#1  
قديم 02-21-2011, 10:54 AM
سعيد سعيد غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Nov 2010
المشاركات: 55,261
افتراضي التطليق و الخلع 2

التطليق والخلع على ضوء قانون الأسرة واجتهاد المحكمة العليا.



























المراجع باللغة العربية:
1)- الدكتور العربي بلحاج: الوجيز في شرح قانون الأسرة الجزائري، الجزء الأول (الزواج والطلاق) الطبعة 1994، ديوان المطبوعات الجامعية.
2)- الأستاذ عبد العزيز سعد: الزواج والطلاق في قانون الأسرة الجزائري، الطبعة الأولى 1986، دار البعث.
3)-الأستاذ فضيل سعد: شرح قانون الأسرة الجزائري في الزواج والطلاق، الجزء الأول، طبعة 1985، المؤسسة الوطنية للكتاب..
4)- الأستاذ عبد الفتاح تقية: مباحث في قانون الأسرة الجزائري، منشورات ثالة، 1999.
5)- الأستاذ عمر زودة: طبيعة الأحكام بإنهاء الرابطة الزوجية وأثر الطعن فيها.
6)- الأستاذ عبد الرحمان الصابوني: مدى حرية الزوجين في الطلاق، دار الفكر العربي بالقاهرة، الجزء الأول، الطبعة الثانية 1968.
7)- الإمام محمد أبو زهرة: الأحوال الشخصية، دار الفكر العربي الطبعة سنة 1957.
8)-الأستاذ عبد المؤمن بلباقي: التعريف القضائي بين الزوجين في الفقه الإسلامي الطبعة سنة 2000، شركة دار الهدى.
9)- الشيخ أحمد محمد عساف: الأحكام الفقهية في المذاهب الإسلامية الأربعة الطبعة 1988، دار إحياء العلوم، بيروت.
10)- الدكتورعبد العزيز عامر: الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية، الطبعة الأولى 1984، دار الفكر العربي.
12)- الدكتور أديب استانبولي: المرشد في قانون الأحوال الشخصية الجزء الأول الزواج والطلاق، الطبعة الثانية 1989، دار الأنور للطباعة.

المراجع باللغة الفرنسية:

- Docteur Ghaouti Ben Melha, le droit algérien de la famille, office des publications universitaires 1993.







المجلات القضائية:

- مجلة الأحكام المجموعة الأولى: الجزء الأول.
- نشرة القضاة لسنة 1982.
- المجلة القضائية لسنة 1989 العدد الثالث.
- المجلة القضائية لسنة 1989 العدد الرابع.
- المجلة القضائية لسنة 1990 العدد الأول.
- المجلة القضائية لسنة 1990 العدد الثاني.
- المجلة القضائية لسنة 1990 العدد الثالث
- نشرة القضاء العدد 94.
- المجلة القضائية لسنة 2001 العدد الأول.
- المجلة القضائية للأحوال الشخصية عدد خاص لسنة 2001.

الأحكام والاجتهادات القضائية :
-أحكام صادرة عن محكمة بشار
-الدكتور العربي بلحاجي، مبادئ الاجتهاد القضائي وفقا لقرارات المحكمة العليا.
-قرارات صادرة عن المحكمة العليا.

النصوص القانونية:
-قانون رقم 84-11 المؤرخ في 09 رمضان 1401 هـ الموافق 9 يونيو 1984 المتضمن قانون الأسرة، الطبعة الثالثة 1999، الديوان الوطني للأشغال التربوية.
-أمر رقم 66-154 مؤرخ في 18 صفر 1386 الموافق 8 يونيو 1966 المتضمن قانون الإجراءات المدنية، الطبعة الثالثة 2001، الديوان الوطني للأشغال التربوية.
-أمر رقم 75-58 مؤرخ في 20 رمضان 1395 الموافق 26 سبتمبر 1975 المتضمن القانون المدني معدل و متمم 1999، الديوان الوطني للأشغال التربوية.







مقدمة:

فكما أباح الشارع الحكيم للزوج أن يوقع الطلاق إذا دعت الحاجة إليه، أباح للزوجة أيضا حق الانفصال عن زوجها إن هي كرهته ولم تطق العيش في كنفه لكن لا تستحق ذلك إلاّ عن طريق القضاء.
وقد أجاز قانون الأسرة في مادته 53 الحق للزوجة في طلب التطليق بإرادتها المنفردة وهذا إنصافا لها ورفعا لكل ظلم عليها وأنّ الحالات المذكورة في المادة السابقة هي على سبيل الحصر.
كما خول لها مسلك آخر قد تلتجئ إليه لتقتدي به نفسها وتتخلّص من الرابطة الزوجية التي أصبحت لا تطاق ولدى المذهبين المالكي والحنفي فإنّ الغاية من الخلع هو إزالة الضرر الواقع على الزوجة.
فعندما تريد الخلاص من الحياة الزوجية التي لم تتحقق معها الغاية فعليها اللجوء إلى القضاء لطلب التفريق بينها وبين زوجها لقاء بدل تدفعه للزوج وفي حالة عدم الاتفاق على هذا المقابل يتدخّل القاضي لتقديره بشرط أن لا يتجاوز قيمته صداق المثل.
ومن الناحية العملية طالبة التطليق نادرا ما تؤسس طلبها على إحدى الحالات المذكورة في المادة أعلاه للتخلص من زوجها بل أنّ مبدأ التطليق في حدّ ذاته قليل الإستناد إليه كسبب لفك الرابطة الزوجية بحيث رأى البعض أن مرد ذلك يعود إلى الصعوبة في الإثبات إذا يعز على الزوجة في كثير من الأحيان أن تقدم الدليل البيّن لثبوت أحد أسباب التطليق في جانب الزوج وهذا تفسير ضعيف لأنّ أغلب حالات التطليق يمكن إقامة الدليل عليها وهذا ما بيّنته المحكمة العليا في عدّة قرارات صادرة عنها.
وأهم اختلاف بين التطليق والخلع يكمن في كون أن الأول ينهي العلاقة الزوجية بحكم من القضاء ويتم بناءا على طلب الزوجة التي يجب عليها أن تثبت سبب من الأسباب الواردة على سبيل الحصر في المادة السالفة الذكر، بينما الثاني هو اتفاق الزوجين على إنهاء العلاقة الزوجية مقابل مال تدفعه الزوجة إلى زوجها.
منهجية البحث وخطته:
إن الدراسة التي إعتمدتها لمعالجة هذا الموضوع هي دراسة نظرية وتطبيقية في آن واحد بحيث أنّي تطرقت إلى دراسة كل عنصر من عناصر الموضوع من الناحية القانونية النظرية وفي حالة ما إذا كان فيه اختلاف أتعرض إليه وذلك بالتطرق إلى موقف وآراء الباحثين وكذا موقف فقهاء الشريعة ثم بعد ذلك أعالجه من الناحية القضائية أي موقف المحكمة العليا بالنسبة إليه وذلك بتدعيمه بقرارات وأحكام قضائية إن وجدت.
أما خطة البحث:
فقد تم تقسيم المذكرة إلى فصلين تناولت في الفصل الأول إنحلال الرابطة الزوجية بناءا على طلب من الزوجة وضمنته مبحثين فالمبحث الأول خصصته للتطليق وفيه ذكرت ماهية التطليق وأسبابه، أما المبحث الثاني فتعرضت فيه إلى الخلع وفيه تناولت ماهية الخلع وشروطه وآثاره.
أما في الفصل الثاني فعالجت مسألة إجراءات التقاضي في دعاوى التطليق والخلع وقد قسمته إلى مبحثين فخصصت المبحث الأول إلى الإجراءات الخاصة برفع الدعوى وقواعد الاختصاص وفيه تناولت إجراءات الدعوى وشروط قبولها إضافة إلى إجراءات الصلح والتحكيم.
أما المبحث الثاني فتناولت فيه آثار الأحكام الصادرة بالتطليق والخلع وطرق الطعن فيها وعالجته في مطلبين فالمطلب الأول خصصته للأحكام الصادرة بالتطليق والخلع، والمطلب الثاني خصصته لطرق الطعن في الأحكام الصادرة بالتطليق والخلع.


















الفصل الأول
انحلال الرابطة الزوجية بناء على طلب من الزوجة:

إن الشريعة الإسلامية قد ساوت مركز الزوجة بمركز الزوج في إنهاء العلاقة الزوجية وكذا القانون الذي منح للزوج حق الطلاق وهو حق إرادي يمكن استعماله في أي وقت وفي مقابل ذلك أعطى للزوجة حق التقدّم إلى القضاء بطلب من أجل تطليقها من زوجها الذي أضر بها ولكن بقيود تضمنتها المادة 53 ق.أ، كما منحها أيضا حق مخالعة نفسها من زوجها على مال تدفعه له (المادة 54 ق.أ) ، ولذلك سنتطرق في هذا الفصل إلى: الطلاق بطلب من الزوجة وهو ما يسمى بالتطليق في مبحث أول والطلاق بواسطة الخلع في مبحث ثاني.


















المبحث الأول:
التطليق:

لم يعرف المشرع الجزائري التطليق ولكنه نص على الأسباب القانونية للتطليق في المادة 53 من قانون الأسرة ومنح الزوجة فيها حق طلب التطليق من زوجها بناء على إرادتها المنفردة إذا توفر لها سبب من هذه الأسباب.
وسنتطرق في المبحث الأول إلى ماهية التطليق وأسباب التطليق الواردة على سبيل الحصر في المادة السالفة الذكر.
المطلب الأول:
ماهية التطليق:

في دراستنا لماهية التطليق نتناول في فرع أوّل تعريف التطليق وفي فرع ثاني الطبيعـة القانونية له.
الفرع الأول:
تعريفـه:

إذا كان المشرع قد أعطى للزوج حق طلب الطلاق في أي وقت ومتى شاء دون أن يقيد طلبه بقيد معين لأن العصمة الزوجية بيده فإنه بالنسبة للزوجة التي تريد طلب التطليق فقد قيدها بحالات معينة ورد النص عليها في المادة 53 من قانون الأسرة.
ويقصد بالتطليق إنهاء العلاقة الزوجية بحكم من القضاء ويتم بناء على طلب الزوجة لأمر نص عليه القانون كإضرار أحد الزوجين بالآخر، أو مرض أو تعذر استمرار الحياة الزوجية بينهما.
وقد شاء بذلك الشرع الحكيم حماية المرأة من زوجها إذا ظلمها وأساء عشرتها فجعل من حقها اللجوء ورفع أمرها إلى القضاء ليطلقها بحيث عليها أن تؤسس طلبها على حالة من الحالات الواردة على سبيل الحصر في المادة السالفة الذكر وإلا قبل طلبها بالرفض.
أما في مذهب أبي حنيفة فلم يكن يملك القاضي إلا الطلاق لعيب في الزوج وقصر العيوب الموجبة للطلاق على العيوب التناسلية وهي الجب والخصاء والعنة وزاد محمد الجنون والجذام والبرص.

أما الإمامين مالك وأحمد فقد توسعوا في ذلك بحيث إقتيس ولي الأمر في مصر من المرأة فكان التفريق لعدم الإنفاق، والتفريق للعيوب المستحكمة من غير تقيد بعدد معين والتفريق للضرر وللغياب وللسجن.
وما نلاحظه أنه لم يقم فقهاء الشريعة الإسلامية ولا الفقه القانوني بإعطاء تعريف شامل ودقيق للتطليق وإنما كل ما قاموا به هو الإشارة إلى الحالات أو الأسباب التي على إثرها يمكن للزوجة طلب التطليق ويكون ذلك أمام القاضي الذي يثبته بحكم.
وقد صدر عن المحكمة العليا قرار بتاريخ 03/12/1984 جاء فيه " من المقرر شرعا أن الطلاق هو حق للرجل صاحب العصمة وأنه لا يجوز للقاضي أن يحل محله في إصداره، أما التطليق فهو حق للمرأة المتضررة وترفع أمرها للقاضي الذي يطلقها ومن ثم فإن القضاء بما يخالف هذا المبدأ يعد خرقا لأحكام الشريعة الإسلامية ". (1)
إن المحكمة العليا أرادت أن تعرّف التطليق من خلال هذا القرار إلاّ أنّها لم تعطيه تعريفا شاملا ودقيقا بحيث أنّها لم تبين المقصود بالمرأة المتضررة أو كان على الأقل أن تعطي أمثلة عن ذلك.
الفرع الثاني:
طبيعته القانونية

بعدما تطرقنا لمفهوم التطليق في الفرع السابق فيمكن أن نعطي نظرة ولو مختصرة عـن طبيعته القانونية والذي يمكن أن نعتبره رخصة استثنائية منحها المشرع للقاضي، وممارسة هذه الرخصة مقيدة بعدّة قيود وشروط وهي كلها خاضعة للسلطة التقديرية للقضاء. (2)
لأن المركز القانوني الناشئ عن عقد الزواج قد ينقضي بناء على واقعة تتمسك بها الزوجة أمام القضاء وإثبات هذه الواقعة ينشأ للزوجة حق إرادي في إنهاء هذا المركز أي بمعنى أن هذه الفرقة تدخل تحت نظام الفسخ.
حيث يرى الأحناف أن كل فرقة من جانب الزوج ولا يمكن أن تكون من جانب المرأة فهي طلاق كالفرقة بسبب الإيلاء، أما الفرقة التي تكون من قبل الزوجة ولا يمكن أن تكون من جانب الزوج فهي فسخ كالفرقة بسبب عدم كفاءة الزوج لزوجته.



(1) المحكمة العليا قرار بتاريخ 03/12/1984 ملف رقم 35026 .م.ق 89 عدد 4 ص 86.
(2) الأستاذ: عبد الفتاح تقية: مباحث في قانون الأسرة الجزائري ص 242.
أما بالنسبة للشافعية والحنابلة فقد ذهبوا إلى القول بأن الفرق التي تقع من الزوج أو نائبه تعتبر طلاقا أما ما عدا ذلك فتعتبر فسخا.
بينما ذهب المالكية إلى أن الفرق بين الطلاق والفسخ يكمن في السبب الذي أدّى إلى الفرقة فإن كانت فرقة من زواج صحيح وسواء كانت من الزوج أو من قبل الزوجة أو من طرف القاضي عدت طلاقا وأما إن كانت غير راجعة لأحدهما فتعتبر فسخا.
فما يمكن استخلاصه أنّ كل المذاهب اتفقت على أنّ الفرقة تنقسم إلى طلاق وفسخ ولكن اختلفت فيما يدخل في الطلاق وفيما يدخل في الفسخ لأنها لم تعتمد على معيار دقيق ومنضبط.
بحيث يرى المالكية بأنّ الفرقة الناتجة عن الإعسار بالنفقة طلاق رجعي ولا يمكن للزوج إعادة الزوجة إلى عصمته إلا إذا ملك ما ينفقه عليها وإلا فلا تصح الرجعة. وقال ابن جزي: الطلاق بالإعسار بالنفقة رجعي. (1)
وقال الشافعية والحنابلة أن الفرقة فسخ لا طلاق لأن الطلاق يكون من فعل الزوج مباشرة أو توكيل منه.
والثمرة المستخلصة من هذا الاختلاف فعلى القول بأن الفرقة للإعسار طلاق رجعي، فإنها تحسب على الزوج من عدد طلقاته التي يملكها، فلو افترضنا أن الزوج طلق زوجته مرتين قبل تطليق القاضي لها فلا يمكنه إرجاعها في هذه الحالة إلا بعد أن تتزوج غيره لأن الطلاق أصبح بائنا بينونة كبرى.
وعلى القول الثاني القائل بأن الفرقة للإعسار فسخ لا طلاق فإن الفرقة هنا لا تدخل في عداد طلقات الزوج إلا أنّه لا سبيل له إليها إلاّ بعقد جديد ورضاء جديد.
وبالنسبة للمشرع الجزائري فقد أخذ بالمذهب المالكي معتبرا بأن الفرقة للإعسار طلاق وليس فسخ وهذا ما يستشف من المادة 48 ق.أ بحيث جعل الفرقة التي تقع بطلب من الزوجة طلاقا.
أمّا بالنسبة للتفريق بالعيوب فقد ذهب المالكية والحنفية إلى اعتبار أن التفريق بالعيب يقع طلاقا بائنا لا فسخا ذلك أن الفرقة تكون إما من الزوج أو بسبب منه ولم يوجبها فساد عقد فكانت طلاقا.
أمّا الشافعية والحنابلة فقد ذهبوا إلى اعتبار أن الفرقة للعيب فسخ لكونه يقع من طرف القاضي ولو تلفظ بالطلاق ظاهرا لأنه ما فعل ذلك إلا بأمر من القاضي وهو مما يخضع للاجتهاد فكان فسخا لا طلاقا (2).

(1) القوانين الفقهية ص 221.
(2) الأستاذ: عبد المؤمن بلباقي: التفريق القضائي بين الزوجين في الفقه الإسلامي ص 96.
وبالرجوع إلى قانون الأسرة لا نجده يبين فيما إذا كان التطليق هو عبارة عن فسخ أم طلاق وإنما نص على حالات على سبيل الحصر في المادة 53 ق.أ وترك أمر تقديرها للقاضي بحيث إذا رأى بأنه فعلا تتوفر حالة من هذه الحالات فما عليه إلا الحكم بالتطليق لأن القاضي في هذه الحالة يكون له دور إيجابي فهو الذي يقوم بالتقرير ما إذا أخل الزوج بالتزاماته وبفضل هذا التقرير ينشأ حق إرادي للزوجة في إنهاء العلاقة الزوجية والحكم الذي يصدر بتطليق الزوجة هو حكم منشئ.
ومن هنا نستخلص بأن الفرقة التي يكون مصدرها المباشر هو الحكم القضائي فهي تندرج تحت نظام الفسخ كالحكم بالتطليق.
وحسب رأيي الشخصي فإنه يمكن تكييف التطليق على أنه حق مقيد لأن المشرع قد منح للزوجـة حق اللجوء إلى القضاء في أي وقت من أجل طلب التطليق لكن قيده بقيود نص عليها على سبيل الحصر في المادة السالفة الذكر أي بمعنى يجب على الزوجة وعند رفعها لدعوى التطليق أن تثبت سبب ذلك وإلا رفضت دعواها لأن القاضي هو الذي يقدر ما إذا كان طلبها مؤسس أم لا.
المطلب الثاني:
أسباب التطليق:

إذا كان القانون قد منح للزوج حق إنهاء العلاقة الزوجية بناء على إرادته المنفردة ولا يحتاج إلى قبول الزوجة فإنه لم يهمل جانب الزوجة بحيث أجاز لها اللجوء إلى القضاء لطلب التطليق إذا توفرت لها حالة من الحالات المنصوص عليها في المادة 53 من ق.أ وهي على سبيل الحصر كما سيأتي شرحها فيما بعد، وهذه الأسباب قد تقيد من سلطة القاضي كما قد تجعل سلطته واسعة.
الفرع الأول:
الأسباب المقيدة لسلطة القاضي:

فمن بين الأسباب المنصوص عليها في المادة السابقة فهناك أسباب إذا ما توفرت فيها الشروط اللازمة لقيامها فيكون القاضي ملزما بالحكم بالتطليق مباشرة أي بمعنى تكون سلطته مقيدة وهذه الأسباب تكمن في التطليق لعدم الإنفاق وللعيوب وللحكم بعقوبة مقيدة للقاضي وللغياب بعد سنة وهذا ما سنبيّنه فيما يلي:

أولا:
التطليق لعدم الإنفاق:

أجمع أئمة الشريعة الإسلامية على أن نفقة الزوجة واجبة على زوجها وفي حالة امتناع الزوج عن القيام بذلك فإنّه يجوز للزوجة أن تطالب بالتفريق لعدم الإنفاق ويحكم لها القاضي بالتفريق إن ثبت لديه عدم الإنفاق وقد استدلوا في ذلك بقوله تعالى: " ولا تمسكوهن ضرار لتعتدوا " (1). وقوله تعالى: " فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان" (2). وإن بقاء الزوجة مع زوجها مع عدم الإنفاق عليها قد يشكل لها ضررا أو يعرضها للخطر ولذلك أعطاها الشرع هذا الحق.
وقد نص المشرع الجزائري في المادة 53/1 من قانون الأسرة على أنه " يجوز للزوجة أن تطلب التطليق في حالة عدم الإنفاق عليها بعد صدور الحكم بوجوبها ما لم تكن عالمة بإعسار وقت الزواج".
فعدم النفقة هو امتناع الزوج عن أهم أحد الواجبات الزوجية وتشمل هذه النفقة الغذاء والكسوة والعلاج والسكن وأجرته وما يعتبر من الضروريات في العرف والعادة طبقا لنص المادة 78 من قانون الأسرة.
ففي كل هذه الأحوال وغيرها يحق للزوجة المتضررة من الامتناع عن النفقة اللجوء إلى القضاء من أجل استصدار حكم يلزم زوجها بالإنفاق عليها.
ومن خلال استقرائنا لنص المادة 53/1 من ق.أ نستخلص بأن هناك عدة شروط يجب توفرها حتى يمكن للزوجة طلب التطليق لعدم الإنفاق وتتمثل في ما يلي:
- امتناع الزوج عن النفقة الزوجية عمدا وقصدا.
- صدور حكم من المحكمة بوجوب نفقة الزوجة على زوجها.
- يجب أن لا تكون عالمة بحالة إعساره وقت إبرام عقد الزواج معه.
- الإنفاق الممتنع عن تقديمه للزوجة والتي يحق لها طلب التطليق بسببه هو إنفاق مثل زوجها على مثلها.
وما نلاحظه على هذه المادة أنّها لم تبين المدّة التي تنتظرها الزوجة بعد الحكم لها بالنفقة والتي يمكن بعدها تقديم طلب التطليق إلى المحكمة ولذلك علينا الأخذ بالمدة التي وردت الإشارة إليها في المادة 331 من قانون العقوبات وهي مهلة شهرين وفي هذا الشأن هناك قرار صادر

(1) سورة البقرة الآية 231.
(2) سورة البقرة الآية 225.
عن المحكمة العليا بتاريخ 23/11/1982 جاء فيه " إذا كان مؤدى نص المادة 331 من ق.ع الحكم جزائيا بالحبس والغرامة على من امتنع عمدا ولمدّة تجاوز شهرين عن دفع النفقة المحكوم بها عليه قضاءا لصالح من حكم لهم، فإنه يشترط للمتابعة الجزائية بهذا الجرم أن يكون المحكوم عليه قد بلغ وفقا للقانون بالحكم القاضي بالنفقة، وأن القضاء بخلاف ذلك يعد خطأ في تطبيق القانون" (1)
كما أن المشرع لم يفرق بين حالة امتناع الزوج عن الإنفاق مع قدرته على ذلك وحالة امتناعه عن الإنفاق مع عدم قدرته أو إعساره ولم يفرق أيضا بين الزوجة الغنية والزوجة الفقيرة كما أنه لم يمنح الزوج المعسر أجل للقيام بواجب الإنفاق وهذا عكس بعض التشريعات العربية مثل القانون التونسي الذي منحه أجل شهرين (الفصل 39) والقانون السوري (3 أشهر) بالإضافة إلى مشروع القانون العربي الموحّد للأحوال الشخصية (المادة 115 منه منحت للزوج المعسر أجـــل (3 أشهر).
ولذلك يجب إعادة النظر في هذه المسائل حتى تعطي فرصة للزوج المعسر حسن النية من دفع مبلغ النفقة وذلك من أجل المحافظة على الروابط الأسرية وحتى لا يكون التطليق وسيلة ضغط بيد الزوجة تستعمله متى شاءت.
وقد صدر عن المحكمة العليا عدّة قرارات تتناول فيها مسألة التطليق لعدم الإنفاق، القرار الصادر بتاريخ 19/11/1984 جاء فيه " متى كان من المقرر فقها وقضاءا في أحكام الشريعة الإسلامية أن عدم الإنفاق على الزوجة لمدّة تزيد على شهرين متتابعين يكون مبررا لطلبها التطليق على زوجها.
وإذا كان الثابت أن المطعون ضده أدين جزائيا من محكمة الجنح بتهمة الإهمال العائلي وحكم عليه غيابيا بسنة حبسا نافذا فإن قضاة الاستئناف برفضهم طلب الطاعنة المتعلق بالتطليق خرقوا أحكام هذا المبدأ الشرعي" (2)
وقد صدر حكما عن محكمة بشار بتاريخ 03/10/99 قضى بتطليق الزوجة من زوجها لعدم الإنفاق وقد جاء في حيثياته ما يلي " حيث أنه بالرجوع إلى ملف الدعوى تبين للمحكمة أنه حكم بتاريخ 03/10/98 عن محكمة تلمسان يقضي للزوجة والأبناء بالنفقة الغذائية حسب مبلغ 1000 دج وأن المدعية سعت في تنفيذه وأن المدعى عليه امتنع عن الدفع.
حيث أن الثابت من أوراق الملف أن المدعي عليه امتنع عن دفع النفقة وأنه تغيب عن الحضور لدحض ادعاءات المدعية مما يجعله قد ألحق ضررا بالأسرة يتعين معه الاستجابــة

(1) قرار عن المحكمة العليا بتاريخ 23/11/1982 ملف رقم 23194 (غير منشور).
(2) قرار عن المحكمة العليا بتاريخ 19/11/1984 ملف رقم 34791 م.ق 89 العدد 3 ص76.
لطلب المدعية كونه مؤسس" (1).
كما أصدرت حكما آخر بتاريخ 13/02/2002 قضى بفك الرابطة الزوجية بين الطرفين قبل البناء وبظلم من الزوج وجاء في حيثياته " حيث أن نفقة الزوج على زوجته واجبة شرعا وقانونا مادامت في عصمته الزوجية مما يتعين الاستجابة لطلبها مع حسابها من تاريخ 13/02/2001 إلى غاية النطق بالتطليق.
حيث أن طلب التعويض مؤسس وقانوني لكونه ألحق بها ضرر مادي ومعنوي" (2).
وما يمكن ملاحظته على هذا الحكم الأخير انه لم يبين بأنه قد صدر حكم من المحكمة يلزم الزوج بالنفقة على زوجته وهذا يعتبر شرط أساسي للحكم للزوجة بالتطليق لعدم الإنفاق، لأن صدور الحكم يبين بأن الزوج سيئ النية وقد امتنع عمدا عن دفع النفقة ما لم يثبت بأنه معسر. كما أن هذا الحكم وفي تأسيسه قد منح التعويض للزوجة على أساس أنه قد ألحق بها ضرر مادي ومعنوي إلا أنه لم يبين فيما يكمن هذين الضررين (أي كيفية وقوع الضرر).
ثانيا:
التطليق للعيوب:

لقد منح المشرع للزوجة في المادة 53/2 من ق.أ الحق في طلب التطليق إذا كان هناك عيب في الزوج يحول دون تحقيق الهدف من الزواج، ويقصد بالعيوب هنا هي تلك الأمراض أو العلل الجنسية التي تحول دون تحقيق الهدف من الزواج وسواء كان هذا العيب بالزوج قبل العقد ولم تعلم به أم حدث بعد العقد والعيوب التي تصيب الإنسان قد تكون جنسية وقد تكون مرضية، فالأولى هي التي تصيب الأعضاء التناسلية لكل من الرجل والمرأة فعيوب الرجل مثلا هي: الجب، والعنة والخصاء. (3)
أما العيوب المرضية فيشترك فيها الجنسان معا وتتمثل في الجنون والجذام والبرص والأمراض المعدية الأخرى (4) .
والمشرع الجزائري لم يحصر هذه العيوب التي يمكن على إثرها للزوجة طلب التطليق وحسنا فعل لأن هذه الأمراض لا يمكن حصرها.

(1)حكم صادر عن محكمة بشار بتاريخ 03/10/99 رقم القضية 1202/99.
(2)حكم صادر عن محكمة بشار بتاريخ 13/02/2002 رقم القضية 1004/01.
(3)الجب: هو استئصال عضو الذكورة، العنة: هو ارتخاء العضو وعدم القدرة على الاتصال الجنسي، والخصاء: وهو الخصيتين.
(4)الأستاذ عبد المؤمن بلباقي التفريق القضائي بين الزوجين في الفقه الإسلامي ص 64.
وحتى يجوز للزوجة طلب التطليق للعيوب يجب أن تتوفر الشروط التالية:
-أن يكون هذا العيب في الزوج.
-ووجود هذا العيب لا يحقق الهدف من الزواج.
إلا أنه ما يؤخذ على المشرع الجزائري انه لم يحدد صراحة مهلة معينة يمنحها للزوج المصاب من أجل العلاج إلا أنه في الميدان العملي وإذا وجد عيب بالزوج وطلبت على إثره الزوجة التطليق فإن القاضي يؤجل الحكم بالطلاق إلى مدّة معلومة لا تتجاوز سنة حيث أصدرت المحكمة العليا قرارا بتاريخ 19/11/1984 جاء فيه : "متى كان من المقرر في الفقه الإسلامي وعلى ما جرى به القضاء أنه إذا كان الزوج عاجزا عن مباشرة زوجته يضرب له أجل سنة كاملة من أجل العلاج وأن الاجتهاد القضائي استقر على أن تكون الزوجة أثناء تلك المدة بجانب بعلها وبعد انتهائها فإن لم تتحسن حالة مرضه حكم للزوجة بالتطليق فإن القضاء بما يخالف أحكام هذه المبادئ يعد خرقا لقواعد الشريعة الإسلامية " (1) .
كما صدر حكم عن محكمة تيزي وزو بتاريخ 24/06/95 قضى بتطليق الزوجة من زوجها بسبب إصابة هذا الأخير بمرض عقلي وجاء في حيثياته ما يلي:
-حيث أن طلب المدعية المتعلق بالتطليق بين الطرفين على أساس أن المدعي عليه مصاب بمرض عقلي طلب مؤسس قانونيا طبقا لأحكام المادّة 53/2 من ق.أ ما دام أن المدعي عليه أقر أمام المحكمة أثناء جلسة الصلح أنه مريض عقليا وهذا منذ مدة وبالتالي فهو عيب من العيوب التي تحول دون تحقيق الهدف من الزواج مما يتعين الإستجابة لطلبها وبالتالي التصريح بالتطليق بين الطرفين (2).
ما يلاحظ على هذا الحكم أنه بمجرد اعتراف المدعي عليه للقاضي بأنه مصاب عقليا حكم بالتطليق في حين كان عليه أن يمنح المصاب أجل سنة كاملة من أجل العلاج وأن يعين له خبير مختص لفحص حالته وبعد ذلك إذا لم يشف من مرضه فيحكم بالتطليق وهذا كله من أجل المحافظة على الروابط العائلية.
ثالثا:
التطليق للحكم بعقوبة مقيدة للحرية:

لقد نص المشرع على هذه الحالة في الفقرة 4 من المادة 53 ق.أ على أنه يجوز للزوجة أن تطلب التطليق من زوجها في حالة الحكم عليه بعقوبة شائنة مقيدة لحرية الزوج لمدة أكثر


(1)المحكمة العليا: قرار بتاريخ 19/11/84 ملف رقم 43784 . م ق 89-عدد3- ص 73.
(2)حكم صادر عن محكمة تيزي وزو بتاريخ 24/06/95 رقم الفهرس 298.
من سنة فيها مساس بشرف الأسرة وتستحيل معها مواصلة العشرة والحياة الزوجية.
ومن خلال استقرائنا لهذا النص يمكن أن نستنتج الشروط الواجب توفرها في التطليق للحكم بعقوبة وهي:
-أن يكون الزوج قد ارتكب جريمة من جرائم القانون العام أو غيرها وقد صدر ضده حكم جزائي حاز قوة الشيء المقضي فيه.
-أن تكون العقوبة مقيدة للحرية أي تتضمن عقوبة بدنية بالسجن أو الحبس.
-أن تكون هذه العقوبة أكثر من سنة.
-أن تكون العقوبة مشينة مثل: عقوبة الاعتداء على العرض، الاغتصاب … إلخ.
-أن تكون العقوبة قرينة على استحالة مواصلة العشرة الزوجية.
لذلك فإذا توافرت للزوجة هذه الشروط كلها فلها الحق أن ترفع دعوى أمام المحكمة لتطلب الحكم لها بالتطليق من زوجها وعلى المحكمة أن تقضي بذلك.
ولقد صدر في هذا الشأن حكما عن محكمة تيزي وزو بتاريخ 29/08/97 قضى بتطليق الزوجة لصدور حكم قضائي ضد الزوج يقيد حريته لمدة 18 شهرا حبسا نافذا، وانطلاقا من هذا الحكم قضى القاضي بالتطليق بينها وبين زوجها المحبوس (1) .
فبالنسبة للسؤال الممكن طرحه فيما يخص هذه الحالة هو ما قصد المشرع بالعقوبة الشائنة التي تمس بشرف الأسرة والتي تستحيل معها مواصلة العشرة الزوجية ؟
فلم يعرف المشرع الجزائري العقوبة الشائنة وقد ترك المجال واسعا بحيث لا نجد في قانون العقوبات جريمة ولا عقوبة بهذه الأوصاف فهل نعتقد بأن المشرع يقصد بذلك ارتكاب الزوج لجريمة الزنا ؟
حسب رأيي فإن المشرع كان يقصد من وراء العقوبة الشائنة كل الأفعال التي تنعكس آثارها على ثقة الزوجين وتنفرهما من بعض ومنها خاصة الجرائم الأخلاقية التي تمس بسمعة الأسرة وشرفها.
رابعا:
التطليق لغياب الزوج:

اختلف الفقهاء في جواز التفريق للغيبة، فذهب أبو حنيفة والشافعي إلى عدم التفريق للغيبة، لعدم ما يصح أن يبنى عليه هذا التفريق.

(1) حكم صادر عن محكمة تيزي وزو بتاريخ 29/08/94 – رقم الفهرس 108.
وذهب مالك وأحمد إلى جواز التفريق إذا طالت الغيبة وتضررت بها المرأة بأن خشيت على نفسها الزنا ولو كان الزوج قد ترك لها مالا تنفق منه (1).
أما المشرع الجزائري فقد جعل غياب الزوج أحد أسباب التطليق وذلك بعد مضي سنة وقد استمد هذه القاعدة من مذهب مالك وأحمد دفعا للضرر عن المرأة ولهذه الأخيرة الحق في طلب التطليق إذا غاب عنها زوجها وتوفرت الشروط التالية:
-تغيب الزوج عنها لمدّة سنة على الأقل وتحسب هذه المهلة ابتداء من يوم الغياب إلى يوم رفع الدعوى.
-أن يكون الغياب بدون عذر مقبول ودون سبب جدّي أي أن يكون متعمدا ويقصد الإضرار بها.
-أن يغيب عنها ولا يترك لها نفقة خلال مدة غيابه فإن ترك لها مالا تنفق منه فلا يجوز لها طلب التطليق وهذا عكس ما ذهب إليه الفقه المالكي بحيث أجاز لها التطليق حتى ولو ترك لها الزوج مالا تنفق منه (2) .
والغائب الذي يقصده المشرع في هذه الفقرة هو الذي نص عليه في المادة 110 ق.أ بقوله: " الغائب هو الذي منعته ظروف قاهرة من الرجوع إلى محل إقامته أو إدارة شؤونه بنفسه أو بواسطة مدة سنة وتسبب غيابه في ضرر الغير".
في حالة طلب الزوجة التطليق لضرر الغياب وكان زوجها غير معلوم المكان فهنا يفرق القاضي بينهما في الحال بعد تأكده من توافر الشروط السابقة، في حين إذا كان في مكان معلوم وأمكن الاتصال به فهنا على القاضي أن يطلب منه أن يحضر لزوجته ويمنحه أجلا معينا فإذا انقضى هذا الأجل ولم يفعل كما أنه لم يبدي عذرا مقبولا فرق بينهما لرفع الضرر عن الزوجة.
ولقد صدر في هذا الشأن حكمين عن محكمة بشار الأول بتاريخ 03/10/99 قضى فيه بالإشهاد بفك الرابطة الزوجية بين الطرفين عن طريق التطليق وقد جاء في حيثياته: " حيث أن الثابت في قضية الحال أن الزوجة تضررت من غياب الزوج وهجره لها لمدة أكثر من سنتين مما يجعل دعواها مؤسسة عملا بالمادة 53/5 ق.أ الأمر الذي يتعين معه الاستجابة لطلبها المتعلق بالتطليق" (3). والثاني بتاريخ06/06/99 قضى فيه بالتطليق بين الزوجين وقد جاء في حيثياته: " حيث أن المدعية تهدف بدعواها إلى تطليقها من المدعي عليه استنادا إلى المادة 53/5 لغيبة أكثر من سنة بدون نفقة وطالبت بالتعويضات والحضانة.

(1) أديب إستانبولي: المرشد في قانون الأحوال الشخصية- الجزء الأول: الزواج والطلاق.
(2) الإمام محمد أبو زهرة- الأحوال الشخصية ص 427.
(3) حكم صادر عن محكمة بشار بتاريخ 03/10/99 رقم الفهرس 640.
-حيث أن المدعي عليه لم يحضر جلسات المحكمة لدحض مزاعم المدعية وتقديم ما يثبت أنه ينفق على زوجته وابنه رغم استدعائه قانونا، وأنه سعى في تنفيذ الحكم والقرار القاضي برجوع الزوجة إلى بيت الزوجية الكائن بالجزائر الوسطى مما يجعل المحكمة تكون قناعة بسوء نية الزوج في ترك زوجته معلقة لا هي بزوجة ولا هي بمطلقة طول هذه المدة الأمر الذي يتعين معه التصريح بفك الرابطة الزوجية بينهما لاستحالة العشرة والاستجابة بذلك لطلب المدعية " (1).
ما يمكن ملاحظته على هذين الحكمين أن القاضي لم يبين في حيثياته الشروط الواجب توفرها في غياب الزوج حتى يمكن له أن يصرح بالتطليق وخاصة شرط مدة غياب الزوج وما إن كان سبب غيابه مبرر أم لا وما إذا كان قد ترك لها مالا تنفق منه أم لا مما يجعل حكمه مشوب بنقص في التسبيب.
الفرع الثاني:
الأسباب المطلقة لسلطة القاضي:

فمن بين الأسباب التي تجعل ممارسة القاضي لسلطته التقديرية مطلقة وواسعة هي التطليق بسبب هجر الزوج لزوجته في المضجع والتطليق للضرر والتطليق لارتكاب فاحشة مبينة وتكون فيها سلطة القاضي واسعة نظرا لصعوبة إثباتها من قبل الزوجة.
أولا :
التطليق للهجر في المضجع:

إن المراد بالهجر هو الامتناع عن قربان الزوجة عمدا وذلك بترك فراش الزوجية دون سبب شرعي ولمدة تزيد عن أربعة أشهر كاملة قصد الإضرار بها.
والهجر في الفراش هو نوع من أنواع التأديب التي يملكها الزوج في مواجهة زوجته وهذا لقوله تعالى: " واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع " (2). ومتى كان الهجر بغرض التأديب فإنه يدخل في إطار حقوق الزوج وبالتالي لا يجوز أن يضار شخص باستعمال حقه الشرعي إلا إذا تعسف في استعماله وتجاوز حدود هذا الحق المقررله.
والهجر هو أحد الأسباب التي ورد النص عليها في المادة 53/3 ق.أ التي تجيز للزوجة طلب التطليق متى توافرت الشروط التالية وهي: -أن يهجرها الزوج ويترك فراش الزوجية وأن يفوق هذا الهجر مدة أربعة أشهر متتالية، وأن يكون هذا الهجر عمديا وليس له ما يبرره.
(1) حكم صادر عن محكمة بشار بتاريخ06/06/99 رقم الفهرس 362.
(2)سورة النساء الآية 33.
وفي هذا الصدد يختلف الهجر في المضجع عن الإيلاء المشار إليه في كتب الفقه الإسلامي بحيث عرفه كمال الدين بن الهمام :" بأنه الحلف على ترك قربان الزوجة أربعة أشهـر فصاعدا بالله أو بتعليـق القربان على ما يشق" (1).
إذن يكمن الفرق بين المفهومين في كون أن الإيلاء يمين أو قسم على عدم اقتراب الزوجة بينما الهجر هو ترك فراش الزوجية لكن بدون يمين أما المدة فهي واحدة وهي 4 أشهر.
ولذلك أجاز المشرع للزوجة اللجوء إلى القضاء لطلب التطليق بسبب هجر زوجها لها في المضجع لمدة تفوق أربعة أشهر ولكن بشرط إثبات ما تدعيه واقتناع القاضي به.
وفي هذا الشأن صدر حكم عن محكمة بشار بتاريخ 07/11/99 قضى فيه بالتطليق بين الطرفين المتنازعين بسبب الهجر في المضجع فجاء في حيثياته ما يلي :" حيث أن شهادة الشهود أثبتت أن الزوج هجر مقر الزوجية وترك العائلة في إهمال منذ أكثر من 7 أشهر وأن الزوجة لحقها ضرر من جراء ذلك مما يعطيها الحق في المطالبة بالتطليق وعليه يتعين الاستجابة لطلبها" (2) .
ثانيا:
التطليق للضرر المعتبر شرعا:

لقد خول المشرع للزوجة حق طلب التطليق إذا لحقها ضرر سببه لها زوجـها سواء بإيذائه لـها بالقول أو الفعل إيذاء بليغا يجعل الحياة الزوجية جحيما لا تطاق ولا يقطع هذه الحياة البغيضة إلا التفريق بينهما وقد جاء في الفقرة 6 من المادة 53 ق.أ بأن من أسباب التطليق كل ضرر معتبر شرعا إلا أن المشرع لم يتقيد بضرر معين وترك للقاضي سلطة تقدير الضرر وذلك حسب نوعية القضايا فمثلا: يمكن اعتبار عدم توفير السكن اللائق الشرعي أو إهمال النفقة الشرعية أو إساءة معاشرة الزوجة أو التهرب من الواجبات الزوجية ضرر معتبر شرعا.
وحسب رأيي فإن المشرع قد أحسن صنعا عندما لم يحدد أنواع معينة من الضرر وترك الأمر للسلطة التقديرية للقاضي ليقدر إن كان هناك ضرر أم لا وذلك حسب ظروف كل قضية ووقائعها لأن مفهوم الضرر هو مفهوم واسع لا يمكن حصره أو تحديده وقد يختلف من قاضي إلى قاضي ومن منطقة إلى أخرى.

(1) الإمام أبو زهرة – المرجع السابق ص 343.
(2) حكم صادر عن محكمة بشار بتاريخ 07/11/99 _رقم الفهرس 743/99.

فإذا أثبتت الزوجة دعواها ببينة أو إعترف الزوج وعجز القاضي عن الإصلاح بينهما طلقها طلقة بائنة وإذا عجزت عن البينة أو لم يقر زوجها رفضت دعواها بينما إذا طال أمد الخلاف وتكررت دعواها دون أن تثبت ادعاءاتها فإن على القاضي أن يعين حكمين للتوفيق بين الزوجين المتنازعين يكون إحداهما من أهل الزوجة والثاني من أهل الزوج يحاولا إصلاحا بينهما وعلى هذين الحكمين أن يعدا تقريرا عن مهمتهما في أجل أقصاه شهرين والسؤال الممكن طرحه في هذا المجال لماذا وجدت المادة 56 من ق.أ وعاشت ميتة لأنه خلال تربصاتي الميدانية لم أجد ولا قاضي يطبق هذه المادة على الرغم من أنها إجراء إجباري فهل هذا يعود إلى تقاعس القضاة وعدم رغبتهم في إصدار أحكام تحضيرية بتعيين حكمين أو يتعلق الأمــر
بشخصية الحكمين ؟
كما يجب أن لا ننسى بأن مخالفة الأحكام الواردة في المادتين 8 و37 من ق.أ تشكل ضرر معتبر شرعا بحيث تتكلم المادة الثامنة عن حالة تعدد الزوجات وفي هذه الحالة يجوز لكل واحدة الحق في رفع دعوى قضائية ضد الزوج في حالة الغش والمطالبة بالتطليق في حالة عدم الرضا.
وتنص المادة 37 من ق.أ على العدل في حالة الزواج بأكثر من واحدة بحيث إذا لم يقم الزوج بالعدل المطلوب شرعا وقانونا بين زوجاته أو تهرب من القيام بواجباته الزوجية فإنه يجوز للزوجة الحق في طلب التطليق للضرر.
وباختلاف تقدير هذا الضرر أدّى إلى ظهور عدة اجتهادات قضائية في هذا الشأن سنستهل بذكر بعضها:
فقد جاء في قرار للمحكمة العليا الصادر بتاريخ 20/05/1985 : " من المقرر شرعا أنه إذا طال أمد الخلاف بين الزوجين ولحق الزوجة من ذلك ضرر بيّن واقتنع القضاة بضرورة التفريق بينهما، فإنه لا سبيل من حال إلا بفك الرابطة الزوجية ومن ثم فإن النعي على القرار المطعون فيه بالقصور أو تناقض في الأسباب ومخالفة أحكام الشريعة الإسلامية في غير محله يستوجب رفضه " (1) .
وقد جاء في قرار آخر: " متى كان من المقرر شرعا أنه لا يسوغ للزوجة أن تطلب التطليق أو الحصول عليه إلا بعد أن تثبت الضرر الخطير والمستمر الذي لحقها من بعلها ومن ثم فإن القضاء بما يخالف هذا المبدأ يعد خرقا لمبادئ الشريعة الإسلامية " (2).

(1) المحكمة العليا قرار بتاريخ 20/05/85 ملف رقم36414 م.ق 90- عدد 2 - ص 58.
(2) المحكمة العليا قرار بتاريخ 25/12/84 ملف رقم 34767 م.ق 90 - عدد 1 - ص 92.

ومن خلال كل ما تقدّم نفهم بأنه حتى يمكن للقاضي الحكم بالتطليق فيشترط القانون على الزوجة حين تقديم طلبها أن تثبت الضرر الحاصل لها ويكون ذلك بكافة الطرق القانونية الممكنة.

ثالثا:
التطليق لارتكاب فاحشة مبينة:

وآخر حالة من حالات التطليق التي تجعل السلطة التقديرية للقاضي واسعة هي التطليق لارتكاب فاحشة مبينة والمنصوص عليها في الفقرة الأخيرة من المادة 53 ق.أ و المقصود بالفاحشة هنا هي الزيادة المبالغ فيها (1) أو الخطأ المخل بالأدب بصفة خطيرة وجسيمة (2).
وبصفة عامة هي كل فعل تستنكره القيم الإسلامية وأخلاق المجتمع الإسلامي وعليه فإنه إذا ارتكب الزوج فاحشة مبينة كالزنا أو الشرك بالله أو الردة أو الاعتداء على قاصرة… فإنه يجوز للزوجة أن ترفع أمرها إلى القاضي من أجل تطليقها لكن بشرط إثبات الفاحشة المرتكبة من طرف زوجها وذلك بتقديم للقضاء نسخة من الحكم الذي يدين به الزوج لارتكابه الفعل ولا يبقى حينئذ للقاضي سوى الحكم بالتطليق مباشرة.
فما يلاحظ على هذه الفقرة أن المشرع استعمل عبارة فضفاضة (فاحشة مبينة) ولم يعطى أمثلة عن ذلك وترك الأمر لتقدير القاضي الأمر الذي يجعل الأحكام متذبذبة بين القضاة فقد يرى قاضـي أن حـالة معينة قد تشكل فاحشة مبينة في حين يرى آخر أن نفس الفعل لا يعتبر كذلك، لهذا كان على المشرع أن يعطي تعريفا دقيقا لهذا المصطلح أو على الأقل إعطاء أمثلة عن ذلك للقياس عليها حتى تكون الأحكام مستقرة.
وخلال تربصي بالجهات القضائية فلم أصادف أحكام خاصة بهذه الحالة ويرجع السبب حسب اعتقادي لعدم وجود مفهوم دقيق لمصطلح فاحشة مبينة.





(1) الأستاذ فضيل سعد: شرح قانون الأسرة الجزائري ص 298-299.
(2) الأستاذ العربي بلحاج: الوجيز في شرح قانون الأسرة الجزائري ص 305.

المبحث الثاني
الخلع
ستقتصر دراستنا في هذا المبحث على ماهية الخلع من جهة وأحكام الخلع من جهة أخرى.
المطلب الأول
ماهيــــة الخلـــع
الفــرع الأول:
تعريفــه:

المشرع الجزائري لم يتطرق إلى تعريف الخلع إلا أنه نص عليه في المادة 54 من ق.أ بقوله:" يجوز للزوجة أن تخالع نفسها من زوجها على مال يتم الاتفاق عليه فإن لم يتفقا على شيء يحكم القاضي بما لا يتجاوز قيمة صداق المثل وقت الحكم "، ولذلك يستوجب علينا الرجوع إلى مبادئ الفقه الإسلامي طبقا لأحكام المادة 222 ق.أ بحيث يعرف الخلع في الشريعة الإسلامية بأنه " إزالة عقدة النكاح المتوقفة على قبولها بلفظ الخلع أو في ما معناه ". كما عرفه خليل في مختصره بأنه " الطلاق بعوض " (1) ، وقد عرفه الفقهاء بأنه فراق الرجل زوجته ببدل يحصل له ويرون أنه لابد في الخلع أن يكون بلفظ الخلع أو بلفظ مشتق منه أو لفظ يؤدي معناه مثل المباراة و الفدية (2) ، كما قد عرفه ابن حزم الظاهري بأنه " هو الافتداء إذا كرهت المرأة زوجها، فتخاف أن لا توفيه حقه أو خافت أن يبغضها فلا يوفيها حقها، فلها أن تفتدى منه ويطلقها إن رضي هو وإلا لم يجبر هو وإلا أجبرت هي، وإنما يجوز بتراضيهما "، وقد عرفه الفقهاء المسلمون بأنه عبارة عن عقد اتفاقي وثنائي الأطراف ينعقد عادة بعرض من الزوجة لمبلغ من المال المعلوم المتقوم شرعا مقابل طلاقها وبقبول صريح من الزوج لهذا العرض وللطلاق ويمكن أن يكون بعرض من الزوج وقبول من الزوجة (3) .
كما يمكن أن نعطيه تعريف أدق وأشمل فنقول بأنه عقد معاوضة رضائي وثنائي الأطراف شرع لمصلحة الزوجة والهدف منه إنهاء الحياة الزوجية بحكم قضائي، بناء على عرض أحد الزوجين وقبول الآخر تلبية لرغبة الزوجة مقابل مبلغ مالي تدفعه له بحيث يتفقان على نوعه أو مقداره في جلسة الحكم وإن لم يتفقا على ذلك فإن المشرع خول للقاضي حــق

(1) عبد الرحمان الصابوني: مدى حرية الزوجين في الطلاق.
(2) الشيخ أحمد محمد عساف: الأحكام الفقهية في المذاهب الإسلامية الأربعة المعاملات ص 374.
(3) عبد العزيز سعد: الزواج والطلاق في قانون الأسرة ص 216.
التدخل لتقديره بحيث لا يتجاوز في كل الأحـوال مقـدار صداق المثل وقت الحكم.
وقد وردت أحكام الخلع في القرآن والسنّة النبويّة وانعقد الإجماع على ذلك، وما يجدر ذكره أن الآية التي جاءت بأحكام الطلاق هي الآية نفسها التي جاءت بأحكام الخلع، قال الله تعالى: " الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به، تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون " (1)
فيفهم من هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى حرّم على الزوج أن يأخذ المال من زوجته إلا أنه استثنى من ذلك حالة واحدة هي إذا ما خشي الزوجان عدم إقامة حدود الله فيما بينهما كبغض المرأة لزوجها أو سوء سلوكها، ففي هذه الحالة يجوز للزوج أن يأخذ من زوجته مالا ليطلقها ويسمى هذا بالخلع كما جاءت السنة النبوية بتطبيقه وشرح مجمله.
وفي السنة النبوية الشريفة فإن أول خلع في الإسلام هو ما كان من جميلة بنت سهل تزوجـت ثابت بن قيس وقد جاءت إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم- فقالت يا رسول الله، لا أنا ولا ثابت ولا ما أعطاني وسألته أن يطلقها على حديقتها التي أصدقها إياها فقال: خذ الحديقة وطلقها تطليقة.
وفي الإجماع: فقد ذكر الإمام القرطبي في شرح الحديث فقال: " فيقال أنها كانت تبغضه أشد البغض، وكان يحبها أشد الحب، ففرق بينهما الرسول –صلى الله عليه وسلم- بطريق الخلع فكان أول خلع في الإسلام.
وقد صدر في هذا الشأن عن المحكمة العليا عدّة قرارات تعرف الخلع منها القرار المؤرخ في 08/02/82 جاء فيه " أن الخلع عقد يتوقف على إيجاب وقبول الطرفين " (2) ، وأيضا " إن الخلع يعتبر عقدا رضائيا فلا يجوز للقاضي أن يحكم به من تلقاء نفسه " (3) ، وكذلك " الخلع رخصة للزوجة تستعملها لفدية نفسها من الزوج مقابل مبلغ مالي تعرضه عليه " (4) .
كما عرّفه الأستاذ الغوتي بن ملحة بأنّه " عقد اتفاقي يستلزم عرض الزوج وقبول الزوجة "، وأن الخلع في الحالة التي يكون فيها بالتراضي يعتبر عملا قانونيا يتكون من عنصرين عنصر العرض وعنصر القبول، وعرّفه الدكتور محمد أبو زهرة بأنه عقد ينعقد بإيجاب وقبول.

(1) سورة البقرة الآية 229.
(2) المحكمة العليا قرار بتاريخ 08/02/82 – نشرة القضاة (1982) ص 258.
(3) المحكمة العليا قرار بتاريخ 11/06/84 ملف رقم 33652 ( غير منشور).
(4) المحكمة العليا قرار بتاريخ 16/03/99 ملف رقم 216239 م.ق عدد خاص ص 138.
من خلال كل ما تقدّم يمكن أن أستخلص تعريف شخصي للخلع في كونه أنه عقد بين طرفين تلتزم بموجبه الزوجة بدفع مبلغ مالي إلى الزوج مقابل فديتها منه.
الفرع الثاني:
طبيعته القانونية:

لم يتعرض المشرع الجزائري لمسألة الخلع بالتفصيل ولا لطبيعته القانونية تاركا هذه الأمور لمبادئ الفقه الإسلامي التي تعتبر المصدر التفسيري له تطبيقا لنص المادة 222 ق.أ فالخلع في رأي الفقه يعد من المعاوضات لأنه ينعقد بإيجاب وقبول ولكن الاعتبار فيه يختلف بالنسبة للرجل والمرأة ولذلك فالتكييف القانوني له هو كالطلاق على مال فيعتبر يمينا في جانب الزوج لأنه علق طلاقها على شرط قبولها المال ويعتبر معاوضة من جانب المرأة لأنه شبه بالتبرعات بحيث تدفع له مبلغ من المال في مقابل افتداء نفسها من رابطة زوجية أصبحت لا تطيقها (1) .
وتجدر بنا الإشارة إلى أنه وقبل التطرق إلى شرح كونه يمين أو معاوضة أن نفرق بين مفهومين كثيرا ما يتم الخلط بينهما وهما الخلع والطلاق بالتراضي.
فالخلع يشبه الطلاق بالتراضي إلا أنهما يختلفان في كون أن الأول يكون طلاق رضائي مقابل مال تدفعه الزوجة إلى زوجها أي هو طلاق بعوض أو طلاق على مال في حين أن الثاني يتم بموافقة الزوجين ولكن بدون مقابل.
أولا:
الخلع يمين من جانب الزوج:

أ)-فإذا كان الإيجاب صادرا عن الزوج كأن يقول لزوجته خالعتك على ألف دينار فسكتت ولم تقم بالرد فلا يجوز له الرجوع فيه مادامت لم تقم من المجلس، أما إذا قام هو من المجلس لا يبطل الإيجاب لأنه إذا كان لا يبطل برجوعه الصريح فأولى ألا يبطل بقيامه من المجلس ولكن يبطل بقيامها هي من غير رد أو قبول لأن المعاوضات والعقود المالية عامة تبطل إذا تفرقت المجالس بعد الإيجاب والقبول (2)
وفي حالة ما إذا كانت غائبة فإنها تتقيد بمجلس علمها فعند قيامها من المجلس قبل القبول بطل الإيجاب ولم يعد لها الحق في القبول لأن ذلك حكم العقود المالية، أمّا إذا كان الإيجــاب
(1) د. بلحاج العربي: المرجع السابق ص 263.
(2)الإمام محمد أبو زهرة: المرجع السابق ص 330.
صادرا من طرفها كأن تقول لزوجها ذلك مائة جنيه إن طلقتني فلا يمكن لها الرجوع عن إيجابها قبل قبوله وإذا قامت من مجلسها أو قام هو بطل الإيجاب.
ب)-يحق للزوج أن يعلق إيجابه على شرط أو يضيفه إلى زمن المستقبل كأن يقول لها خالعتك على مائة إن قبل أبوك لأن التعليق يجوز على أمر آخر ولكن لا يجوز لها أن تعلق إيجابها على أمر من الأمور.
ج)-لا يجوز للرجل ن يشترط الخيار لنفسه في الخلع لأنه تعليق وخيار الشرط أي حق الفسخ إنما يدخل في العقود لا في الإسقاطات.
وفي هذا السياق قضت المحكمة العليا في قرارها الصادر بتاريخ 12/03/69 بقولها "ليس الخلع في القانون إلا طلاقا صادرا عن إرادة الزوج المنفردة يحصل مقابل أداء الزوجة له تعويضا يقدر باتفاق الطرفين وعرض الزوج الخلع لا يخولها أي حق ولا أثر على إبقاء روابط الزوجية إذا لم يرض الزوج به ولا يمكن اعتباره كطلب مقدّم إلى القضاة ويكون عليهم الفصل فيه" (1).
ثانيا:
الخلع معاوضة من جانب الزوجة

فالأحناف يعتبرون الخلع معاوضة إذا كان من جانب الزوجة وذلك لأنها تعطي للزوج مالا مقابل طلاقها وهذه هي المعاوضة بين الطرفين يتم وفق إيجاب وقبول فأحدهما يدفع مالا والآخر يعطيه عن ذلك افتداء النفس، وحتى يمكن اعتبار الخلع معاوضة من جانب الزوجة فلا بد أن يتم قبولها في مجلس الإيجاب بحيث أنه إذا كانت غائبة عن مجلس الإيجاب فيعتبر قبولها في مجلس علمها بالإيجاب وعلى إثر ذلك فإذا أوجبت الزوجة الخلع ابتداء ثم قامت من المجلس أو قام الزوج قبل قبوله بطل الإيجاب (2).
فما دام الخلع من المعاوضات من قبل الزوجة فلا يجوز أن يعلق على شرط أو يضاف إلى زمن مستقبل.
وقد اختلف الفقهاء في تكييف الخلع فهل هو فسخ أم طلاق فمنهم من ذهب إلى اعتباره فسخا وتبعا لذلك يعد معاوضة في حين البعض الآخر يعتبره طلاقا فهو معاوضة فيه شبه تعليق فيعتبر معاوضة لأنه يأخذ منها بدلا في مقابل طلاقها وشبه تعليق لأنه يتوقف على أخذ المال.(3)

(1) المحكمة العليا: الغرفة المدنية قرار بتاريخ 12/03/69 – مجلة الأحكام المجموعة الأولى الجزء الأول ص 170-172.
(2)زودة عمر: طبيعة الأحكام بإنهاء الرابطة الزوجية وأثر الطعن فيها ص 58.
(3) زودة عمر: نفس المرجع السابق ص 59.
ثالثا:
الخلع فسخا أم طلاقا

هناك اختلاف حول هذه المسألة فهناك من يعتبر أن الخلع فسخ ومنهم أحمد وداود وابن عباس وعثمان وهم صحابة الرسول (ص) واستندوا في ذلك إلى قوله تعالى: " فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره" فلو افترضنا بأن الافتداء يقصد به الطلاق لا زادوا عدد الطلقات على ثلاث.
وما يدل أيضا على أنه فسح هو أن النبي (ص) أمر ثابت بن قيس أن يطلق امرأته في الخلع تطليقة و مع هذا أمرها أن تعتد بحيضة وهذا صريح في أنه فسخ.
أما الذين اعتبروا بأن الخلع طلاقا فإنه روي عن عثمان وعلي وعبد الله بن مسعود وعن جماعة من التابعين أن الخلع يعد طلاقا وفي ذلك قال الأئمة أبو حنيفة ومالك والشافعي وهذا الحكم مؤكد سواء كان الخلع على مال أم كان يغير ذلك لأن الله شرع الخلع كي تملك الزوجة نفسها وهذا ما يتعارض مع الطلاق الرجعي.
وأدلة الخلع على أنه طلاق حديث الرسول (ص) بن قيس " ردي عليه حديقته " ، ومفهوم الرد هو المفارقة والتخلية يقع بها الطلاق.
وأساس الاختلاف يكمن في الاعتداء بالطلاق فمن رأى بأنه طلاق احتسبه طلقة بائنة ومن رأى أنه فسخ لم يحتسبه.
أما موقف المشرع الجزائري بالنسبة لهذه المسألة فلم يتطرق إليها على الإطلاق لكن يمكن أن نستخلص بأنه اعتبر الخلع طلاقا على أساس أنه أورده تحت باب انحلال الزواج في الفصل الخاص بالطلاق لأنه لو كان يقصد به الفسخ لما ذكره في الفصل الخاص بالفسخ.
ضف إلى ذلك أن الفسخ يكون في حالة وجود عيب يشوب العقد كاختلال أحد أركانه بينما لو نظرنا إلى الخلع فهو يرد على علاقة زواج شرعية لم يعتريها أي عارض يعيب العقد ومن ثم يرد عليه الطلاق وليس الفسخ.
وقد صدر في هذا الشأن قرار عن المحكمة العليا بتاريخ 05/02/69 يؤكد ذلك بقوله " لا يلحق الطلاق إلا التي عقد عليها بنكاح صحيح ".




المطلب الثاني:
أحكام الخلع

سنتناول أحكام الخلع في فرعين: الفرع الأول نخصصه لشروط الخلع والفرع الثاني لآثاره.

الفرع الأول:
شروطه

إن المشرع الجزائري لم يتعرض إلى الشروط الواجب توفرها لصحة الخلع مكتفيا بالإشارة إلى جواز الطلاق بالخلع مقابل مال يتفق عليه الزوجان وفي حالة عدم إتفاقهما يحدده القاضي بما لا يتجاوز قيمة صداق المثل الأمر الذي يتعين معه الرجوع إلى مبادئ الشريعة الإسلامية.
ولهذا يشترط لصحة الخلع توفر الأهلية القانونية لكل من الزوجين وأن تكون هناك علاقة زوجية قائمة بينهما بالإضافة إلى أن يكون الخلع مقابل مال(1).

أولا: بالنسبة للزوج:
فيجب أن يكون راشدا عاقلا وأهلا للتصرف في ماله بحيث لا يمكن للصغير والمجنون أن يخالع زوجته لأنه في حكم فاقد الأهلية بحيث يشترط فيه أن يكون بالغا واحد وعشرين سنة (المادة 7 ق.أ) إلا أنه يمكن للقاضي أن يجيز الخلع قبل بلوغ هذا السن إذا وجدت مصلحة في ذلك وهذا أخذا بالمذهب المالكي القائل " من لا يملك الزواج إلا بإذن لا يملك الطلاق إلا بإذن".
بينما السفيه فيمكنه أن يطلق لأنه محجور عليه في التصرف المالي فقط ومن ثم فقد ذهب الأئمة الأربعة إلى جواز خلعه لصحة طلاقه لكن إذا سلم العوض إلى السفيه بدون إذن ولي فهو بمثابة دين لم تبرأ الزوجة منه.
أما بالنسبة للزوج المريض مرض الموت فإنه إذا خالع زوجته فإن الخلع ينفذ والعوض يلزم
وذلك حسب اتفاق الفقهاء.

(1) الدكتور بلحاج العربي المرجع السابق ص 265.


ثانيا: بالنسبة للزوجة:
فيشترط فيها أن تكون متمتعة بأهلية التبرع (المادة 203 ق.أ) بحيث إذا لم تبلغ سن الرشد المنصوص عليه في المادة 40 ق.أ فلا يلزمها بدل الخلع إلا إذا وافق وليها على ذلك لأن الخلع بالنسبة لها هو في حكم المعاوضة الشبيهة بالتبرع (1). ومن ثم فلا يصح للصغيرة أو المجنونة أو السفيهة أن تخالع زوجها بمال.
أما عن جواز إختلاع الأب على إبنته الصغيرة فالجواب إذا اختلعها بمالها أو بمهرها وقع الطلاق ولا يلزمها بشيء كما لا يلزم الأب بشيء، أما إذا اختلعها بماله فإنه يصح الخلع ويلزم المال.
أما إذا خالع الأب ابنته البالغة فيقع الخلع موقوفا على اجازتها ويجوز الخلع إذا خالعها من ماله.
وإن خلع المحجور عليها لسفه أو جنون لا يلزم به مال، ولكن يقع به الطلاق رجعيا هذا إذا كان مدخولا بها و بائنا إذا لم يكن مدخولا بها.
وهنا يثار إشكال بخصوص خلع المرأة التي تكون قد بلغت الثامنة عشر فهي قاصرة فالقانون يعتبرها غير قادرة على إدارة أموالها وفي هذا يرى الدكتور " محمد أبو زهرة " أنها تعامل معاملة السفيه في خلعها.
أما بالنسبة لخلع الزوجة المريضة مرض الموت فهو مقبول وتكون ملزمة ببدل الخلع لأنها أهل لجميع التصرفات المالية.
ثالثا: قيام الرابطة الزوجية:
حسب المادة 54 من ق.أ فإنه يشترط القانون لكي تخالع الزوجة زوجها لا بد أن يكون هناك زواج شرعي وقانوني صحيح سواء أكان قد سجل في سجلات الحالة المدنية أم لم يسجل لكن لا يقبل الحكم بالخلع إلا بعد تسجيل عقد الزواج.
فلو كان الزوج مثلا أجنبيا عن الزوجة أو لا تربطه به علاقة زواج فلا يصح أن تخالعه ولا يمكن حصول هذا الخلع طلاقا.
والعلاقة الزوجية القائمة حكمها كتلك القائمة حقيقة فلو كانت الزوجة في عدتها من طلاق رجعي فلا مانع من مخالعة نفسها من زوجها لأن الطلاق الرجعي لا تزال فيه الرابطة الزوجية قائمة من جهة وملكية الإستمتاع لم ترتفع من جهة أخرى.
أما في حالة ما إذا كانت الرابطة الزوجية فاسدة طبقا لنصوص المواد 32 إلى 34 ق.أ فلا يقع
الخلع.

(1) الدكتورغوتي بن ملحة : قانون الأسرة الجزائري ص 185.
رابعا: بدل الخلع:
مقابل الخلع هو ما تقدمه الزوجة إلى زوجها مقابل طلاقها ويجوز أن يكون مقابل الخلع بكل ما صح أن يكون صداقا من نقود أو غيرها المهم أن يكون مباح شرعا (المادة 14 ق.أ)، وهذا المقابل يمكن أن يكون من النقود والأوراق المالية المتداولة داخل الوطن كما يمكن أن تكون من النقود والأوراق المالية المتداولة خارج الوطن (1) .
وقد يكون أشياء مقومة بمال كالذهب بشرط أن يكون الشيء موجودا وقت عرضها للإيجاب وقد يكون شيء مستقبلي (المادة 92 ق.م) ويجب أن يكون الشيء مقابل الخلع معينا أو قابل للتعيين (المادة 94 ق.م) وأن يكون مشروعا وغير مخالف للنظام العام والأداب العامة (المادة 96 ق.م).
ويلاحظ أنه لا يصح بدل الخلع في حالتين: (2)
1)-إذا كان المسمى مالا غير متقوم فإذا سمت الخمر مثلا على أنه بدل خلع فإن خالعها على ذلك وقع الطلاق ولم يثبت البدل لأن المسلم ليس له أن يطالب بالخمر إذا هو في حقه غير متقوم.
2)-إذا شمل بدل الخلع اعتداء على حق الصغير فإذا كان بدل الخلع أن يبقى الولـد تحت يدها إلى أن يبلغ ولو تجاوز سن الحضانة فإن كان ذكرا لا يصح هذا البدل وإن كانت انثى يصح لأن بقاءها في يد أمها حتى تبلغ ليس فيه ضرر لها.
إذن فالخلع قد شرع لمصلحة الزوجة بناء على عرض أحد الزوجين وقبول الآخر مقابل مال تدفعه للزوج يتفقان على مقداره في جلسة الحكم وفي حالة عدم الإتفاق على ذلك يتدخل القاضي لحسم الخلاف القائم وذلك بتحديده شريطة أن لا يتجاوز مقدار صداق المثل وقت الحكم.
وفي هذا الشأن صدر قرار عن المحكمة العليا بتاريخ 22/04/1985 جاء فيه " من المقرر فقها أنه في حالة الإتفاق بين الزوجين على مبدأ الخلع والاختلاف على مقداره فإن أمر تقديره يعود لقاضي الموضوع، باعتبار أن ذلك يعتبر اتفاقا على مبدأ الطلاق بخلع ومن ثم يتعين على القاضي تقدير قيمة الخلع ثم الحكم بالطلاق وتأكيدا لهذا المبدأ يستوجب نقض القرار الذي يقضي برجوع الزوجة لمحل الزوجية إذا طلبت الطلاق بخلع على مقدار صداقها واشتراط الزوج خلعا قدره 50 ألف دج، رغم انصراف إرادة الطرفين إلى الطلاق بخلع وطلبــها له معا " (3) .
(1) عبد العزيز سعد: المرجع السابق ص 217.
(2) عبد العزيز عامر: الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية ص 302.
(3) المحكمة العليا: قرار بتاريخ 22/04/1985 ملف رقم 38341 نشرة القضاة عدد 94 ص 190.

كما يجب أن نشير إلى أنه لا يسقط مقابل الخلع النفقة الواجبة على الزوج في حالة العدة ولا يجوز الخلع على أن تتنازل الزوجة عن حضانة ولدها لأبيه لأن هذا الحق للولد وبقاؤه عند أمه أنفع له.
وقد طرح إشكان يتعلق بمدى اشتراط رضا الزوج في الخلع من عدمه ؟
وهنا قد انقسم موقف المحكمة العليا في هذه المسألة إلى اتجاهين :
الاتجاه الأول:
يرى بأن الخلع لا يكون صحيحا إلا إذا رضي الزوج به وهناك قرارات عديدة للمحكمة العليا تشترط رضا الزوج حتى يقع الخلع ومنها القرار المؤرخ في 21/12/1988 جاء فيه " من المقرر فقها وقضاءا أن قبول الزوج للخلع أمر وجوبي وأنه ليس للقاضي سلطة مخالفة للزوجين دون رضا الزوج ومن ثم فإن القضاء بما يخالف هذا المبدأ يعد مخالف لأحكام الفقه وبما كان من الثابت في قضية الحال أن المطعون ضدها طلبت التطليق ولم يكن لها سبب أظهرت إستعدادها لمخالفة زوجها دون أن يحدد ذلك قبول من هذا الأخير فإن القضاء بتطليق المطعون ضدها على سبيل الخلع يعد خرقا للقواعد الفقهية الخاصة بالخلع ومتى كان كذلك إستوجب نقض الحكم المطعون فيه دون إحالة " (1) .
نفهم من خلال هذا القرار أنه كان يشترط لصحة الخلع رضا الزوج أي بمفهوم المخالفة أنه إذا لم يرض الزوج بذلك فلا يقع الخلع رغم أن الزوجة أصبحت لا تطيق العيش معه وهذا غير منطقي لأن الخلع شرع أصلا لمصلحة الزوجة في صورة رخصة وذلك لتمكينها من طلب التطليق من الزوج الذي أصبحت لا تحتمله وخافت من أن تقع في الحرام.
الاتجاه الثاني:
يرى عكس ذلك بحيث لا يشترط لصحة الخلع رضا الزوج وإنما يكفي عرض الزوجة لمقابل الخلع وفي هذا الشأن صدرت عدة قرارات عن المحكمة العليا تقضي بذلك منها القرار المؤرخ في 21/11/2000 الذي جاء فيه " المبدأ: أن قبول الزوج لمبدأ الخلع أو المبلغ الذي يطلبه غير مشروط قانونا وذلك منعا للإبتزاز والإستغلال بين الزوجين " (2) .
وفي نفس السياق صدر قرار آخر جاء فيه " إن الخلع يحكم به القاضي دون إشتراط رضا الزوج وعند الاختلاف في مبلغ التعويض يحكم القاضي بما لا يتجاوز صداق المثل " (3).
يفهم من خلال هذين القرارين بأن المحكمة العليا تراجعت عن موقفها السابق وأصبحت

(1) المحكمة العليا قرار بتاريخ 21/12/88 رقم الملف51728 م.ق 90 عدد3 ص32.
(2) المحكمة العليا قرار بتاريخ 21/11/2001 رقم الملف 252994 م.ق 2001 عدد1 ص 293.
(3) المحكمة العليا قرار بتاريخ 19/04/1994 رقم الملف 103793 نشرة قضائية عدد1 ص96.
لا تشترط لصحة الخلع رضا الزوج فبمجرّد أن يتفقا الطرفين على الخلع فإنه يقع، وفي حالة
عدم اتفاقهما على المبلغ المالي فإنه يجوز للقاضي المطروحة عليه القضية أن يتدخل لتقديره على أن لا يتجاوز فيمة صداق المثل.
ورأيي بالنسبة لهذين الاتجاهين فإني أميل إلى الاتجاه القائل بعدم إشتراط رضا الزوج في الخلع على أساس أن الخلع هو حق للزوجة منحته لها الشريعة الإسلامية وكرسه لها القانون فهو بيد الزوجة كما هو الطلاق بيد الزوج وهذا يتأكد من قوله تعالى: " قل تضارهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن ".
كما أنه لو اشترط رضا الزوج لتعسف في ذلك وظلم الزوجة وأبقاها معلقة وألحق بها أضرارا خاصة إذا لم تستطيع إثبات هذه الأضرار من أجل رفع دعوى التطليق.
وفي هذا الشأن يرى الأستاذ زودة عمر بأن الخلع هو حق إرادي للزوجة، وهو قرار ولائي أما تقديره فهو مسألة قضائية.
كما أنه قد يطرح إشكال يتعلق ببدل الخلع ويتمثل في: هل يشترط ذكر البدل في المخالعة أم لا ؟.
فالمسألة هنا مرتبطة بموافقة الزوج فإذا طلبت منه الزوجة مخالعتها بدون أن تذكر بدل الخلع ووافق الزوج على ذلك ولم يطالبها به فهنا نكون أمام فك للرابطة الزوجية بطريق الخلع وهذا أخذا بالمذهب المالكي.
ولهذا نفهم من ذلك بأنه لا يشترط ذكرالبدل في المخالعة فبمجرد اتفاق الطرفين على
المبدأ حتى وإن لم يتعرضا إلى ذكر البدل ولم يطالب به الزوج فيقع الخلع.
كما يمكن طرح السؤال التالي: فهل يجوز للزوج أن يطلب بدل الخلع أكثر من المهر الذي أعطاه لها ؟ فهناك آراء مختلفة بالنسبة لهذه المسألة فهناك من يرى بأنه يمكن للزوج أن يأخذ من زوجته مقابل خلع يفوق المهر الذي أصدقه إياها، مستندين في ذلك على قوله تعالى: " فلا جناح عليها فيما إفتدت به " وهذا عام يتناول القليل والكثير.
وفي هذا الشأن قال الإمام مالك ابن أنس أنه لا بأس بأن تفتدي المرأة من زوجها بأكثر مما أعطاها.
وهناك من يرى بأنه لا يجوز للزوج أن يأخذ من زوجته أكثر مما أعطاها وهذا استنادا لما روا الدار قطني عن أبي الزبير " إن ثابت بن قيس بن شماس كانت عنده بنت عبد الله بن أبي بن سلول وكان أصدقها حديقة فقال الرسول (ص): أتردين عليه حديقته التي أعطاك قالت نعم وزيادة، فقال النبي (ص) أما الزيادة فلا ولكن حديقته قالت نعم فأخذها له وخلى سبيلها فلما بلغ ذلك ثابت بن قيس قال قد قبلت قضاء رسول الله –صلى الله عليه وسلم-."
أما بالرجوع إلى قانون الأسرة فنجده قد أخذ بالمذهب المالكي بحيث أنه ترك مسألة تحديد مقابل الخلع للطرفين أي لهما كامل الحرية في تقدير المبلغ فإذا تم الإتفاق بينهما فلا يثار هناك أي إشكال، أما إذا لم يتم الاتفاق بينهما على مقابل الخلع فهنا أعطى المشرع الحق للقاضي في التدخل لحسم هذا الخلاف وتقديره شريطة أن لا يتجاوز صداق المثل.

الفرع الثاني:
آثاره

إن المشرع الجزائري لم يتناول الآثار المترتبة عن الخلع إلا أنه يمكن استخلاصها بالرجوع إلى القواعد العامة التي تضمنها قانون الأسرة وكذا من القواعد العامة في الفقه الإسلامي ونشير إلى هذه الآثار بنوع من الإيجاز:
1-في حالة إتفاق الزوجين على مقابل الخلع فإن ذلك يؤدي حتما إلى اسقاط جميع الحقوق القائمة بين الزوجين قبل وقوعه مثل المهر المؤجل والنفقة الواجبة باستثناء حق نفقة العدة فإنها لا تسقط لأنه حق ينشأ بعد حدوث الطلاق ويبقى قائم في ذمة الزوج بحيث يجوز للزوجة أن تطالب به في أي وقت اللهم إلا إذا اتفق الطرفين على الإعفاء منه أو ضمه إلى بدل الخلع.
2-كما لا يجوز أيضا أن يتفق الطرفين على أن تكون الحضانة هي مقابل الخلع وفي حالة حصول ذلك فإن الخلع سيكون صحيحا وملزما أما التنازل عن الحضانة فيكون باطلا لأن هذه الأخيرة هي حق للطفل ولا يمكن التنازل عنها.
3-في حالة ما اتفق الزوجين على أن يكون مقابل الخلع هو التزام الزوجة بالانفاق على أولادها مدة محددة ثم خلال تلك الفترة وقعت في اعسار فإن حق النفقة تنتقل إلى الأب على أن يكون ذلك دينا في ذمتها تسدده حين يسارها وإذا توفيت فإن له الحق في الرجوع على تركتها إن كانت قد خلفت ما يورث.
4-من آثار الخلع أيضا أنه يتم التفريق بين المتخالعين فورا بحيث هناك من اعتبر أن الخلع فسخا لعقد الزواج وليس طلاقا وهذا ما جاء به المذهب الحنبلي في حين المذهبين المالكي والحنفي فإنه يعتبر الخلع طلاقا بائنا بدليل أن الهدف من وقوعه هو درء الضرر عن الزوجة.
5-الخلع هو رخصة منحها المشرع للزوجة التي أصبحت لا تطيق العيش مع زوجها من أجل التخلص منه لكن بشرط أن تدفع له مقابل مالي.


الفصل الثاني
إجراءات التقاضي في دعاوى الخلع والتطليق

إن قانون الأسرة الجزائري رغم معالجته للمسائل المتعلقة بالأحوال الشخصية والقواعد الأساسية المنظمة للأسرة وأحكامها إلا أنه لم يتطرق إلى الإجراءات الواجب إتباعها في حالة إثارة نزاع بين الزوجين وخاصة في دعاوى فك الرابطة الزوجية الأمر الذي يستوجب معه الرجوع إلى قانون الإجراءات المدنية لمعرفة طرق رفع الدعوى إلى المحكمة وإختصاصها وطرق الطعن في هذه الأحكام وآثارها وهذا ما سنبيّنه في هذا الفصل.

المبحث الأول:
الإجراءات الخاصة برفع الدعوى وقواعد الإختصاص

سنتعرض في هذا المبحث الذي نقسمه إلى مطلبين: إجراءات الدعوى كمطلب أول وقواعد الإختصاص وكيفية تسيير الجلسة كمطلب ثاني.

المطلب الأول:
إجـــراءات الدعـــوى
الفرع الأول:
شروط قبول الدعوى

بالرجوع إلى قانون الإجراءات المدنية وخاصة المادة 459 منه التي تشترط لقبول الدعوى أمام المحكمة أن ترفع من شخص له صفة وأهلية ومصلحة في ذلك.
كما نصت المادة 5 من القانون رقم 63-224 الصادر بتاريخ 29/06/1963 بأنه لا يجوز لأحد أن يدعي أنه زوج، وأن يطالب بما يترتب عن الزواج من آثار إذا لم يقدم نسخة من عقد زواج مسجل أو مقيد في سجلات الحالة المدنية.
ومن تحليل أحكام هذين النصين يتبين بأنه يجب على الزوجة قبل أن تعرض النزاع على المحكمة المختصة أن تتوفر فيها الشروط العامة المتمثلة في الصفة والأهلية وأن تكون لها مصلحة في ذلك، كما يجب توفر هذه الشروط في المدعي عليه كون أن الدعوى لا ترفع إلا من ذي صفة على ذي صفة.
وبالإضافة إلى هذه الشروط العامة الواجب توفرها لرفع ي دعوى قضائية فهناك شرط خاص يجب توفره في دعاوى التطليق والخلع وهو أن تقدم الزوجة رفقة العريضة الإفتتاحية نسخة من عقد الزواج مستخرجة من سجلات الحالة المدنية بالبلدية لم يمض على إستخراجها أكثر من عام وذلك لإثبات العلاقة الزوجة القائمة بين الطرفين وهذا يمكن إعتباره شرط شكلي وهو إلزامي في كل دعوى . وسنتطرق إلى دراسة هذه الشروط بنوع من الإيجاز:
1)-شرط المصلحة:
والمقصود بالمصلحة هنا أن يكون الهدف من اللجوء إلى القضاء هو الحصول على حكم يضمن حماية مصلحة شرعية أو فائدة عملية مشروعة.
فمثلا: في دعوى التطليق يكون هدف الزوجة من رفع هذه الدعوى هو الحصول على حكم يطلقها من زوجها الذي سبب لها ضررا.
2)-شرط الصفة:
والمقصود بالصفة أنه يجب أن يكون كلا من الزوجين يتمتعان بصفة التقاضي بحيث يجب أن تكون المدعية هي الزوجة والمدعي عليه هو الزوج بحيث لا يمكن رفع الدعوى من أب الزوجة أو أخيها كما لا يمكن أن ترفع على أب الزوج أو أخيه بحيث إذا حصل ذلك فلا تقبل الدعوى لإنعدام الصفة، إلا أنه يمكن رفع الدعوى من طرف الممثل القانوني للزوجة كالمدافع القضائي أو المحامي أو الولي بالنسبة لمن لم يبلغ سن الرشد المدني.
3)-شرط الأهلية:
والمقصود بالأهلية هنا هي أهلية التقاضي أمام المحكمة بحيث يجب أن يكون كلا من الزوجين يتمتعان بأهلية التقاضي(19سنة) وذلك حسب المادة 40 ق.م وأن يكونا متمتعين بقواهما العقلية لأنه لا يجوز للمحكمة أن تقبل أية دعوى من أو على شخص فاقد الأهلية أو ناقصها إلا بواسطة ممثله القانوني.
وفي هذا المجال يمكن طرح إشكال يتعلق بحالة ما إذا تزوجت المرأة عن طريق الإذن من القضاء أي كانت تبلغ 17 سنة من العمر وبعد عدة أشهر من ذلك أرادت رفع دعوى تطليق أو خلع فهل تقبل دعواها رغم أنها لم تبلغ سن الرشد أم يجب رفع دعواها باسم وليها وبتعبير آخر فهل الزواج يمنح الزوجة أهلية التقاضي ؟ حسب رأيي هناك حلين:
الحل الأول: ما دام أنه لا يوجد نص صريح يحل هذا الإشكال فإنه يجب علينا الرجوع إلى القواعد العامة وبالأخص المادة 40 من ق.م التي تحدد صراحة أهلية التقاضي ب 19 سنة كاملة وطالما أن الزوجة لم تبلغ هذا السن فإنه لا يجب عليها رفع هذه الدعوى باسمها وأنما باسم وليها.
الحل الثاني: ما دام أن المشرع قد نص في المادة 7 من ق.أ على أن تكتمل أهلية المرأة فــي الزواج ببلوغها 18 سنة أي بمعنى تستطيع أن تبرم عقد الزواج الذي تترتب عنه نتائج خطيرة فمن باب أولى تستطيع أن ترفع دعوى أمام القضاء.
وحسب إعتقادي فإن الرأي الأول هو الأرجح بدليل أنه لاستثناء إلا بنص صريح وطالما أنه لم ينص المشرع على ذلك في قانون الأسرة فإنه يجب الرجوع إلى القواعد العامة وخاصة المادة 40 ق.م التي تحدد أهلية التقاضي ب 19 سنة كاملة.
ومن ثم فإذا رفعت الزوجة دعوى وهي لم تبلغ هذا السن فإنه يحكم لها بعدم قبول الدعوى.
شرط تقديم نسخة من عقد الزواج:
ويعتبر هذا الشرط من الشروط الخاصة التي تتطلبها إجراءات رفع دعوى التطليق والخلع لأنه يعتبر الدليل الفعلي على وجود زواج رسمي بين هذين الزوجين المتنازعين وهذا يعني أنه إذا أرادت الزوجة أن ترفع دعوى التطليق ضد زوجها فإنه يتعين عليها أن تقدم إلى المحكمة رفقة عريضة إفتتاح الدعوى نسخة من عقد الزواج و إلا حكم لها بعدم قبول الدعوى، لأن نسخة عقد الزواج تبين صفة الزوجين وتمنح لهما الحق في اللجوء إلى القضاء.
كما نلاحظ أنه يجب لكي تقبل دعوى الزوجة ألا يكون قد سبق وأن حكم في موضوع نزاعها ولنفس الأسباب لأنه إذا كان قد صدر حكم في ذلك ودفع الزوج بسبق الفصل فإن القاضي يحكم بعدم قبول الدعوى لسبق الفصل فيها كما يجب أن لا يكون قد وقع صلح بين الطرفين أو إتفقا على التحكيم بشأن موضوع النزاع.

الفرع الثاني
إجراءات الصلح والتحكيم

إجراءات الصلح والتحكيم هي من المسائل الهامة التي تعرضت لها قوانين الأحوال الشخصية وخاصة منها في البلدان العربية والإسلامية وقد جاء النص على هذه المسألة في القرآن الكريم وذلك بقوله في سورة النساء " وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها، إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما، إنّ الله كان عليما خبيرا " (1).
وعليه سأحاول أن أتحدث عن الصلح والتحكيم بإيجاز.

(1)سورة النساء الآية 35.
إجراءات الصلح:
لقد نص المشرع الجزائري على هذا الإجراء في المادة 49 ق.أ بقوله " لا يثبت الطلاق إلا بحكم بعد محاولة الصلح من طرف القاضي دون أن تتجاوز مدة الصلح ثلاثة أشهر ".
ويتبين من خلال هذه المادة أنه لا يمكن وجود الطلاق إلا إذا صدر به حكم من القضاء، ويتم إجراء الصلح باستدعاء القاضي للزوجين المتنازعين إلى مكتبه بواسطة أمين الضبط وذلك في جلسة سرية التي يحاول من خلالها أن يجمع شمل الزوجين ويبين لهما محاسن المحبة والتفاهم ويصلح بينهما فإذا نجح في ذلك فينبغي عليه أن يحرر محضرا بما تصالح عليه الزوجان، أما إذا فشل في ذلك فيحرر أيضا محضر عدم الصلح ويحيل الأطراف إلى جلسة علنية من أجل النطق بالطلاق خلعا أو بالتطليق.
وإجراء الصلح قد أثار إشكالا يكمن في هل أنه إجراء إجباري يترتب على عدم احترامه بطلان الإجراءات أم أنه إختياري يجوز الإستغناء عنه ؟
وفي هذا الشأن صدرت عدة قرارات عن المحكمة العليا تعتبر فيها أن إجراء الصلح هو إجراء إجباري وعدم إحترامه يعتبر خطأ في تطبيق القانون منها القرار المؤرخ في 18/06/1991 الذي جاء فيه أنه " من المقرر قانونا أنه لا يثبت الطلاق إلا بحكم بعد محاولة الصلح من طرف القاضي ومن ثم فإن القضاء بما يخالف هذا المبدأ يعد خطأ في تطبيق القانون.
ولما كان من الثابت في قضية الحال أن قضاة الموضوع الذين قضوا بالطلاق بين الزوجين دون القيام بإجراء محاولة الصلح بين الطرفين يكونوا قد أخطأوا فـي تطـبيق القانون" (1).
وهناك قرار آخر مؤرخ في 18/01/1994 " إن الحكم بفك الرابطة الزوجية لا يصدر إلا بعد إتخاذ إجراءات الصلح بين الزوجين عملا بأحكام المادة 49 ق.أ " (2) .
ومن خلال هذين القرارين نستنتج بأن إجراء الصلح هو إجراء إجباري يتعين القيام به في أي طريقة من طرق إنحلال الرابطة الزوجية على أساس أن القاعدة المنصوص عليها في المادة 49 ق.أ هي إجرائية وشكلية لا يقوم عليها أي إستثناء (3).
إجراءات التحكيم:
التحكيم منصوص عليه في المادة 56 ق. بقولها " إذا إشتد الخصام بين الزوجين ولم يثبت الضرر وجب تعيين حكمين للتوفيق بينهما، يعين القاضي حكما من أهل الزوج وحكمـا
(1) المحكمة العليا قرار بتاريخ 18/06/91 ملف رقم 75141 ص75.
(2) المحكمة العليا قرار بتاريخ 18/01/94 ملف رقم 96688 ص80.
(3) الدكتور الغوتي بن ملحة: محاضرات في قانون الأسرة ألقيت على طلبة السنة الأولى لسنة 2004.
من أهل الزوجة وعلى هذين الحكمين أن يقدما تقريرا عن مهمتهما في أجل شهرين ".
فقانون الأسرة لم يوضح جليا بعض المسائل منها كيفية تعيين الحكمين فهل يتم تعيينهم بأمر كتابي أو شفهي ومتى نلجأ إلى هذا الإجراء أبعد فشل محاولة الصلح أو أثناء إجراءات الصلح وكذلك لم يتطرق إلى حالة ما إذا رفض الزوجان مبدأ التحكيم أو لم يجد من يقبل التحكيم فماذا يمكن أن يفعله القاضي ؟
فلم يتطرق المشرع الجزائري إلى الشروط الواجب توفرها في الحكمين ولذلك علينا الرجوع إلى الفقه الإسلامي حيث حصرها الفقهاء في الإسلام والتكليف والعدالة والذكورية وفهم المقصد للذي وجه إليه (1)، و الحكم الذي يباشر هذه المهمة لا يكون حكما ناجحا إلا إذا توفرت فيه هذه الشروط.
فرغم أن هذا الإجراء هو قليل العمل به في الجهات القضائية إلا أنه وحسب ما اطلعنا عليه في محكمة بشار فإن تعيين هذين الحكمين يكون بناء على أمر كتابي من القاضي المكلف بالأحوال الشخصية على أن يراعي في إختيارهما درجة القرابة من كلا الزوجين كأن يكون الجد أو العم أو الخال أو الأخ وفي هذا الشأن ذكر الدسوقي أنه لا يجوز بعث أجنبين مع وجود الأهل أما فيما يخص المهلة الممنوحة لهما للقيام بهذه المهمة فحسب نص المادة هي شهرين.
وتنحصر مهمتهما اساسا في التعرف على أسباب الشقاق بين الزوجين ثم بذل قصارى جهدهما في رفع هذا الخلاف والشقاق وزرع الإئتلاف والوفاق بينهما واستعمال كل ما يؤدي إلى عودة الصفاء والمودة بينهما.
وبعد إنتهاء المحكمين من هذه المهمة فعليهما أن يرفعا تقريرهما إلى القاضي في أجل شهرين من تاريخ تعيينهما بحيث يقدم على نسختين الأولى توضع بالملف والثانية بكتابة الضبط لإطلاع الطرفين عليهما وعلى القاضي أن يأخذ بعين الإعتبار ما هو مدون في هذا التقرير وأن يحكم بمقتضاه. وتستند هذه الأحكام المستمدّة من الفقه المالكي إلى قوله تعالى " وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا " (2) .
من خلال هذه الآية نفهم بأن الله تعالى شرع التحكيم كإجراء وقائي يلجأ إليه قبل وقوع الكارثة وهي التطليق أو الخلع أو الطلاق وما ينجم عنهم من آثار سلبية وخطيرة.
ونذكر كذلك أنه بالرغم من أن القانون لم يوضح متى يلجأ إلى التحكيم أبعد فشل محاولة الصلح أم أثناء إجراءات محاولة الصلح فإنه قد جرى العمل على أن تتم هذه الإجراءات

(1) الأستاذ: عبد المؤمن بلباقي : المرجع السابق ص 120.
(2) سورة النساء الآية 35.
أثناء محاولة الصلح وهذا فيه فائدة كبيرة جدا بحيث يمكن أن يأتي بنتيجة إيجابية لأننا نكون أمام إجرائين في نفس الوقت وهذا يمكن أن يؤثر على الزوجين ويقع الصلح بينهما.
فبالنسبة لطبيعة التحكيم فإنه وإن كان جوازي في المواد المدنية فإنه إجباري في مسائل أحوال الشخصية ولاسيما فيما يتعلق بدعاوى الطلاق إلا أنه لا يعمل به في الميدان العملي إلا نادرا وهذا راجع لكون أن القضاة لا يريدون إطالة الإجراءات ويكتفون بالصلح فقط وذلك من أجل التخلص من الملفات بسرعة.

المطلب الثاني
قواعد الإختصاص وكيفية تسيير الجلسة

تختلف المحكمة المختصة بالفصل في القضايا التي تنشأ بين الزوجين المتخاصمين وذلك حسب إختلاف موضوع الطلب المقدم للمحكمة فقد نصت المادة 8/4ق.إ.م على أن المحكمة المختصة بالفصل في دعاوى الطلاق (وتشمل التطليق والخلع) ودعاوى الرجوع إلى محل الزوجية هي المحكمة التي يقع في دائرة إختصاصها مسكن الزوجية (1) .
أما بالنسبة لتسيير جلسة الأحوال الشخصية فهي عادية ولا تختلف عن الجلسات الأخرى والإختلاف الوحيد يكمن في أنه يمكن لأحد الزوجين أن يطلب من المحكمة أن تكون مرافعاتهما في جلسة سرية لا يمكن حضورها إلا الطرفين والقاضي وأمين الضبط كما يمكن للقاضي ومن تلقاء نفسه أن يجعل الجلسة سرية إذا رأى ضرورة لذلك.
بعدما يقوم كاتب الضبط بتسجيل القضية في السجل الخاص وبعد تعيين تاريخ الجلسة الأولى فيحضر الزوجين في هذا اليوم إما شخصيا أو عن طريق ممثليهما القانونيين ويشرح كل واحد منهما طلباته ومزاعمه بالإثبات والأدلة.
وفي حالة عدم حضور المدعي أو وكيله للجلسة الأولى رغم تبليغه شخصيا بتاريخ الجلسة فإن على القاضي أن يحكم بشطب الدعوى وهذا طبقا لما جاءت به المادة 35 إ.م، أما في حالة عدم حضور المدعي عليه فيحكم في غيبته.
كما يجوز لكل من الطرفين أن يحضروا شهودهم إلى المحكمة ويقدمهم مباشرة للقاضي أثناء الجلسة.فيبدأ القاضي أولا بسماع المدعي الذي يعرض طلباته إلى المحكمة مع تقديم أدلته وبعد الانتهاء من ذلك يعطي الكلمة للمدعي عليه للرد على طلبات المدعي وذلك بتقديم دفوعه

(1) المحكمة العليا قرار مؤرخ في 06/06/88 ملف رقم 49091 (غير منشور).
وبعد ذلك يمنح الكلمة إلى محامي المدعي ثم محامي المدعي عليه قبل إقفال باب المرافعة.
هذا من الناحية القانونية لكن وما جرى عليه العمل في الميدان أن القاضي يكتفي بالعرائض المقدمة له فقط أي يبادل الأطراف العرائض للرد عليها وكفى.
وبناء على ما تقدم يمكن أن نستخلص بأن قانون الأسرة لم يتطرق إلى إجراءات رفع الدعوى وهذا ما يعاب عليه بحيث كان عليه أن يتضمن أجراءات خاصة به توجه القضاة والمتقاضين إلى معرفة إجراءات المحاكمة وإجراءات التقاضي التي يجب عليهم مراعاتها ولهذا يجب علينا الرجوع إلى قانون الإجراءات المدنية لمعرفة هذه الإجراءات بحيث نجد المادة 12 منه نصت على طريقتين لرفع الدعوى أمام المحكمة الأولى تكمن في رفع عريضة مكتوبة لدى أمانة ضبط المحكمة والتي يجب أن تتضمن جميع المعلومات الخاصة بهوية المدعي والمدعي عليه وكما يجب أن تكون موقعة ومؤرخة وأن يحدد فيها موضوع الطلبات تحديدا كافيا نافيا للجهالة مع ذكر مبررات وأسباب هذه الطلبات.
والثانية تتمثل في رفع دعوى عن طريق التصريح الشفهي ويكون ذلك بحضور المدعية أمام رئيس أمناء الضبط أو أحد أعوان مكتب الضبط وتصرح له شفاهة بموضوع الدعوى وتطلب الحكم لها بالتطليق أو الخلع وتدعم طلباتها بمستندات ووثائق تثبت ذلك بالإضافة إلى ذكر هويتها كاملة.
وبعد ما يتلقى أمين الضبط تصريحاتها فإنه يقوم بتحرير محضر بذلك ويقدمه لها للتوقيع عليه وإذا كانت لا تحسن التوقيع فيجب ذكر ذلك في آخر المحضر ويصبح هذا المحضر وثيقة رسمية تقوم مقام العريضة الإفتتاحية.
إلا أنه ومن الناحية العملية لم نصادف هذه الحالة خلال تربصاتنا بالجهات القضائية رغم أن المشرع نص عليها صراحة في المادة 12 ق.إ.م وهذا راجع ربما لعدم توعية المتقاضين وعدم معرفتهم للإجراءات من جهة وكذا حجم العمل المفروض على أمناء الضبط هو الذي يحول دون تطبيق هذه الفقرة من جهة أخرى.
إذن فهذه الفقرة أصبحت بدون روح ولا فائدة ترجى منها من الناحية العملية ولذلك كان على المشرع أن يلغيها.





المبحث الثاني
أثار الأحكام الصادرة بالتطليق والخلع وطرق الطعن فيها

بعدما تطرقنا في المبحث الأول إلى الإجراءات المتعلقة برفع الدعوى والقواعد العامة والخاصة بها فينبغي علينا الآن أن نحدد ونبين طرق الطعن في الأحكام الصادرة بالتطليق أو الخلع وما يمكن أن ينجم عن هذه الأحكام من آثار سواء بالنسبة للطرفين أو الغير وما هي طبيعة هذه الأحكام.
المطلب الأول
الأحكام الصادرة بالتطليق والخلغ

إن الأحكام القضائية بصفة عامة تقسم إلى أحكام تقريرية وأحكام منشئة وأحكام إلزام ولذلك يجب أن نتطرق إلى طبيعة الأحكام الصادرة بالتطليق والخلع ثم ندرس آثار هذه الأحكام.

الفرع الأول
طبيعة هذه الأحكام

وقبل التطرق إلى طبيعة الأحكام الصادرة بالخلع والتطليق يتعين علينا أن نشير إلى أنواع هذه الأحكام بنوع من الإيجاز.
1)-الحكم الملزم:
حكم الإلزام هو ذلك الحكم الذي يتضمن إلزام المدعي عليه بأداء معين قابل للتنفيذ الجبري ولذلك فإن حكم الإلزام يهدف إلى تقرير مصدر الإلزام ولكي تتحقق هذه الصورة فلابد أن يكون هناك تنفيذ جبري يهدف إلى إعادة مطابقة المركز الواقعي مع المركز القانوني للشخص فمتى نقول بأننا أمام حكم ملزم ؟ فنكون أمام حكم ملزم إذا كان هناك حق يقابله إلتزام ويكون هذا الحكم قابلا للتنفيذ الجبري (1).
2)-الحكم المقرر:
هو ذلك الحكم الذي يؤكد وجود أو عدم وجود الحق أو المركز القانوني وهذا الحكم لا يمكن تنفيذه جبرا وهذا عكس الحكم الملزم لأنه بمجرد صدوره تتحقق الغاية منه مثل: الحكـم

(1) الأستاذ عمر زودة: المرجع السابق ص 98.
الصادر بالتطليق فبمجرد صدوره تشبع الحاجة منه أي تخلص الزوجة من الزوج.
والأحكام المقررة لا يساهم القضاء إلا في الكشف عنها وتقريرها، والدعوى التقريرية لا تواجه إعتداء ظهر في شكل مخالف للإلتزام لأن الحق أو المركز القانوني لا يقابله إلتزام وإنما يواجهه مجرد إعتراض.
3)-الحكم المنشئ:
هو ذلك الحكم الذي يهدف إلى الحصول على قضاء يتضمن إنشاء أو إنهاء أو تعديل حق أو مركز قانوني وهو مثل الحكم المقرر فبمجرد صدوره تتحقق الغاية منه بدون حاجة إلى تنفيذه جبرا.
وتختلف الأحكام التقريرية عن الأحكام الإنشائية في كون أن الأولى تكون فيها السلطة التقديرية للقضاء محدودة، بينما في الأحكام الإنشائية تكون السلطة التقديرية للقضاء أوسع.
ونستخلص من كل ما سبق أن القضاء الصادر بإنهاء العلاقة الزوجية سواء تعلق الأمر بالطلاق أو بالتطليق أو الخلع هو قضاء منشئ بحيث تترتب عنه إنهاء المركز القانوني الناشئ عن عقد الزواج (1).
وبعد معرفة أنواع الأحكام القضائية فإننا نقوم أولا بدراسة الأحكام الصادرة بحل الرابطة الزوجية بالتطليق وثانيا الأحكام الصادرة بحل الرابطة الزوجية بالخلع.
• أولا :الأحكام الصادرة بحل الرابطة الزوجية بالتطليق:
من المبادئ المتفق عليها بين فقهاء الشريعة الإسلامية أن الطلاق في الأصل حق للزوج وذلك طبقا لنصوص القرآن الكريم و السنة النبوية التي أسندته إلى الرجل إلا أن الشريعة الإسلامية فتحت باب للزوجة فأعطت لهذه الأخيرة حق اللجوء إلى القضاء لطلب تطليقها ونجد أن المشرع قد منح للزوجة طلب التطليق إذا توفرت حالة من الحالات المذكورة في المادة 53 ق.أ كما سبق وأن شرحناها.
وقد جاءت فقرتها السادسة بالقاعدة العامة التي مضمونها أنه يجوز للزوجة طلب التطليق إذا حصل لها ضرر معتبر شرعا، وتقدير هذا الضرر يرجع إلى السلطة التقديرية للقاضي فله الحق في الإستجابة إلى طلبها وتطليقها ومن ثم تخضع مسألة وقوع الضرر اللاحق بالزوجة للسلطة التقديرية وأن هذه الأخيرة لا تخضع لرقابة المحكمة العليا.
ويتبين من كل ما سبق ذكره أن أحكام التطليق تختلف من حيث طبيعتها عن أحكام الطلاق بحيث الأولى هي أحكام إنشائية، أما الثانية فهي أحكام تقريرية.

(1) الأستاذ عمر زودة: المرجع السابق ص 100.

• ثانيا : الأحكام الصادرة بحل الرابطة الزوجية بالخلغ:
لقد جعلت الشريعة الإسلامية مركز الزوجة مساويا بمركز الزوج في إنهاء العلاقة الزوجية بحيث منحتها حقا إراديا في التفريق لقاء بدل تدفعه للزوج إذا لم تستطيع أن تثبت إخلال الزوج بأحد إلتزاماته، أما إذا تمكنت من إثبات ذلك فيفرق بينهما بدون دفع أي مقابل.
ونتيجة لكل ما تقدم فإن الحكم الصادر بالخلع لا يختلف من حيث طبيعته القانونية عن الحكم الصادر بالطلاق في كون أنه من الأحكام التقريرية إذ لا دخل لإرادة القاضي في خلق هذا الحكم لأن هذا الحق هو أرادي وتستطيع الزوجة إستعمال حقها في أي وقت تريد بشرط أن تدفع مقابل لقاء تخليصها من حياة زوجية أصبحت لا تطيقها غير أنه يختلف عنه من حيث تكييف الفرقة الناتجة عنه فهي تدخل تحت نظام الفسخ لأنه لم تقع بناء على إرادة الزوج وتعتبر فرقة بائنة بينونة صغرى(1).
الفرع الثاني
أثار الحكم بالتطليق والخلع

إن أثار الحكم بالتطليق هي نفسها أثار الحكم بالطلاق خلعا مع إختلاف بسيط يكمن في أن التعويض في الخلع يكون من طرف الزوجة وهذه الآثار تكمن فيما يلي: نفقة العدة، نفقة الإهمال، حق الحضانة، حق طلب أجرة الحضانة، طلب السكن لممارسة حضانة الأولاد، وحق الزيارة، وسنتعرض لهذه الآثار بنوع من الإيجاز:
1)-نفقة العدة:
فالعدة هي المهلة أو المدة التي منحتها الشريعة وكذا القانون للزوجة المطلقة أو المتوفي عنها زوجها أو الحامل أو المفقود عنها زوجها أن تتربص بها ولا يمكن لها أن تتزوج خلال هذه المدة إلا بعد انتهائها، وقد نص المشرع في المادة 58 ق.أ " على أن تعتد المطلقة المدخول بها غير الحامل بثلاثة قروء واليائسة من المحيض بثلاثة أشهر من تاريخ التصريح بالطلاق" وأضافت المادة 60 ق.أ " عدة الحامل هو وضع حملها وأقصى مدة الحمل 10 أشهر من تاريخ الطلاق "، والهدف من العدة هو إستبراء الرحم.
كل مطلقة معتدة تستحق نفقة من مال زوجها طيلة مدة عدتها ويجب على المطلق أن يتحمل نفقة العدة وعلى المحكمة أن تحددها سواء شهريا أو إجماليا ولكن في الميدان العملي فإنها تحدد إجماليا وعلى القاضي أن يراعي عند تقديرها حال الطرفين.
2)-الحضانة:
لقد نص عليها المشرع في المادة 62 ق.أ بقوله أن " الحضانة هي رعاية الولد وتعليمه
(1) الأستاذ : زودة عمر المرجع السابق ص 117.
والقيام بتربيته على دين أبيه والسهر على حمايته وحفظه صحة وخلقا "، وقد جعل المشرع الجزائري حضانة الصغير في مرحلة الطفولة من شؤون النساء بحيث نصب المادة 64 ق.أ على أن الأم أولى بحضانة ولدها ثم أمها ثم الخالة ثم الأب ثم أم الأب ثم الأقربون درجة مع مراعاة مصلحة المحضون في ذلك.
وقد أعطى المشرع حق الحضانة للنساء أصلا لكونهن أقدر وأصبر من الرجال على تربية الطفل والعناية به.
كما إشترط المشرع توافر شروط معينة في الحاضن وتتمثل في العقل، البلوغ، القدرة، الأمانة والإستقامة وأن تكون قريبة للطفل.
كما نصت المادة 65 من ق.أ على مدة الحضانة بحيث تنقضي مدة الحضانة بالنسبة للذكر ببلوغه 10 سنوات وبالنسبة للأنثى ببلوغها سن الزواج ويمكن للقاضي تمديد مدة الحضانة بالنسبة للذكر إلى 16 سنة، بشرط عدم زواج المرأة ثانية.
3)-نفقة المحضون وسكنه:
فقد تضمنتها المادة 72 ق.أ بحيث جعلت نفقة المحضون وسكناه من ماله الخاص إذا كان له مال وإلا فعلى والده أن يهيء له سكنا وإن تعذر فعليه أجرته.
وتكون هذه النفقة شهرية حسب مقدور الأب وتسري إبتداء من تاريخ النطق بالحكم إلى غاية سقوطها شرعا.
4)-نفقة الإهمال:
لقد أقرت المادة 74 ق.أ أن نفقة الزوجة واجبة على زوجها بالدخول بها بحيث إذا لم يقم الزوج بالإنفاق على زوجته فإنه يحق لها طلب نفقة الإهمال التي تحسب من تاريخ خروجها من مسكن الزوجية إلى غاية صدور الحكم بالتطليق أو الخلع وللقاضي سلطة تقديرمبلغ نفقة الإهمال شهريا مراعيا في ذلك حال الزوجين.
5)-حق الزيارة:
فعلى القاضي عند منح حق الحضانة للأم أو لأي شخص آخر من الأشخاص المنصوص عليهم في المادة 64 ق.أ أن يحكم بحق الزيارة للأب مع تحديد أيام وساعات الزيارة حتى لا يقع خلاف بين المطلقين حول حق الزيارة وأيامها.
6)-النزاع حول متاع البيت:
لقد جاءت المادة 73 ق.أ كل النزاع القائم بين المطلقين حول متاع البيت بقولها أنه "إذاوقع
النزاع بين الزوجين أو ورثتهما وليس لأحدهما بينة فالقول للزوجة أو ورثتها مع اليمين في
المعتاد للنساء، والقول للزوج أو ورثته مع اليمين في المعتاد للرجال والمشتركـات بينهما
يتقسماتها مع اليمين ".
نفهم من هذه المادة أنه إذا تنازع الزوجان أو ورثتهما ولم يكن لديهما أي دليل فالقول للزوجة أو ورثتها مع تأدية اليمين وذلك في المتاع المتعلق بالنساء، أما ما يتعلق بالرجال فالقول للزوج أو ورثته مع تأدية اليمين، أما ماهو مشترك بينهما فيتم تقسيمه بينهما مناصفة بعد أداء اليمين لكل واحد منهما على أنه ملكه.
أما إذا أنكر أحد الزوجين أن ما يدعيه الطرف الآخر من أثاث غير موجود فعلى الطرف الذي يدعي وجود ذلك فعليه إثبات ذلك بكل وسائل الإثبات المقررة في القانون المدني.
ويمكن طرح التساؤل التالي: هل يمكن تعويض الزوجة عند الحكم لها بالتطليق؟ بالنسبة لتعويض المطلقة (نفقة المتعة) فقد اختلف موقف المحكمة العليا بشأنه.
بحيث هناك إتجاه يرفض تعويضها على أساس أن التعويض يكون في حالة ما إذا طلقها الزوج طلاقا تعسفيا ونتج عن ذلك ضرر لمطلقته وذلك أخذا بالمادة 52 ق.أ ويعتبر الحكم بالتعويض في حالة التطليق فهم خاطئ للقانون (1) حيث جاء في قرار للمحكمة العليا صادر بتاريخ 05/05/86 " إن المبدأ الذي إستقر عليه الإجتهاد القضائي أن الزوجة التي تطلب الطلاق لا يمنح لها التعويضات ومن ثم فإن المحكمة العليا بعد المداولة القانونية قررت نقض القرار المطعون فيه نقضا جزئيا في التعويض دون إحالة " (2) .
لقد جاء في القرار أن الزوجة تطلب الطلاق في حين الأصل أن الزوج هو الذي يطلب الطلاق بينما هي تطلب التطليق.
وفي قرار آخر صادر بتاريخ 27/03/89 جاء فيه " من المقرر قانونا أن التعويض يجب على الزوج الذي طلق تعسفا زوجته ونتج عن ذلك ضرر لمطلقته، فإن كل زوجة بادرت بإقامة دعوى قصد تطليقها من زوجها وحكم لها به فالحكم لها بالتعويض غير شرعي ومن ثم فإن القضاء بخلاف هذا المبدأ يعد فهما خاطئا للقانون "، في حين هناك إتجاه آخر يرى بـأنه " يحق للقاضي تعويض المطلقة إذا ألحقت بها أضرار واستندوا في ذلك على المادة 55 ق.أ على أنه " في حالة الطلاق يحكم القاضي بالتعويض للطرف المتضرر ".
وفي هذا الشأن صدر قرار عن المحكمة العليا بتاريخ 23/12/1997 جاء فيه " من المقرر قانونا أنه يحق للزوجة أن تطلب التطليق لكل ضرر معتبر شرعا ومن المقرر أيضا أنه في حالة الطلاق يحكم القاضي بالتعويض للطرف المتضرر ولما كان ثابتا أن الضرر اللاحق بالزوجة كان مبالغ فيه ومتعسفا من طرف الزوج فإن تطليق الزوجة وحده لا يكفي لجبــر


(1) الدكتور العربي بلحاج: المرجع السابق ص 308.
(2) المحكمة العليا: قرار بتاريخ 05/05/86 ملف رقم41104 (غير منشور).
الضرر وتعويضها مقابل الأضرار اللاحقة بها، فإن القضاة بقضائهم بتعويض الزوجة نتيجة إثبات الضرر من طرف الزوج طبقا لأحكام الادة 55 ق.أ قد طبقوا القانون ومتى كان كذلك إستوجب رفض الطعن " (1).
وحسب إعتقادي الشخصي فإن الموقف الممكن ترجيحه هو الموقف الثاني لأن المـادة 55 ق.أ هي واضحة بحيث تجيز للقاضي الحكم بالتعويض للطرف المتضرر دون أن تبين الطريقة التي إنحلت بها الرابطة الزوجية فسواء كان الطلاق أو التطليق.
ضف إلى ذلك فإن الزوجة قد تضررت من جراء تصرفات زوجها فمن غير المعقول أن نحرمها من التعويض التي هي في أمس الحاجة إليه.
ملاحظة: هناك نقطة يمكن إضافتها بالنسبة للخلع حيث أن التعويض مقابل الخلع تدفعه الزوجة إلى زوجها بعد الإتفاق عليه أو تحديده من طرف القاضي وفي هذا يختلف عن التطليق.

المطلب الثاني
طرق الطعن في الأحكام الصادرة بالتطليق والخلع

إن طرق الطعن الخاصة بالأحكام الصادرة بالتطليق أو الخلع هي نفسها طرق الطعن الأخرى الصادرة في المواد الأخرى ومن ثم فإنها كأصل عام تقبل الطعن بالمعارضة والإستئناف وذلك في الجانب المادي فقط كما تقبل الطعن بالنقض. ولهذا يمكن تقسيم طرق الطعن إلى عادية وتشمل المعارضة والإستئناف وطرق غير عادية وتشمل الطعن بالنقض والتماس إعادة النظر.

الفرع الأول
طرق الطعن العادية

إن الأحكام الصادرة في مسائل الطلاق بصفة عامة مثلها مثل غيرها من الأحكام الصادرة عن محاكم الدرجة الأولى تقبل الطعن فيها بالطرق العادية والمتمثلة في المعارضة والإستئناف.

(1) المحكمة العليا: قرار بتاريخ 23/12/97 ملف رقم 181648.

أولا
الطعن بالمعارضة

لا نجد في قانون الأسرة أي نص يستفاد من مضمونه أن أحكام التطليق والخلع تقبل الطعن بالمعارضة ولذلك علينا الرجوع إلى قانون الإجراءات المدنية حيث تنص المادة 98 منه على أنه يجوز الطعن بالمعارضة في جميع الأحكام الغيابية وتكون بالنسبة للجوانب المادية فقط وذلك حسب المادة 57 ق.أ.
ولذلك نقول بأنه يمكن المعارضة في الحكم الغيابي القاضي بالتطليق أو الخلع ويكون الحكم غيابيا إذا لم يكن التكليف بالحضور قد سلم للشخص الخصم أي أنه قد سلم لشخص آخر كأن يكون أحد أقاربه أو تابعيه أو البوابين أو أي شخص آخر يقيم بنفس المنزل ولذلك فإذا لم يكن قد تسلم ورقة التكليف بنفسه فإن القانون يجيز له المعارضة في الحكم الصادر ضده غيابيا. ويترتب عن المعارضة وقف تنفيذ الحكم المعارض فيه طيلة أجل المعارضة المحددة قانونا وهي 10 أيام بالنسبة لمن يقيم في الجزائر وشهرين بالنسبة لمن يقيم خارج التراب الوطني اللهم إلا قضى الحكم الغيابي بأن يكون التنفيذ معجلا كما يترتب على المعارضة أيضا إعادة النظر في الدعوى من جديد أمام نفس المحكمة التي أصدرت الحكم المعارض فيه.
رد مع اقتباس
إضافة رد


أدوات الموضوع
طريقة عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الراشدي : الراشدي

الساعة الآن 01:55 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd d3m