و المحكوم عليهم نهائيا بعقوبة سالبة للحرية تساوي أو تقل عن سنتين و من بقي منهم لانقضاء مدة عقوبتهم سنتان أو أقـل.و كذا بمؤسسات إعادة التربية مع المحبوسين مؤقتا، و المحكوم عليهم نهائيا بعقوبة سالبة للحرية تساوي أو تقل عن خمس سنوات، و من بقي منهم لانقضاء عقوبة خمس سنوات أو أقل. كما يمكن استقبالهم في مراكز متخصصة وهذا وفقا للمادة 28 من القانون 05/ 04.
و نظرا لهذا التصنيف الخاص فإنه لا يخضع للنظام التدريجي الذي يشمل الأطوار الثلاث من الحبس (السجن الانفرادي ليلا و نهارا ـ نظام الاحتباس الانفرادي ليلا فقط ـ نظام الاحتباس الجماعي) طبقا لنص المواد 44 إلى 50 من القانون رقم 05/04.
كما لا يمكن إلحاق المكره بدنيا بعمل (التسخيرة) إلا بناءا على طلبه و في حدود الشروط المقررة للمكوم عليه طبقا للمادة 140 من القرار الوزاري رقم 025 .
و قد نصت المادة 94 من مؤتمر الأمم المتحدة الأول لمكافحة الجريمة ومعاملة المجرمين في جنيف مؤرخ في 30/08/1955 على "في البلاد التي ينص تشريعها على توقيع الحبس بسبب الديون، أو ينص على صور أخرى من الحبس الذي يصدر به حكم قضائي في دعوى غير جنائية، لا يجوز أن يخضع المسجونون في هذه الحالات لصور أو لنوع من المعاملة تزيد في شدتها عن الحد اللازم لحفظ الأمن والنظام، و يجب ألا يعاملوا بأقل مما يعامل به المتهمون مع مراعاة ما قد يلتزمون به من عمل".

مصاريف التكفل بالمكره بدنيا:
كانت المادة 608 من ق إ ج تلزم طالب الإكراه البدني أي المحكوم له بتقديم مبلغ كافي لتغطية مصاريف إيداع مدينه المحكوم عليه بالحبس، و في حالة عدم تقديم المبلغ يفرج عن المحكوم عليه إلا إذا أثبت الدائن عسره المالي حينها تكون المصاريف على عاتق المؤسسة العقابية(1). وقد فعل المشرع حسنا حين ألغاها كونها تشكل إرهاقا لكاهل الدائن الذي يسعى من جهة للحصول على حقه و من جهة أخرى نلزمه مصاريف حبس مدينه، رغم أن هذا الإلغاء قد كرس فراغا قانونيا فيما يتعلق بهذه المسألة(2).
_______________
(1)المادة ملغاة بموجب الأمر 75/46 المؤرخ في 17/07/1975 المتضمن قانون الإجراءات الجزائية.
(2)الطالبة القاضية/ حمام صباح، المرجع السابق ص38-39
المطلب الثاني: المنازعات المتعلقة بالإكراه البدني.
قد يحصل إشكال أثناء القبض على المكره بدنيا أو أثناء حبسه، فيساق حينها إلى رئيس المحكمة التي وقع بدائرة اختصاصها القبض عليه وحبسه، إذ نصت المادة 607 ق إ ج على أنه "إذا حصل نزاع سيق المحكوم عليه بالإكراه البدني المقبوض عليه أو المحبوس إلى رئيس المحكمة التي بدائرتها محل القبض عليه أو حبسه"
و عليه يتبين أن المادة تضمنت نوعين من المنازعات:
الفرع الأول: المنازعات المتعلقة بصحة إجراءات الإكراه البدني
و يتعلق الأمر بالإجراءات المذكورة سابقا، فللمكره بدنيا المقبوض عليه أو المحبوس أن يدفع بعدم احترام شروط المادتين 604 ،605 من ق إ ج.أو بعدم احترام شرط نص المادة 407/02 من ق إ م.
لم تبين المادة 607 من ق إ ج الأحكام المنظمة لإجراءات المنازعة، إلا أن الممارسة القضائية أثبتت في هذا المجال تقديم المحكوم عليه المقبوض عليه أو المحبوس طلب كتابي إلى السـيد وكيل الجمهورية يهدف من خلالـه إلى عدم التنفيذ عليه كونه سدد ما عليه بعد صدور الأمر أو القرار القاضي بحبسه، أو يقدم ما يثبت أنه مدين بائس حسن النيـة لممارسة حقه في رفع دعوى منح مهلة للوفـاء (نظرة الميسرة) طبقا للمـادة 411 من ق إ م أو يقدم ما يثبت سداد الغرامة أو المصاريف القضائية بعد تقديم إدارة الضرائب طلب بحبسه، و يفصل رئيس المحكمة في الطلب على وجه الاستعجال بقرار واجب النفاذ رغم المعارضة و الاستئناف.
و بالرجوع للمادة 756 من قانون الإجراءات الجزائية الفرنسي نجد أن المشرع منح الاختصاص في هذه الحالة لرئيس المحكمة حتى يفصل فيها طبقا لأشكال و شروط المادتين 710 و 711 من نفس القانون، و التي تخص الفصل في عوارض تنفيذ الأحكام و ضم العقوبات و ذلك بموجب عريضة تصدر عن ممثل النيابة يلتمس فيها تعليق التنفيذ.

الفرع الثاني: المنازعات المتعلقة بمسألة فرعية
نصت المادة 607/3 من ق إ ج على أنه في حالة وجود نزاع في مسألة فرعية تستلزم تفسيرا تطبق أحكام المادة الخامسة عشر من قانون تنفيذ الأحكام الجزائية(1).
و التي تضمنت التأجيل المؤقت لتنفيذ العقوبة، وذلك بإصدار مقرر تأجيل تنفيذ الإكراه البدني على المحكوم عليه المقبوض عليه أو الإفراج على المحبوس لسبب آخر في حالة استكماله للعقوبة المحكوم بها عليه .
و المسألـة الفرعية هي التي يمكـن مع توافرها تأجيـل تنفيـذ الإكـراه البدني إلى حين الفصل فيها من طرف الجهة القضائيـة المعروضة عليها، باعتبار أن التنفيـذ متوقف عليها، مثـل الاستشهاد برفع دعـوى تثبيت زواج عرفي للاستفادة من حكم المادة 601 من ق إ ج .
كما قد يلتمس المكره بدنيا أو ذوي حقوقه من وكيل الجمهورية توقيف آثار الإكراه البدني متى أبدى المدين استعداده لدفع المبالغ، فبعد تحقق وكيل الجمهورية من أداءه المبالغ فعلا يفرج عنه بموجب "أمر رفع اليد عن المحبوس" .
ملاحظة:
كان نص المادة 607 قبل التعديل يشير إلى طريق آخر يمكن للمحكوم عليه أن يتدارك به الإكراه البدني و هو رضاء الدائن و الذي قصد منه الإبراء.
و قد يشرع الدائن في مباشرة إجراءات اتنفيذ بطريق الإكراه البدني، لكه لا يصل إلى استيفاء حقوقه في حالتين:
1 ـ عندما تكون ذمة المدين محدودة و بالتالي لابد من احترام الترتيب الوارد بالمادة 598 ق إ ج فتستغرق مبالغ المصاريف القضائية، و رد ما يلزم رده كامل ذمة المدين فلا يجد بالتعويضات مالا يكره عليه المدين.
_____________
(1 )الأصح هو الأمر 72/02 المؤرخ في 10/02/1972 المعدل و المتمم بموجب القانون رقم 05/04 المؤرخ في 06/02/2005 المتضمن قانون تنظيم السجون وإعادة الإدماج الاجتماعي للمحبوسين، و محتوى نص المادة 15 تخص حالات تأجيل العقوبة السالبة للحرية.
2 ـ عندما يقدم الدائن لوكيل الجمهورية ما يثبت عسره المالي.
لكن رغم ذلك فإن المادة 599 ق إ ج تركت للدائن الطريق مفتوحا لتحصيل ما له في ذمة مدينه بطرق التنفيذ العادية.
لكن ماذا لو صدر حكم بالإدانة و باشر الدائن الإكراه البدني على المحكوم عليه ثم صدر عفو فهل يمتد أثر هذا العفو إلى توقيع الإكراه البدني؟
ردت على ذلك محكمة باريس في 24/01/1901 "لا تتأثر بصدور قانون العفـو إجراءات توقيع الإكراه البدني " فهو ليس عقوبة و بالنتيجة لا يجـوز أن تمتد آثار العفو إلى الإكراه البدني(1).
إذا تعلق الأمر بمباشرة إجراءات توقيع الإكراه البدني لتحصيل التعويضات المدنية وصدر عفوا فهل يمتد أثره لهذه الإجراءات فتوقف، و لا يكره المحكوم عليه بدنيا؟
صرحت محكمة الجزائر في 27/02/1980 على أن صدور العفو يمحو عن الفعل الذي سبب الضرر صفة الجريمة و بالتالي يسقط الارتباط بين الدعوى المدنية و الدعوى العمومية التي شملها العفو، لذا يوقف تنفيذ الإكراه البدني لتحصيل مبالغ التعويضات المدنية.
_______________
(1)حسب رأي الفقيه الفرنسي Esmein.

بعد هذا العرض الوجيز لأحكام الإكراه البدني في القانون الجزائري لا سيما بعد ربطه بما هو جاري العمل به في الواقع العملي تم التوصل إلى استخلاص جملة من الملاحظات يمكن إدراجها في شكل اقتراحات نبينها في النقاط التالية:
01) ـ تعديل نص المادة 609 من قانون الإجراءات الجزائية لتصبح على النحو التالي: "يجوز وقف تنفيذ آثار الإكراه البدني في الحالات التالية:
ـ إذا ما دفع المحكوم عليه مبلغ كاف لسداد ديونه من أصل و مصاريف.
ـ إذا ما قدم المحكوم عليه كفيلا يضمن الوفاء بدينه.
ـ إذا ما قدم الدائن طلب بإخلاء سبيل مدينه.
و يفرج وكيل الجمهورية عن المكره بدنيا بعد التحقق من توافر الحالات السابقة"
02) ـ في الأخير تجدر الإشارة إلى أن التنفيذ بطريق الإكراه البدني الذي يعد وسيلة ردعية أثبتت جدواها في حالات عدة، حتى الشريعة الإسلامية السمحاء أقرت هذه الوسيلة للمدين المقصر عن عمد، فإذا كان لديه القدرة على الوفاء بديونه لكنه كبتها عمدا و إهمالا أو تعنتا منه فقد ظلم الدائن و فيه قال الرسول عليه الصلاة والسلام "مطل الغني ظلم" فالشخص الذي لا يفي بما تعهد به رغم قدرته على ذلك يكون قد أهدر كرامته بنفسه فلا محل لرعايته و احترامه، و المدين الذي يمتنع عن الوفاء و هو قادر عليه أو يقوم بتهريب أمواله يستحق العقاب.
كما أنه لاحظنا من خلال دراستنا أن تنفيذ الأحكام القضائية ما يزال غير مجسد عمليا أمام تعنت و تماطل المدين و تهربه عمدا و ذلك لعلمه بالإلغاء الذي مس الإكراه البدني في المواد المدنية، لذلك و حسب رأي فإنه كان من الأحسن للمشرع بدلا من إلغاءه لهذه المواد أن يعدل نص المادة 407 من قانون الإجراءات المدنية لتصبح كما يلي: "يجوز في المواد المدنية و التجارية إذا كان منشأ الالتزام غير تعاقدي، أن تنفذ الأوامر أو الأحكام أو القرارات الحائزة لقوة الشيء المقضي فيه و التي تتضمن دفع مبلغ أصلي يزيد على 100,000 دج بطريق الإكراه البدني"
و هذا تماشيا مع محتوى المادة 11 من العهد و كذا إعطاء فرصة للأشخاص الذين أصابهم ضرر جراء عمل غير مشروع (خطأ مدني أو جزائي و لم يباشروا دعوى مدنية تبعية للدعوى الجزائية) في الحصول على حقهم في التعويض و مباشرة التنفيذ عن طريق الإكراه البدني بدعوى استعجاليه، بذلك يكون المشرع لم يتناقض مع المادة 11 من جهة و وفر حماية للدائن من تعنت المدين و تماطله من جهة أخرى.

الكتب:

01 ـ د/ أحمد مليحي: التنفيذ وفقا لنصوص لقانون المرافعات، معلقا عليها بآراء الفقـه وأحكام النقض ـ الطبعة الأولى عام 1994 ـ دار الفكر العربي.
02 ـ د/ أحمد أبو الوفاء: إجراءات التنفيذ في المواد التجارية و المدنية ( دراسة للقواعد العامة، قاضي التنفيذ، أوامر الأداء، الحجوز المختلفة، التنفيذ على العقار) منشأة المعارف بالإسكندرية.
03 ـ د/ أحمد خلاصي: قواعد و إجراءات التنفيذ الجبري وفقا لقانون الإجراءات المدنية الجزائري و التشريعات المرتبطة به. طبعة 1999 ـ منشورات عشاش.
04 ـ د/ إدوارد غالي الذهني: مجموعة بحوث قانونية ـ الطبعة الأولى عام 1987 ـ توزيع دار الكتاب الحديث.
05 ـ د/ بوسقيعة أحسن: المنازعات الجمركية، تصنيف الجرائم و معاينتها ( المتابعة والجزاء ) الطبعة الثانية عام 2002 ـ دار النشر النخلة الجزائر.
06 ـ د/ بوسقيعة أحسن: الوجيز في القانون الجزائي العام ـ الطبعة الأولى عام 2002 ـ الديوان الوطني للأشغال التربوية . الجزائر.
07 ـ د/ نبيل عمر، د/ أحمد هندي: التنفيذ الجبري ( قواعده و إجراءاته ) الدار الجامعية الجديدة عام 2002.
08 ـ د/ نبيل إسماعيل عمر: أصول التنفيذ الجبري في المواد التجارية والمدنية ـ الطبعة الأولى عام 1996 ـ الدار الجامعية.
09 ـ د/ محمد حسنين: التنفيذ القضائي و توزيع حصيلته في قانون الإجراءات المدنية الجزائري ـ الطبعة الأولى عام 1984 ـ مكتبة الفلاح، الكويت.
10 ـ د/ سائح سنقوقة: الدليل العملي في إجراءات الدعوى المدنية ـ طبعة 1996 ـ الهدى للطباعة والنشر، الجزائر.
11 ـ د/ يوسف نجم جبران: طرق الاحتياط و التنفيذ ـ الطبعة الثانية عام 1981 ـ ديوان المطبوعات الجامعية، منشورات عويدات، الجزائر.


النصوص القانونية

01 ـ الدستور الجزائري عام 1996. وزارة العدل. د. و. أ. ت. الطبعة الثانية.
02 ـ الأمر رقم 07/05 المؤرخ في 13/05/2007 المتضمن القانون المدني المعدل والمتمم.
04 ـ الأمر 66/155 المؤرخ في 08/07/1966 المتضمن قانون الإجراءات الجزائية المعدل و المتمم.
05 ـ الأمر 66/156 المؤرخ في 08/07/1966 المتضمن قانون العقوبات المعدل والمتمم.
06 ـ الأمر 05/04 المؤرخ في 06/02/2005 المتضمن قانون تنظيم السجون و إعادة الإدماج الاجتماعي للمساجين.
07 ـ القانون رقم 89/08 المؤرخ في 25/04/1989 المتضمن الموافقة على العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية و الاجتماعية والثقافية و العهد الدولي للحقوق السياسية و المدنية و البرتوكول الاختياري المتعلق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق السياسية و المدينة الموافق عليها من طرف الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 16/12/1966.
08 ـ المرسوم الرئاسي 89/67 المؤرخ في 16/05/1989 المتضمن الانضمام إلى العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية و البرتوكول الاختياري المتعلق بها.



المقالات و المحاضرات:

01 ـ مقال د/قشي الخير: تطبيق القانون الدولي الإتفاقي في الجزائر. مجلة العلوم الاجتماعية و الإنسانية. جامعة باتنة العدد 04 لعم 1995.
03 ـ محاضرات الأستاذ ملزي عبد الرحمان: طرق التنفيذ. ملقاة على الطلبة القضاة الدفعة 16 لعام 2007.
04 ـ محاضرات الأستاذة ساحلي مايا: حقوق الإنسان. ملقاة على الطلبة القضاة الدفعة 16 لعام 2007.
رد مع اقتباس
إضافة رد

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر رد
المؤلف طارق البدوى: لم أخطئ بحق هيفاء ريمااني مواقع متنوعه 0 06-16-2011 10:51 AM
هيفا وهبي رفضت التعامل مع المؤلّف طارق البدوي ريمااني مواقع متنوعه 0 05-31-2011 04:44 PM
التلوث البيئي من أسباب الصلع عند الرجال سعيد مواقع متنوعه 0 02-26-2011 08:55 AM
لماذا التجني على حقوق طلبة lmd سعيد مواقع متنوعه 0 02-13-2011 01:41 PM
طلب بحت حول تلوث الغلاف البيئي سعيد مواقع متنوعه 0 11-21-2010 07:31 PM

أدوات الموضوع
طريقة عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الراشدي : الراشدي

الساعة الآن 04:48 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd d3m