جامعة الملك فيصل
العودة   منتدى متنوع مواقع متنوعه

إضافة رد
   
أدوات الموضوع طريقة عرض الموضوع

  #1  
قديم 08-11-2011, 06:12 AM
محمد علي محمد علي غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Nov 2010
المشاركات: 27,292
افتراضي جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب

جواهر الأدب
في أدبيات وإنشاء لغة العرب
أحمد الهاشمي
نسح وتنسيق مكتبة مشكاة الإسلامية


كتاب يبحث في علمين مهمين من علوم اللغة وهما علم الأدب وعلم الإنشاء والكتاب على قسمين، قسم في الإنشاء وفيه خمس أبواب" أصول الإنشاء والمراسلات والمناظرات والأوصاف والروايات" والقسم الثاني في الأدب كتب فيه عن تاريخ الأدب العربي، وأبواب الشعر العربي
نسح وتنسيق مكتبة مشكاة الإسلامية

مقدمة في علم الإنشاء
الإنشاء لغة الشروع والإيجاد والوضع تقول أنشأ الغلام يمشي إذا شرع في المشي وأنشأ الله العالم أوجدهم وأنشأ فلان الحديث وضعه واصطلاحاً علم يعرف به كيفية استنباط المعاني وتأليفها مع التعبير عنها بلفظ لائق بالمقام وهو مستمد من جميع العلوم. وذلك لأن الكاتب لا يستثنى صنفاً من الكتابة فيخوض في كل المباحث ويتعمد الإنشاء في كل المعارف البشرية.
وينحصر المقصود منه في ثلاثة أبواب وخاتمة وملحق.
الباب الأول في أصول الإنشاء
وهي أربعة: مؤاده وخواصه وطبقاته ومحاسنه.
أما مواده فثلاث: الأولى: الألفاظ الفصيحة الصريحة., الثانية: المعاني. الثالثة: إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة ومرجعها إلى الفصاحة وعلمي المعاني والبيان.
وأما خواصه فهي محاسنه السبعة وهي: أولاً: الوضوح بأن يختار المفردات البينة الدلالة على المقصود وأن يعدل عن كثرة العوامل في المجلة الواحدة وإن يتحاشى عن الالتباس في استعمال الضمائر وأن نسبك الجمل سبكاً جلياً بدون تعقيد والتباس وأن يتحاشى عن كثرة الجمل الاعتراضية.
وثانياً: الصراحة بأن يكون الإنشاء سالماً من ضعف التأليف وغرابة التعبير بحيث يكون الكلام حراً مهذباً تناسب ألفاظه للمعاني المقصودة كما قيل:
تزينُ معانيه ألفاظهُ

وألفاظه زائناتُ المعاني
ويكون الكلام صريحاً بانتقاء الألفاظ الفصيحة والمفردات الحرة الكريمة وكذا بإصابة المعاني وتنقيح العبارات مع جودة مقاطع الكلام وحسن صوغه وتأليفه. وكذا بمراعاة الفصل والوصل وهو العلم
(1/1)
________________________________________
بمواضع العطف والاستئناف والاهتداء إلى كيفية إيقاع حروف العطف في مواقعها.
وثالثاً: الضبط وهو حذف فضول الكلام وإسقاط مشتركات الألفاظ كقول قيس بن الخطيم المتوفي سنة 612م.
أرى الموتَ لا يرعى على ذي قرابةٍ

وإنْ كان في الدّنيا عزيزاً بمقعد

لعمرك ما الأيام إلاّ معارةٌ

فما اسطعتَ من معروفها فتزوَّد

ورابعاً: الطبعية بأن يخلو الكلام من التكلف والتصنع كما قال في رثاء ابنه أو العتاهية المتوفي سنة 211ه?.
بكيتك يا بني بدمع عيني

فلم يغن البكاءُ عليك شيّا

وكانت في حياتك لي عظاتٌ

وأنت اليوم أوعظُ منك حيّا

وذلك لأن من تطبع طبعه نزعته العادة حتى ترده إلى طبعه كما أن الماء إذا أسخنته وتركته عاد إلى طبعه من البرودة. وحينئذ الطبع أملك.
وخامساً: السهولة بأن يخلص الكلام من التعسف في السبك وأن يختار ما لان منها كما قال في الأشواق بهاء الدين زهير المتوفي سنة 656ه?.
شوقي إليكَ شديدٌ

كما علمتَ وأزيدْ

فكيفَ تنكرُ حبَّا

بهِ ضميرك يشهدْ
وأن تهذب الجمل وأن يأتلف اللفظ مع اللفظ مع مراعاة النظير كما قال الشاعر في الوداع.
في كنفِ الله ظاعنٌ ظعنا

أودع قلبي وداعه حزنا

لا أبصرتْ مقلتي محاسنه=إنْ كنتُ أبصرتُ بعده حسنا قال بعض البلغاء أحذركم من التقعير والتعمق في القول وعليكم بمحاسن الألفاظ والمعاني المستخفة المستملحة فإن المعنى المليح إذا كسي لفظاً حسناً وأعاره البليغ مخرجاً سهلاً كان في فلب السامع أحلى ولصدره أملأ قال البستي:
إذا انقادَ الكلامُ فقدهُ عفواً

إلى ما تشتهيه من المعاني
ولا تكرهْ بيانكَ أنْ تأبى

فلا إكراهَ في دين البيان

وسادساً: الاتساق بأن تتناسب المعاني كقول المتنبي المتوفي سنة 346ه?.
ومازلتُ حتى قادني الشوقُ نحوه

يسايرني في كلّ ركبٍ له ذكرُ

وأستكبرُ الأخبارَ قبلَ لقائهِ

فلمّا التقينا صغّرَ الخبرَ الخبرُ
(1/2)
________________________________________
وسابعاً: الجزالة وهي إبراز المعاني الشريفة في معارض من الألفاظ الأنيقة اللطيفة كقول الصابئ المتوفي سنة 384ه?.
لك في المحافل منطقٌ يشفي الجوى

ويسوغُ في أذن الأديب سلافه

فكأنّ لفظكَ لؤلؤٌ متنخّلٌ

وكأنّما آذاننا أصدافهُ

وأما عيوبه فسبعة الهجنة بأن يكون اللفظ سخيفاً والمعنى مستقبحاً كقوله:
وإذا أدنيتَ منهُ بصلاً

غلبَ المسكَ على ريح البصل
والوحشية كون الكلام غليظاً تمجه الأسماع وتنفر منه الطباع كقوله:
وما أرضى لمقلتهِ بحلم

إذا انتبهتَ توهَّمهُ ابتشاكا
والركاكة ضعف التأليف وسخافة العبارة كقول المتنبي المتوفي سنة 346ه?.
إنْ كان مثلك كان أو هو كائنٌ

فبرئتُ حينئذٍ من الإسلام

والسهو عبارة عن ضعف البصر بمواقع الكلام المتنبي يشبه ممدوحه بالله تعالى (وهو كفر).
تتقاصرُ الأفهامُ عن إدراكه

مثل الذي الأفلاكُ منهُ والدُّني
والإسهاب الإطالة الزائدة المملة في شرح المادة والعدول إلى الحشو كقوله:
أعنى فتى لم تذرُّ الشَّمسُ طالعةٌ

يوماً من الدّهر إلا ضرَّ أو نفعا
والجفاف الإيجاز والاختصار المخل كقول الحارث بن حلزة المتوفي سنة 232ه?.
والعيشُ خيرٌ في ظلال النّوكِ

ممَّن عاشَ كدّا
(1/3)
________________________________________
ووحدة السياق التزام أسلوب واحد من التعبير وطريقة واحدة من التركيب بحيث تكون للأذهان كلالا وللقلوب ملالاً.
وللكلام عيوب كثيرة منها اللحن ومخالفة القياس الصرفي وضعف التأليف والتعقيد والتكرار وتتابع الإضافات إلى غير ذلك من الأشياء التي تكون ثقيلة على اللسان مخالفة للذوق والعرب غريبة على السمع.
وأما طبقاته ثلاث الأولى: الطبقة السفلى ومرجعها إلى الإنشاء الساذج وهو ما عرا عن رقة المعاني وجزالة الألفاظ والتأنق في التعبير فهو بالكلام العادي أشبه لسهولة مأخذه وقرب مورده ويستعمل في المحافل العمومية ليقرب منال المعاني على جمهور السامعين في المقالات والتأليف العلمية لينصرف الذهن إلى أخذ المعنى وليس دونه حائل من جهة العبارة وفي المكاتبات الأهلية والرحلات والأسفار والأخبار وما شابه ذلك (الثانية: الطبقة العليا) ومرجعها إلى الإنشاء العالي وهو ما شحن بغرر الألفاظ وتعلق بأهداب المجاز ولطائف التخيلات وبدائع التشابيه فيفتن ببراعته العقول ويسحر الألباب ويصلح في الترسل بين بلغاء الكتاب وفي المجالس الأدبية وديباجة بعض التصانيف إلى غير ذلك من المواضع التي من شأنها الزجر وتحريك العواطف والحماسة.
(الثالثة: الطبقة الوسطى) ومرجعها إلى الإنشاء الأنيق وهو ما توسط بين الإنشاء العالي والساذج فيأخذ من الأول رونقه ومن الثاني جلاءه وسلامته ويصلح في مراسلات ذوي المراتب وفي الروايات المنمقة والأوصاف المسهبة وفي خطب المحافل وما أشبه ذلك.
وأما محاسنه فهي أساليب وطرائق معلومة وضعت لتزيين الكلام وتنميقه لغرض أن يتمكن البليغ من ذهن السامع بما يورده من أساليب الكلام المستحسنة فيحرك أهواء النفس ويثير كامن حركاتها، ولغرض أن يكون قوله أشد اتصالاً بالعقل وأقرب للإدراك بتصرفه في فنون البلاغة.
?كيفية الشروع في عمل مواضيع الإنشاء
(1/4)
________________________________________
إذا عن لك أو اقترح عليك إنشاء موضوع فأنت منوط إذاً بأمرين التفكر أولاً والكتابة ثانياً فإذا أنعمت الفكر ملياً في أجزاء الموضوع بعد استيلاء الإحساس بها على قلبك وقلبتها على جميع الأوجه الممكنة فيها تولد في خيالك لكل جزء عدة صور تتفاوت في تأديته كتفاوت صور المنظوم في الحسن والقبح فبعضها يستميل النفوس بتأثيره في الحواس وبعضها يوجب نفورها وبعضها بين بين، وإذا تشخصت الصور في الخيال يتخير العقل منها ماله المكانة الرفيعة في حسن تأدية الغرض المناسب للمقام فإن كان المقام للتحريض على القتال مثلاً انتخب الصورة المهيجة للإحساس المشجعة للنفس على اقتحام الأخطار وإن كان المقام مقام فرح وسرور انتخب نما يشرح الصدور وتقر به العيون وتروق به الأرواح ويذهب عنها الحزن والأتراح.
وبعد تشخيص الصور وتخير المناسب منها تعتن أيها المنشئ بحسن تأليف وترتيب ما تخيرته بأن تجمع الصور المناسبة التي يرتبط بعضها ببعض بدون تكلف بحيث يكون المجموع منسجماً يمضي وحده مع النفس دون علاج وتعب في فهم الغرض منه وحينئذ يمكنك إظهار هذه الصورة المعقولة في صورة محسوسة بواسطة القلم.
أركان الكتابة
اعلم أن للكتابة أركاناً لابد من إيداعها في كل كتاب بلاغي ذي شأن. أولها أن يكون مطلع الكتاب عليه جدة ورشاقة فإن الكاتب من أجاد المطلع والمقطع. أو يكون مبنياً على مقصد الكتاب. الثاني: أن يكون خروج الكاتب من معنى إلى معنى برابطة لتكون رقاب المعاني آخذة بعضها ببعض ولا تكون مقتضبة. الثالث: أن تكون ألفاظ الكتاب غير مخلولقة بكثرة الاستعمال.
(1/5)
________________________________________
ولا أريد بذلك أن تكون ألفاظاً غريبة فإن ذلك عيب فاحش بل أريد أن تكون الألفاظ المستعملة مسبوكة سبكاً غريباً يظن السامع أنها غير ما في أيدي الناس وهي مما في أيدي الناس. وهناك معترك الفصاحة التي تظهر فيسه الخواطر براعتها والأقلام شجاعتها. وهذا الموضع بعيد المنال كثير الإشكال يحتاج إلى لطف ذوق وشهامة خاطر وليس كل خاطر براق إلى هذه الدرجة (ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) [الحديد: 21] ومع هذا فلا تظن أيها الناظر في كتابي أني أردت بهذا القول إهمال جانب المعاني بحيث يؤتى باللفظ الموصوف بصفات الحسن والملاحة ولايكون تحته من المعنى ما يماثله ويساويه فإنه إذا كان كذلك كان كصورة حسنة بديعة في حسنها إلا أن صاحبها بليد أبله. والمراد أن تكون هذه الألفاظ المشار إليها جسماً لمعنى شريف.
على أن تحصيل المعاني الشريفة على الوجه الذي أشرت إليه أيسر من تحصيل الألفاظ المشار إليها. ولقد رأيت كثيرا من الجهال الذين هم من السوقة أرباب الحرف والصنائع وما منهم إلا من يقع له المعنى الشريف ويظهر من مخاطره المعنى الدقيق ولكنه لايحسن أن يزوج بين لفظين.
فالعبارة عن المعاني هي التي تخلب بها العقول. وعلى هذا فالناس كلهم مشتركون في استخراج المعاني فإنه لايمنع الجاهل الذي لايعرف علما من العلوم أن يكون ذكيا بالفطرة. واستخراج المعاني إنما هو بالذكاء لا بتعلم العلم.
فإذا استكملت معرفة هذه الأركان وأتيت بها في كل كتاب بلاغي ذي شأن فقد استحققت حينئذ فضيلة التقدم ووجب لك أن تسمي نفسك كاتبا.
(عن المثل السائر باختصار)
كيفية نظم الكلام
(1/6)
________________________________________
إذا أردت أن تصنع كلاماً فأخطر معانيه ببالك. وتنق له كرائم اللفظ واجعلها على ذكر منك ليقرب عليك تناولها ولا يتعبك تطلبها. واعلمه ما دمت في شباب نشاطك فإذا غشيك الفتور وتخونك الملال فأمسك. فإن الكثير مع الملال قليل والنفيس مع الضجر خسيس. والخواطر كالينابيع يسقى منها شيء بعد شيء فتجد حاجتك من الري وتنال أربك من المنفعة فإذا أكثرت عليها نضب ماؤها وقل عنك وعناؤها. واعلم أن ذلك أجدى عليك مما يعطيك يومك الأطول بالكد والمطالبة والمجاهدة والتكلف والمعاودة. وإياك والتوعر فإن التوعر يسلمك إلى التعقيد والتعقيد هو الذي يستهلك معانيك ويشين ألفاظك. ومن أراد معنى كريماً فليلتمس له لفظاً كريماً فإن من حق المعنى الشريف اللفظ الشريف. فإذا لم تجد اللفظة واقعة موقعها صائرة إلى مستقرها حالة في مركزها متصلة بسلكها بل وجدتها قلقة في موضعها نافرة عن مكانها فلا تكرهها اغتصاب الأماكن والنزول في غير أوطانها فإنك إن لم تتعاط قريض الشعر المنظوم ولم تتكلف اختيار الكلام المنثور لم يعبك بذلك أحد. وإن تكلفته ولم تكن حاذقاً مطبوعاً ولا محكماً لشأنك بصيراً عابك من أنت أقل عيباً منه وزرى عليك من هو دونك.
فإن لم تسمح لك الطبيعة بنظم الكلام في أول وهلة وتعصى عليك بعد إجالة الفكرة فلا تعجل ودعه سحابة يومك ولا تضجر وأمهله سواد ليلتك وعاوده عند نشاطك فإنك لا تعدم الإجابة والمؤاتاة. فإن تمنع عليك بعد ذلك مع ترويح الخاطر وطول الإمهال فتحول من هذه الصناعة إلى أشهى الصناعات إليك وأخفها عليك فإنك لم تشتهها إلا وبينكما نسب. والشيء لا يحن إلا إلى ما شاكله.
وينبغي أن تعرف أقدار المعاني فتوازن بينها وبين أوزان المستمعين وبين أقدار الحالات فتجعل لكل طبقة كلاماً ولكل حال مقاماً حتى تقسم أقدار المعاني على أقدار المقامات وأقدار المستمعين. على أقدار الحالات.
(عن كتاب الصناعتين باختصار)
??الطريق إلى تعلم الكتابة
(1/7)
________________________________________
إن الطريق إلى تعلم الكتابة على ثلاث شعب: الأولى أن يتصفح الكاتب كتابة المتقدمين ويطلع على أوضاعهم في استعمال الألفاظ والمعاني ثم يحذو حذوهم وهذه أدنى الطبقات عندي.

والثانية أن يمزج كتابة المتقدمين بما يستجيده لنفسه من زيادة حسنه أما في تحسين ألفاظ أو في تحسين معان وهذه هي الطبقة الوسطى وهي أعلى من التي قبلها. والثالثة أن لا يتصفح كتابة المتقدمين ولا يطلع على شيء منها بل يصرف همه إلى حفظ القرآن الكريم وعدة من دواوين فحول الشعراء ممن غلب على شعره الإجادة في المعاني والألفاظ. ثم يأخذ في الاقتباس فيقوم ويقع ويخطئ ويصيب ويضل ويهتدي حتى يستقيم على طريقة يفتتحها لنفسه. وأخلق بتلك الطريق أن تكون مبتدعة غريبة لا شركة لأحد من المتقدمين فيها. وهذه الطريق هي طريق الاجتهاد وصاحبها يعد إماماً في فن الكتابة إلا أنها مستوعرة جداً ولا يستطيعها إلا من رزقه الله لساناً هجاماً وخاطراً رقاماً. ولا أريد بهذه الطريق أن يكون الكاتب مرتبطاً في كتابته بما يستخرجه من القرآن الكريم والشعر بحيث إنه لا يستثنى كتاباً إلا من ذلك بل أريد أنه إذا حفظ القرآن وأكثر من حفظ الأشعار ثم نقب عن ذلك تنقيب مطلع على معانيه مفتش عن دفائنه وقلبه ظهراً لبطن عرف حينئذ من أين تؤكل الكتف فيما ينشئه من ذات نفسه واستعان بالمحفوظ على الغريزة الطبيعية.
(المثل السائر باختصار)
كيفية تهذيب الكلام وأوقات تأليفه
(1/8)
________________________________________
تهذيب الكلام عبارة عن ترداد النظر فيه بعد عمله نظماً كان أو نثراً وتغيير ما يجب تغييره وحذف ما ينبغي حذفه وإصلاح ما يتعين إصلاحه وتحرير ما يدق من معانيه وإطراح ما يتجافى عن مضاجع الرقة من غليظ ألفاظه لتشرق شموس التهذيب في سماء بلاغته وترشف الأسماع على الطرب رقيق سلافته. فإن الكلام إذا كان موصوفاً بالمهذب منعوتاً بالمنقح علت رتبته وإن كانت معانيه غير مبتكرة. وكل كلام قيل فيه: لو كان موضع هذه الكلمة غيرها ولو تقدم هذا المتأخر وتأخر هذا المتقدم. أو لو تمم هذا النقص بكذا ا, تكمل هذا الوصف بكذا. أو لو حذفت هذه اللفظة أو لو اتضح هذا المقصد وسهل هذا المطلب لكان الكلام أحسن والمعنى أبين. كان ذلك الكلام غير منتظم في نوع التهذيب.
وكان زهير بن أبي سلمى معروفاً بالتنقيح والتهذيب وله قصائد تعرف بالحوليات. قيل: إنه كان ينظم القصيدة في أربعة أشهر ويهذبها وينقحها في أربعة أشهر ويعرضها على علماء قبيلته أربعة أشهر. ولهذا كان الإمام عمر بن الخطاب مع جلالته في العلم وتقدمه في النقد يقدمه على سائر الفحول من طبقته وما أحسن ما أشار أبو تمام إلى التهذيب بقوله:
خذها ابنةَ الفكرِ المهذَّبِ في الدَّجى

والليلُ أسودُ رقعةِ الجلباب
(1/9)
________________________________________
فإنه خص تهذيب الفكر بالدجى لكون الليل تهدأ فيه الأصوات وتسكن الحركات فيكون الفكر فيه مجتمعاً ومرآة التهذيب فيه صقيلة لخلو الخاطر وصفاء القريحة لاسيما وسط الليل.
قال أبو عبادة البحتري: كنت في حداثتي أروي الشعر وكنت أرجع فيه إلى طبع سليم ولم أكن وقفت له على تسهيل مأخذ ووجوه اقتضاب حتى قصدت أبا تمام وانقطعت إليه واتكلت في تعريفه عليه. فكان أول ما قال لي: يا أبا عبادة تخير الأوقات وأنت قليل الهموم صفر من الغموم واعلم أن العادة في الأوقات إذا قصد الإنسان تأليف شيء أو حفظه أن يختار وقت السحر وذلك أن النفس تكون قد أخذت حظها من الراحة وقسطها من النوم وخف عليها ثقل الغذاء. واحذر المجهول من المعاني وإياك أن تشين شعرك بالألفاظ الوحشية وناسب بين الألفاظ والمعاني في تأليف الكلام وكن كأنك خياط تقدر الثياب على مقادير الأجسام. وإذا عارضك الضجر فأرح نفسك لا تعمل إلا وأنت فارغ القلب ولا تنظم إلا بشهوة فإن الشهوة نعم المعين على حسن النظم. وجملة الحال أن تعتبر شعرك بما سلف من أشعار الماضين فما استحسن العلماء فاقصده وما استقبحوه فاجتنبه.
(عن خزانة الأدب وزهر الآداب باختصار)
محاسن الإنشاء ومعايبه
(1/10)
________________________________________
إن للنثر محاسن ومعايب يجب على المنشئ أن يفرق بينهما محترزاً من استعمال الألفاظ الغريبة وما يخل بفهم المراد ويوجب صعوبته ولابد من أن يجعل الألفاظ تابعة للمعاني دون العكس. لأن المعاني إذا تركبت على سجيتها طلبت لأنفسها ألفاظاً تليق بها فيحسن اللفظ والمعنى جميعاً. وأما جعل الألفاظ متكلفة والمعاني تابعة لها فهو شأن من لهم شغف بإيراد شيء من المحسنات اللفظية فيصرفون العناية إليها ويجعلون الكلام كأنه غير مسوق لإفادة المعنى. فلا يبالون بخفاء الدلالات وركاكة المعنى ومن أعظم ما يليق بمن يتعاطى الإنشاء أن يكتب ما يراد لا ما يريد كما قيل في الصاحب والصابئ: أن الصابئ يكتب ما يراد والصاحب يكتب ما يريد.
(عن آداب المنشئ ببعض تصرف)
فصاحة الألفاظ ومطابقتها للمعاني
فصاحة الألفاظ تكون بثلاثة أوجه: الأول مجانبة الغريب الوحشي حتى لا يمجه سمع ولا ينفر منه طبع. والثاني تنكب اللفظ المبتذل والعدول عن الكلام المسترذل حتى لا يستسقطه خاصي ولا ينبو عنه فهم عامي كما قال الجاحظ في "كتاب البيان": أما أنا فلم أر قوماً أمثل طريقة في البلاغة من الكتاب وذلك أنهم قد التمسوا من الألفاظ ما لم يكن متوعراً وحشياً ولا ساقطاً عامياً.
والثالث أن يكون بين الألفاظ ومعانيها مناسبة ومطابقة. أما المطابقة فهي أن تكون الألفاظ كالقوالب لمعانيها فلا تزيد عليها ولا تنقص عنها. وأما المناسبة فهي أن يكون المعنى يليق ببعض الألفاظ إما لعرف مستعمل أو لاتفاق مستحسن حتى إذا ذكرت تلك المعاني بغير تلك الألفاظ كانت نافرة عنها وإن كانت أفصح وأوضح لاعتياد ما سواها.
(أدب الدين والدنيا باختصار)
حقيقة الفصاحة
(1/11)
________________________________________
اعلم أن هذا موضوع متعذر على الوالج ومسلك متوعر على الناهج. ولم تزل العلماء من قديم الوقت وحديثه يكثرون القول فيه والبحث عنه. ولم أجد من ذلك ما يعول عليه إلا القليل.
وغاية ما يقال في هذا الباب أن الفصاحة هي الظهور والبيان في أصل الوضع اللغوي يقال: أفصح الصبح إذا ظهر. ثم إنهم يقفون عند ذلك لا يكشفون عن السر فيه. وبهذا القول لا تتبين حقيقة الفصاحة لأنه يعترض عليه بوجوه من الاعتراضات. أحدها أنه إذا لم يكن اللفظ ظاهراً بيناً لم يكن فصيحاً ثم إذا ظهر وتبين صار فصيحاً الوجه الثاني إنه إذا كان اللفظ الفصيح هو الظاهر البين فقد صار ذلك بالنسب والإضافات إلى الأشخاص. فإن اللفظ قد يكون ظاهراً لزيد ولا يكون ظاهراً لعمرو. فهو إذاً فصيح عند هذا وغير فصيح عند هذا. وليس كذلك بل الفصيح هو فصيح عند الجميع لا خلاف فيه بحال من الأحوال. لأنه إذا تحقق حد الفصاحة وعرف ما هي لم يبق في اللفظ الذي يختص به خلاف. الوجه الثالث أنه إذا جيء بلفظ قبيح ينبو عنه السمع وهو مع ذلك ظاهر بين ينبغي أن يكون فصيحاً. وليس كذلك لأن الفصاحة وصف حسن للفظ لا وصف قبح.
ولما وقفت على أقوال الناس في هذا الباب ملكتني الحيرة فيها ولم يثبت عندي منها ما أعول عليه. ولكثرة ملابستي هذا الفن ومعاركتي إياه انكشف لي السر فيه وسأوضحه في كتابي هذا وأحقق القول فيه فأقول: إن الكرم الفصيح هو الظاهر البين. وأعني بالظاهر البين أن تكون ألفاظه مفهومة لا يحتاج في فهمها إلى استخراج من كتاب لغة. وإنما بهذه الصفة لأنها تكون مألوفة الاستعمال دائرة في الكلام دون غيرها من الألفاظ لمكان حسنها. وذلك أن أرباب النظم والنثر غربلوا اللغة باعتبار ألفاظها وسبروا وقسموا. فاختاروا الحسن من الألفاظ حتى استعملوه وعلموا القبيح منها فلم يستعملوه. فحسن الاستعمال سبب استعمالها دون غيرها. واستعمالها دون غيرها سبب ظهورها وبيانها. فالفصيح إذاً من الألفاظ هو الحسن.
(1/12)
________________________________________
فإن قيل من أي وجه علم أرباب النظم والنثر الحسن من الألفاظ حتى استعملوه وعلموا القبيح منها حتى نفوه ولم يستعملوه قلت في الجواب: إن هذا من الأمور المحسوبة التي شاهدها من نفسها. لأن الألفاظ داخلة في حيز الأصوات. فالذي يستلذه السمع منها ويميل إليه هو الحسن. والذي يكرهه وينفر عنه هو القبيح. ألا ترى أنى السمع يستلذ صوت البلبل من الطير وصوت الشحرور ويميل إليهما ويكره صوت الغراب وينفر عنه. وكذلك يكره نهيق الحمار ولا يجد ذلك في صهيل الفرس. . والألفاظ جارية هذا المجرى فإنه لا خلاف في أن لفظة المزنة والديمة حسنة يستلذها السمع. وإن لفظة البعاق قبيحة يكرهها السمع. وهذه اللفظات الثلاث من صفة المطر وهي تدل على معنى واحد. ومع هذا فإنك ترى لفظتي المرنة والديمة وما جرى مجراهما مألوفتي الاستعمال وترى لفظ البعاق وما جرى مجراه متروكا لايستعمل. وإن استعمل فإنما يستعمله جاهل بحقيقة الفصاحة أو من ذوقه غير ذوق سليم. ولا جرم أنه ذم وقدح فيه ولم يلتفت إليه وإن كان عربيا محضا من الجاهلية الأقدمين. فإن حقيقة الشيء إذا علمت وجب الوقوف عندها ولم يعرج على ما خرج عنها.
(عن ابن الأثير باختصار)
?الانسجام
(1/13)
________________________________________
الانسجام لغة جريان الماء وعند أهل البلاغة هو أن يأتي الناظم أو الناثر بكلام خال من التعقيد اللفظي والمعنوي بسيطا مفهوما دقيق الألفاظ جليل المعنى لاتكلف فيه ولا تعسف يتحدر كتحدر الماء المنسجم فيكاد لسهولة تركيبه وعذوبة ألفاظه أن يسيل رقة. ولايكون ذلك إلا في من هو مطبوع على سلامة الذوق وتوقد الفكرة وبراعة الإنشاء وحسن الأساليب. وإن فحول هذا الميدان ما أثقلوا كاهل سهولته بنوع من أنواع البديع اللهم إلا أن يأتي عفوا من غير قصد. وعلى هذا أجمع علماء البديع في حد هذا النوع فإنهم قرروا أن يكون بعيدا من التصنع خاليا من الأنواع البديعية إلا أن يأتي في ضمن السهولة من غير قصد. فإن كان الانسجام في النثر تكون أغلب فقراته موزونة من غير قصد وإن كان في النظم فتكاد الأبيات أن تسيل رقة وعذوبة وربما دجلت في المطرب المرقص.
(بديعية العميان بديعية الحموي)
حل الشعر
حل الأبيات الشعرية ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: منها وهو أدناه مرتبة أن يأخذ الناثر بيتا من الشعر فينثره بلفظه من غير زيادة وهذا عيب فاحش. ومثاله كمن أخذ عقدا قد أتقن نظمه وأحسن تأليفه فأوهاه وبدده وكان يقوم عذره في ذلك إن لو نقله عن كونه عقدا إلى صورة أخرى مثله أو أحسن منه. وأيضا فإنه إذا نثر الشعر بلفظه كان صاحبه مشهور السرقة فيقال هذا شعر فلان بعينه لكون ألفاظه باقية لم يتغير منها شيء. وقد سلك هذا المسلك بعض العراقيين فجاء مستهجنا كقوله في بعض أبيات الحماسة:
وألدَّ ذي حنقٍ عليَّ كأنما

تغلي عداوةُ صدرهِ في مرجلِ
أزجيته عني فأبصرَ قصدهُ

وكويته فوقَ النَّواظرِ من علِ
(1/14)
________________________________________
فقال في نثر هذين البيتين: فكم لقي ألد ذا حنق كأنه ينظر إلى الكواكب من عل وتغلي عداوة صدره في مرجل فكواه فوق ناظريه وأكبة لفمه ويديه. فلم يزد هذا الناثر على أن أزال رونق الوزن وطلاوة النظم لاغير.
ومن هذا القسم ضرب محمود لاعيب فيه وهو أن يكون البيت من الشعر قد تضمن شيئا لا يمكن تغيير لفظه فحينئذ يعذر ناثره إذا أتى بذلك اللفظ وكذلك الأمثال السائرة فإنه لابد من ذكرها على ما جاءت في الشعر.
وأما القسم الثاني: وهو وسط بين الأول والثالث في المرتبة فهو أن ينثر المعنى المنظوم ببعض ألفاظه ويعبر عن البعض بألفاظ أخر.. هناك تظهر الصنعة في المماثلة والمشابهة ومؤاخاة الألفاظ الباقية بالألفاظ المرتجلة فإنه إذا أخذ لفظا لشاعر مجيد قد نقحه وصححه فقرنه بما لايلائمه كان كمن جمع بين لؤلؤة وحصاد. ولاخفاء بما في ذلك من الانتصاب للقدح والاستهداف للطعن. والطريق المسلوك إلى هذا القسم أن تأخذ بعض بيت من الأبيات الشعرية هو أحسن ما فيه ثم تماثله. وسأورد ههنا مثالا واحدا ليكون قدوة للمتعلم فأقول: قد ورد هذا البيت من شعر أبي تمام في وصف قصيدة له:
حذَّاءُ تملأ كلَّ أذنٍ حكمةً

وبلاغةً وتدرُّ كلَّ وريدِ
(1/15)
________________________________________
فقوله: (تملأ كل أذن حكمة) من الكلام الحسن وهو أحسن ما في البيت. فإذا أردت أن تنثر هذا المعنى فلا بد م استعمال لفظه بعينه لأنه في الغاية القصوى من الفصاحة والبلاغة. فعليك حينئذ أن تؤاخيه بمثله وهذا عسر جدا وهو عندي أصعب مثالا من نثر الشعر بغير لفظه لأنه مسلك ضيق لما فيه من التعرض لمماثلة ما هو في غاية الحسن والجودة. وأما نثر الشعر بغير لفظه فذلك يتصرف فيه ناثره على حسب ما يراه ولايكون مقيدا فيه بمثال يضطر إلى مؤاخاته. وقد نثرت هذه الكلمات المشار إليها وأتيت بها في جملة كتاب فقلت: وكلامي قد عرف بين الناس واشتهر وفاق مسير الشمس والقمر.وإذا عرف الكلام صارت المعرفة له علاقة وأمن من سرقته إذ لو سرق لدلت عليه الوسامة. ومن خصائص صفاته أن يملأ كل أذن حكمة ويجعل فصاحة كل لسان عجمة. وإذا جرت نفثاته في الأفهام قالت أهذه بنت فكرة أم بنت كرمة.
فانظر كيف فعلت في هذا الموضع فإني لما أخذت تلك الكلمات من البيت الشعري التزمت بأن أؤاخيها بما هو مثلها أو أحسن منها فجئت بهذا الفصل كنا تراه. وكذلك ينبغي أن يفعل في ما هذا سبيله.
وأما القسم الثالث: وهو أعلى من القسمين الأولين فهو أن يأخذ المعنى فيصاغ بألفاظ غير ألفاظه. وثم يتبين حذق الصائغ في صياغته ويعلم مقدار تصرفه في صناعته فإن استطاع الزيادة على المعنى فتلك الدرجة العالية إلا أحسن التصرف وأتقن التأليف ليكون أولى بذلك المعنى من صاحبه الأول واعلم أن من أبيات الشعر ما يتسع المجال لناثره فيورده بضروب من العبارات وذلك عندي شبيه بالمسائل السيالة في الحساب التي يجاب عنها بعدة من الأجوبة. ومن الأبيات ما يضيق فيه المجال حتى يكاد الماهر في هذه الصناعة أن يخرج من ذلك اللفظ وإنما يكون هذا لعدم النظير فأما ما يتسع المجال في نثره فكقول أبي الطيب المتنبي:
لايعذلِ المشتاق في أشواقهِ

حتى يكونَ حشاكَ في أحشائهِ
(1/16)
________________________________________
وقد نثرت هذا المعنى فمن ذلك قولي: لاتعذل المحب في ما يهواه حتى تطوي القلب على ما طواه. ومن ذلك وجه آخر وهو إذا اختلفت العينان في النظر فالعذل ضرب من الهذر. وأما ما يضيق فيه المجال فيعسر على الناثر تبديل ألفاظه فكقول أبي تمام:
تردَّى ثيابَ الموتِ حمراً فما أتى

لها الليلُ إلاَّ وهيَ من سندسٍ خضرِ
قصد أبو تمام المؤاخاة في ذكر لوني الثياب من الأحمر والأخضر وجاء ذلك واقعا على المعنى الذي أراده من لون ثياب القتلى وثياب الجنة. وهذا البيت لايمكن تبديل ألفاظه وهو وأمثاله مما يجب على الناثر أن يحسن الصنعة في فك نظامه لأنه يتصدى لنثره بألفاظه. فإن كان عنده قوة تصرف وبسطة عبارة فإنه يأتي به حسنا رائقا. وقد قلت في نثره: لم تكسه المنايا نسج شفارها حتى كسته الجنة نسج شعارها فبدل أحمر توبه بأخضره وكأس حمامه بكأس كوثره.
وإذا انتهى بنا الكلام إلى ههنا في التنبيه على نثر الشعر وكيفية نثره وذكر ما يسهل منه وما يعسر فلنتبع ذلك بقول كلي في هذا الباب فنقول: من أحب أن يكون كاتبا أو كان عنده طبع مجيب فعليه بحفظ الدواوين ذوات العدد ولايقنع بالقليل من ذلك. ثو يأخذ في نثر الشعر من محفوظاته.. وطريقه أن يبتدئ فيأخذ قصيدا من القصائد فينثره بيتا بيتا على التوالي. ولايستنكف في الابتداء أن ينثر الشعر بألفاظه أو بأكثرها فإنه لايستطيع إلا ذلك. وإذا مرنت نفسه وتدرب خاطره ارتفع عن هذه الدرجة وصار يأخذ المعنى ويكسوه عبارة من عنده ثم يرتفع عن ذلك فتكسوه ضروبا من العبارات المختلفة. وحينئذ يحصل لخاطره بمباشرة المعاني لقاح فيستنتج منها معاني غير تلك المعاني.
وسبيله أن يكثر الإدمان ليلا نهارا ولايزال على ذلك مدة طويلة حتى يصير له ملكة. فإذا كتب كتابا أو خطب خطابا تدفقت المعاني في أثناء كلامه وجاءت ألفاظه معسولة وكان عليه حدة تكاد ترقص رقصا وهذا شيء خبرته بالتجربة (وَلاَ يُنَبّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ)
(1/17)
________________________________________
[فاطر:104].
(عن المثل السائر باختصار)
التخلص والاقتضاب في مواضيع الإنشاء
التخلص هو أن يأخذ مؤلف الكلام في معنى من المعاني فبينما هو فيه إذ أخذ في معنى آخر غيره وجعل الأول سببا إليه فيكون بعضه آخذا برقاب بعض من غي أن يقطع كلامه ويستأنف كلاما آخر بل يكون جميع كلامه كأنما أفرغ إفراغا وذلك مما يدل على حذق الشاعر وقوة تصرفه من أجل أن تطاق الكلام يضيق عليه ويكون متبعا للوزن والقيافة فلا تؤاتيه الألفاظ على حسب إرادته.وأما الناثر فإنه مطلق العنان يمضي حيث شاء فلذلك يشق التخلص على الشاعر أكثر مما يشق على الناثر. ومما جاء من التخلصات الحسنة قول المتنبي المتوفى سنة 354 ه?.
خليليَّ إني لا أرى غيرَ شاعرٍ

فلمَ منهم الدّعوى ومنّي القصائد
فلا تعجباً إنّ السيوفَ كثيرةٌ

ولكن سيفَ الدولة اليومَ واحد

وهذا هو الكلام الآخذ بعضه برقاب بعض ألا ترى إلى الخروج إلى مدح الممدوح في هذه الأبيات كأنه أفرغ في قالب واحد، والاقتضاب أن يقطع الشاعر كلامه الذي هو فيه ويستأنف كلاما آخر غيره من مديح أو هجاء أو غير ذلك ولايكون للثاني علاقة بالأول كقول أبي نواس المتوفى سنة 198ه? في قصيدته النونية التي لم يكمل حسنها بالتخلص من الغزل إلى المديح بل اقتضبه اقتضابا فبينما هو يصف الخمر ويقوا:
فاسقني كأساً على عذلٍ

كرهتْ مسموعه أذني

من كميتِ اللّونِ صافيةٍ

خيرِ ما سلسلتَ في بدني
ما استقّرت في فؤاد فتى

فدرى ما لوعة الحزن

حتى قال:
تضحكُ النيا إلى ملكٍ

قامَ بالآثار والسُّنن

سنّ للناس الندى فندوا

فكأنّ البخلَ لم يكنِ
(1/18)
________________________________________
وإذا لم يستطع التخلص بأن كان قبيحا ممسوخا فالاقتضاب أولى منه فينبغي لسالك هذه الطريقة أن ينظر إلى ما يصوغه فإن أتاه التخلص حسنا كما ينبغي وإلا فليدعه ولايستكرهه حتى يكون مثل هذا.
واعلم أن التخلص غير ممكن في كل الأحوال وهو من مستصعبات علم البيان فليتدبر الشاعر.
(انتهى من المثل السائر بتصرف)
كيفية افتتاح مواضيع الإنشاء وختامها
الافتتاح أن تجعل مطلع الكلام من الشعر أو الرسائل دالا على المعنى المقصود من ذلك الكلام إن كان فتحا ففتحا وإن كان هناء فهناء أو كان عزاء فعزاء وهكذا: وفائدته أن يعرف من مبدأ الكلام ما المراد منه فإذا نظم الشاعر قصيدة فإن كان مديحا صرفا لا يختص بحادثة من الحوادث فهو مخير أن يفتتحها بغزل وبين أن يرتجل المديح ارتجالا من أولها كقول القائل:
إن حارتِ الألبابُ كيف تقولُ

في ذا المقامِ فعذرها مقبولُ

سامحْ بفضلكَ مادحيكَ فما لهم

أبداً إلى ما تستحقُّ سبيلُ

إن كان لايرضيك إلاّ محسنٌ

فالمحسنونَ إذنْ لديك قليلُ
(1/19)
________________________________________
وأما إذا كان القصيد في حادثة من الحوادث كفتح مقفل أو هزيمة جيش أو غير ذلك فإنه لاينبغي أن يبدأ فيه بغزل، ومن أدب هذا النوع أن لايذكر الشاعر في افتتاح قصيدة المديح ما يتطير منه أو يستقبح: لاسيما إذا كان في التهاني فإنه يكون أشد قبحا: وإنما يستعمل في الخطوب النازلة والنوائب الحادثة: ومتى كان الكلام في المديح مفتتحا بشيء من ذلك تطير منه سامعه وإنما خصت الابتداءات بالاختيار لأنها أول ما يطرق السمع من الكلام فإذا كان الابتداء لائقا بالمعنى الوارد بعده توفرت الدواعي على استعماله: والختام أن يكون الكلام مؤذنا بتمامه بحيث يكون واقعا على آخر المعنى فلا ينتظر السامع سيئا بعده: فعلى الشاعر والناثر أن يتأنقا فيه غاية التأنق ويجودا فيه ما استطاعا لأنه آخر ما ينتهي إلى السمع ويتردد صداه في الأذن ويعلق بحواشي الذكر فهو كمقطع الشراب يكون آخر ما يمر بالفم ويعرض على الذوق فيشعر منه بما لايشعر من سواه: ولذلك يجب أن يكون الختام مميزا عن سائر الكلام قبله بنكتة لطيفة أو أسلوب رشيق أو معنى بليغ: ويختار له من اللفظ الرشيق الحاشية الخفيف المحمل على السمع السهل الورود على الطبع ويتجافى به عن الإسهاب والتعقيد والثقل وغير ذلك، وحكم الختام كما سبق أن يكون مؤذنا بتمام الكلام بحيث يكون واقعا على آخر المعنى فلا ينتظر السامع شيئا بعده، وإذا لم يكن المعنى دالا بنفسه على الختام حسن أن يدل عليه بكلام آخر يذكر على عقب الفراغ من سياقة الأغراض السابقة، وحكمه أن يكون منتزعا مما سبقه فيقفى به تقريرا لشيء من الأغراض أو إجمالا لمفصلها موردا على وجه من وجوه البلاغة أو الكلام الجامع أو مخرجا مخرج المثل أو الحكمة أو ما شاكل ذلك مما تعلقه الخواطر وتقيده الأذهان كقول المتنبي المتوفى سنة 354ه.
وما أخصُّكَ في برءٍ بتهنئة

إذا سلمتَ فكلُّ الناس قد سلموا
(1/20)
________________________________________
وكقول الزمخشري المتوفى سنة 528ه? في ختام إحدى مقالاته (إن الطيش في الكلام يترجم عن خفة الأحلام وما دخل الرفق شيئا إلا زانه وما زان المتكلم إلا الرزانة) وأما في غير ذلك فالأكثر فيه أن يضمن غرضا آخر من الدعاء أو عرض النفس على خدمة المكتوب إليه أو توقع الجواب منه أو غير ذلك مما تحتمله مقامات الكلام وتقتضيه دواعي الحال:وأكثر ما يختمونها في النثر بعد الأغراض المذكورة بقولهم إن شاء الله: أو بمن الله وفضله: وما أشبه ذلك وكثيرا ما يختم الناثر بقوله والسلام: أو بلا حول ولا قوة إلا بالله: أو قوله والله المستعان: أو بقوله والحمد لله أولا وآخرا باطنا وظاهرا. أو بقوله والله أعلم: أو غير ذلك. وربما ختم بمثل كختام الخوارزمي المتوفى سنة 383ه رسالته بقوله: ولقد سلك الأمير من الكرم طريقا يستوحش فيها لقلة سالكها ويتيه في قفارها لدروس آثارها وانهدام منازلها أعانه الله على صعوبة الطريق وقلة الرفيق وألهمه صبرا يهون عليه احتمال المغارم ويقرب عليه مسافة المكارم، فبالصبر تنال العلا وعند الصباح يحمد القوم السرى.
"ومن أمثلته في الشعر قول ابن الوردي المتوفى سنة 749ه?"
سلامٌ عليكم ما أحبّ وصالكم

وغايةُ مجهودِ المقلّ سلامٌ

تقسيم الإنشاء إلى فني النظم وانثر
(1/21)
________________________________________
اعلم أن لسان العرب وكلامهم يدور على فنين. فن الشعر المنظوم وهو الكلام المقفى الموزون بأوزان مخصوصة. وفن النثر وهو الكلام غير الموزون فأما الشعر فمنه المدح والهجاء والرثاء. وأما النثر فمنه ما يؤتى به قطعا ويلتزم في كل كلمتين منه قافية واحدة ويسمى سجعا وهو ثلاث أقسام القسم الأول أن يكون الفصلان متساويين لا يزيد أحدهما على الآخر كقوله تعالى: (فَأَمّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ {9} وَأَمّا السّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ) [الضحى: 9، 10] وهو أشرف السجع منزلة للاعتدال الذي فيه: القسم الثاني أن يكون الفصل الثاني أطول من الأول لا طولا يخرج به عن الاعتدال خروجا كثيرا فإنه يقبح عند ذلك ويستكره ويعد عيبا فمما جاء من ذلك قوله تعالى: (بَلْ كَذّبُواْ بِالسّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيراً {11} إِذَا رَأَتْهُمْ مّن مّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيّظاً وَزَفِيراً {12} وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيّقاً مّقَرّنِينَ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً) [الفرقان: 11 13] فالفصل الأول ثمان لفظات والثاني والثالث تسع تسع: ويستثنى من هذا القسم ما كان من السجع على ثلاث فقر فإن الفقرتين الأوليين تحسبان في عدة واحدة ثو تأتي الثالثة فينبغي أن تكون طويلة طولا يزيد عليهما وقد تكون الثلاثة متساويات كقوله تعالى: (فِي سِدْرٍ مّخْضُودٍ وَطَلْحٍ مّنضُودٍ وَظِلّ مّمْدُودٍ) [الواقعة: 28 30] القسم الثالث : أن يكون الفصل الآخر أقصر من الأول وهو عيب فاحش وأما النثر فهو ما يؤتى به قطعا من غير تقيد بقافية ولا غيرها وهو الذي يطلق فيه الكلام إطاقا ولا يقطع أجزاء بل يرسل إرسالا من غير تقييد بقافية ولا غيرها.
(انتهى من المثل السائر باختصار)
كيفية عمل الشعر
(1/22)
________________________________________
اعلم أن لعمل الشعر وإحكام صناعته شروطا أولها الحفظ من جنسه (أي من جنس شعر العرب) حتى تنشأ في النفس ملكة ينسج على منوالها ويتخير المحفوظ من الحر النقي الكثير الأساليب وهذا المحفوظ المختار أقل ما يكفي فيه شعر شاعر من فحول الإسلام مثل ابن أبي ربيعة وكثير وذي الرمة وجرير وأبي نواي وأبي تمام والبحتري والشريف الرضي وأبي فراس وأكثره شعر "كتاب الأغاني" لأنه جمع شعر أهل الطبقة الإسلامية كله والمختار من شعر الجاهلية.
ثم لابد من الخلوة واستجادة المكان المنظوم فيه باشتماله على مثل المياه والأزهار وكذا استجادة المسموع لاستنارة القريحة باستجماعها وتنشيطها بملاذ السرور: ثم مع هذا كله فشرطه أن يكون على جمام ونشاط فذلك أجمع له وأنشط للقريحة أن تأتي بمثل ذلك المنوال الذي في حفظه: قالوا وخير الأوقات لذلك أوقات البكر عند الهبوب من النوم وفراغ المعدة ونشاط الفكر: ورما يكون من بواعثه العشق والانتشاء قالوا فإن استصعب عليه بعد هذا كله فليتركه إلى وقت آخر ولا يكره نفسه عليه: وليكن بناء البيت على القافية من أول صوغة ونسجه يضعها ويبني الكلام عليها إلى آخره لأنه إن غفل عن بناء البيت على القافية صعب عليه وضعها في محلها فربما تجيء نافرة قلقة وإذا سمح الخاطر بالبيت ولم يناسب الذي عنده فليتركه إلى موضعه الأليق به فإن كل بيت مستقل بنفسه ولم تبق إلا المناسبة فليتخير فيها كما يشاء وليراجع شعره بعد الخلاص منه بالتنقيح والنقد ولايضن به على الترك إذا لم يبلغ الإجادة فإن الإنسان مفتون بشعره إذ هو بنات فكره واختراع قريحته ولايستعمل فيه من الكلام إلا الأفصح من التراكيب والخالص من الضرورات اللسانية فليهجرها فإنها تنزل بالكلام عن طبقة البلاغة، وقد حظر أئمة اللسان على المولد ارتكاب الضرورة إذ هو في سعة منها بالعدول عنها إلى الطريقة المثلى من الملكة ويجتنب أيضا المعقد من التراكيب جهده بحيث تكون ألفاظه على طبق معانيه
(1/23)
________________________________________
ومعانيه تسابق ألفاظه إلى الفهم ويجتنب أيضا الحوشي من الألفاظ والمقصر وكذلك السوقي المبتذل فإنه ينزل بالكلام عن طبقة البلاغة أيضا فيصير مبتذلا ويقرب من عدم الإفادة وفي هذا القدر كفاية.
(عن ابن خلدون باختصار)
الباب الثاني في فنون الإنشاء
فنونه سبعة: وهي المكاتبات، والمناظرات، والأمثال، والأوصاف، والمقامات، والروايات، والتاريخ.
الفن الأول في المكاتبات والمراسلات
المكاتبة وتعرف أيضا بالمراسلة هي مخاطبة الغائب بلسان القلم وفائدتها أوسع من أن تحصر من حيث أنها ترجمان الجنان ونائب الغائب في قضاء أوطاره ورباط الوداد مع تباعد البلاد، وطريقةالمكاتبة هي طريقة المخاطبة البليغة مع مراعاة أحوال الكاتب والمكتوب إليه والنسبة بينهما. وخواصها خمس: السذاجة، والجلاء، والإيجاز، والملأمة، والطلاوة. فالسذاجة تجعل الكلام فطريا سليما من شوائب التكلف منزها عن زخرف القول بعيدا عن بهرجة الكلام: والهجاء هو العدول عن الكلام المغلق والتشابيه المستبعدة والتراكيب الملتيسة إلى الكلام المهذب الصريح: والإيجاز تنقيح الرسالة من حشو الكلام وتطويل الجمل فيبرزها وافية الدلالة على المقصود مقتصرة على المحسنات القريبة المنال: والملاءمة تنزل الألفاظ والمعاني قدر الكاتب والمكتوب إليه فلا تعطي خسيس الناس رفيع الكلام ولارفيع الناس خسيس الكلام على أنها تجعل الرسالة وتعابيرها مستعذبة الأوضاع حسنة الارتباط يأخذ بعضها بأزمة بعض. والطلاوة تكسو الكلام رونقا وإشراقا بجودة العبارة وسلامة المعاني وسلاسة الألفاظ ونجعله بذلك أحسن موقعا عند سامعه.
أبواب الرسائل
تنقسم الرسائل باعتبار موضوعها إلى ثلاثة أقسام الأول الرسائل الأهلية والثاني الرسائل المتداولة والثالث الرسائل العلمية.
الكلام على الرسائل الأهلية
(1/24)
________________________________________
الرسائل الأهلية وتعرف برسائل الأشواق هي ما دارت بين الأقارب والأصدقاء وأسفرت عن مكنون الوداد وسائر الفؤاد ولا حرج على الكاتب إذا بسط فيها الكلام على أحواله وأخفى السؤال في أحوال أصحابه، وتتفرد هذه الرسائل بأن يطلق الكاتب فيها العنان للأقلام ويتجافى عن الكلفة ويعدل عن الانقباض: وقد قيل: الأنس يذهب المهابة والانقباض يضيع المودة. هذا: ولابد من مراعاة مقتضى الحال والاعتصام بركن الفطنة أخذا بقول أبي الأسود الدؤلي:
لاترسلنّ رسالةً مشهورةً

لاتستطيعُ إذا مضت إدراكها
وإلى هذا الباب ترجع نكاتبات الأشواق والتعاريف قبل اللقاء والهدايا والاستعطاف والاعتذار وغير ذلك. ولنذكر شذرات من أقوال الكتب.
الفصل الأول في الشوق
"كتاب أبو منصور الثعالبي المتوفى سنة 429ه??"
شوقي إليك رهين قلبي وقرين صدري والزعيم بتعليق فكري وتفريق صدري سمير ذكري ونديم فكري زادي في سفري. وعتادي في حضري لايستقل به ولايقوى عليه صبري يكاد يكون لزاما ويعد غراما لا يرحل مقيمه ولا يصرف غريمه استخف نفسي واستفرها وحرك جوانحي وهزها شوق أخذ بسمع خاطري وبصره وحال بين مورد قلبه ومصدره شوق قد استنفذ جلدي وملك خلدي شوق براني بري الخلال ومحقني محق الهلال شوق تركني حرضا وأوسعني مضضا أراني الصبر حسرة والوجد يمنة ويسرة شوق يزيد على الأيام توقدا وتأججا وتضرما وتوهجا نار الشوق حشو ضلوعي وماء الصبابة ملء جفوني أنا من لواعج الشوق بين غمائم لاتمطر إلا صواعق وسمائم قد قدحت في كبدي من الحرقة بهذه الفرقة ما يفوت أيسره حد الشكاية ويجوز أضعفه كنه الكناية. شوق الروض الماحل إلى الغيث الهاطل.
"وكتب في تشبيه الشوق"
(1/25)
________________________________________
ما الأعرابية حنت إلى نجد وأنت من وجد بأشد مني كلفا وأتم مني شغفا. أنا في شدة الشوق إليك كالعطشان كشف له عن ماء عذب ومنع منه بمانع صعب شوق له ألقي على الكواكب بعضه لما ساؤت أو كلفت الأفلاك ثقله لما دارت شوق لو فرق على القلوب الخالية لاشتغلت ولو قسم على الأكباد الباردة لاشتعلت أنا أشتاقك مع كل صباح طالع وضياء شارق ونجم طارق
"وكتب في أثر الفراق"
وجد يتكرر على كر الجديدين ويستغرق ساعات الملوين قد تحملت مع يسير الفرقة عظيم الحريق ومع قليل البعد كثير الوجد قد انثنت بجسم ناحل وصرت من صبري على مراحل فأرقتني وفرقت جميع صبري واستصبحت فريقا من قلبي فرقت به بين عيني والرقاد وجنبي والمهاد ما أعول إلا على العويل لو كان يغني ولا استنصر غير الوجدلم كان يجدي يدي لاتساعدني وحطي لايشبه في الدقة إلا بدني لولا حصانة الأجل لخرجت روحي على عجل فارقتني فتفرق عني شمل أنس منتظم وتمكن مني برح شوق مضطرم فارقتني ففرقت بين الروح والبدن وتركتني والنزاع في قرن قد صرت حليف وحشة وإن كنت ثاويا في وطن وقرين كربة وإن كنت بين جيرة وسكن.

عسى الدَّهرُ يدنينا ويدني دياركمو

ويجمعُ ما بيني وبينكمو الشَّملا

فأشكو تباريحَ الغرام إليكمو

وحرَّ جوىً تبلي عظامي وما يبلى
"وكتب البسطامي المتوفى سنة 332ه?"
قلبي بنار الهوى معذّبْ

شوقاً إلى حضرة المهذّب
شوقاً إلى ماجدٍ كريمٍ

يخطرُ لي ذكرهُ فأطربْ

وبعد فالعبد ينهي من لواقح شوقه ولوافح توقه إلى شهود ذاتكم الجميلة ومشاهدة صفاتكم الجليلة لينشق عرفكم الفائح وبخور عرفكم الفاتح مد الله سبحانه وتعالى ظلكم وأدر وبلكم وظلكم.
أحبُّ الوعدَ منك وإن تمادى

وأقنعُ بالخيالِ إذا ألمَّا

عسى الأيام تسمحُ لي بوصلٍ

وتأخذُ لي من الهجران سلما
والجناب منذ طوى عنا أبواب ملاقاته. وزوى منا أطايب أوقاته قبض العبد عنان مقاله وخفض لسان حاله.
(1/26)
________________________________________
شكوتُ وما الشكوى بمثلي عادةٌ

ولكن تفيضُ العينُ عند امتلائها
فجلس الفراق بعظيم حجاجه. وأليم عذابه. على ذروة عرشه. وافترس بقوة بطشه. وصار للسر جارا. وأوقد للحرب نارا جهارا.
طوعاً لقاضٍ أتى في حكمهِ عجبا

أفتى بسفكِ دمي في الحلّ والحرم
وهذه حانته المفصح عنها مقالته:
إنَّ الأمورَ إذا التوتْ وتعقَّدتْ

جاء القضاءُ من الكريم فحلّها
فلعلّ يسراً بعدَ عسر علّها

ولعلّ منْ عقدَ العقودَ يحلّها

فلعل غروس التمني قد أثمرت. وليالي الحظ قد أقمرت:
سألتُ أحبّتي ما كان ذنبي

أجابوني وأحشائي تذوب
إذا كان المحبُّ قليلَ الحظّ

فما حسناتهُ إلاّ ذنوبُ

فرعى الله أياما لاحت فيها أقمار غروزها. وفاحت فيها أطراز طروزها. بهاء سمائها. على منار ضيائها. من ذات جلالها. وصفات دلالها. في جنات عواطفها. وحنات تعاطفها.
فإن كنتُ لا أطرقُ رحبَ

فنائكم فقد أطرقُ باب ثنائكم
لئن غيّبتني عن ذراك حوادثٌ=فليس ثنائي عن فناك بغائبِ
"وكتب عبد الحمن محمد بن طاهر المتوفى سنة 431ه?"
كتبت أعزك الله عن ضمير اندمج على سر اعتقادك دره. وتبلج في أفق ودادك بدره. وسال على صفحات ثنائك مسكه. وصار في راحة سنائك ملكه. ولما ظفر بفلان حملته من تحيتي زهرا جنيا. يوافيك عرفه ذكيا. ويواليك أنسه نجيا. ويقضي من حقك فرضا مأتيا. على أن شخص جلالك لي ماثل وبين ضلوعي نازل. لاتمله خاطر. ولايمسه عرض داثر إن شاء الله عز وجل.
"وكتب أبو الفضل بن العميد المتوفى سنة 360ه?"
قد قرب أيدك الله محلك على تراخيه وتصاقب مستقرك على تنائيه لأن الشوق يمثلك. والذكر يخيلك. فنحن في الظاهر على افتراق. وفي الباطن على تلاق. وفي النسبة متباينون. وفي المعنى متواصلون. ولئن تفارقت الأشباح لقد تعانقت الأرواح.
"وكتب بديع الزمان الهمذاني المتوفي سنة 398ه?"
(1/27)
________________________________________
يعز علي أطال الله بقاء مولاي. أن ينوب في خدمته قلمي عن قدمي ويسعد برؤيته رسولي دون وصولي. ويرد مشرعة الأنس به كتابي قبل ركابي: ولكن ما الحيلة والعوائق جمة.
(وعلي أن أسعى وليس علي إدراك النجاح) وقد حضرت داره وقبلت جداره وما بي حب الحيطان ولكن شغفاً بالقطان. ولا عشق الجدران ولكن شوقاً إلى السكان.
أمرُّ على الدّيار ديار سلمى

أقبّلُ ذا الجدارَ وذا الجدارا

وما حبُّ الدّيارِ شفعن قلبي

ولكنْ حبُّ منْ سكنَ الديارا
وحين عدت العوادي عنه أمليت ضمير الشوق على لسان القلم معتذراً إلى مولاي على الحقيقة عن تقصير وقع وفتور في الخدمة عرض ولكني أقول:
إن يكن تركي لقصدك ذنباً

فكفى أن لا أراك عقابا

"وكتب أبو محمد عبد الله البطليوسي المتوفي سنة 521ه?"
يا سيدي الأعلى وعمادي الأسنى وحسنة الدهر الحسنى الذي جل قدره وسار الشمس ذكره ومن أطال الله لفضل يعلي مناره وعلم يحيي آثاره: نحن أعزك الله نتدانى إخلاصاً وإن تناءينا أشخاصاً ويجمعنا الأدب وإن فرقنا النسب فالأشكال أقارب والآداب مناسب وليس يضر تنائي الأشباح إذا تقاربت الأرواح.
نسيبيَ في رأيي وعلمي ومذهبي

وإن باعدتنا في الأصول المناسب
"وكتب بديع الزمان الهمذاني المتوفي سنة 398ه?"
أراني أذكر "مولاي" إذا طلعت الشمس أو هبت الريح أو نجم أو لمع البرق أو عرض الغيث أو ذكر الليث أو ضحك الروض وأنى للشمس محياه وللريح رياه وللنجم حلاه وعلاه وللبرق سناؤه وسناه وللغيث نداه ونداه وفي كل صالحة ذكراه وفي كل حادثة أراه فمتى أنساه وأشده شوقاه: وعسى الله أن يجمعني وإياه.

"وكتب الشيخ ابراهيم اليازجي المتوفي سنة 1906م"
(1/28)
________________________________________
مازلت أدافع النفس عما تتقاضاني من شكوى أشواقها وفي الشكوى شفاء واستنزال أثر من لدنك تتعلل به مسافة البين إلى أن يمن الله باللقاء ومن دون إجابتها مشاده قد شغلت الذرع وشواغل قد أفرغ من دونها الوسع إلى ان اغلب جيش الوجد على معاقل الصبر وزاحم مناكب العدواء حتى ضرب أطنابه وبين الحجاب والصدر فاتخذت هذه الرقعة أزجيها إليك وفيها من وقر الشوق ما ينوء برسولها ومن رقة الصبابة ما يكاد يطير بها: أو يخلفها فيصافح الأعتاب قبل وصولها: راجياً لها أن تتلقى بما عهد في سيدي من الطلاقة والبشر وأن لا يضن عليها بما عودني من تمهيد العذر ويصلني من بعدها بأبنائه الطيبة عائدة عنه بما يكون للناظر قرة وللخاطر مسرة: إن شاء الله تعالى بمنه وكرمه.
?"وكتب أيضاً"
وافاني كتابك العزيز فأهلاً بأكرم رسول جاء ببينات الإخلاص والوفاء مصدقاً لما بين يديه من ذمة الوداد والإخاء. يتلو علي من حديث الشوق ما شهد بصحته سقمي. وهتف مؤذنه في كل مفصل من جسمي ويذكرني من عهدك ما طالما أذكرينه البرق إذا لمع والبدر إذا طلع والقمري إذا سجع. وإنما عداني عنك ما أنا فيه من مجاذبة الشواغل ومساورة البلابل.
وفي القلب ما في القلب من شجن الهوى

تبدّلت الحالاتُ وهو مقيمُ

وأنا على ما بي من غل البنان وشغل الجنان مازالت أبناؤك عندي لا يخطئني بريدها ولا ينقطع عني ورودها أهنئ النفس منها بما تتمنى لك من سلامة لا يرث لها شعار وإقبال لا يعترضه بإذن إدبار.
وقصارى المأمول في كرمك أن تعاملني بما سبق لك من جميل الصلة إلى أن يمن الله بالاجتماع ويغني بالعيان عن السماع (وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللّهِ بِعَزِيزٍ) [فاطر: 17].

"وكتب أبو العباس الغساني المتوفي سنة 498ه?"
(1/29)
________________________________________
سر إلى مجلس يكاد يسير شوقاً إليك. ويطير بأجنحة من جواه حتى يحل بيم يديك فلله در كما له إن طلعت بدراً بأعلاه. وجماله إن ظهرت غرة بمحياه. فهو أفق قد حوى نجوماً تتشوق إلى طلوع بدرها وقطر قد اشتمل على أنهار تتشوق إلى بحرها لنستمد منها إن مننت بالحضور وإلا فيا خيبة السرور.
"وكتب الصاحب بن عباد المتوفي سنة 385ه?"
مجلسنا يا سيدي مفتقر إليك معول في شوقه عليك ولقد توردت خدود بنفسجة وفتقت فأرة نارنجه وانطلقت ألسن الأوتار وقامت خطباء الأطيار وهبت رياح الأقداح ونفقت سوق الأنس والأفراح وقد أبت راحته أن تصفو إلا أن تتناولها يمناك وأقسم غناؤه لا طيب حتى تعيه أذناك. ووجنات أترجه قد احمرت خجلاً لإبطائك. وعيون نرجسه قد حدقت تأميلاً للقائك ونحن لغيبتك كعقد ذهبت واسطته وشباب قد أخذت جدته وإذا غابت شمس السماء عنا فلا أن تدنو شمس الأرض منا. فإن رأيت أن تحضر لتتصل الواسطة بالعقد ونحصل بك في جنة الخلد: فكن إلينا أسرع من السهم في ممره والماء إلى مقره لئلا يخبث من يومي ما طاب ويعود من نومي ما طار.
"وكتب أبو بكر الخوارزمي المتوفي سنة 383ه?"
(1/30)
________________________________________
كتابي وأنا بما يبلغني من صالح أخبار "السيد" مغتبط مسرور وبما يعرفه الزمان وأهله من اعتضادي به مصون موفور والله على الأولى محمود وعلى الأخرى مشكور، التطفل وإن كان محظوراً في غير مواطنه فإنه مباح في أماكنه وهو وإن كان في بعض الأحوال يجمع عاراً ووزراً فإنه في بعضها يجمع فخراً ورب فعل يصاب به وقته فيكون سنة وهو في غير وقته بدعة وقد تطفلت على "السيد" بهذه الأحرف أخطب بها مودته إليه وأعرض فيها مودتي عليه وأسأله أن يرسم لي في لساني وقلبي رسماً ويختم عليهما ختماً فقد جعلتها باسمه وقصرتهما على حكمه وسأضعهما تحت ختمة وبرئت إليه منهما وصرت وكليه فيهما فهماً على غيره حمى لا يقرب، وبحيرة لا تحلب ولا تركب، ولما نظرت إلى آثار السيد على الأحرار ونشرت طراز محاسنه من أيدي القاصدين والزوار ورأيت نفسي غفلاً من سمة مودته وعطلاً من جمال عشرته حميتها من أن يحمي عليها ورد مورود ويحسر عنها ظل على الجميع ممدود: وعجبت من:
سحابٌ خطاني جوده وهو صيّبٌ

وبحرٌ عداني سيلهُ وهو مفعمٌ

وبدرٌ أضاءَ الأرض شرقاً ومغرباً

وموضعُ رجلي منهُ أسودُ مظلم

"وكتب الشيخ حمزة فتح الله المتوفي سنة 1335ه?"
مولاي: أما الشوق إلى رؤيتك فشديد وسل فؤادك عن صديق حميم وود صميم وخله لا يزيدها تعاقب الملوين وتألق النيرين إلا وثوقاً في العرى وإحكاماً في البناء ونماء في الغراس وتشييداً في الدعائم ولا يظنن سيدي أن عدم ازديادي ساحته الشريفة واجتلائي طلعته المنيفة لتقاعس أو تقصير فإن لي في ذلك معذرة اقتضت التأخير والسيد أطال الله بقاءه أجدر من قبل معذرة صديقه وأغضى عن ريث استدعته الضرورة.. وبعد فرجائي من مقامكم السامي أن لا تكون معذرتي هذه عائقاً لكم عن زيارتي: فلكم مننا طوقتمونيها ولكم فيها فضل البداءة وعلي دوام الشكران والسلام.
"وكتب المرحوم محمد بك دياب المتوفي سنة 1339ه?"
(1/31)
________________________________________
كتابي إليك: وقد أطال بي الانتظار وشوقي يجل عن الكيف والانحصار فشخصك دائم المثول أمام إنساني وعن سواك من الأخلاء ألهاني وأنساني فلله أيام قضيناها وليال من الدهر اختلسناها كان السرور فيها ضارباً خيامه والأنس ناشراً أعلامه طوي بساطها وكأن الأمر ما كان غير أنها زرعت بفؤادي شجرة الأشجان لكن عودها حليف أوبتك وتجددها رهين إشارتك فمتى يقرب المزار وتنجلي سحب الأكدار فاضرب لعودك أجلاً فالعود لاشك أحمد واكتب بقربك وصلا فالوصل اضمن للعهد: وعهدي من خلقك الوفاء وحسن الولاء فلا تجعل صفقة شوقي إليك خسراً بل هبني بعد العسر يسرا.
"وكتب وفا أفندي محمد المتوفي سنة 1319ه?"
أما بعد، سلامي عمليك فهذا كتابي ينبئك عني وعن شوقي وعن ودي ولا أزيدك علماً أني ما كتبته من دواة ولا أجريت عليه فلماً ولكنها دموع وشوق سالت على القرطاس وجرت على حركات الخواطر والأنفاس وهبت عليه حرارة كبدي بالأشواق ووجدي بالفراق: فبينما عي عقيقة حمراء غذ صارت فحمة سوداء: ألا وإن كتابي هو قلبي ولساني أما تراه على رقته ولطف عبارته وصدق طويته بين يديك مقبلاً عليك ينشره الشوق ويطويه لا يخفى أمراً ولا يكتم عنك سراً وتلك صفات لساني وقلبي معك: فما الذي أبتغيه بعد وقد بعثت إليك بالأصغرين وما أنا إلا بهذين نعم أرجو بقاك ممتعاً بنعماك لأكون على الدوام محل نظرك والسلام.
"وكتب مؤلف هذا الكتاب"
كتابي لديك يصف شوقي إليك ولا يخفى عليك فمذ فارقتني فرقت بين أنسي ونفسي بل بين روحي وجسمي ولا تعجب إذا كنت أغدو وأروح فالطير يمشي من الألم وهو مذبوح وإني أشكو إليك ؟من ألم الوحشة غراماً لا يشعر به إلا من ذاق حلو أنسك وعرف مقدار نفسك وساهد جمال لطفك وفي صفاتك ترويحاً لروحي وفي كرم خلقك تفريحاً لنفسي.
إذا وصف الناسُ أشواقهم

فشوقي لوجهك لا يوصفُ
فعندي لك من المحبة والشوق والتلهف والتوق ما لايصفه الواصفون ولا يعبر عن حقيقته العارفون.
(1/32)
________________________________________
الشّوق فوق الذي أشكو إليكَ وهل

تخفى عليك صباباتي وأشواقي

فيا شوقي إلى لقياك ووالهفي على جمال محياك قيدن أملي عن سواك وبهرت ناظري بنظرة سناك وكسرت جيش قراري وتركتني لا أفرق بين ليلي ونهاري.
فؤادي والهوى سلمٌ وحربُ

وسلواني أقام على الحياده
وشوقي كاملٌ ما فيهِ نقصٌ

فلستُ عليهِ أطمعُ في الزّياده
فليت شعري ماذا أصنع في شوق أنا مدفوع إليه من صادق حبي بعوامل صادفت مني قلباً خالياً فتمكنت بالتعارف ولم تدع للسلوان سبيلاً.
عرفتُ هواهُ قبل أن أعرفَ الهوى

فصادفَ قلباً خالياً فتمكَّنا

إي وربي إن شوقي إليك الظمآن إلى برد الشراب وحنيني لك حنين الشيخ إلى زمن الشباب، فما الأبل وقد حنت إلى أعطانها، والغرباء وقد أنت إلى أوطانها بأعظم مني حنيناً ولا أكثر أنيناً.
ولكنّ التفرُّق طالً حتى

توقّدَ في الضُّلوع له حريقٌ
فكلما تخطر ببالي في أي وقت من الأوقات يمثل لي التذكر منك محاسن ولطائف تجذبني ميلاً إليك وتطربني شغفاً بك واغتباطاً بإخائك فلا عجب أن كان شوقي لرؤيتك عظيماً لأنه كما قيل (كم كرم الرجل حنينه إلى أوطانه وشوقه إلى إخوانه).
يا خلاصَ الأسيرِ يا حصّة المّد

نف يا زورة على غيرِ وعدِ

يا نجاةَ الغريقِ يا فرحةَ الأو

بة ياقفلة أتتْ بعد بعدِ

ارضَ عنّي فدتكَ نفسيَ أنّي

لك عبدٌ أذلُّ من كلّ عبدِ

ناشدتك الله أن ترفق بحالي وتعيد وصالي وارع الود القديم وأبدل شقاء محبك بالنعيم واغمد سيف ظلمك المسلوى (وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً) [الإسراء: 34].

الفصل الثاني في التعارف قبل اللقاء
"كتب أبو منصور التيسابوري المتوفي سنة 429ه?"
(1/33)
________________________________________
نحن في الظاهر على افتراق وفي الباطن على تلاق نحن نتناجى بالضمائر ونتخاطب بالسرائر إذا حصل القرب بالإخلاص لم يضر البعد بالأشخاص أنا أناجيك بخواطر قلبي وإن كان قد غاب شخصك عني إن أخطأتك يدي بالمكاتبة ناجاك سري بالمواصلة رب غائب بشخصه حاضر بخلوص نفسه إن تراخى الالقاء فإننا نتلاقى على البعاد ونتلافى نظر العين بالفؤاد.
"وكتب أيضاً"
أنا أشتاقك كما تشتاق الجنان وإن لم تتقدم لها العينان أنا وإن كنت ممن لا يسعد بلقائك فقد اشتمل علي الأنس ببقائك والشوق إلى محاسنك التي سارت أخبارها ولاحت آثارها لازالت الأيام تكشف لي من فضلك والأخبار تعرض علي من عقلك ما يشوقني إليك وإن لم أراك ويزيدني رغبة في ودك وقد سمعت خبرك.
"وكتب الشيخ حمزة فتح الله المتوفي سنة 1335ه?"
(1/34)
________________________________________
كما أن شغف الجنان بالحسن والإحسان تكون داعيته المشاهدة وتسريح الأنظار في محيا الكمال ومجلتي الجمال فترى العين من تلك الغرة ما يملؤها قرة فكذلك السماع يستدعي هذا الشغف فيتأثر الفؤاد بما يشنف الأذن مما تهديه إليه طرائف الأخبار حتى كأن حاستي السمع والبصر في ذلك صنوان بل أخوان في هيكل هذا الجثمان وقد يعلن السيد أطال الله بقاءه وأدام ارتقاءه أن ذلك الأمر (أي الشغف بالسماع) ليس بالحديث العهد ولا القريب الجدة بل هو أمر عرف قديماً أن يهدي السماع إلى سويداء القلب لاعج الحب سعره من الأنباء عرف شميم فتهيم بمجرد استنشاق ذلك الشميم حتى يقول الشاعر العربي (والأذن تعشق قبل العين أحياناً) أجل والقدوة في هذا المعنى والأس لذلك المبني قوله (: "إني لأشم نفس الرحمن من قبل اليمن" لما أملته العناية الربانية والملك الروحاني على قلبه الشريف من نبأ القرني أويس ولم يكن رآه بعد.
الأوان محاسن السيد الأجل لما سارت بها الركبان وأثنى عليها كل لسان ما بين أخلاق أبهى من الروض النضير وأعراق أشهى من عذيب النمير قد احتلت من فؤادي لا أقول منزلاً رحيباً ولا وادياً خصيباً بل منزله شماء ودارة علياء وأوجاً بطوالعها السعيدة يسعد ويلوح بها من ذكراه كل حين فرقد فلم أنشب أن قدمت كتابي هذا لمولاي بين يدي اللقاء عله أن يسمح به الزمان وتسفر عنه الليالي والأيام ليتاح لي ري الفؤاد بما أرويه من حديث زيد الخيل الذي سماه رسول الله ( زيد الخير وقال له ما وصف لي أحد فرأيته إلا وجدته دون ما وصف لي سواك وإن فيك خصلتين يحبهما الله (الحلم والأناة) مقتدياً بالإمام محمود جار الله في تقديم هذا الحديث الشريف على ما أنشده إياها الشريف بن الشجري أول ما لقيه وكانا قد تحابا بالسماع.
كانت مساءلةُ الرُّكبان تخبرنا

عن جابر بن رباحِ أطيبَ الخبرِ

حتى اجتمعنا فلا والله ما سمعت

أذني بأحسن مما قد رأى بصري
(1/35)
________________________________________
"وكتب حفني بك ناصيف المتوفي سنة 1337ه?"
يعلم الله ما عندي من الشوق إلى لقاء السيد وإن لم يكتحل بإثمد محاسنه النظر والشغف بسماع الحديث منه كما سمعته عنه فقد سبقت ذكرى محاسنه إلى السمع ووصل خبر لطائفة إلى النفس. وما المرء إلا ذكره ومآثره. وحسدت العين عليه الأذن وودت لو أنها السابقة إلى اجتلاء رقائقه وشهود حقائقه.
فللعين عشق مثل ما يعشق السمع. لا جرم أن ما تعارف من الأرواح ائتلف وما تناكر منها كما قيل اختلف. ونحن وإن بعدت بيننا الشقة ولم يسبق لنا باللقاء عهد فلحمة الدب تجمعنا ووحدة الوجهة تضمنا ولحمة الأدب أقوى من لحمة النسب وجامعة الوجهة فوق اجتماع الوجوه وقد رأيت أن أزدلف إليك بالمكاتبة وأترسل إلى شرف التعرف بالمراسلة حتى إذا لم يبق في الصبر على الافتراق مسكة ولبى الجسم دعوة الروح فاندفع إلى طلب الاجتماع أكون قد مهدت له سبيلاً ووطأت له طريقاً فلا تبهرني فرحة اللقيا ولا يغرني طرب الظفر "فمن فرح النفس ما يقتل ومن نشوة الراح ما يزهق الأرواح" فإن رأى السيد أن يكاتب عبده ويعتقه من رق الفرقة عجل بجواب هذا الكتاب ليعلم العبد أن نميقته صادفت قبولاً وأن وسيلته اتخذت لي سيده سبيلاً قرب الله زمن اللقا وقصر أمد النوى حتى أنشد في الختام.
تطابقَ الخبرُ في علياك والخبرُ

وصدّقَ السمعَ في أوصافكَ البصرُ
"وكتب أحمد أفندي سمير المتوفي سنة 1329ه?"
(1/36)
________________________________________
يعلم سيدي أن المودة لا تباع ولا تشترى وإنما هي نتيجة الاجتماع والتعارف وقد خلق الإنسان مضطراً إليهما لأن انتظام العمران عليهما موقوف ولهذا شهد العيان بأن المنفرد بأعماله المستبد بآرائه عرضة للخطأ مظنة لعدم الثقة: بخلاف ما إذا كان الاشتراك في الفكر قاعدة للعمل فلا بد أن الصواب يتمحض منه لضعف التفرد وقوة الاجتماع إذ لا جرم أن المرء كما قيل: "قليل بنفسه كثير بإخوانه" وقد سمعت عن السيد وقرأت من آثاره المأثورة ما حببه إلي وشاقتي للتعرف به لتشترك في منفعة تبادل الأفكار فإني لا أكتفي بمجرد السماع ولا أقول: "إن الأذن تعشق قبل العين" فإنما هي جارحة صغيرة ولكن كلي ميال إليه محب لاستجلاء مرآه عالم إني غذ دخلت إلى مودته من باب التلاقي لا أجد دهري.
يقرّب منّي كلَّ شخصٍ كرهنهً

ويبعدُ عنّي منْ إليه أميل

فإن لم يتيسر أن يراني أو أراه فليسعدني ببضعة أسطر تضمن لي رضاه عن هذه المعرفة الترسلية لنتراءى بأعين الطروس قبل أعين الرؤوس ونتجاذب أحاديث المراسلة إن عزت المقابلة وقد وقفت عليه خالص ودي واخترته من بين رجال العصر سعيا لكسب المعالي بمعرفته (كُلّ امْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ) [الطور: 21] (لّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاّ مَا سَعَىَ) [النجم: 39].
عن المرء لا تسألْ وسلْ عن قرينه

فكلُّ قرين بالمقارنِ يقتدي

"وكتب الشيخ أحمد مفتاح المتوفي سنة 1329ه?"
(1/37)
________________________________________
لم أكن فيما أكتبه لك إلا سارياً في ليل التعارف على ضياء خلالك التي أملاها علي لسان المدح الذي شرق وغرب الأرض صيته وإني وإن لم أكن أسعدت من قبل باجتلاء طلعتك الزاهرة واجتناء مفاكهتك الغضة فقد دلني على الليث زئيره وعلى البحر خريره وعلى العقل أثره وعلى السيف إثره ولئن لم تجمعنا لحمة النسب فقد جمعتنا حرفة الأدب أو لم يضمنا قبل مصيف ومرتبع فالطيور على أشكالها تقع وشبه الشيء منجذب إليه وأخو الفضائل هو المعول عليه: وهذه الرقعة وإن وصفت لك بعض ما أنا مطوي عليه من التهافت على رؤيتك والميل إلى صداقتك فقلما تنوب عن المشابهة أو تقضي حاجات في النفس طالما تردد صداها: زفي ظني أن سيدي يود ما أوده وعما قليل يسفر صبح اللقاء ونتجاذب أهداب المعرفة: ورأى من سيدي فوق ما توسمته وسمعته ويرى مني ما يرضيه والسلام.
"وكتب الشيخ طه محمود المتوفي سنة 1325ه?"
(1/38)
________________________________________
أيها السيد العزيز الجناب الغزير الآداب، قد علمت ولا أزيدك علماً زادك الله ولا نقصك أن الإنسان كما اشتق اسمه من الأنس كذلك جبل عليه مسماه وأن المجتمع الإنساني عقد يتحلى به صدر الزمان نظامه التآلف وواسطته التعارف: فهذان الأمران هما قطب المدار في هذه الدار لهذا العالم من لدن آدم وليس إلا بهما يحسن الحال وينعم البال وتدر ضروع المنافع وتتفجر عيون الفوائد ومن ثم كان أوفر الناس حظاً من مغنم الإنسانية من يألف ولا خير فيمن لا ولا ناهيك بخلق امتن الله به على عباده إذ قال عز من قائل: (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوَاْ) [الحجرات: 13].
ذلك "أيها السيد" هو الذي بعثني أن اكتب إليك أستفتح باب مودتك بمفتاح الترسل وأستصبح في سبيل صحبتك بمصباح التوسل لا أبالي بما ينسب إلي وينتقم علي ممن عسى أن يقول مالك ولهذا الفضول وكيف تتطفل على مأدبة أديبة لم تدع إليها وهل هذا منك إلا أشبه بالتبرج لغير خاطب: أيها المنتقد هون عليك ما تجد فلو علمت أن ظل الآداب شامل ودعوة المودة الجفلى لا يذاد عنها وأغل لأسرعت معي إلى الوغول ولم تر في التودد إلى أهل الفضل من فضول وأي عيب على النكرة في التحلي بحلية المعرفة ومصاحبة الأعلام أما سمعت قول القائل:
بصحبتكَ الكرامَ تعدُّ منهم

وتأمنُ من ملمّات الزّمان
وكيف أضع نفسي بحيث يقول الأول:
دعِ المكارمَ لا ترحلْ لبغيتها

واقعد فإنك أنت الطاعمُ الكاسي
(1/39)
________________________________________
وشتان ما بين الرجلين رجل يهوى المكارم وبينها ويبتغي المناقب وذويها ويقف نفسه على مسألة يعلمها وفضيلة يتحلى بها.
وآخر يبذل وجهه المصون في ملء الحقائب والبطون.
هذا: وقد رجوت أن أكون الرجل الأول بصحبتك "أيها السيد" فكم روى لنا من أحاديث فضائلك للصحاح وتلى علينا من آيات شمائلك الحسان ما أشخص إليك القلوب قبل قوالبها وأوفد عليك الأرواح قبل أشباحها وأعجلني أن أكتب إليك بهذا الرقيم ألتمس بالتعرف إلى جنابك الكريم ما ألتمس الكليم من صحبة ذي الوجه النضر أبي العباس الخضر وإني وإن كنت والحمد لله ممن آمنوا بالغيب وليس عندي في صدق هذه الآيات مرية ولا ريب: بيد أن للصحبة فضلاً لا ينكر وللمؤاخاة مزية لا يتمارى فيها اثنان.
فإذا ورد على السيد كتابي هذا وانشرح صدره "شرح الله صدره" إلى إجابة سؤلي وارتاحت نفسه إلى اصطناعي كتب إلى عبده بما يكون آية جلية على ارتياحه لتحقيق هذه الأمنية.
حتى أقول لوجه آمالي ابتهجْ

لأولّينّك قبلةً لاترضاها

"وكتب الأستاذ محمود بك أبو النصر"
لإنسان العين وعين الإنسان: المودة "وصل الله بأجفان الأشواق أهدابها وفتح لنا أبوابها" أمر عزيز المرتقى على من يصطفى صديقه ويرعى حقوقه وإني اصطفيتك على الناس برسالتي هذه وعهدي بكرم سجاياك أن تصافحها براحة القبول وتتخذها فاتحة ود طارت إليك رياح فضلك بعدما مثلت آياته لك في القلوب معنى ظهرت في مرآه الأعين صورته.
فإن أبيت ودادي غيرَ مكترثٍ

فعنكَ ما دمتُ حيَّا لا أرى بدلا
وحاشاك عن مثل ذلك الإباء ونحن وإن لم تحظ أشباحنا باللقاء فأرواحنا من قبل جنود وأعيننا شهود فإن أنت منحتني ولاء خالصاُ وإخاءً صادقاً (وإلا فهبني أمراً هالكاً) ولا إخالك ترضاه وإن كنت المتطفل على مائدة مودتك فلي نفس أديب لا ترى العز زإلا في الترامي على ذرا الكمال لازلت على مرقى الجلال والسلام.
"وكتب الفاضل السيد محمد الببلاوي"
(1/40)
________________________________________
سيدي إن مكارم الأخلاق ومعالي الهمم مما تسترق القلوب وتسترق العقول وتمتلك الأرواح وإن لم تتلاق الأشباح فإني مذ سرى إلي النسيم بأخلاقكم الغراء وابتسم لي ثغر هذا العصر عن آثاركم الزهراء وتواترت الأخبار بحبكم للفضل وأهله وارتياحكم للعلم وذويه وأنا مشغوف الفؤاد بالتعرف بسيادتكم مشغول البال بالتوسل إلى رياض مودتكم ولعلمي أن للصداقة حقوقاً وللمصاحبة شروطاً ربما صعبت على من حاولها وعزت على من أراد الوفاء بها كنت أرى الوحدة أولى والانفراد بي أسلم ولكن ما زلت تنمي إلى أحاسن شمائلكم المشرفة وتتوارد على مسامعي محاسن سيركم المطهرة فينمو الوجد ويزداد الشوق "والأذن تعشق قبل العين أحياناً" وما كنت أجد سبيلاً للتعرف ولا سبباً للتودد ولا متجسر نفسي على المراسلة ابتداء إلى أن رأيت سيدي قد اهتم للأدب فأعلى منارة ونظر للإنشاء فرفع مقداره ونصر دولته وأحيا صولته وأعاد شبابه وفتح لأدباء هذا العصر بابه فعلمت أن الدهر قد ساعدني والفرصة قد أمكنتني من مصافحة أملت ومصافات ما أردت من اجتناء ثمار سيدي والتعرف به والتمسك بأهداب فضائله والتزود من آدابه فإن الأدب أحسن يستصبح بأنواره وأشرف ما يتسابق لاقتطاف أثماره ويحمد التطفل على موائده ويمدح التنافس في التقاط فرائد فوائده فجعلت طلب الانتظام في سلك أرباب الأقلام وسيلة لورود عذب وداده ونمير التعرف به فإن رأى سيدي أن يعد نفس حر في عداد معارفه ويقابل رسالته بما اشتهر من لطائفه حتى يتمتع بالرؤية الأبصار كما تمتعت المسامع بطيب الأخبار كنت مديم الشكر لأفضاله مستمر الثناء على كماله.
"وكتب الشيخ عبد الكريم سلمان المتوفي سنة 1336ه?"
(1/41)
________________________________________
أما بعد فهذه أول رسالة أكتبها إلى من لم تكن لي به جامعة جسمية ولم تضمني وإياه حفلة تعارف شخصية وهي وإن كانت في عرف غيري تعد هجوماً أو تحس فضولاً إلا أني أعتقد أنها أوفدت على كريم يكرم وفادتها ويتقبل به ما يهديه إليه من زعيم تحية وجليل إجلال ويجتلي من خلالها إرادة ود ورجاء ولاء وبغية فضل ورغبة في إخاء فيحلها منه محل القبول ويدرأ عنها وصمة الفضول: إن لسيدي آثاراً شاهدناها فاستفدناها ومآثر سمعناها فرويناها ولا مرية في أن ما غاب عنا منها أكثر مما وعينا وأوفى مما سمعنا ونحن والله يعلم طلاب كمال ومنتجعوا إفضال ورواد وما خصب من فيحاء العلوم وقد توسمنا في السيد أطال الله بقاه طلبتنا ووجدنا لديه ضالتنا قحثثنا إلى رحابه مطية المكاتبة ولنا أمل كبير في نوال المأمول لعله يجتح إلى مقابلة المثل بالمثل فيكتب لأخيه بعض كليمات يعرف منها أنه قبل الإخاء ومال إلى مقتضى طبعه من الوفاء ولا أظن ذلك إلا وقد كان في أقرب ما يكون من الزمان فإن الأرواح ما تعارف منها ائتلف كما برهنه الأصحاب في معاشرتهم خلفاً عن سلف.
"وكتب مؤلف هذا الكتاب"
لقد سمعنا بأوصافٍ لكم كملتْ

فسرَّنا ما سمعناهُ وأحيانا

من قبل رؤيتكم نلنا محبّتكم

والأذن تعشقُ قبلَ العين أحياناً
سيدي ومولاي: لقد بلغني عنك في وفائك وفضلك ما يدعوني لخطب ودك ويرغبني في إخائك ويحببني في التوسل إلى معرفة جنابك وإن لم تجمعنا جامعة شخصية ولم تضمنا حفلة تعارف ذاتية إلا أن أحاديث فضائلك الصحاح أوفدت عليك الأرواح قبل الأشباح والولاء والإخلاص قبل الأجسام والأشخاص ولا غرابة في ذلك فإن من سنة الله في خلقه أن يؤلف بين الأرواح وأمثالها وإن لله ملائكة يسوقون الأشكال إلى أشكالها وشبه الشيء منجذب إليه وأخو الفضائل هو المعول عليه.
إنّ القلوبَ لأجنادٌ مجنّدةٌ

لله في الأرض بالأهواء تعترفُ
(1/42)
________________________________________
فما تعارفَ منها فهو مؤتلفٌ=وما تناكرَ منها فهو مختلفُ فلذا اصطفيتك لنفسي واخترتك لمودتي وأنسي نتناجى بالضمائر ونتخاطب بالسرائر وإن بعدنا في الظاهر فرب غائب بنفسه حاضر بخلوص نفسه.
فإنْ أبيتَ ودادي غيرَ مكترثٍ

فعنك ما دمت حياً لا أرى بدلا
وحاشاك عن مثل هذا الإباء والهجر والجفاء.
لكلّ امرئ شكلٌ من النّاس مثله

وكلّ امرئ يهوى إلى من يشاكلهُ
ناشدتك الله أن تقبل مني الإخاء وتضمن لي الوفاء وأنا أرضى بك من الدنيا نصيباً وأختارك من العالمين حبيباً.
الفصل الثالث في رسائل الهدايا
كتب سعيد بن حميد المتوفي سنة 105ه? يوم النيروز إلى بعض أهل السلطان"
أيها السيد الشريف عشت أطل الأعمار بزياد من العمر موصولة بفرائضها من الشكر لا سينقضي حق نعمة حتى يجدد لك الأخرى ولا يمر بك يوم إلا كان مقصراً عما بعده موفياً عما قبله: إني تصفحت أحوال الأتباع الذين يجب عليهم الهدايا إلى السادة والتمست التأسي بهم في الإهداء وإن قصرت بي الحال عن الواجب فوجدت أني: إن أهديت نفسي فهي ملك لك لاحظ فيها لغيرك. ورميت بطرفي إلى كرائم مالي فوجدتها منك فإن كنت أهديت منها شيئاً فإني لمهد مالك إليك. ونزعت إلى مودتي فوجدتها خالصة لك قديمة غير مستحدثة فرأيت إن جعلتها هديتي أني لم أجدد لهذا اليوم الجديد براً ولا لطفاً ولم أميز منزلة من شكري بمنزلة من نعمتك إلا كان الشكر مقصراً عن الحق والنعمة زائدة على ما تبلغه الطاقة فجعلت الاعتراف بالتقصير عن حقك هدية إليك والإقرار بالتقصير عما يجب لك براً أتوسل به إليك وقلت في ذلك.
إن أهد مالاً فهو واهبهُ

وهو الحقيقُ عليه بالشكرِ
أو أهد شكري فهو مرتهنٌ

بجميل فعلكَ آخرَ الدّهرِ

والشمس تستغني إذا طلعتْ

أنْ تستضيء بسنَّة الدّهر

"وكتب حنفي بك ناصف المتوفى سنة 1337ه?"
(1/43)
________________________________________
الهدية في نظر الأصيفاء جليلة وإن كانت في نفسها قليلة ومكانتها خطيرة وإن كانت يسيرة وسنة حسنة اجتمعت على فضلها الألسنة.
مضت الدّهورُ وأمرها مستحسنٌ

وتعاقبتْ بمديحها الأيام

اللهم إلا أن لبست جلباب الرياء وولجت أبواب الارتشاء ولا مراء إن الأوداء من ذلك براء.
لا يبتغون سوى الوفاءِ وما لهم

غيرُ البقاءِ على الصَّفاءِ مرام
وما زالت الهدية شعار الأصدقاء وعنون تذكار الولاء وكم جددت بين الأصحاب عهود التحاب.
وتعهّدت ودّا فعادَ شتيتهُ

ولشملهِ بعد البدادِ نظامُ
قد وصلتني يد العصا فحبذا الإهداء وأهلاً بتلك اليد البيضاء وليست هذه أول أياديك علي ولا أكبر عارفة جاءت من ناديك إلي وقد أمنت بها النوب واعتضدت بها على تفريق شمل الكرب.
فإذا طغا بحر الهموم ضربتهُ

بعصايَ فاجتازت به الأقدام
تنفلق بها من الأيام صخور فتنبجس منها عيون السرور وتلقف ما يصنع الأعداء فتذهب بسحر البغضاء وإذا اشتد هجير الوحشة نشرت ظلال أنسها أو عصى فرعون الدهر راعته ببأسها.
فكأنَّما أوصى الكليمُ لنا بها

حتى يرى آياته الأقوامُ

وقد فكرت ماذا أقابل به طرفتك وأتلقى به تحفتك إلى أن هداني الله أن يد المنعم إنما تقابل بالأفواه ليعزز القبول بالقبل ويؤدي الرسم باللثم فأرسلت إليك فم سجارة وجعلته لهذا المعنى إشارة وقلت:
مولايَ كم فاضتْ يمينكَ بالنَّدى

حتى غدوتُ غريقَ بحر الأنعمِ
والشكرُ أوجبَ أن أقبّلَ راحها

فكنيتُ عن هذا بإهداءِ الفمِ

وقد علمت أن المنظر البهيج يتم بالتدريج فاخترت أن يكون مبدؤه كالليل إذا عسعس ومنتهاه كالصبح إذا تنفس إيذاناً بزوال الشرور بالسرور ورمزاً إلى الخروج من الظلمات إلى النور.
?"وكتب الأستاذ محمود بك أبو النصر"
يا أيّها المولى الذي

عمَّت أياديهِ الجميلهْ
اقبلْ هديّةَ منْ يرى

في حقّكَ الدُّنيا قليلهْ
(1/44)
________________________________________
غرة وجه السعود وقرّة عين الوجود الأمير الجليل: يا جليل الفضائل إليك توجه الآمال ويا جميل الشمائل بساحتك تحط الرحال تلك هي الساحة الفيحاء والشيمة الحسناء والهمة العلياء واليد البيضاء والأعمال التي تضرب بها الأمثال كم من نعم أسديتها ومكارم أوليتها وعلوم أحييتها فأنت المصدر والمورد والمقصد والموعد: إليك أقدم تلك الهدية المرضية وأرفع ذلك الكتاب المستطاب مشفعاً في قبوله كرم سجاياك وعظم مزاياك وإني وإن كنت أعلم أن مقامك العلي يجل عن أن يرفع إليه مثله فقد عرفناك متواضعاً في علاك قريباً مع اعتلاك.
دنوتَ تواضعاً وعلوت مجداً

فشأنك انخفاضٌ وارتفاعُ

كذاك الشّمس يبعدُ أن تسامى

ويدنو الضّوءُ منها والشّعاعُ
وحاشاك أن أهدي للقمر نوراً أو للشمس ضياء أو أبعث ببنية القطر إلى ذلك البحر ولكنني أحببت أن يحظى بلثم بنانك وينال من كرمك وإحسانك وقد عهدناك تهتز للمكارم اهتزاز الصارم وترتاح لإسداء الجميل كما يرتاح للكرم التنزيل وللشفاء العليل وما هون إلا من نور فكرك مقتبس فعساه يحظى بالقبول فأبلغ غاية المأمول والسلام.
"وكتب الأستاذ عبد الله بك الأنصاري"
المولى أدام الله وجوده ممتعاً بهدايا الأيام وتحف الأعوام طالما أوفد من الرفد إلي ووجه من الخيرات ما أفعم يدي حتى أصبحت وله الفضل والمنة أجر ذيول النعماء على غبراء البأساء واجتلي معارف السراء بعوارفه البيضاء التي لايوازيها ثناء وحمد ولا يوزازيها عطاء ورفد ولا يطاولها سماء وبحر ولا يغالبها بؤس وفقر وإن لي من آلاء السيد حفظه الله وأدام علاه ما اينع وأزهر وأورق وأثمر حدائق قامت لشكره عيدانها وسجدت لفضله أغصانها وترنمت طرباً وتمايلت عجباً بنفحات هي عرفه وبركات هي عرفه ولي أمل في جنابه وأنا سليل نعمته وعهدي بأخلاقه وأنا ابن مودته أن يمن بقبول ما أهديته وهو من مال نفسه وثمرة غرسه (باكورة تفاح) يرفعها إجلال وإعظام وتصحبها تحية وسلام.
(1/45)
________________________________________
"وكتب الشيخ أحمد مفتاح المتوفي سنة 1329ه?"
الهدية غمرك الله بالمعروف تتبسط يد المودة وتدر بها أخلاف القرب وتغرس بين المتحابين من الائتلاف بقدر ما تقطع بينهما من شجر الخلاف وما أنا فيما أهديه إليك إلا مستبضع تمراً إلى أرض خبير أو كالواهب الماء للبحر والضوء للبدر والملك لسليمان والمال لقارون والحلم لأحنف والذكاء لإياس والتفسير لابن عباس وما ذاك إلا كتاب كما تراه ضرب في الإحكام بسهم ووعى من الأحكام ما خلت منه مفعمات الأسفار وموجزات الرسائل (فهو كما قيل) كل الصيد في جوف الفرا.
تزين معانيهِ ألفاظهُ

وألفاظهُ زائنات المعاني
على أني وإن تطفلت عليك وسقت لك هذا الكتاب مزدلفاً إلى جانبك الرحب ومقامك الأسنى فقد أصبت كبد الصواب ووضعته حيث يعرفه أهلوه ويتقبله من باذله عالموه علماً بأنك عماد العلوم وأساس الفضائل لا تغادر شاردة إلا وعيتها ولا نادرة إلا رويتها وإلا.
لو كان يهدى عليّ قدري وقدركمو

لكنت أهدي لك الدُّنيا وما فيها

"وكتب مؤلف هذا الكتاب إلى أستاذه الحكيم الشيخ محمد عبده"
سيدي ومولاي أطال الله بقاك ورفع في الدارين علاك الهدية مفتاح باب المودة وعنوان تذكار المحبة يتسابق إليها كرام السجايا ويتسارع إلى إحياء شعائرها عشاق المزايا حرصاً على حفظ عهود الوداد والتآلف وإذهاباً لوحشة التقاطع والتحالف.
هدايا النّاس بعضهمْ لبعضٍ

تولّد في قلوبهم الوصالا

وتزرع في القلوب هوى وودا=وتكسوك المهابة والجلالا ولقد وجدتك إماماً حكيماً وفيلسوفاً عليماً تقدر الأعمال حق قدرها وتضع الأشياء في مواضعها سباقاً إلى نشر العلوم والمعارف في المشارق والمغارب.
يبقى الثّناء وتنفد الأموال

ولكل دهرٍ دولة ورجال

ما نالَ محمدةَ الرّجال وشكرهم

إلاّ الصّبور عليهم المفضال
(1/46)
________________________________________
فلذا أهديك كتابي (جواهر الدب في بلاغة لغة العرب) جمع فأوعى من الآداب والحكم ما خلت منه مفعمات الأسفار فهو بلا شك ولا مرا كل الصيد في جوف الفرا.
تزين معانيهِ ألفاظه

وألفاظه زائنات المعاني
على أني وإن تطفلت عليك ووضعت كتابي هذا بين يديك فقد ولجت الأمور من الأبواب وأصبت كبد الصواب حيث يعرف الفضل من الناس ذووه ويتقبله بقبول حسن عالموه.
شكراً وحمداً إن قبلت هديّتي

وجعلت لي فضلاً على أقراني
فتنازلك بقبوله يكون الإقبال عليه جليلاً ويعجز لساني عن أن أشكرك جزيلاً والسلام.
الفصل الرابع في رسائل الاستعطاف والاعتذار
"وكتب أبو منصور الثعالبي المتوفي سنة 429ه?"
الكريم إذا قدر غفر وإذا أوثق أطلق وإذا أسر أعتق قد هربت منك إليك واستعنت بعفوك عليك فأذقني حلاوة رضاك عني كما أذقتني مرارة انتقامك مني: الحر الكريم الظفر إذا نال أقال واللئيم إذا نال استطال قد هابك من استتر ولم يذنب من اعتذر تكلف الاعتذار بلا زلة كتكلف الدواء بلا علة مولاي يوجب الصفح عند الزلة كما يلتزم البذل عند الخلة مولاي يوليني صفيحة صفحة ويؤتيتي العفو من عفوه زللت وقد يزل العالم الذي لا أساويه وعثرت وقد يعثر الجواد الذي لا أجاريه لاتضيقن لاعني سعة خلقك ولاتكدرن علي صفو ودك مالي ذنب يضيق عنه عفوك ولا جرم يتجافى تجاوزك وصفحك: والسلام.
"وكتب عبد الله بن معاوية المتوفي سنة 158ه? إلى أبي مسلم"
(1/47)
________________________________________
من الأسير في يديه بلا ذنب إليه ولا خلاف عليه (أما بعد) فقد أتاك الله حفظ الوصية ومنحك نصيحة الرعية وألهمك عدل القضية فإنك مستودع الودائع ومولى الصنائع فاحفظ ودائعك بحسن صنائعك فالودائع عارية والصنائع مرعية وما النعم عليك وعلينا فيك بمنزور نداها ولا بمبلوغ مداها فنبه للتفكير قلبك واتق الله ربك وأعط من نفسك من هو تحتك ما تحب أن يعطيك من هو فوقك من العدل والرأفة والأمن من المخافة فقد أنعم الله عليك بأن فوض أمرنا إليك فاعرف لنا لين شكر المودة واغتفار مس الشدة والرضا بما رضيت والقناعة بما هويت فإن علينا من سمك الحديد وثقله أذى شديداً مع معالجة الأغلال وقلة رحمة العمال الذين تسهيلهم الغلظة وتيسيرهم الفظاظة ولإيرادهم علينا الغموم وتوجيههم إلينا الهموم زيارتهم الحراسة وبشارتهم الإياسة فإليك بعد الله نرفع كربة الشكوى ونشكو شدة البلوى فمتى تمل إلينا طرفاً وتولنا منك عطفاً تجد عندنا نصحاً صريحاً ووداً صحيحاً لايضيع مثلك مثله ولا ينفي مثلك أهله فارع حرمة من أدركت بحرمته واعرف حجة من فلجت بحجته فإن الناس من حوضك رواء ونحن منه ظماء يمشون في الإيراد ونحن نحجل في الأقياد بعد الخير والسعة والخفض والدعة والله المستعان وعليه التكلان.
"وكتب بدر الدين محمد بن حبيب الحلبي المتوفي سنة 799ه?"
رفقاً بمن ملك الوجد قياده وعطفاً على من أذاب الشوق فؤاده متيم أقلقه فرط صدودك ومغرم أغراه بحبك قول حسودك وسقيم لا شفاء له دون مزارك ومقيم على عهدك ولو طالت مدة نفارك إلى م هذا التنائي والنفور وعلام ياذا القد العادل تجور لقد تضاعفت الأسف والأسى وتطاول التعلل بعل وعسى.
هبني تخطّيتُ إلى زلّة

ولم أكن أذنبتُ فيما مضى

أليسَ لي من بعدها حرمةٌ توجبُ لي منك جميلَ الرّضا
(1/48)
________________________________________
ولست ألوذ إلا بباب نعمك ولا أعتمد في محو الإساءة إلا على حلمك وكرمك وما جل ذنب يضاف إلى صفحك ولا عظم جرم يسند إلى عفوك ومثلك من يقيل العثرات ويتجاوز عن الهفوات.
وكنت أظنُّ أن جبال رضوى=تزول وإن ودَّك لا يزول
ولكنّ القلوب لها انقلابٌ

وحالاتُ ابن آدم تستحيل
طالما آنستني بقربك ودنوت مني مفارقاً ظباء سر بك وأنجزت وعودي وأطلعت نجوم سعودي.
وكنتُ إذا ما جئتُ أدنيت مجلسي

ووجهكَ من ماء البشاشةِ يقطرُ
فمن ليَ بالعين التي كنتَ مرَّة

إليَّ بها من سالف الدَّهر تنظر

قيدت أملي عن سواك وبهرت ناظري بنظرة سناك وكسرت جيش قراري وتركتني لا أفرق بين ليلي ونهاري، أحوم حول الديار، وأعوم في بحر الأفكار، وأتمسك بعطف عطفك، وأتعلق بأذيال مكارمك ولطفك أما علمت أن الكريم إذا قدر غفر، وإذا صدرت من عبده زلة أسبل عليها رداء العفو وستر، وإن شفيع المذنب إقراره ورفض خطيئته عند مولاه استغفار.
ومنْ كان ذا عذرٍ لديك وحجّةٍ

عذريَ إقراري بأن ليس لي عذرُ
لهفي على عيش بسلاف حديثك سلف وأوقات حلت ثم خلت وأورثت التلف وآها لأيام بطيب أنك مضت وبروق ليال لولا قربك ما أومضت.
كنتُ أعرفُ في الهوى مقدارها

رحلتْ وبالأسف المبرّح عوضت
كيف السّبيلُ إلى إعادة مثلها

وهيَ التي بالبعدِ قلبي أمرضت

فجد بالتداني واسمح بنيل الأماني وألن قلبك القاسي وعد عن التنائي والتناسي وارع الود القديم وابدل شقاء محبك بالنعيم ولا تعدل عن منهاج المعدلة وسلم فقد أخذت حقها المسألة وأغمد سيف حيف صبرته مسلولاً وأوف (وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً) [الإسراء: 34].
"وكتب أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ المتوفي بالبصرة سنة 255ه?"
(1/49)
________________________________________
ليس عندي أعزك الله سبب ولا اقدر على شفيع إلا ما طبعك الله عليه من الكرم والرحمة والتأميل الذي لايكون إلا من نتاج حسن الظن وإثبات الفضل بحال المأمول وأرجو أن أكون من الشاكرين فتكون خير معتب وأكون أفضل شاكر ولعل الله يجعل هذا الأمر سبباً لهذا الأنعام وهذا الأنعام سبباً للانقطاع إليكم والكون تحت أجنحتكم فيكون لا أعظم بركة ولا أنمى بقية من ذنب أصبحت فيه وبمثلك جعلت فداك عاد الذنب وسيلة والسيئة حسنة ومثلك من انقلب به الشر خيراً والغرم غنما من عاقب لقد أخذ حظه وإنما الأجر في الآخرة وطيب الذكر في الدنيا على قدر الاحتمال وتجرع المرائر: وأرجو أن لا أضيع وأهلك فيما بين كرمك وعقلك وما أكثر من يعفو عمن صغر ذنبه وعظم حقه وإنما الفضل والثناء العفو عن عظيم الجرم ضعيف الحرمة وإن كان العفو العظيم مستطرفاً من غيركم فهو تلاد فيكم حتى ربما دعا ذلك كثيراً من الناس إلى مخالفة أمركم فلا أنتم عن ذلك تنكلون ولا على سالف إحسانكم تندمون ولا مثلكم إلا كمثل عيسى ابن مريم حين كان لا يمر بملأ من بني إسرائيل إلا أسمعوه شراً وأسمعهم خيراً فقال له شمعون الصفا: ما رأيت كاليوم كلما أسمعوك شراً أسمعتم خيراً فقال كل امرئ ينفق مما عنده وليس عندكم إلا الخير ولا في أوعيتكم إلا الرحمة. وكل إناء بالذي فيه ينضح.
"وكتب ابن مكرم إلى بعض الرؤساء"
نبت بي غرة الحداثة فردتني إليك التجربة وقادتني الضرورة ثقة بإسراعك إلي وأن أبطأت عنك وقبولك لعذري وإن قصرت عن واجبك وإن كانت ذنوبي سدت علي مسالك الصفح عني فراجع في مجدك وسؤددك وإني لا أعرف موقفاً أذل من موقفي لولا أن المخاطبة فيه لك ولا خطة أدنا من خطتي لولا أنها في طلب رضاك والسلام.
"وكتب أبو بكر الخوارزمي المتوفي سنة 740ه?"
لو بغير الماء حلقي شرقٌ

كنتُ كالغصّانِ بالماء اعتصاري
(1/50)
________________________________________
كيف يقدر أبقى الله السيد على الدوام من لا يهتدي إلى أوجه الداء وكيف يداري أعداءه من لايعرف الأصدقاء من الأعداء وكيف يعالج علة القرحة العمياء أم كيف يسري بلا دليل في الظلماء أم كيف يخرج الهارب من بين الأرض والسماء: الكريم غذ قدر غفر وإذا أوثق أطلق وإذا اسر أعتق ولقد هربت من السيد إليه وتسلحت بعفوه عليه وألقيت ربقة حياتي ومماتي بيديه فليذقني حلاوة رضاه عني كما أذاقني مرارة انتقامه مني ولتلح على حالي غرة عفوه كما لاحت عليها مواسم غضبه وسطوه وليعلم أن الحر كريم الظفر إذا نال أقال وإن اللئيم لئيم الظفر إذا نال استطال وليغتنم التجاوز عن عثرات الأحرار ولينتهز فرص الاقتدار وليحمد الله الذي أقامه مقام من يرتجى ويخشى وركب نصابه في رتبة شاب الزمان ومجدها فتي وأخلق العالم وذكرها طري وليعتقد أنه قد هابه من استتر ولم يذنب إليه من اعتذر وإن من رد عليه عذره فقد أخرج إلى الشجاعة بعد الجبن وأخرج ذنبه إلى صحن اليقين من سترة الظن وفق الله السيد لما يحفظ عليه قلوب أوليائه وعصمه مما يزيد به في عدد جماجم أعدائه.
"وكتب بعضهم إلى رئيسه"
وجدت استصغارك لعظيم ذنبي أعظم بقدر تجاوزك عني ولعمري ما جل ذنب يقاس إلى فضلك ولا عظم جرم يضاف إلى صفحك ويعول فيه على كرم عفوك وإن كان قد وسعه حلمك فأصبح جليله عندك محتقراً وعظيمة لديك مستصغراً أنه عندي لفي أقبح صور الذنوب وأعلى رتب العيوب غير أنه لولا بوادر السفهاء لم تعرف فضائل الحلماء ولولا ظهور نقص بعض الأتباع لم يبن جمال الرؤساء ولولا إلمام الملمين لبطل تطول المتطولين بالصفح وغني لأرجو أن يمنحك الله السلامة بطلبك لها ويقيلك العثرات بإقالتك أهلها وما علمت أني وقفت منك على نعمة أتدبرها إلا وجدتها تشتمل على فائدة فضل تتبعها عائدة عقل.
"وكتب فقيد اللغة الشيخ ابراهيم اليازجي المتوفي سنة 1906"
(1/51)
________________________________________
بم يعتذر إليك من لايرى لنفسه عذراً وكيف يستتر من عتبك من لايستطيع لذنبه ستراً بل كفاني من العتب تعنيف نفسي على ما ألقيت عليها من تبعة تقصيري وما حلت به من التفريط بينها وبين معاذيري والله يعلم ما كان تقصيري شيئاً أردته ولا كان تفريطي أمراً قصدته ولكنها الأيام إن صاحبتها لم تصحب وإن عاتبتها لم تعتب فلقد عبرت بي هذه البرهة كلها وأنا بين شواغل لا يشغلها عني شاغل وبلابل قد اختلط حابلها بالنابل فنازعتها هذه النهزة اليسيرة أجدد فيها التذكرة إلى أن يمن الله بصلة الحبل واجتماع الشمل واستنزل أحرفاً من حظك يكتحل بها الناظر ويأنس إليها الخاطر متوقعاً بعد ذلك أن أبقى بين يدي مودتك مذكوراً وإلا يكون عجزي لديك شيئاً منظوراً وإن تجري بي على عادة حلمك إلى أن يجمع الله الشتيتين ويغني العين عن الأثر بالعين إن شاء الله تعالى والسلام.
"وكتب أيضاً"
(1/52)
________________________________________
وافاني كتابك العزيز والنفس نازعة إلى ما يزيل نفارها والقريحة تائقة إلى ما يشحذ غرارها فكان روضة باسمة الكمائم فائحة النسائم قد ردت على النفس انبساطها وأحيت البادرة فاستأنفت نشاطها فأنا منه ما بين وشي يخجل طراز العبقرية وزخرف دونه نضرة السابرية تناجيني منه رشاقة ألفاظ تفضح قدود الحسان وغضاضة أنفاس يغار منها ورد الجنان ورقة خطاب يشف عن ود صفي ولطف خفي وكرم وفي عتب أعذب من الماء القراح وأرق من نسمات الصبا في الصباح حتى لقد جنب إلى تقصيري وشفع عند نفسي في قبول معاذيري على أن ما عندي من الولاء لا يعتريه معاذ الله وهن ولايخلقه تمادي زمن أو ترامي وطن ولكن صروف الأحداث قد قصرت الجهد جواد العزيمة عن القصد والله يعلم أني لو نزلت على حكم نوازل الدهر ولم أدافع طلائعها بما بقي من ساقة الصبر لما كان في همتي إلا كسر اليراع وهجر المحابر والرقاع وحسبي من العذر ما أعرفه من حلمك المألوف وما ألفته من كرمك المعروف.
والله أسأل أن يبقيك لي من الدهر نصيباً ويمتعني بلقائك قريباً بمنه وكرمه.
"وكتب أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ المتوفي بالبصرة سنة 255ه?"
أما بعد فنعم البديل من الزلة الاعتذار وبئس العوض من التوبة الإصرار فأنا لا عوض من إخائك ولا خلف من حسن رأيك وقد انتقمت مني في زلتي بجفائك فأطلق أسير تشوقي إلى لقائك فإنني بمعرفتي بمبلغ حلمك وغاية ضمنت لنفسي العفو من زلتها عندك وقد مسني من الألم ما لم يشفه غير مواصلتك.
"وكتبت زبيدة زوجة الرشيد المتوفاة سنة 216ه? إلى المأمون"
(1/53)
________________________________________
كل ذنب يا أمير المؤمنين وإن عظم صغير في جنب عفوك وكل إساءة وإن جلت يسيرة لدى حلمك وذلك الذي عودكه الله أطال مدتك وتمم نعمتك وأدام بك الخير ودفع عنك الشر والضير.
وبعد فهذه رقعة الولهى التي ترجوك في الحياة لنوائب الدهر وفي الممات لجميل الذكر فإن رأيت أن ترحم ضعفي واستكانتي وقلة حيلتي وأن تصل رحمي وتحسب فيما جعلك الله له طالباً وفيه راغباً: فافعل: وتذكر من لو كان حياً لكان شفيعي إليك.
"وكتب إليها المأمون جواب المواساة الآتي"
وصلت رقعتك يا أماه أحاطك الله وتولاك بالرعاية ووقفت عليها وساءني (شهد الله) جميع ما أوضحت فيها لكن الأقدار نافذة والأحكام جارية والأمور متصرفة المخلوقون في قبضتها لايقدرون على دفاعها والجنيا كلها إلى شتات وكل حي إلى ممات والغدر والبغي حتف الإنسان والمكر راجع إلى صاحبه.
وقد أمرت برد جميع ما أخذ لك ولم تفقدي ممن مضى إلى رحمة الله إلا وجهه.. وأنا بعد ذلك لك علي أكثر مما تختارين والسلام.
"وكتب بعضهم"
إني وإن جنيت على نفسي وخرجت عن حد الأدب فيما يجب على العبد لسيده فإني عبد نعمتك وصنيع إحسانك وذنبي وإن عظم وضاق باب التوبة عن قبول المعذرة فالعفو عنه بعض حسناتك التي فطرت عليها والغضاء عني سر من أسرارك التي تميل إليها فاجعل العفو عني قربة إلى مولى الموالي واترك العبد عتيق مكارم الأخلاق وإلا فضع سيف نقمتك في نحر عبد نعمتك وأنت حل من دم أراقه أهله أو آل أمره إلى وارث لايسعه إلا النزول عن المطالبة به: ألا وهو مقام جلالتكم السامي.
وحاشاك أن تعدم الصادق في خدمتك بهفوة لم يقصدها وذنب أقلع عنه.

وعلى كل فالعبد بين يديك وأمره منك وإليك فقد ألقي إليك مقاليد الأجل فافعل ما تشاء واتق الله عز وجل.
"وكتب أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ المتوفي بالبصرة سنة 255ه?"
(1/54)
________________________________________
أعاذك الله من سوء الغضب وعصمك من سرف الهوى وصرف ما أعارك من القوة إلى حب الإنصاف ورجح في قلبك إيثار الأناة: فقد خفت أيدك الله أن أكون عندك من المنسوبين إلى نزق السفهاء ومجانبة سبل الحكماء.
وبعد فقد قال عبد الرحمن بن حسان بن ثابت المتوفي سنة 54ه?.
وإنّ امرأ أمسى وأصبحَ سالماً

من النّاس إلا ما جنى لسعيدُ

وقال الآخر:
ومنْ دعا الناس إلى ذمّةِ

ذمّوه بالحقّ وبالباطلِ

فإن كنت اجترأت عليك أصلحك الله فلم أجترئ إلا لأن دوام تغافلك عني شبيه بالإهمال الذي يورث الإغفال والعفو المتتابع يؤمن من المكافأة ولذلك قال عيينة بن حصن بن حذيفة لعثمان رحمه الله "عمر كان خيراً لي منك أرهبني فاتقاني وأعطاني فأغناني"فإن كنت لا تهب عقابي "أيدك الله" لخدمة فهبه لأ ياديك عندي فإن النعمة تشفع في النقمة وإلا تفعل ذلك لذلك فعد إلى حسن العادة وإلا فافعل ذلك الحسن الأحدوثة وإلا فات ما أنت أهله من العفو دون ما أنا أهله من استحقاق العقوبة فسبحان من جعلك تعفو عن المتعمد وتتجافى عن عقاب المصر حتى إذا صرت إلى من هفوته ذكر وذنبه ونسيان ومن لا يعرف الشكر إلا لك والأنعام إلا منك هجمت عليه بالعقوبة: واعلم أيدك الله أن شين غضبك علي كزين صفحك عني وأن موت ذكرى مع انقطاع سببي منك كحياة ذكرك مع اتصال سببي بك واعلم أن لك فطنة عليم وغفلة كريم والسلام.
الكلام على الرسائل المتداولة
هذه الرسائل تتفرع إلى ثلاثة أقسام باعتبار الغرض المقصود: فأما أن تقصد بها أمور الكاتب: وأما أمور المكتوب إليه وأما غرضاً ثالثاً.
فالأول يشمل على الرسائل التجارية والطلب والشكر والاعتذار والثاني على رسائل النصح والملامة والإخبار والتهنئة والتعزية والأجوبة والثالث على رسائل الوصاة والشفاعات.
الفصل الثاني في رسائل الطلب
"وكتب إلى عبيد الله بن سليمان أبو العيناء المتوفي سنة 282ه?"
(1/55)
________________________________________
أنا أعزك الله وعيالي زرع من زرعك إن أسقيته راع وزكا وإن جفوته ذبل وذوى وقد مسني منك جفاء بعد بر وإغفال بعد تعاهد حتى تكلم عدو وشمت حاسد ولعبت بي ظنون رجال كنت بهم لاعباً مخرساً:
لاتهنّي بعدَ أن أكرمتني

وشديدٌ عادةٌ منتزعه

"وكتب الوزير الخطير عبد الخالق باشا ثروت"
إليك يا من قد استأسر النفوس بكرمه واسترق الأحرار بجميل صنعه وأولى النعم والخيرات وأسدى المعروف والمبرات أرفع كتاباً تبعثه إلى ناديك العالي عوامل الحاجة وتزجيه إلى ساحتك دواعي الشدة آمل أن يكون تذكرة بأمري والذكرى تنفع المؤمنين وتذكرة بحالي (اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) [التوبة: 120] فقد كان سيدي رفع الله قدره وأعلى مرتبته وعدني ومثله من يتمسك من الوفاء بالعروة الوثقى ويقطع حبل الإخلاف بسيف الوفاء ويطرز خلعه الوعد بوشي العطاء أن يرسل لي من خيراته ويوليني من آلائه وحسناته ويضاعف لي من مننه ويزيدني من عطتئه ما أشد به أزري على الزمان وأطاول به نوائب الحدثان فقد بارزني الدهر بسيوفه ورماني بسهامه وأناخ علي بكلاكله وقد أطال الأمد على حاجتي عند سيدي أطال الله بقاءه حتى طار غراب شبابها وصاح بجانب ليلها فخفت أن تكون هبت عليها ريح النسيان وعصفت بها عاصفة الحدثان فكتبت إلى سيدي ومولاي تلك الرقعة استعجل بها بره وأستدر بها ضرع عطائه علماً بأن التعجيل يكبر العطية وإن كانت صغيرة ويكثرها وإن كانت يسيرة فعسى أن يكون قد لاح نجم النجاح وهب نسيم الفلاح فيرسل سيدي إلى سحاب كرمه ويمطرني من غياث فضله فترف غصون آمالي بعد ذبولها وتضحك وجوه مطالبي بعد عبوسها وأملي في ذلك فسيح فإن سيدي من أكرم الناس نسباً وأشرفهم حسباً ومثله جدير بحفظ العهد وإنجاز الوعد: فإن رأى سيدي أن يخفف ثقل الحاجة عني ويرد ما سلبه الدهر مني بقطرة من بحر عطائه ومنة من بعض آلائه ويجبر ما كسره الفقر من جناحي ويرد عني النوائب التي لاتفتأ تتولاني عقدت
(1/56)
________________________________________
لساني على مدحه ووقفت نفسي على شكره فيحرز من الله أجراً جزيلاً ومني شكراً جميلاً. إن شاء الله بمنه وكرمه.
"وكتب الفاضل أحمد بك رأفت"
السيد الكامل أدام الله علاءه وأطال بقاءه وجعله موئل الكرم ومسدي النعم قد غمرني بنعمائه وطوقني بآلائه حتى قصرت حمدي عليه وأمسكت لساني عن الشكر إلا إليه وكان من مننه علي وأياديه البيضاء لدي أن وعدني أنه يقلدني في أول العام وظيفة عالية ومرتبة سامية فاخضل روض الأمل بعد ذبوله وبزغ كوكبه بعد أفوله واتسع نطاقه واستبشر القلب نبيل أمنيته والحصول على طلبته واشتد أزري على مقارعة كتائب الزمان وقوي جنائي على صد جيوش الحدثان ومازالت بي الأيام حتى حان أول العام وما تحقق الوعد أو أوفى العهد، ومثل السيد من إذا وعد وفى أو تعهد أوفى.
أفي دين ذي المعروف يجملُ أنني

تنوءُ بيَ البؤسى ويثقلني العسرُ

وأنتَ الذي أعطى المكارمَ حقّها

ولم يحك جدواك السَّحابُ ولا البحرُ
فعجّلْ فخيرُ البرّ يحمدُ عاجلاً

وأوفِ فوعدُ الحرّ دين به الحرُّ

هذا ولكنني رجعت وحكمت العقل فعذرت السيد وحملت ذلك على أنه إنما لم يعجل بإنجازه وعده وإيفاء عهده إلا لتقليد عبده وظيفة أسمى ومرتبة أعلى عله يستدرك ما فات ويحسن إلى عبده فيما هو آت.

"وكتب الفاضل عبد العزيز بك محمد"
(1/57)
________________________________________
عهدي بالسيد الجليل أدامه الله مصدراً للمكارم تستق منه صفاتها ومظهراً للفضائل تتجلى فيه آياتها سباقاً إلى غايات المجد درا كالمطلب الحمد أريحيا لا يصبو إلا إلى إسداء المنن جواداً لايطمع طرفه في بث عوارفه إلى ثمن ما أمه أسير فاقة إلا وألفى لديه كهفاً منيعاً وجاهاً رفيعاً قصده ذو حاجة إلا وصدر عن مورد فضله شادياً بثنائه معلناً بولائه وإن لي إلى السيد حاجة إن لم يسعف بقضائها فيا حسرة نفسي وطول شقائها وليست هذه بأول مرة استمحت فيها عالي مروءته واستمطرت صيب همته فإنه طالما طوقني قلائد نعمه وأرسل علي مدرار كرمه فليجر في هذه أيضاً على عادته ويقابلني بما عودني من كرامته: ومعاذ الله أن اسأله ما ليس في وسعه أن أستقضه شيئاً يحرص على منعه: ولكنني:
أريد بسطةَ كفّ أستعينُ بها

على قضاء حقوق للعلى قبلي
والذي يكفلُ لي تلك البسطة أن يقلدني سيدي وظيفة مناسبة لحالتي حتى تكون لي درعاً أتقى بها مهانة الفقر وسيفاً أكف به عوادي الدهر ومالي والأقسام عليه في إنالتي هذه البغية بنفيس وقت قضيته في خدمة العلم واقتناء أبكاره وطويل عناء تحملته في مزاولة الأدب واكتشاف أسراره ونفس ارتاضت بالفضل وآثرت غصة الفقر على منة البذل ووله من سنيات الفضائل وعليات الفواضل وجليات المآثر وجليلات المفاخر ما لو أقسم به عليه في إنالة أعز المطالب لألزمه كرم سجاياه بر ذلك القسم وإجابة دواعي الهمم: وإنك لفاعل إن شاء الله تعالى.
"وكتب فقيد الأدب حسن أفندي توفيق المتوفي بلندن سنة 1322ه?"
(1/58)
________________________________________
كتابي إلى رب النعماء واليد البيضاء وقد أصبحت كما قال الحريري خاوي الوفاض بادي الأنفاض لا أملك بلغة ولا أجد في جرابي مضغة قد التوى علي أمري وثقل من حاجتي ظهري مد الاحتياج إلى أطنابه وسربلني الافتقار إهابه والدنيا مكدرة بأحداثها وقصورها منمغضة بأجداثها نعيمها يضفو ولكن لا يصفو وأنت كما أعلم مفرج كريبي ومنقذي من شدتي، بطرفة من طرف رفدك ولمحة من لمحات برك فإن استدررت حلوبة مالك فقد لاذ غيري بجاهك ما يممت غيرك وكيف يقصد النهر من جاوز البحر ويحتاج إلى النجم من يسري في ضوء البدر فأستهز عطف جودك وأستمطر سحاب كرمك كيف وأنت قبلة المعروف: وملاذ الملهوف إليك تشد الرحال وبك تناط الآمال مال أولياؤك منك في ظل ممدود وهناء وسعود أفأنت الشمس عمت بالإشراق أو الغيث وغلى الاندفاق: لكن.
منْ قاسَ جدواك يوماً

بالسُّحبِ أخطأ مدحك

فالسُّحبُ تعطي وتبكي

وأنت تعطي وتضحك
نسب الكرم بك عريق وروض المجد أنيق أصل راسخ وفرع شامخ تهتز للمكارم اهتزاز الحسام وتثبت أمام الشدائد بثغر بسام.
تراه إذا ما جئتهُ متهلّلاً

كأنّك تعطيه الذي أنتَ سائلهُ
حكمت الآمال في أموالك واستعبدت الأحرار بفعالك ينابيع الجود من أناملك تتفجر وربيع السماح بك ضاحك لايضجر فلا زلت مولاي ممتعاً بشرف سجاياك وشيمك مستمداً الشكر من غراس نعمك ولازالت الأنام تنفع بتلك الشيم وتجني ثمار ذلك الكرم ودمت للمكارم بدر تم لا يناله خسوف وشمس فضل لا يحلقها كسوف: أطال الله لك البقاء كتطول يديك بالعطاء آمين.
الفصل الثالث في رسائل الشكر
"كتب أبو منصور الثعالبي المتوفي سنة 429ه?"
الشكر ترجمان النية ولسان الطوية وشاهد الإخلاص وعنوان الاختصاص عندي من إنعامه وخاص بره وعامه ما يستغرق منه الشكر ويستنفذ قوة شكر الأسير لمن أطلقه والمملوك لمن أعتقه شكر كأنفاس الأحباب في الأسحار أو أنفاس الرياض غب الأمطار.
"وكتب الحسن بن وهب المتوفي سنة 472ه?"
(1/59)
________________________________________
من شكرك على درجة رفعته إليها أو ثروة أقدرته عليها فإن شكري لك على مهجة أحييتها وحشاشة أبقيتها ورمق أمسكت به وقمت بين التلف وبينه فلكل نعمة من نعم الدنيا حد تنتهي إليه ومدى تقف عنده وغاية من الشكر لايسمو إليها الطرف خلا هذه النعمة التي فاقت الوصف وأطالت الشكر وتجاوزت قدره (وأنت من وراء كل غاية رددت عنا كيد العدو وأرغمت أنف الحسود) فنحن نلجأ منك إلى ظل ظليل وكنف كريم فكيف يشكر الشاكر وأين يبلغ جهد المجتهد.
"وكتب الأمير أبو الفضل الميكالي المتوفي سنة 436ه?"
فأما الشكر الذي أعارني رداءه وقلدني طوقه وسناءه فهيهات أن ينتسب إلا إلى عادات فضله وأفضاله أو يسير إلا تحت رايات عرفة ونواله وهو ثوب لايحلى بذكره طرازه واسم له حقيقته ولسواه مجازه ولو انه حين ملك رقي بأياديه وأعجز وسعي عن حقوق مكارمه ومساعيه خلي لي مذهب الشكر وميدانه ولم يجاذبني زمامه وعنانه لتعلقت في بلوغ بعض الواجب بعروة طمع ونهضت فيه ولو على وهن وطلع ولكنه يأبى إلا أن يستولي على أمد الفضائل ويتسنم ذرا الغوارب منها والكواهل فلا يدع في المجد غاية إلا سبق إليها فارطا وتخلف سواه عنها حسيراً ساقطاً لتكون المعالي بأسرها مجموعة في ملكه منظومة في سلكه خالصة له من دعوى القسم وشركه.
"وكتب أستاذي الحكيم الشيخ محمد عبده إلى حافظ بك إبراهيم"
(1/60)
________________________________________
لو كان بي أن أشكرك لظن بالغت في تحسينه أو أحمدك لرأي لك فينا أبدعت في تزيينه لكان لقلمي مطمع أن يدنو من الوفاء بما يوجبه حقك ويجري في الشكر إلى الغاية كما يطلبه فضلك لكنك لم تقف بعرفك عندنا بل عممت به من حولنا وبسطته على القريب والبعيد من أبناء لغتنا زفقت إلى أهل اللغة العربية عذراء من بنات الحكمة العربية سحرت قومها وملكت فيهم يومها ولا تزال تنبه منهم خامداً وتهز فيهم جامداً بل لا تنفك تحيي من قلوبهم ما أماتته القسوة وتقوم من نفوسهم ما أعوزت فيه الأسوة حكمة أفاضها الله على رجل منهم فهدى إلى التقاطها رجلاً منا فجردها من ثوبها الغريب وكساها حلة من نسج الأديب وجلاها للناظر وحلاها للطالب بعدما أصلح من خلقها وزان من معارفها حتى ظهرت محببة إلى القلوب رشيقة إلى مؤانسة البصائر تهش للفهم وتبش للطف المذوق وتسابق الفكر إلى موطن العلم فلا يكاد يلحظها الوهم إلا وهي من النفس في مكان الإلهام.
حاول قوم من قبلك أن يبلغوا من ترجمة الأعجم مبلغك فوقف العجز بأغلبهم عند مبتدأ الطريق ووصل منهم فريق إلى ما يحب من مقصده ولكنه لم يعن بأن يعيد إلى اللغة العربية ما فقدت من أساليبها ويرد ما سلبه المعتدون عليها من متانة التأليف وحسن الصياغة وارتفاع البيان فيها إلى أعلى مراتبه: أما أنت فقد وفيت من ذلك ما لا غاية لمريد بعده ولا مطمع لطالب أن يبلغ حده، ولو كنت ممن يقول بالتناسخ لذهبت إلى أن روح "ابن المقفع" كانت من طيبات الأرواح، فظهرت لك اليوم في صورة أبدع ومعنى أنفع ولعلك قد سننت بطريقتك في التعريب سنة يعمل عليها من يحاوله بعد ظهور كتابك ويحملها الزمان إلى أبناء ما يستقبل منه فتكون قد أحسنت إلى الأبناء كما أجملت في الصنع مع الآباء وحكمت للغة العربية أن لا يدخلها بعد من العجمة ما هو الأسماء الأماكن والأشخاص لا أسماء المعاني والأجناس: ومثلي من يعرف قدر الإحسان إذا عم ويعلي مكان المعروف إذا شمل ويتمثل في
(1/61)
________________________________________
رأيه بقوله:
ولو أ'ني حبيتُ الخلدَ فرداً

لما أحببت بالخلدِ انفرادا

فلا هطلت علي ولا بأرضي

سحائبُ ليسَ تنتظم البلادا

فما أعجز قلمي عن الشكر لك وما أحقك بأن ترضى من الوفاء باللقاء.

"وكتب أيضاً في الشكر مع المودة إلى بعض أصحابه"
لك في قلوبنا من المودة ما يزكيه سناؤك وفي مناطقنا من الحمد ما يوجبه كمالك وفي صدورنا من الإجلال ما يرفعه بهاؤك وما بيننا من المودة لا تحده منه ولا تخلق له جده نعيذه من حاجة للتجديد واستدعاء للمزيد فلا المواصلة تربيه ولا المجاهلة توهيه: نعم إن ما يحفظ لك في الأنفس هو تجلي فضلك ومثال علائك ونبلك وذلك الخالد بخلود الأرواح الباقي في تفاني الأشباح.
وبعد فقد تلقيت منك كتاباً يبوح بسر المحبة وبنشر طي الصداقة فيه تبيان وجدانك مما وجدنا وتأثرك على ما فقدنا فكان نبأ عما نعلم وقضاء بما نحكم ولكن شكرنا لك فضل المراسلة وأريحية المجاملة والله يتولى إيفاءك مثوبة تكافئ وفاءك.
"وكتب أيضاً في الشكر لآخر"
لو كان في الثناء وملازمة الدعاء وحفظ الجميل والقيام بالخدمة جهد المستطيع ما يفي بشكر من يفتتح باب المحبة ويبدأ بصنائع المعروف لكنت والحمد لله من أقدر الناس عليه ولكن أني يكون في ذلك وفاء والمحبة سر نظام الأكوان والإحسان قوام عالم الأمكان والقائم على كنه جميعه قيوم السموات والأرض والمفتتحون لأبواب العرف على هذه النسبة الجليلة منه فليس لي إلا أن ألجأ إلى الله في مكافأة فضيلتكم على ما كان منكم أيام الإقامة بينكم ثم أسلي نفسي عن عجزي بما أتخيل أن كرمكم سيروي:
سيكفي الكريم إخاءُ الكريم

ويقنع بالودّ منه توالا
(1/62)
________________________________________
وبعد هذا أرجو عفوكم عن التقصير في المبادرة إلى المكتبة لأني شغلت بما شغلني عن نفسي ولكن زالت العوارض والحمد لله: وفاتني لهذا العذر تهنئتكم بالعيد: وإنما للمؤمن في كل يوم بربه عيد فنهنئكم برضاء الله عنكم وتقبله صالح الأعمال منكم: وسلامي على نجلكم ومن يتمنى إليك.

الفصل الرابع في رسائل النصح والمشورة
"كتب بديع الزمان الهمذاني المتوفى سنة 398 ه?"
اسمعْ نصيحةَ ناصحٍ

جمعَ النصيحة والمقه

إياك واحذرْ أن تكون

ن منْ الثقاتِ على ثقة

صدق الشاعر وأجاد وللثقات خيانة في بعض الأوقات: هذه العين تريك السراب شراباً وهذه الأذن تسمعك الخطأ صواباً فلست بمعذور إن وثقت بمحذور وهذه حالة الواثق بعينه السامع بأذنه وأرى فلاناً يكثر غشيانك وهو الدنيء دخلته الرديء جملته السيء وصلته الخبيث كلته وقد قاسمته في زرك وجعلته موضع سرك فأرني موضع غلطك فيه حتى أريك موضع تلافيه أفظاهره غرك أم باطنه سرك.
يا مولاي يوردك ثم لا يصدرك ويوقعك ثم لا يعذرك فاجتنبه ولا تقربه وإن حضر بابك فاكنس جنابك وإن مس ثوبك فاغسل ثيابك وأن لصق بجلدك فاسلخ إهابك ثم أفتتح الصلاة بلغته وإذا استعذت بالله من الشيطان فأعنه.
"وكتب الاسكندر المقدوني إلى أستاذه الحكيم أرسطو"
"يستشيره فيما يفعله بأبناء ملوك فارس بعد أن قتل آباءهم وتغلب على بلادهم"
(1/63)
________________________________________
عليك أيها الحكيم منا السلام أما بعد فإن الأفلاك الدائرة والعلل السماوية وإن كانت أسعدتنا بالأمور التي أصبح الناس لنا بها دائنين فإنا مضطرون إلى حكمتك غير جاحدين لفضلك والاجتباء لرأيك لما بلونا من أجداء ذلك علينا وذقنا من جنى منفعته حتى صار ذلك وبنجوعه فينا وترسخه في أذهاننا كالغذاء لنا فما ننفك نعول عليه ونستمد منه استمداد الجداول من البحار وقد كان مما سبق إلينا من النصر وبلغنا من النكاية في العدو ما يعجز القول عن وصفه والشكر على الإنعام به وكان ذلك أنا أرض سورية والجزيرة إلى أرض بابل وفارس فلما نزلنا بأهلها لم يكن إلا ريثما تلقانا نفر منهم يرأس ملكهم هدية وطلباً للحظوة عندنا فأمرنا بصلب من جاء به وشهرته لسوء بلائه وقلة أرعوائه ووفائه ثم أمرنا بجمع من كان هنالك من أولاد ملوكهم وأحرارهم وذوي الشرف منهم، فرأينا رجالاً عظيمة أجسامهم وأحلامهم حاضرة ألبابهم وأذهانهم رائعة مناظرهم ومناطقهم دليلاً على أن وراء ذلك ما لم يكن معه سبيل إلى غلبتهم لولا أن القضاء أدالنا منهم وأظهرنا عليهم ولم نر بعيداً من الرأي في أمرهم أن نستأصل شأفتهم وتجتث أصلهم ونلحقهم بمن مضى من أسلافهم لتسكن القلوب بذلك إلى الأمن من جرائرهم وبوائقهم فرأينا أن لا نعجل ببادرة الرأي في قتلهم دون الاستظهار بمشورتك فيهم؟؟ فارفع إلينا رأيك في ما استشرناك فيه بعد صحته عندك وتقليبك إياه بجلي نظرك.
والسلام على أهل اللام فليكن علينا وعليك.
"وكتب أرسطو المتوفى قبل الميلاد سنة 322 إلى الاسكندر المقدوني"
(1/64)
________________________________________
إن لكل تربة ولا محالة قسماً من كل فضيلة وإن لفارس قسمها من النجدة والقوة وإنك إن تقتل أشرافهم تخلف الوضعاء منهم على أعقابهم وتورث سفلتهم منازل عليتهم وتغلب أدنياءهم على مراتب ذوي أخطارهم ولم تبتل الملوك قط ببلاء هو أعظم عليهم من غلبة السفلة وذل الوجوه وأحذر الحذر كله أن تمكن تلك الطبقة من الغلبة فإنهم إن نجم منهم ناجم على جندك وأهل بلادك دهمهم ما لا روية فيه ولا منفعة معه فانصرف على هذا الرأي إلى غيره وأعمد إلى من قبلك من العظماء والأحرار فوزع بينهم مملكتهم وألزم اسم الملك كل من وليته منهم ناحية وأعقد التاج على رأسه وإن صغر ملكه فإن المتسمي بالملك لازم لاسمه والمعقود له التاج لا يخضع لغيره ولا يلبث ذلك أن يوقع بين كل ملك وصاحبه تدابراً وتغالباً على الملك وتفاخراً بالمال والجند حتى ينسوا بذلك أضغانهم عليك وتعود بذلك حربهم لك حرباً بينهم ثم لا يزدادون بذلك بصيرة إلا أحدثوا هنالك استقامة لك فإن دنوت منهم كانوا لك وإن تأيت عنهم تعززوا بك حتى يثبت كل منهم على جاره باسمك وفي ذلك شاغل لهم عنك وأمان لأحداثهم بعدك (وإن كان لا أمان للدهر) وقد أديت للملك ما رأيته خطأ وعلي لاحقاً: والملك أبعد روية وأعلى عيناً في استعان بي عليه.
والسلام الذي لا انقضاء له ولا انتهاء ولا غاية ولا فناء فليكن على الملك.
"ومن رسالة للإمام علي المتوفى سنة 40 ه?"
دع الإسراف مقتصداً واذكر في اليوم غداً وامسك من المال بقدر ضرورتك وقدم الفضل ليوم حاجتك أترجو أن يعطيك الله أجر المتواضعين وأنت عنده من المتكبرين أو تطمع وأنت متمزغ في نعيم تمنعه الضعيف والأرملة أن يوجب لك ثواب المتصدقين.
وإنما المرء مجزيء بما أسلف وقادم على ما قدم: والسلام.
"وكتب أيضاً كرم الله وجهه إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما"
(1/65)
________________________________________
أما بعد فإن المرء قد يسره درك ما لم يكن ليفوته ويسوءه فوت ما لم يكن ليدركه فليكن سرورك بما نلت من آخرتك وليكن أسفك على ما فات منها وما نلت من دنياك فلا تكثر فيه فرحاً وما فاتك منها فلا تأسف عليه جزعاً وليكن همك فيما بعد الموت.
"وكتب بطل الوطنية السيد عبد الله النديم المتوفى سنة 1314 ه?"
لا حول ولا قوة بالله اشتبه المراقب باللاه واستبدل الحلو بالمر وقدم الرقيق على الحر وبيع الدر بالخزف والخز بالخشف وأظهر كل لئيم كبره (إِنّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً) [آل عمران: 13] سمعاً سمعاً فالوشاة إن سمعوا لا يعقلوا (وّيُحِبّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ) [آل عمران: 188] فكيف تشترون منهم القار في صفة العنبر و(قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ) [آل عمران: 118] وكيف تسمع الأحباب لمن نهى منهم وزجر (وَلَقَدْ جَآءَهُم مّنَ الأنبَآءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ) [القمر: 4] عجبت لهم وقد دخلوا دارنا (وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ) [يوسف: 105] (فَلَمّآ أَحَسّواْ بَأْسَنَآ إِذَا هُمْ مّنْهَا يَرْكُضُونَ) [الأنبياء: 12] فقابلوهم بنبال الطرد في الأعناق (حَتّىَ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدّواْ الْوَثَاقَ) [محمد: 4] أيدخلون بما لا ينفع في بيوت أذن الله أن ترفع سيعلمون مقام الهبوط والعروج (يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصّيْحَةَ بِالْحَقّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ) [ق: 42] ويقولون إذا لم يجدوا ملاذاً (يَوَيْلَنَا قَدْ كُنّا فِي غَفْلَةٍ مّنْ هََذَا) [الأنبياء: 97] فإنهم عزموا على الإقامة مدة ولو أرادوا الخروج لأعدوا لهم عدة وأنت يا عزيز العليا ووحيد الدنيا بيتت لك فعلهم (فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ) [آل عمران: 159] ولكنهم طمعوا في عميم طولك (وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضّواْ مِنْ حَوْلِكَ) [آل عمران: 159] أتراهم يعقلون كلامك أم يفهمون
(1/66)
________________________________________
(لَعَمْرُكَ إِنّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ) [الحجر: 72] لهم قلوب لا يدرون بها للحسد قرار لَوِ اطّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوْلّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً) [الكهف: 18] وأني قد شيدت لك بقلبي حصناً صعباً (فَمَا اسْطَاعُوَاْ أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُواْ لَهُ نَقْباً) [الكهف: 97] نسيت بالعاذل جميل الصوت وأنكره ما أنسانبه إلا الشيطان أن أذكره رميت أيها العاذل بسيف الغدر في نحرك أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك فإن لم ترجع عن السحر وفعله فلنأتينك بسحر مثله كيف يسعى العاذل بين النديم وإلفه (وَقَدْ خَلَتِ النّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ) [الأحقاف: 21] فيا سادتي دعوني من المعجب والمطرب (لّيْسَ الْبِرّ أَن تُوَلّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) [البقرة: 177] واجعلوا سيف ثباتكم للعذال مسلولا (لّيْسَ الْبِرّ أَن تُوَلّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) [الإسراء: 34] فإنهم قالوا كذب النديم أو بطر سيعلمون غداً من الكذاب الأشر وها قد صار أمر الحزبين عندك جلياً أي الفريقين خير مقاماً وأحسن ندياً أتظن عهد العذل عند غضبك لا ينكث مثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث على أنه لكم عدو كبير ففروا إلى الله إني لكم منه نذير فإنه جمع لقتالك الأولاد والأحفاد وآخرين مقرنين في الأصفاد تركوا أمر الله واشتغلوا بما يرضونه فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه: وطني أن وصل إليك كتابي أنهم يطرون ويردعون (وَحَرَامٌ عَلَىَ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَنّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ) [الأنبياء: 95] أيعجبك إذا مشى هذا اللاه ثاني عطفه (لِيُضِلّ عَن سَبِيلِ اللّهِ) [القمان: 6] وإنك وإن فرحت بعلم ما يجهلون قد نعلم إنه لحزنك الذي يقولون: فإن قلت إن اجتماعي بهم لأجل الصدقة أو شيء من هذا القبيل (إِنّمَا الصّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا
(1/67)
________________________________________
وَالْمُؤَلّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السّبِيلِ) [التوبة: 60] على أنه لا تحل الصدقة لذميم (هَمّازٍ مّشّآءِ بِنَمِيمٍ) [القلم: 11] وطباعهم كما تعلم منكرة مستقذرة (كَأَنّهُمْ حُمُرٌ مّسْتَنفِرَةٌ فَرّتْ مِن قَسْوَرَةٍ) [المدثر: 50 51] وقد قال (وفائي) خاطب عزيزك هذه المرة وإن لم يعمل فيك فكرا (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلّهُ يَزّكّىَ أَوْ يَذّكّرُ فَتَنفَعَهُ الذّكْرَىَ) [عبس: 3 4] فقال (لساني) إن الود هو الرسول المأمون (فَأَرْسِلْهِ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدّقُنِي إِنّيَ أَخَافُ أَن يُكَذّبُونِ) [القصص: 34] فقلت سيروا مع المحبة ذات الفتوة (وَلاَ
(1/68)
________________________________________
تَكُونُواْ كَالّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوّةٍ) بالنحل: 92] وقولوا له عند الغاية قد جئناك بآية ولا تهابوا الجيش وإن كبر سيهزم الجمع ويولون الدبر ولا تظنوا من ظاهر الأمر حلول البلوى (إِذْ أَنتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَىَ) [الأنفال: 42] بل قاتلوهم قتال المستشهدين (وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوَاْ أَنّ اللّهَ مَعَ الْمُتّقِينَ) [التوبة: 123] وإذا اشتبك القتال فليدب كل منكم على مولاه (وَإِن جَنَحُواْ لِلسّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكّلْ عَلَى اللّهِ) [الأنفال: 61] فسيروا ودعوا الأولاد والجنة (وَسَارِعُوَاْ إِلَىَ مَغْفِرَةٍ مّن رّبّكُمْ وَجَنّةٍ) [آل عمران: 133] ولا تسألوا عن الميرة من أصله (وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ) [التوبة: 28] فإن الله قد أثاركم لقتال العذال العائبين (لِيَقْطَعَ طَرَفاً مّنَ الّذِينَ كَفَرُوَاْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ) [آل عمران: 127] واحملوا عليهم فإنهم متى طعنوا في جنوبهم رضوا أن يكونوا مع الخوالف (وَطَبَعَ اللّهُ عَلَىَ قُلُوبِهِمْ) [التوبة: 93] ولا تدبروا إذا رأيتموهم قدامكم (إِن تَنصُرُواْ اللّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبّتْ أَقْدَامَكُمْ) [محمد: 7] وإن أخذتم أسرى فقاتلوا أنصارها (فَإِمّا مَنّا بَعْدُ وَإِمّا فِدَآءً حَتّىَ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) [محمد: 4] فإن أطعتم رفعتم وأصلح الله بالكم (وَإِن تَتَوَلّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمّ لاَ يَكُونُوَاْ أَمْثَالَكُم) [محمد: 38] وسأتلوا في خطبتكم عند قدومكم سالمين (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ للّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ) [الأنعام: 45].
"وكتب أستاذي الإمام الحكيم الشيخ محمد عبده المتوفى سنة 1323 ه?"
(1/69)
________________________________________
عرض لي ما منعني من قراءة الجرائد نحو أسبوع وكنت أسمع فيه بحادثة (ميت غمر) من بعض الأفواه أظنها من الحوادث المعتاد وقوعها حتى تمكنت من مراجعة الجرائد ليلة الخميس الماضي فإذا لهب ذلك الحريق يأكل قلبي أكله لجسوم أولئك المساكين سكان (ميت غمر) ويصهر من فؤادي ما يصهره من لحومهم حتى أرقت تلك الليلة ولم تغمض عيناي إلا قليلاً وكيف ينام من يبيت يتقلب في نعم الله وله هذا العدد الحم من أخوة وأخوات يتقلبون في شدة البأساء فأردت أن أبادر بما أستطيع من المعونة وما أستطيعه قليلاً لا يغني من الحاجة ولا يكشف البلاء ثم رأيت أن ادعوا جمعاً من أعيان العاصمة ليشاركوني في أفضل أعمال البر في أقرب وقت وكان ذلك يوم السبت فحضر منهم سابقون وتأخر آخرون وكتب بعضهم يعتذرون فشكر الله سعي من حضر وجزى خيراً من اعتذر وغفر لمن تأخر.. على أنه ليس الحادث بذي الخطب اليسير فالمصابون خمسة آلاف وبضع مئين منهم الأطفال الذين فقدوا عائليهم والتجار والصناع الذين هلكت آلاتهم ورؤوس أموالهم ويتعذر عليهم أن يبتدئوا الحياة مرة أخرى إلا بمعونة من إخوانهم وإلا اصبحوا متلصصين أو سائلين والذين فقدوا بيوتهم ولا يجدون ما يأوون إليه ولا مال لهم يقيمون ما يؤويهم من مثل بيوتهم المتخربة لهذا رأيت ورأى كل من تفكر في الأمر أن يجمع مبلغ وافر يتمكن به من تخفيف المصاب عن جميع أولئك المنكوبين.

"وكتب أيضاً في الغرض المذكور"
(1/70)
________________________________________
قد بلغكم ولا ريب من أخبار الجرائد ما عليه أهل (ميت غمر) بعد الحريق الذي أصاب مدينتهم فهم بلا قوت ولا ساتر ولا مأوى فليتصور أحدكم أن الأمر نزل بساحته أفما كان يتمنى أن يكون جميع الناس في معونته فليطالب الآن كل منا نفسه بما يطالب به الناس لو نزل به ما نزل بهم ولينفق مما له ما يدفع الله به عنه مكروه الدهر.. فأرجو من همتكم أن تدفعوا شيئاً من مالكم في مساعدة إخوانكم وان تبذلوا ما في وسعكم لحث من عندكم على مشاركتكم في هذا العمل: والسلام.
الفصل الخامس في رسائل الملامة والعتاب
"كتب بديع الزمان الهمذاني المتوفى سنة 398 ه?"
لئن ساءني أن نلتني بمساءةٍ

لقد سرني أني خطرتُ ببالكِ
(1/71)
________________________________________
الأمير أطال الله بقاءه في حالي بره وجفائه متفضل وفي يومي إدنائه وإبعاده متطول وهنيئاً له من حمانا ما يحله ومن عرانا ما يحله ومن أعراضنا ما يستحله: بلغني انه أدام الله عزه استزاد صنيعه فكنت أظنني معجباً عليه مساء إليه فإذا أنا في قرارة الذنب ومثارة العتب وليت شعري أي محظور في العشرة حضرته أو مفروض من الخدمة رفضته أو واجب في الزيارة أهملته وهل كنت إلا ضيفاً أهداه منزع شاسع وأداه أمل واسع وحداه فضل وإن قل وهداه رأي وإن ضل ثم لم يلق إلا في آل ميكال رحله ولم يصل إلا بهم حبله ولم ينظم إلا فيهم شعره ولم يقف إلا عليهم شكره: ثم ما بعدت صحبة إلا دنت مهانة ولا زادت مرمة إلا نقصت صيانة ولا تضاعفت منة إلا تراجعت منزلة ولم تزل الصفة بنا حتى صار وابل الأعظام قطرة وعاد قميص القيام صدره ودخلت مجلسه وحوله من الأعداء كتيبه فصار ذلك التقريب ازورارا وذلك السلام اختصاراً والاهتزاز إيماء والعبارة إشارة وحين عاتبته آمل إعتابه وكاتبته أنتظر جوابه وسألته أرجو إيجابه أجاب بالسكوت فما ازددت له إلا ولاء وعليه ثناء ولا جرم إني اليوم أبيض وجه العهد واضح حجة الود طويل لسان القول رفيع حكم العذر وقد حملت فلاناً من الرسالة ما تجافى القلم عنه والأمير الرئيس أطال الله بقاءه ينعم بالإصغاء لما يورده موفقاً إن شاء الله عز وجل.
"وكتب أيضاً إلى القاسم الكرجي المتوفى سنة 440 ه?"
(1/72)
________________________________________
بالتحمل أحاسب مولاي أيده الله على أخلاقه ضناً بما عقدت يدي عليه من الظن به والتقدير في مذهبه: لولا ذلك لقلت في الأرض مجال إن ضاقت ظلالك وفي الناس واصل إن رثت حبالك واأخذه بأفعاله: فإن أعارني أذناً واعية ونفساً مراعية وقلباً متعظاً ورجوعاً عن ذهابه ونزوعاً عن هذا الباب الذي يقرعه ونزولاً عن الصعود الذي يفرعه فرشت لمودته خوان صدري وعقدت عليه جوامع خصري ومجامع عمري وغن ركب من التعالي غير مركبه وذهب من التغالي في غير مذهبه أقطعته خطة أخلاقه ووليته جانب إعراضه.
ولا أذودُ الطير عن شجرٍ

قد بلوت المرّ من ثمره
فإني وإن كنت في مقتبل السن والعمر قد حلبت شطري الدهر وركبت ظهري البر والبحر ولقيت وفدي الخير والشر وصافحت يدي النفع والضر وضربت إبطي العسر واليسر وبلوت طعمي الحلو والمر ورضعت ضرعي العرف والنكر فما تكاد الأيام تريني من أفعالها غريباً وتسمعني من أحوالها عجيباً ولقيت الأفراد وطرحت الآحاد فما رأيت أحداً إلا ملأت حافتي سمعه وبصره وشغلت حيزي فكره وأثقلت كتفه في الحزن وكتفه في الوزن وود لو بادر القرن صحيفتي أو لقي صفيحتي فما لي صغرت هذا الصغر في عينه وما الذي أزرى بي عنده حتى احتجت وقد قصدته ولزم وقد حضرته.
أنا أحاشيه أن يجهل قدر الفضل أو يجحد فضل العلم أو يمتطي ظهر التيه على أهليه وأسأله أن يختصني من بينهم بفضل إعظام إن زلت بي مرة قدم في قصده وكأني به وقد غضب لهذه المخاطبة المجحفة والرتبة المتحيفة وهو في جنب جفائه يسير فإن أقلع عن عادته ونزع عن شيمته في الجفاء فأطال الله بقاء الأستاذ الفاضل وأدام عزه وتأييده.
"وكتب أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ المتوفى بالبصرة سنة 255 ه?"
(1/73)
________________________________________
والله يا قليب لولا أن كبدي في هواك مقروحة وروحي مجروحة لساجلتك هذه القطيعة وماددتك حبل المصارمة وأرجو أن الله تعالى يديل صبري من جفائك فيردك إلى مودتي وأنف القلى راغم فقد طال العهد بالاجتماع حتى كدنا نتناكر عند الالتقاء والسلام.
"وكتب أبو بكر الخوارزمي المتوفى سنة 740 ه?"
كتابي وقد خرجت من البلاد خروج السيف من الجلاء وبروز البلد من الظلماء وقد فارقتني المحنة وهي مفارق لا يشتاق إليه وودعتني وهي مودع لا يبكي عليه والحمد لله تعالى على محنة يجليها ونعمة ينيلها ويواليها كنت أتوقع أمس كتاب مولاي بالتسلية واليوم بالتهنية فلم يكاتبني في أيام البرحاء بأنها غمته ولا في أيام الرخاء بأنها سرته وقد اعتذرت عنه إلى نفسي وجادلت عنه قلبي فقلت أما إخلاله بالأولى فلأنه شغله الاهتمام بها عن الكلام فيها وأما تغافله عن الأخرى فلأنه أحب أن يوفر علي مرتبة السابق إلى الابتداء ويقتصر بنفسه على محل الاقتداء لتكون نعم الله سبحانه علي موفورة من كل جهة ومحفوفة بي من كل رتبة فإن كنت أحسنت الاعتذار عن سيدي فليعرف لي حق الإحسان وليكتب إلي بالاستحسان وإن كنت أسأت فليخبرني بعذره فإنه أعرف مني بسره وليرض مني بأني حاربت عنه قلبي واعتذرت عن ذنبه حتى كأنه ذنبي وقلت يا نفس اعذري أخاك وخذي منه ما أعطاك فمع اليوم والعود أحمد.
"وكتب عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر المتوفى سنة 80 ه?"
أما بعد فقد عاقني الشك في أمرك عن عزيمة الرأي فيك وذلك أنك ابتدأتني بلطف عن غير حبرة ثم أعقبته جفاء من غير ذنب فأطمعتني أولك في إخائك وأيأسني آخرك من وفائك فسبحان من لو شاء لكشف بإيضاح الرأي في أمرك عن عزيمة الشك فيك فاجتمعنا على ائتلاف وافترقنا على اختلاف والسلام.
"وكتب صديقي الأوفى زعيم الوطنية الشيخ عبد العزيز جاويش"
(1/74)
________________________________________
سيدي: مالي أراك كمن نسي الخليط وتجرد في الصحبة عن المحيط والمحيط فإذا ما صادفتك صدفت أو أنصفتك ما نصفت أتظن أني قعيدة بيتك أو رهين كيتك وذيتك فوحقك إذا آنست من يدي مللا أو من قدمي كللا لنجزتها البتات وكلت بنقصها الذات ولو أني آنست من الزاد فترة أو من الشراب عسرة لطعمت الطوى وأستقيت الجوى فكيف أداعب وتصاعب وأحالف وتخالف وأواصل وتفاصل وأجالب وتجانب لبئست مطيتك التي اقتدعت وشرعتك التي شرعت فوالله لولا أن الحب حادث لا يتقي بالتروس ومعنى لا يدب إلا في النفوس وسهام لا ترمى إلا من قسي الحواجب ونحو أوله المعية وآخره الجوازم لما افترست الظباء الصيد الأسود ولا ملكت الأحرار العبيد ولولا أني كرعت من صابه والتحفت ببردة أوصابه لتعوذت منك (بسورة الفلق) ونبذتك نبذ الرداء الخلق ولهان علي أن أدعك أو أسمعك.
تمرَّون الديارَ ولن تعوجو

كلامكمو عليّ إذاً حرامُ
غير أن لي نفساً شبت على الحب فلم أفطمها وتقادعت على ناره فلم أعصمها حتى بلغ السيل الزبى وتبددت النفس أيدي سبا إلا حشاشة غفل عنها الوجد وبقية رمق ألفيتها من بعد وكلما رأيت منك الشطط واعتساف الخطط عمدت إلى أن اثني من رسنها وأذود عن عطنها وشخصت إلى المكافحة والمكافأة وأن لا أكليك إلا مثلاً ولا أسقيك إلا وشلا ولا أزيدك إلا فشلا.
ولست أجزيك الجزاء الذي

على وفاءِ الصنع لا يخسه
وليس يبكي صاحباً من إذا

أهين لا يبكي على نفسه

على أني بالرغم أصبح في نهار أحلك من ليل وأمسي في ليل أشق على النفس من ويل.
وليل كموج البحر أرخى سدوله

عليّ بأنواع الهموم ليبتلي
(1/75)
________________________________________
فإن تخلصت من لقائك فإلى الشقاء وإذا لجأت من عسفك فإلى العناء وإذا استجرت بفراقك فقد استجرت بالنار من الرمضاء وكأنك لم تدر أن دولة الحسن سريعة التقويض وأنه لابد من هبوط القمر إلى الحضيض ولسوف تبلى بعارض بيد أنه غير ممطر وبساعة مقبلك فيها مدبر وستصبح عما قريب قد عفت رسومك ولم تجد في سوق الصحبة من يسومك والعاقل من لا يختال بنفسه ولا يبني على غير أسه فإنك ما نضت لؤلؤة مبسمك ولا نضرت صورة معصمك ولا شئت فخلقت كما تشاء ولا اتخذت عند الله عهداً وهذا الوفاء ولكن مثلك من أفرغه الله في القالب الذي اختار وجعله مرتع النفوس ومسرح الأبصار وغني أبها العزيز قد تقدمت إليك.
ولي أملق قطعتُ به الليالي

أراني قد فنيت به وداما

فلا تحرمني من سائغ العفو وسابغه ولا تجعلني (كَبَاسِطِ كَفّيْهِ إِلَى الْمَآءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ) [الرعد: 14].
فأشدُ ما لقيتُ من ألم الجوى

قربُ الحبيب وما إليه وصولُ
كالعيسِ في البيداء يقتلها الظما

والماءُ فوق ظهورها محمولُ
(1/76)
________________________________________
فاعمل في يومك لغدك واستجز غيرك ببسط يدك ولا تأخذني بجرم الجاني المتلبس ولا تبتغ مني صحيفة المتلمس بيد أني أنشدك الذي بلى العاشق بالمعشوق وكلفه في الحب بيض الأنوق وسهد طرفه بنواعس العيون وخول للحسن (إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) [يس: 82] كما قرن الهوى بالنوى والقلب بالجوى وقضى على المحب ونشر العشق فلم يحتجب ما الذي أغرى إلى الإعتكاف وعدم الإنصاف ألين الأعطاف أم فتور الأجفان أم تكسر الكلام أم هيف القوام؟ لقد شددت أزرك والله بضعاف واستمنت تلك العجاف وهل حدا إلى قطيعتي بك أني خشن الملمس رث الملبس ولم أمنح كما منحت نضرة ولم ألبس برقع البياض والحمرة فأعلم أنك إن تظرتني بعين الرضا ورحمت فؤاداً يتقلب منك على جمر الغضا فستجدني صديقك الذي لا يبطره الوفاء ولا يثنيه الجفاء املك لك من لسان وأطوع لأمرك من بنان: أكتب فأين لعبد الحميد الكاتب قلمي وأشعر فأين الشعراء إلا تحت علمي وأبذل فأين حاتم من كرمي وأحلم فأين أحنف من حلمي.
وحسبك فخراً أن يجود بنفسه

على رغب منْ ليس يأملُ في الشكر
ومن يحتمل في الحب ما فوق كاهلي

فحسبك حلماً أن يقيمَ على الهجرِ

فإن أصخت إلى الداعية ووعيت كلمات لا تسمع فيها لاغية فإليك الجزاء وعلي الوفاء وإلا فالفرار إلى الموت أمرٌ يسير والقبر للعشاق قليلٌ من كثير.
"وكتب المرحوم حفني بك ناصف إلى سماحة السيد توفيق البكري"
كتابي إلى السيد السند ولا أجشمه الجواب عنه فذلك ما لا انتظره منه وإنما أسأله أن ينشط إلى قراءته ويتنزل إلى مطالعته وله الرأي بعد ذلك أن يحاسب نفسه أو يزكيها ويحكم عليها أو لها.
فقد تنفعُ الذكرى إذا كان هجرُ همو

دلالا فأما إن ملالاَ فلا نفعاً
(1/77)
________________________________________
زرت السيد ويعلم الله أن شوقي إلى لقائه كحرصي على بقائه وكلفي بشهوده كشغفي بوجوده فقد بعد والله عهد هذا التلاق وطال أمد الفراق وتصرم الزمان وأنا من رؤيته في حرمان فسألت عنه فقيل لي أنه خرج لتشييع زائر وهو عما قليل حاضر فانتظرت رجوعه وترقبت طلوعه ولم أزل أعد اللحظات وأستطيل الأوقات حتى بزغت الأنوار وارتج صحن الدار وظهر الاستبشار على وجوه الزوار وجاء السيد في مركبه وجلالة محتده ومنصبه فقمنا لاستقباله وهينمنا بكماله فمر يتعرف وجوه القوم حتى حازاني وكبر على عينه أن يراني فغادرني ومن على يساري وأخذ في السلام على جاري وجر السلام الكلام وتكرر القعود والقيام وأنا في هذه الحال أوهم جاري أني في داري وأظهر للناس أن شدة الألفة تسقط الكلفة ومر السيد بعد ذلك من أمامي ثلاث مرات ومن الغريب أنه لم يستدرك ما فات.
تمرّون الديارَ ولن تعرجوا

كلامكمو عليَّ إذنْ حرام
وكنت أظن أن مكانتي عند السيد لا تنكر أن عهدي لديه لا يحفر فإذا أنا لست في العير ولا في النفير وغيري عند السيد كثير وذهاب صاحب أو أكثر عليه يسير.
ومن مدتِ العليا إليه يمينها

فأكبر إنسان لديه صغيرُ

ولا أدعي أني أوازي السيد صانه الله في علو حسبه أو أدانيه في علمه وأدبه أو أقاربه في مناصبه ورتبه أو أكاثره في فضته وذهبه وإنما أقول ينبغي للسيد أن يميز بين من يزوره لسماع الأغاني والأذكار وشهود الأواني على مائدة الإفطار وبين من يزوره للسلام وتأييد جامعة الإسلام وأن يفرق بين من يتردد عليه استخلاصاً للخلاص ومن يتردد إجابة لدعوة الإخلاص وأن لا يشتبه عليه طلاب الفوائد بطلاب العوائد وقناص الشوارد بنقاء الموالد ورواد الطرف بأرباب الحرف.
فما كلُ منْ لقيتَ صاحبُ حاجةٍ

ولا كل من قابلت سائلك العرفا
(1/78)
________________________________________
فإن حسن عند السيد أن يغضي عن بعض الجناس فلا يحسن أن يغضي عن جميع الناس وإلا فلماذا يطوف على بعض الضيوف ويحييهم بصنوف من المعروف ويتخطى الرقاب "لصروف" ويخترق لأجله الصفوف فإن زعم السيد أنه اعلم بتصريف الأقلام فليس بأقدم هجرة في الإسلام وإن رأى أنه أقدر مني على إطرائه فليس بممكن أن يتخذه من أوليائه.
ولا أرومُ بحمد الله منزلة

غيري أحقُ بها مني إذا راما

وإنما أصونُ نفسي عن المهانة والضعة

ولا اعرّضها للضيق وفي الدنيا سعة

وأكرم نفسي أنني إن أهنتها

وحقك لم تكرم على أحد بعدي
فلا يصعر السيد من خده فقد رضيت بما ألزمني من بعده ولا يغض من عينه فهذا فراقٌ بيني وبينه وليتخذني صاحباً من بعيد ولا يكلمني إلى يوم الوعيد.
كلانا غنيّ عن أخيه حياتهُ

ونحن إذا متنا أشدُ تغانيا

ومن يعلى السيد السلام على الدوام ومبارك إذا لبس جديداً وكل عام وهو بخير إذا استقبل عيداً ومرحى إذا أصاب وشيعته السلامة إذا غاب وقدوماً مباركاً إذا آب وبالرفاء والبنين إذا أعرس وبالطالع المسعود إذا أنجب ورحمه الله إذا عطس ونوم العافية إذا نعس وصح نومه إذا استيقظ وهنيئاً إذا شرب وما شاء الله كان إذا ركب ونعم صاحبه إذا انفجر الفجر وسعد مساؤه إذا أذن العصر وبخ بخ إذا نثر ولا فض فوه إذا شعر وأجاد وأفاد إذا خطب وأطرب واغرب إذا كتب وإذا حج البيت فحجاً مبروراً وإذا شيع جنازتي فسعياً مشكوراً: والسلام.
الفصل السادس في رسائل الشكوى
"كتب الأمير أبو الفضل الميكالي المتوفى سنة 436 ه?"
(1/79)
________________________________________
إنما أشكو إليك زماناً سلب ضعف ما وهب وفجع بأكبر مما متع وأوحش فوق ما آنس وعنف في نزع ما البس فإنه لم يذقنا حلاوة الاجتماع حتى جرعنا مرارة الفراق ولم يمتعنا بأنس الالتقاء حتى غادرنا رهن التلهف والاشتياق والحمد الله تعالى على كل حال يسوء ويسر ويحلو ويمر ولا أيأس من روح الله في إباحة صنع يجعل ربعه مناخي ويقصر مدة البعاد والتراخي فألاحظ الزمان بعين راض ويقبل إلي حظي يعد إعراض وأستأنف بعزته عيشاً عذب الموارد والمناهل مأمون الآفات والغوائل.
"وكتب عبد الحميد بن يحيى المقتول سنة 132 إلى أهله
وهو مهزم مع مروان" أما بعد، فإن الله تعالى جعل الدنيا محفوفة بالكره والسرور فمن ساعده الحظ فيها سكن إليها ومن عضته بناتها ذمها ساخطاً عليها وشكاها مستزيداً لها وقد كانت أذاقتنا أفاويق اسحليناها ثم جمحت بنا نافرة ورمحتنا مولية فملح عذبها وخشن لينها فأبعدتنا من الأوطان وفرقتنا عن الإخوان فالدار نازحة والطير بارحة وقد كتبت والأيام تزيدنا منكم بعداً وإليكم وجدا فإن تتم البلية إلى أقصى مدتها يكن آخر العهد بكم وبنا وإن يلحقنا ظفر جارح من أظفار من يليكم نرجع إليكم بذل الإسار والذل شر جاز نسأل الله الذي يعز من يشاء ويذل من يشاء أن يهب لنا ولكم ألفة جامعة في دار آمنة تجمع سلامة الأبدان والأديان فإنه رب العالمين وأرحم الراحمين.

"وكتب أستاذي الحكيم الشيخ محمد عبده وهو مسجون
بسبب الحوادث العرابية"
تقلّدتني اللّيالي وهي مدبرةٌ

كأنني صارمٌ في كفّ منهزم
(1/80)
________________________________________
عزيزي (هذه حالتي) اشتد ظلام الفتن حتى تجسم بل تحجر فأخذت صخوره من مركز الأرض إلى المحيط الأعلى واعترضت ما بين المشرق والمغرب وامتدت إلى القطبين فاستحجرت في طبقاتها طباع الناس إذ تغلبت طبيعتها على المواد الحيوانية أو الإنسانية فأصبحت قلوب الثقلين (كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدّ قَسْوَةً) [البقرة: 74] فتبارك الله أقدر الخالقين انتثرت نجوم الهدى وتدهورت الشموس والأقمار وتغيبت الثوابت النيرة وفر كل مضيء منهزماً من عالم الظلام ودارت الأفلاك دورة العكس ذاهبة بنيراتها إلى عوالم غير عالمنا هذا فولى معه آلهة الخير أجمعين وتمحضت السلطة لآلهة الشر فقلبوا الطباع وبدلوا الخلق وغيروا خلق الله وكانوا على ذلك قادرين.
رأيت نفسي اليوم في مهمة لا يأتي البصر على أطرافه في ليلة داجية غطي فيها وجه السماء بغمام سوء فتكاثف ركاماً ركاماً لا أرى إنساناً ولا أسمع ناطقاً ولا أتوهم مجيباً أسمع ذئاباً تعوي وسباعاً تزأر وكلاباً تنبح كلها يطلب فريسة واحدة هي ذات الكاتب والتف على رجلي تنينان عظيمان وقد خويت بطون الكل وتحكم فيها سلطان الجوع ومن كانت هذه حاله فهو لا ريب من الهالكين.
تقطع الأمل وانفصمت عروة الرجاء وانحلت الثقة بالأولياء وضل الاعتقاد بالأصفياء وبطل القول بإجابة الدعاء وانفطر من صدمة الباطل كبد السماء وحقت على أهل الأرض لعنة الله والملائكة والأنبياء وجميع العالمين.
(1/81)
________________________________________
سقطت الهمم وخربت الذمم وغاض ماء الوفاء وطمست معالم الحق وحرقت الشرائع وبدلت القوانين ولم يبق إلا هوى يتحكم وشهوات تقضى وغيظ يحتدم وخشونة تنفذ "تملك سنة القدر" و(اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ) [يوسف: 52].
ذهب ذوو السلطة في بحور الحوادث الماضية يغوصون لطلب أصداف من الشبه ومقذوفات من التهم وسواقط من اللمم ليموهوها بمياه السفسطة ويغشوها بأغشية من معادن القوة ليبرزوها في معرض السطوة ويغشوا بها أعين الناظرين لا يطلبون ذلك لغامض يبينونه أو لمستور يكشفونه أو لحق خفي فيهرونه أو خرق بدا فيرقعونه أو نظام فاسد فيصلحونه كلا: بل ليثبتوا أنهم في حبس من حبسوا غير مخطئين، وقد وجدوا لذلك أعواناً من حلفاء الدناءة وأعداء المروءة وفاسدي الأخلاق وخبثاء الأعراق رضوا لأنفسهم قول الزور وافتراء البهتان واختلاق الإفك وقد تقدموا إلى مجلس التحقيق بتقارير محشوة من الأباطيل ليكونوا بها علينا من الشاهدين، كل ذلك لم تأخذني فيه دهشة ولم تحل قلبي وحشة بل أنا على أتم أوصافي التي تعلمها غير مبالٍ بما يصدر به الحكم أو يبرمه القضاء، عالماً بأن كل ما يسوقه القدر وما ساقه من البلاء فهو نتيجة ظلم لا شبهة للحق فيه، لأن الله تعالى يعلم كما أنت تعلم أنني بريء من كل ما رموني به، ولو أطلعت عليه لوليت منه رعباً وكنت من الضاحكين.
نعم حنقني الغم وأحمى فؤادي الهم وفارقني النوم ليلة كاملة عند ما رأيت اسمك الكريم واسم بقية الأبناء والأخوان المساكين تنسب إليهم أعمال لم تكن وأقوال لم تصدر عنهم لقصد زجهم في المسجونين.
لكن اطمأن قلبي وسمن جأشي عندما رأيت تواريخ التقارير متقادمة ومع ذلك لم يصلكم شرر الشر فرجوت أن الحكومة لم ترد أن تفتح باباً لا يذر الأحياء ولا الميتين.
قدم فلان وفلان تقريرين جعلا تبعات الحوادث الماضية على عنقي ولم يتركا شيئاً من التخريف إلا قالاه وذكرا أسماءكم في أمور أنتم جميعاً أبعد الناس عنها، لكن لا
(1/82)
________________________________________
حرج عليهما فإني لأراهما من المجانين، ولم أتعجب من هذين الشخصين إذ يعملان مثل هذا الذنب القبيح ويرتكبان هذا الجرم، الشنيع ولكن أخذني العجب "كل العجب غاية العجب بالغ ما شئت في عجبي"، إذ أخبرني المدافع عني بتقرير قدمه فلان الذي أرسلت إله السلام وأبلغته سروري عندما سمعت باستخدامه، وأنا في هذا السجن رهين.

إلى هذا الوقت لم يصلني التقرير ولكن سيصل إلي إنما فيما بلغني أنه شهادة بأقبح شيء لا يشهد به إلا عدو مبين: هذا اللئيم الذي كنت أظن أنه يألم لألمي ويأخذه الأسف لحالي ويبذل وسعه إن أمكنه في المدافعة عني فكم قدمت له نفعاً ورفعت له ذكراً وجعلت له منزلة في قلوب الحاكمين: كم سمعني أقاوم هجاء الجرائد وأوسع محرريها لوماً وتقريعاً وأهزأ بتلك الحركات الجنونية وكان هو علي في بعض أفكاري هذه من اللائمين: كان ينسب فلاناً لسوء القصد اتباعاً لرأي فلان وأعارضه أشد المعارضة، ثم لم أنقض له عهداً ولم أبخس له ودا وحقيقة كنت مسروراً لوجوده موظفاً فما باله أصبح من الناكثين: آه ما أطيب هذا القلب الذي يملي هذه الأحرف، ما أشد حفظه للولاء، ما أغيره على حقوق الأولياء، ما أثبته على الوفاء، ما أرقه على الضعفاء، ما أشد اهتمامه بشؤون الأصدقاء، ما أعظم أسفه لمصائب من بينهم وبينه أدنى مودة، وإن كانوا فيها غير صادقين، ما أبعد هذا القلب من الإيذاء ولو للأعداء، ما أشده رعاية للود، ما أشده محافظة على العهد ما أعظم حذره من كل ما توبخ عليه الذمم الظاهرة، ما أقواه على العمل الحق، والقول الحق، لا يطلب عليه جزاء، وكم اهتم بمصالح قوم وكانوا عنها غافلين، هذا القلب الذي يؤلمونه بأكاذيبهم هو الذي سر قلوبهم بالترقية وملأها فرحاً بالتقدم ولطف خواطرهم بحسن المعاملة وشرح صدورهم بلطيف المجاملة ودافع عنهم أزماناً "خصوصاً هذا اللئيم" أفنشرح الصدور وهم يحرجون ونشفي القلوب وهم يؤلمون ونفرحها وهم يحزنون؟ تالله (قَدْ ضَلّواْ وَمَا
(1/83)
________________________________________
كَانُواْ مُهْتَدِينَ) [الأنعام: 140] هذا القلب ذاب معظمه من الأسف على ما يلم بالهيئة العمومية من مصائب هذه التقلبات وما ينشأ عنها من فساد الطباع الذي يجعل العموم في قلق مستديم، وما بقي من هذا القلب فهو في خوف على من يعرفهم على عهد مودته، فإن تسللوا جميعاً بمثل هذه العمال اصبحوا من مودته خالين واتخذوه وقاية لهم من المضرة وجعلوه ترساً يعرضونه لتلقى سهام النوائب التي يتوهمون تفويقها إليهم كما اتخذوه قبل ذلك سهماً يصيبون به أغراضهم فينالون منها حظوظهم فقد أراحوا تلك البقية من الفكر فيهم، والله يتولى حسابهم (وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ) [الأنعام: 62]، آه ما أظن أن تلك البقية تستريح من شاغل الفكر في شؤون الأحبة وإن جاروا في تصرفهم.
إن طبيعة هذا القلب لطبيعة ناعم الخز إذا اتصل بذي الود وإن كان خشناً فصعب أن ينفصل ولو مزقته خشونته، وإن هذا القلب في علاقة مع الأوداء كالضياء مع الحرارة أيما حادث يحدث وأيما كيماوي يدقق لا يجد للتحليل بينهما سبيلاً، وأظنك في العلم بثبوت تلك الطبيعة فيه كنت من المتحققين.
"وكتب حافظ بك ابراهيم إلى الأستاذ الإمام الحكيم الشيخ محمد عبده"
كتابي إلى سيدي وأنا من وعده بين الجنة والسلسبيل ومن تيهي به فوق النثرة والإكليل وقد تعجلت السرور وتسلقت الحبور وقطعت ما بيني وبين النوائب.
وبشّرتُ أهلي بالذي قد سمعتهُ

فما منحتي إلاّ ليالٍ قلائل

وقلت لهم للشيخ فينا مشيئةٌ

فليس لنا من دهرنا ما ننازلُ
وجمعت فيه بين ثقة الزبيدي بالصمصامة والحارث بالنعامة فلم أقل ما قال الهذلي لصاحبه حين نسي وعده وحجب رفده.
"يا دار عاتكة التي أتغزل" بل أناديه نداء الأخيذة في عمورية شجاع الدولة العباسية وأمد صوتي بذكر إحسانه مد المؤذن صوته في آذانه واعتمد عليه في البعد والقرب اعتماد الملاح على نجمة القطب.
وقال أصيحابي وقد هالني النَّوى

وهالهمُ أمري متى أنتَ قافل
(1/84)
________________________________________
فقلت إذا شاء الإمامُ فأوبتي

قريبٌ وربعي بالسَّعادة آهلُ

وهأنا متماسك حتى تنحسر هذه الغمرة وينطوي أجل تلك الفترة وينظر لي سيدي نظرة ترفعني من (ذَاتِ الصّدْعِ) [الطارق: 12] إلى (ذَاتِ الرّجْعِ)[الطارق: 11] وتردني إلى وكري الذي فيه درجت رد الشمس قطرة المزن إلى أصلها ورد الوفي الأمانات إلى أهلها.
فإن شاءَ فالقربُ الذي قد رجوته

وإن شاءَ فالعزُّ الذي أنا آملُ

وإلاَّ فإني قافُ رؤبةَ لم أزل=بقيد النَّوى حتى تغولَ الغوائلُ
فلقد حللت السودان حلول الكليم في التابوت والمغاضب في جوف الحوت بين الضيق والشدة والوحشة والوحدة: لا، بل حلول الوزير في تنور العذاب والكافر في موقف الحساب بين نارين نار القيظ ونار الغيظ.
فناديت باسم الشيخ والقيظ جمرهُ

يذيب دماغ الضّب والعقل ذاهل
فصرت كأني بينَ روضٍ ومنهلٍ

تدبُّ الصّبا فيه وتشدو البلابل

واليوم أكتب إليه وقد قعدت همة النجمين وقصرت يد الجديدين. عن إزالة ما في نفس ذلك الجبار العنيد فلقد نما ضب ضغنه علي وبدرت بوادر السوء منه إلي فأصبحت كما سر العدو وساء الحميم وآلامي كأنها جلود أهل الجحيم كلما نضج منها أديم تجدد أديم وأمسيت وملك آمالي إلى الزوال أسرع من أثر الشهاب في السماء ودولة صبري إلى الاضمحلال أحث من حباب الماء فنظرت في وجوه تلك العباد وإني لفارس العين والفؤاد فلم تقف فراستي على غير بابك.
وإني أهديك سلاماً لو امتزج بالسحاب واختلط منه باللعاب لأصبحت تتهادى بقطرة الأكاسرة وأمست تدخر منه الرهبان في الأديرة ولأغنى ذات الحجاب عن الغالية والملاب ولابدع إذا جاد السيد بالرد فقد يرى وجه المليك في المرآة وخيال القمر في الإضاءة وإن حال حائل دون أمنية هذا السائل فهو لا يذم يومك ولا ييأس من غدك فأنت خير ما تكون حين لا تظن نفس بنفس خيراً: والسلام.
الفصل السابع في رسائل العيادة
"كتب ابن الرمي المتوفي سنة 284ه? إلى بعضهم"
(1/85)
________________________________________
لأذن الله في شفائك وتلقى داءك بدوائك ومسح بيد العافية عليك ووجه وفد السلامة إليك وجعل علتك ماحية لذنوبك مضاعفة لثوابك.

"وكتب أبو بكر الخوارزمي المتوفي سنة 383ه?"
وصل كتابك يا سيدي فسرني نظري إليه ثم غمني اطلاعي عليه لما تضمنه من ذكر علتك جعل الله أولها كفارة وآخرها عافية ولا أعدمك على الأولى أجراً وعلى الأخرى شكراً: وبودي لو قرب علي متناول عيادتك فاحتملت عنك بالتعهد والمساعدة بعض أعباء علتك فلقد خصني من هذه العلة قسم كقسمك ومرض قلبي فيك لمرض جسمك.. وأظن أني لو لقيتك عليلاً لانصرفت عنك وأنا أعل منك فإني بحمد الله تعالى جلد على أوجاع أعضائي غير جلد على أوجاع أصدقائي شفاك الله وعافاك.
الفصل الثامن في رسائل التهاني
"كتب في التهنئة بالأولاد أبو منصور الثعالبي المتوفي سنة 429ه?"
أهلاً وسهلاً بعقلية النساء وأم الأبناء وجالبة الأصهار والأولاد الأطهار.
ولو كانَ النّساء كمثل هذي

لفضّلتِ النّساءُ على الرّجالِ
فما التأنيث لاسم الشمس عيبٌ

ولا التّذكيرُ فخرٌ للهلالِ

والله يعرفك البركة في مطلعها والسعادة بموقعها فالدنيا مؤنثة والناس يهدمونها والذكور يعبدونها والأرض مؤنثة ومنها خلقت البرية وفيها كثرت الذرية والسماء مؤنثة وقد زينت بالكواكب وحليت بالنجوم الثواقب والنفس مؤنثة وهي قوام الأبدان وملاك الحيوان والحياة مؤنثة ولولاها لم تتصرف الأجسام ولا تحرك الأنام والجنة مؤنثة وبها وعد المقتون وفيها تنعم المرسلون فهنيئاً هنيئاً ما أوليت وأوزعك الله شكر ما أعطيت وأطال بقاءك ما عرف النسل وما بقي الأبد.
"وكتب بديع الزمان الهمذاني المتوفي سنة 398ه? إلى الدواردي يهنيه بمولود"
(1/86)
________________________________________
حقاً لقد أنجز الإقبال وعده ووافق الطالع سعده وإن الشأن لفيما بعده وحبذا الأصل وفرعه وبورك الغيث وصوبه وأينع الروض ونوره وحبذا سماء أطلعت فرقداً وغابة أبرزت أسداً وظهر وافق سنداً وذكر يبقى أبداً ومجد يسمى ولداً وشرف لحمة وسدى.
أنجب كلٌّ منْ والديه به

إذْ نجلاه فنعمَ ما نجلا
فألفياه شهاب ذكاء وبدر علاء.
ووجداهُ ابنْ جلا

أبيضَ يدَّعى الجفلى
لمثلهِ أولى فلا

إذا النَّديُّ احتفلا

"وكتب في التهنئة بالقدوم أبو منصور الثعالبي المتوفي سنة 429ه?"
أهنيء سيدي ونفسي تطيب بما يسر الله من قدومه سالماً وأشكر الله على ذلك شكراً دائماً جعل الله قدومك بالخيرة التامة العامة والكفاية الشاملة الكاملة.

غيبة المكارم مقرونة بغيبتك وأوبة النعم موصولة بأوبتك: فوصل الله قدومك من الكرامة بأضعاف ما قرن به مسيرك من السلامة وهناك بإيابك وبلغك غاية محابك مازلت بالنية معك مسافراً وباتصال الذكر والفكر ملاقياً إلى أن جمع شمل سروري بأوبتك وسكن نافر قلبي بعودتك.
"وكتب أيضاً في التهنئة برمضان"
ساق الله إليك سعادة إهلاله وعرفك بركة كماله لقاك الله فيه ما ترجوه ورقاك إلى ما تحب في ما تتلوه جعل الله ما يطول من هذا الصوم مقروناً بأفضل القبول مؤذناً بدرك البغية ونجح المأمول ولا أخلاك من بر مرفوع ودعاء مسموع قابل الله بالقبول صاميك وبعظيم المثوبة تهجدك وقيامك أعاد الله إلى مولاي أمثاله وتقبل فيه أعماله وأصلح في الدين والدنيا أحواله وبلغه منها آماله سعد الله مولاي بهذا الشهر ووفاه فيه أجزل المثوبة والأجر.
"وكتب أبو الفرج الببغاء المتوفي سنة 398ه? تهنئة"
(1/87)
________________________________________
سيدي: أيده الله، أرفع قدراً. وأنبه ذكراً وأعظم نبلاً وأشهر فضلاً من أن نهنئه بولاية وإن جل خطرها وعظم قدرها. لأن الواجب تهنئه الأعمال بفائض عدله والرعية بمحمود فعله والأقاليم بآثار رياسته والولايات بسمات سياسته فعرفه الله بمن ما تولاه ورعاه في سائر ما استرعاه ولا أخلاه من التوفيق فيما يعانيه والتسديد فيما يبرمه ويمضيه.
"وكتب رشيد الدين الوطواط المتوفي سنة 573ه? تهنئة بالقدوم من سفر"
بلغني إياب سيدي زانه الله بصنوف المعالي وصانه من صروف الليالي من سفرته الميمونة التي أسفرت عن نيل المراد وتسهيل البغية إلى دار أقامته ومستقر كرامته لم يؤثر فيه نصب السير وعناؤه وكلال السفر وعثاؤه فبلغ سروري بذلك مبلغاً يضاهي ما كنت بصدده من الجزع لغيبته فحمدت الله تعالى على ما يسر له من الرجوع إلى مغانيه والطلوع على بلدة جر فيها ذيول أمانيه فسألته عظمت هيبته أن يجعل ما أنعم به عليه من قرب الدار ودنو المزار موصولاً بطول العمر والبقاء مقروناً بدوام العز والعلاء أنه سميع الدعاء.
"كتب المرحوم الشيخ حمزة فتح الله المتوفي سنة 1335ه?"
أي جهابذة الكنانة نبال الجنابة مياه الأجانة أبناء تلك اللغى صناديد هذه الوغى إليكم يساق الحديث في القديم والحديث عن هذا النبأ العظيم والمجد الصميم مالي أرى في لغتنا الشريفة "ويعلم أولو النهي آية هي من اللغات أحق بهذا النبر أن يصرف إليها عند الإطلاق" هبوباً غب خمول وترة بعد تحول ونوراً عقيب أفول ونوراً إثر ذبول وصبا وراء قبول وعدلاً ولا حيف وقوة ولا ضعف وما يشاء المطري في هذا القبيل من العطف.
آمنت بالقدر المقدور والبعث والنشور كذلك يحيي الله الموتى.
أليس رجل واحد أسفرت عنه عناية التوفيق فألقت إليه المقاليد بلى ولكنه الواحد الذي يقول في مثله صاحب بني ميكال:
والناس ألفٌ منهمُ كواحدٍ

وواحدٌ كالألف إن أمرٌ عنا
(1/88)
________________________________________
إي ورب تلك البنية باريء نسم البرية إنه لرجل البلاد رجل الحزم والسداد ألم تر جنابه وحنانه وبنانه وبيانه عوامل رفع لهذه اللغة لغة الفرقان لغة الأوطان لا بل أمضى من العوامل حتى ظلت آدابها فرائض وقد كانت وما بالعهد من قدم نوافل ومن حليها أجياد اللهجات عواطل اللهم إلا بقية ثمد قد منيت صحفها الأود ففقدت الجلد والجلد وبعد أن راج سوق الرطانة ونضب ماء الإبانة وخبت أنوار البلاغة وزوت أنوار النباعة وكسد البيان وقوض منه البنيان وأصبحت العربية لقى ملقاه وبضاعة مزجاه فأي هذا اليراع لا أقل من نفثات في صوغ كليمات تقدر هذه النعمة قدرها ويمنحها شكرها.
ويحك هب من سنتك في حلية مقتك وانض حسامك واشحذ كهامك وانشل كنانتك وأعمل بنانتك وصغ إن استطعت تهانئ غرا بل عقوداً درا بل أنجماً زهراً مشتاراً منن خلايا ذلك الأري الشهي الندي الذكي ما جرست نحلة الشيح والخزامى وأطايب الثمار وأزاهي الأزهار تهديهن أولئك المصاقع شكراناً لتلك النعم تجميعاًُ لشواردها وتقييداً لأوابدها كما شبهها رسول الله ( وهو الصادق المصدوق وإشفاقاً عليها من الجماح بعد ذلك الارتياح.
فإليكم بني هذه اللغة كتابي هذا تهنئة بتلك النهضة العربية في إبان كما تعلمون وجهه مكفهر وبدنه مقشعر وثناء على العناية التوفيقية والعزمة الرباضية.

على أن لهذا المولى الوزير سوى ذلك أيادي مبرورة ومساعي مشكورة أكسبت الوطن وأهلية نهضات وأقالته كثيراً من العثرات لكنني آثرت تلكم النهضة العربية بتهنئتكم بها، أي بني جلدتي وإخوان حرفتي لكونها فيما إخال لا بل فيما أتيقن ويتيقن أولو الحجا أعظم النهضات وأيمن ما اجتازه الوطن من العقبات ولو كان في نطاق الإمكان زيادة البيان في هذا الشأن لأسهبت وأوسعت وأطريت وأظنبت ولو لم يكن في تلك النهضة إلا أن حياة الأمة حياة لغتها فحسب لكفاك وشفاك وأغناك وكان ذلك قصاراك وحماداك.
"وكتب الأستاذ محمود بك أو النصر"
(1/89)
________________________________________
إنسان عين الفضائل عزيزي فلان المحترم.
نور على نور وشفاء لما في الصدور شفاؤك أيها العزيز من ذلك الرمد: قد أنجز الإقبال ما وعد وابتهجت النفوس الطروس واهتزت الأقلام وأعلنت بالسلام.
ولاح فجرُ التّهاني بالبشائر إذ

حيّتْ فأحيتْ ربوعَ الفضل والأدب
وكيف لا وأنت واحد الكتاب وإنسان عين الآداب رمدت فرمدت وشفيت فاهتزت وربت وقد كان طرفها كليلً وفؤادها عليلاً واليوم زال العناء وحق الهناء ووافى الشفاء فكان برداً وسلاماً على القلوب وقميص يوسف في أجفان يعقوب.
فلك الهناء بصحّةٍ ميمونةٍ

أبداً على مرّ الدُّهور وتدوم
وإن الله ما قضى بما قد مضى إلا ليعرف سيدي مكانته من القلوب ومنزلته من الفضل وهذه حلل العافية قد خلعت عليك وثياب السلامة سيقت إليك فوافى السرور وعم الحبور والله يبلغك بالصحة والأعمال منتهى الآمال والسلام.

"وكتب الوزير عبد الله باشا فكري المتوفي سنة 1307ه? في تهنئة العيد"
هذا يوم نشر البشر فيه أعلامه وأضاءت الدنيا وازدانت الآفاق ببهجة هذا العيد السعيد وأخذ الأحبة يتهادون رسائل البشائر فيما بينهم وكل حزب فرحون بما لديهم بما أودع فيهم من روابط المحبة وعوامل الاتحاد السارية في النفوس: أما أنا فعيدي وبهجة نفسي وسرور فؤادي دوام إقبال الزمان عليك بوجه النصر وعود أعياد السرور على جبانك الرفيع فمثلك تشرق الدنيا بطلعته وتفرح الأعياد برؤيته.
وأرى الحياةَ لذيذةً بحياته

وأرى الوجودَ مشرفاً بوجودهِ

لو أنني خيرتُ من دهري المنى

لاخترتُ طولَ بقائه وخلودهِ

أعاد الله عليك أيها الأخ أمثاله وأمثال أمثاله في صفاء وهناء.
الفصل التاسع في رسائل التعازي
"كتب أبو منصور الثعالبي المتوفي سنة 429ه?"
(1/90)
________________________________________
خبر عز علي مستمعه وأثر في قلبي موقعه خبر تستاء له المساميع وترتج منه الأضالع خبر يهد الرواسي ويفلق الحجر القاسي كادت له القلوب تطير والعقول تطيش والنفوس تطيح خبر يشيب ويذيب الحديد قد كاد من الحزن أن تنقبض الألسن عن هذا النعي الفادح وتخرس وتقصر الأيدي عن التعزية بهذا الرزء الفادح وتيبس.
"وكتب أيضاً في الأمر بالصبر على المصيبة"
ماذا نصنع والبلاء نازل والموت حكم شامل وإن لم نعتصم بحبل الصبر فقد اعترضنا على مالك الأمر عليك بعزيمة الصبر وصريمة الجلد فإنها في الدين حتم وفي الرأي حزم واعلم بأن الميت لا ترده نار تلهبها من الهم على كبدك ولا يرجعه انزعاج تسلطه بالحزن على جسدك فخير لك من ذلك أن تفعل ما يفعله الذاكرون وتقول: (إِنّا للّهِ وَإِنّآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ) [البقرة: 156].
"وكتب أبو الفضل بديع الزمان الهمذاني المتوفي سنة 398ه?"
إذا ما الدّهر جرّ على أناسٍ

مصائبهُ أناخَ بآخرينا

فقل للشامتين بنا أفيقوا

سيلقى الشامتون كما لقينا

أحسن ما في الدهر عمومه بالنوائب وخصوصه بالرغائب فهو يدعو الجفلى ذا ساء ويخص بالنعمة إذا شاء فليفكر الشامت: فإن كان أفلت فله أن يشمت: ولينظر الإنسان في الدهر وصروفه والموت وصنوفه من فاتحة أمره إلى خاتمة عمره هل يجد لنفسه أثراً في نفسه أم لتدبيره عوناً على تصويره أم لعمله تقديماً لأمله أم لحيله تأخيراً لأجله كلا بل هو العبد لم يكن شيئاً مذكوراً خلق مقهوراً فهو يحيا جبراً ويهلك صبراً وليتأمل المرء كيف كان قبلاً فإن كان العدم أصلاً والوجود فضلاً فليعلم الموت عدلاً...

والموت أطال الله بقاء مولاي خطب فقد عظم حتى هان وأمر قد خشن حتى لان ولعل هذا السهم قد صار آخر ما في كنانتها وأزكى ما في خزانتها ونحن معاشر التبغ نتعلم الأدب من أقواله والجميل من أفعاله فلا نحثه على الجميل وهو الصبر ولا نرغبه في الجزيل وهو الأجر فبهما رأيه.
"وكتب أيضاً"
(1/91)
________________________________________
يا سيدي: المصاب لعمر الله كبير وأنت بالجزع جدير ولكنك بالصبر أجدر والعزاء عن الأعزة رشد كأنه ألغي وقد مات الميت فليحي الحي.
"وكتب فقيد اللغة الشيخ ابراهيم اليازجي المتوفي سنة 1906م"
أشباح تروح وتجي وآجال تمسي وتغتدي وأنفاس تتقطع من دونها حزناً وأسفاً وعبرات تتفطر وجداً ولهفاً وما عمدت الأقدار إلى استنزاف مدمع ولا أرادت الأيام إيلام موجع إنما هي سنة الخلق كون يليه زوال وعقد يسبقه انحلال وأن لكل شيء أجلاً موقوتاً وإن لكل أجل سبباً مقدوراً وأن الإنسان لفي كل ذلك شاهد يسمع لاهياً ويبصر ساهياً وليس في يده أن يسترد ماضياً ولا أن يرد آتياً ولقد وددت أن أعزيك لولا ما يغالبني على العزاء من كبد حرى ومقلة شكرى وزفرة تترى ثم وددت أن أستبكيك لولا أنيب بكيت حتى لم أدع في البكاء من واد وأحييت ليالي بالنوح حتى ما بالنجم سهاد ثم لم يزدني البكاء على سقم جسدي ولم يزدني النوح على صفر يدي إلا من كبدي وإن الأقدار سهام إذا انطلقت لم ترد وإن المتطلع إلى الفائت لطويل شقة الكمد وإن الخطوب لهي هي إنما تتفاوت عند الجلد.
وإن الحصى عند الجزوع ثقيلةٌ

وضخم الصّفا عند الصّبور خفيف
والله المسؤول في إطالة بقائك قرة للعيون وجبراً لخاطر المحزون بمنه وكرمه.
الفصل العاشر في رسائل الأجوبة
"كتب الوزير عبد الله باشا فكري المتوفي سنة 1307ه?"
(1/92)
________________________________________
سيدي سلمك الله وحياك وأسعدك برؤية محياك وزاد عزك وعلياك وحرس دينك ودنياك وجمعني على بساط المسرة وإياك ولا حرمني دوام لقياك ولا برح الدهر مبتسم الثغر بمحاسن معاليك مباهياً أعصار الأوائل بأيامك ولياليك محلياً أجياد المفاخر بزواهر لآليك: ورد علي كتابك الكريم مورد إعزاز وتكريم فبل بعض ما في الجوانح من الصدى وأنعشني ولا انتعاش الزهر بمباكرة الندى وجلا علي من البلاغة روضاً غضاً وأدار لدي صفواً من سلاف المحبة محضاً وهزني هزة النشوان شوقاً وطرباً واستفزني بمعجز آياته الحسان عجباً وعجباً ونثر علي من محاسن لفظك الحر وكلماتك الغر ما يخجل الدراري ويفضح الدر.
كلامٌ كستهُ بهجةُ الحسن رونقاً

هو السحر لا بل جلَّ قدراً عن السّحر
"وكتب أيضاً وهو بالآستانة العلية في يوم برد كثير الأمطار"
(1/93)
________________________________________
كتبت إليك والأمطار ساجمة بطلها ووبلها وعساكر البرد والبرد هاجمة بخيلها ورجلها والسماء متلفعة بأذيال السحاب وكأن الشمس خافت من الطل فتوارت الحجاب والجو مسكي الرداء عنبري الأرجاء كأنه وعليه ثوب الغيم مزرور قد وجل من صوله البرد فلبس فروة السمور والغمام على الأفق بكلاكله وهز من البرق بيض مناصله ونشر في الجو طرائق مطارفه وجاد على الأرض بتليده وطارفه وثقل على كاهل الهواء كالطير بل جناحه بالماء وقرب حتى كاد يمسك باليدين ويعتصر بالراحتين أو كأنه مرآة مذهبة تبدو وتخفى أو جذوة متلهبة توقد وتطفئ والرعد يهدد بزواجر زماجره السحائب فيبكيها والطير يتلو سطور الندى في طروس الثرى فيمليها ويطرب بأفنان الألحان أفنان البان فيعليها ويثنيها ويقرأ على رؤوس الأغصان أوراده الحسان فيقربها ويرقيها وقوس السماء يرمي بسهام وبله جنوب الشقائق فيصميها ويدميها والريح أخلاف الغمائم فتمر بها وترضع بدرها بنات النبات في حجور أراضيها فتربيها وتربيها وترصع بدرها تيجان القضبان وتارة تجعله عقوداً في تراقيها أو دموعاً في أماكقيها وكأن الحر خاف من بنادق البرد ومدافع الرعد ففر إلى مصر ونواحيها وأصبح نزيل من فيها لكرم أهليها وكأن غيرها بخلت عليه فلم تقبله عندها ضيفاً أو غلط الناس في حساب الفصول فظنوا شتاها صيفاً.
"وكتب المرحوم حفني بك ناصف إلى الشيخ علي الليثي المتوفي سنة 1313ه?"
(1/94)
________________________________________
وصل يا مولاي إلى هذا الطرف ما خصصت به العبد من الطرف "قفص" من عنب كاللؤلؤ في الصدف تتألق عناقيده كأنها من صناعة "النجف" ولعمر الحق أنها تحفة من أحلى التحف لا يعثر على مثلها إلا بطريق "الصدف" فقابلناه لثماً بالأفواه ورشفاً بالشفاه واحتفينا بقدومه كل الاحتفاء ولم نفرط في حبه عند اللقاء بل حللنا له الحبي وقلنا له أهلاً وسهلاً ومرحباً وأوسعناه عضاً ولثماً وتناولناه تجميشاً وضماً وحفظنا في صدورنا سره المكنون وطويناه في غضون البطون فطربت من تعاطيه الأرواح ولا غرو فهو أصل الراح وانتشينا ولم نحمل وزراً وثملنا ولم نذق طعماً مراً فهو كبيان مهدية سحر ولكنه حلال ولعب إلا أنه كمال فإن أكسبت الشمول شاربها قوة في الجنان ونفحت ذائقها طلاقة في اللسان فقد سرت في أجسامنا من حرارته شجاعة "ليثيه" ودبت في كلامنا من مذاقته فصاحة "علوية" وخلصت إلينا منه فوائد لا يحيط بها العلم ونجمت عنه منافع ليس يصحبها إثم، فإن زعم الأولون أن في الخمر معنى ليس في العنب فقد تغير الحال في هذه الهدية وانقلب وانكشف للمتأخرين حقيقة الأمر أن في العنب معنى ليس في الخمر.
وكان الأحرى بهذا العنب أن يناط بالنحور أو تزين به الصدور فما هو إلا اللؤلؤ لكنه سلم من سجن البحار وما هو إلا الدر لكن ليس فيه صغار.
.ومنْ كنتَ بحراً له يا علي=لا يلقطُ الدُّرّ إلاّ كباراً وما ضره أن ضمه القفص حصة من الحصص فإن كريم الطير يودع في الأقفاص والقلب ليس له من حنايا الضلوع خلاص فلا بدع أن تستقل في حباته حبات القلوب ويستملح في جنب حلاوته رضاب المحبوب وكأن الثريا لما أخذت شكله فغر الهلال فاه لعنقودها يريد أكله فهو يطاردها في السماء ويأخذ عليها الطريق من الوراء وهي تجري من الأمام مخافة الالتهام هذا لمجرد تشابه في الشكل فكيف بالثريا لو أشبهته حلاوة ورياً فلله تلك العناقيد ما اشد تألقها وأصفى ماءها وأحسن رونقها من كل عنقود تخاله عمود الصبح أحاطت به
(1/95)
________________________________________
الدراري أو غصن البان تعلقت به القماري.
فسقى الغيث أرضاً أنبتته ولاثل الدهر عروشاً حملته وأرضاً عرفتنا بأثمارها حلاوة الجنة وأبرزت لنا لمحة من محاسنها المستكنة وأنساناً عنبها ذكرى دمشق وأزمير وأنباناً غارسها مصر خير مستقر (وَلاَ يُنَبّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) [فاطر: 14] وعروساً كالعروس تتيه في الحلي والملبوس تحسدها المجرة في السماء وتود لو تكون لها هذه البهجة والرواء لازال مولاي يهدي ويهدي وصنائعه تعيد في ثنائه وتبدي
"وأجابه المرحوم الشيخ علي الليثي المتوفي سنة 1313ه?"
وبعد فقد وصل كتاب القاضي الفاضل وأرج الأرجاء بلطيف فواضله وشريف الفضائل وما كنت أظن أن يحصل من زبيبه خماره حتى رأيت الفاضل سبكه في قوالب شتى وصاغه وأتى بما أدهش اللب من أساليب البلاغة فتارة عقداً على النحور وتارة في ميادين الطلب تطارده البدور وآونة دراً مكبراً ومرة خمراً عنبراً وساعة دوالي "نجفة" وساعة غصناً تعلق به الهزار وألفه.
تكاثرتِ الظّباءُ على خراشِ

فما يدري خراشٌ ما يصيدُ
عجباً لك أيها الفاضل: هذا مع اشتغال بالك وإقبالك على ما لديك من مراعاة عدلك واعتدالك فكيف لو تفرغت لهذا الأمر ولإراحة النفس اعتصرت من العنقود قدحاً من خمر وامتطيت طرف اليراع منهجاً مناهج الطرس ودبجت بياض صفحاته بمحاسن حلى النفس فلله أنت من بليغ بلغ ما يريد وقلد فرائد آدابه كل جيد وأفاد السحر منثوراً في فواصله وأقام بعوامل أقلامه تثقيف عوامله وأوجب علينا الشهادة له بالسبق فأذعنا مسلمين والحق أحق: هذا ولولا أن يقاتل فلان جفا وما احتفل بكتاب أخيه ولا احتفى وإن كان شيبي يلزمني ذلك كما أن شباب (البيك) يسلك به أقوم المسالك لترلات عيي وما أشرت ورأيت طي خيراً لي مما نشرت وجعلت كتاب سيدي في عنقي تميمة ورؤحت النفس تيمناً بمس آياته الكريمة وقلت كفاني ما أحاط بالعنق من قلائده حيث العبد لا يبلغ في الفخامة كمال سيده.
(1/96)
________________________________________
وهبني قلتُ هذا الصُّبحُ ليلٌ

أيعمي العالمون عن الضّياء
لازالت برد الترسل بيننا مستمرة ومدد التوصل على جناح التقرب مستقرة ولا برح الجناب في كل بداية يترقى كما يحب من غاية إلى غاية والسلام.
الفصل الحادي عشر في رسائل الوصايا والشفاعات
"من كلام له عليه الصلاة والسلام لعمر بن الخطاب في غزوة الفرس"
إن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا قلة وهو دين الله الذي أظهره وجنده الذي أعده وأمده حتى بلغ وطلع حيثما طلع ونحن على موعود من الله والله منجز وعده وناصر جنده: ومكان القيم بالأمر مكان النظام من الخرز يجمعه ويضمه فإذا انقطع النظام تفرق الخرز وذهب ثم لم يجتمع بحذافيره أبداً.
والعرب اليوم وإن كانوا قليلاً فهم كثيرون بالإسلام عزيزون بالاجتماع فكن قطباً واستدر الرحى بالعرب وأصلهم دونك نار الحرب فإنك إن شخصت من هذه الأرض انتقضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها حتى يكون ما تدع وراءك من العورات أهم إليك مما بين يديك.
إن الأعاجم إن ينظروا إليك غداً يقولوا هذا اصل العرب فإذا قطعتموه استرحتم فيكون ذلك أشد لكبلهم عليك وطعمهم فيك فأما ما ذكرت من مسير القوم إلى قتال المسلمين فإن الله سبحانه هو أكره لمسيرهم منك وهو أقدر على تغيير ما يكره: وأما ما ذكرت من عددهم فإنا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة وإنما كنا نقاتل بالنصر والمعونة.
ومن وصية له عليه الصلاة والسلام قالها بصفين
(1/97)
________________________________________
أما بعد فقد جعل الله عليكم حقاً بولاية أمركم ولكم علي من الحق مثل الذي لي عليكم فالحق أوسع الأشياء في التواصف وأضيقها في التناصف لا يجلاي لأحد إلا جرى عليه ولا يجري عليه الأجرى له ولو كان لأحد أن يجر ي له ولا يجري عليه لكان ذلك خالصاً لله سبحانه دون خلقه لقدرته على عباده ولعدله في كل ما جرت عليه صروف قضائه ولكنه جعل حقه على العباد أن يطيعوه وجعل جزاءهم عليه مضاعفة الثواب تفضلاً منه وتوسعاً بما هو من المزيد أهله ثم جعل سبحانه من حقوقه حقوقاً اقترضها لبعض الناس على بعض فجعلها تتكافأ في وجوهها ويجب بعضها بعضاً ولا يستوجب بعضها إلا ببعض وأعظم ما افترض سبحانه من تلك الحقوق حق الوالي على الرعية وحق الرعية على الوالي فريضة فرضها سبحانه لكل على كل فجعلها نظاماً لألفتهم وعزاً لدينهم فليست تصلح الرعية إلا بصلاح الولاة ولا تصلح الولاة إلا باستقامة الرعية فإذا أدت الرعية إلى الوالي حقه وأدجى الوالي إليها حقها عز الحق بينهم وقامت مناهج الدين واعتدلت معالم العجل وجرت على أذلالها السنن فصلح بذلك الزمان وطمع في بقاء الدولة ويئست مطامع الأعداء وإذا غلبت الرعية وإليها وأجحف الوالي برعيته اختلفت هنالك الكلمة وظهرت معالم الجور وكثر الإدغال في الدين وتركت محاج السنن فعمل بالهوى وعطلت الأحكام وكثر علل النفوس فلا يستوحش لعظيم حق عطل ولا لعظيم باطل فهل فهنالك تذل الأبرار وتعز الأشرار وتعظم تبعات الله عند العباد فعليكم بالتناصح في ذلك وحسن التعاون عليه فليس أحد وإن اشتد على رضاء الله حرصه وطال في العمل اجتهاده لبالغ حقيقة ما الله أهله من الطاعة: ولكن من واجب حقوق الله على العباد النصيحة بمبلغ جهدهم والتعاون على إقامة الحق بينهم وليس امرؤ وإن عظمت في الحق منزلته وتقدمت في الدين فضيلته يفوق أن يعان على ما حمله الله من حقه ولا امرؤ وإن صغرته النفوس واقتحمته العيون بدون أن يعين على ذلك أو يعان عليه.
(1/98)
________________________________________
فأجابه عليه السلام رجل من أصحابه بكلام طويل يكثر فيه الثناء عليه ويذكر سمعه وطاعته فقال عليه السلام إن من حق من عظم جلال الله في نفسه وجل موضعه من قلبه أن يصغر عنده لعظم ذلك كل ما سواه وإن أحق من كان كذلك لمن عظمت نعمة الله ولطف إحسانه إليه فإنه لم تعظم نعمة الله على أحد إلا ازداد حق الله عليه عظماً وإن من أسخف حالات الولاة عند صالح الناس أن يظن بهم حب الفخر ويوضع أمرهم على الكبر وقد كرهت أن يكون جال في ظنكم أني أحب الإطراء واستماع الثناء ولست بحمد الله كذلك ولو كنت أحب أن يقال ذلك لتركته انحطاطاً لله سبحانه عن تناول ما هو أحق به من العظمة والكبرياء: وربما استحلى الناس الثناء بعد البلاء فلا تثنوا علي بجميل ثناء لإخراجي نفسي إلى الله وإليكم من التقية في حقوق لم أفرغ من أدائها وفرائض لابد من إمضائها فلا تكلموني بما تكلم به الجبابرة ولا تتحفظا مني بما يتحفظ به عند أهل البادرة ولا تخالطوني بالمصانعة ولا تظنوا بي استثقالاً في حق قيل لي ولا التماس إعظام لنفسي فإنه من استثقل الحق أن يقال له أو العدل أن يعرض عليه كان العمل بهما أثقل عليه فلا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل فإني لست في نفسي يفوق أن أخطئ ولا آمن ذلك من فعلني إلا أن يكفي الله من نفسي ما هو أملك به مني فإنما أنا وأنتم عبيد مملوكون لرب لا رب غيره يملك منا ما لا نملك من أنفسنا وأخرجنا مما كنا فيه إلى ما صلحنا عليه فأبدلنا بعد الضلالة بالهدى وأعطانا البصيرة بعد العمى.
ومن وصية له عليه السلام وصى بها جيشاً بعثه إلى العدو
(1/99)
________________________________________
فإذا نزلتم بعدو أو نزل بكم فليكن معسكركم في قبيل الأشراف وسفاح الجبال أو أثناء الأنهيار فيما يكون لكم رداء ودونكم مرداً ولتكن مقالتكم من وجه واحد أو اثنين واجعلوا لكم رقباء في صياصي الجبال ومناكب الهضاب لئلا يأتيكم العدو من مكان مخافة أو أمن: واعلموا أن مقدمة القوم عيونهم وعيون المقدمة طلائعهم وإياكم والتفرق فإذا نزلتم فانزلوا جميعاً وإذا ارتحلتم فارتحلوا جميعاً وإذا غشيكم الليل فاجعلوا الرماح كفة ولا تذوقوا النوم إلا غراراً أو مضمضة.
?"ومن وصية له عليه السلام كان يكتبها لمن يستعمله على الصدقات"
(1/100)
________________________________________
انطلق على تقوى الله وحده لا شريك له ولا تروعن مسلماً ولا تجتازن عليه كارهاً ولا تأخذن منه أكثر من حق الله في ماله فإذا قدمت على الحي فانزل بمائهم من غير أن تخالط أبياتهم ثم امض إليهم بالسكينة والوقار حتى تقوم بينهم فتسلم عليهم ولا تخدج بالتحية لهم ثم تقول: عباد الله أرسلني إليكم ولي الله وخليفته لآخذ منكم حق الله في أموالكم فهل الله في أموالكم من حق فتأدوه إلى وليه فإن قال قائل لا فلا تراجعه: وإن أنعم لك منعم فانطلق معه من غير أن تخفيه وتوعده أو تعسفه أو ترهقه فخذ ما أعطاك من ذهب أو فضة فإن كان له ماشية أو إبل فلا تدخلها إلا بإذنه فإن أكثرها له فإذا أتيتها فلا تدخل عليها متسلط عليه ولا عنيف به ولا نتفرن بهيمة ولا تفرعنها ولا تسؤن صاحبها فيها واصدع المال صدعين ثم خيره فإذا اختار فلا تعرضن لما اختاره ثم اصدع الباقي صدعين ثم خيره فإذا اختار فلا تعرضن لما اختاره فلا تزال بذلك حتى يبقى ما فيه لحق الله في ماله فاقبض حق الله منه فإن استقالك فأقله ثم اخلطهما ثم اصنع مثل الذي صنعت أولاً حتى تأخذ حق الله في ماله ولا تأخذن عوداً ولا هرمة ولا مكسورة ولا مهلوسة ولا ذات عوار ولا تأمنن عليها إلا من تثق بدينه رافقاً بمال المسلمين حتى يوصله إلى وليهم فيقسمه بينهم ولا توكل بها غلا ناصحاً شفيقاً وأميناً حفيظاً غير معنف ولا مجحف ولا مغلب ولا متعب ثم احدر إلينا ما اجتمع عندك نصبره حيث أمر الله فإذا أخذها أمينك فأوعز إليه أن لا يحول بين ناقة وبين فصليها ولا يمصر لبنها فيضر ذلك بولدها ولا يجدنها ركوباً وليعدل بين صواحبتها في ذلك وبينها: وليرفه على اللاغب وليستأن بالنقب والظالع وليوردها ما تمر به من الغدر ولا يعدل بها عن نبت الأرض إلى جواد الطرق وليروحها في الساعات وليمهلها عند النطاف والأعشاب حتى تأتينا بإذن الله بدنا منقيات غير متعبات ولا مجهودات لنقسمها على كتاب الله وسنة نبيه ( فإن ذلك أعظم
(1/101)
________________________________________
لأجرك وأقرب لرشدك إن شاء الله.

وقال عليه السلام وقد سمع رجلاً يذم الدنيا: أيها الذام للدنيا المغتر بغرورها المخدوع بأبلطيلها ثم تذمها أتغتر بالدنيا ثم تذمها أنت المتجرم عليها أم هي المتجرمة عليك متى استهوتك أم متى غرتك أبمصارع آبائك من البلى أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى كم عللت بكفيك وكم مرضت بيديك تبعي لهم الشفاء وتستوصف لهم الأطباء لم ينفع أحدهم إشفاقك ولم تسعف بطلبتك ولم تدفع عنه بقوتك وقد مثلت لك به الدنيا نفسك وبمصرعه مصرعك: إن الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار عافية لمن فيهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها، ودار موعظة لمن اتعظ بها مسجد أحباء الله ومتجر أولياء اكتسبوا فيها الرحمة وربحوا فيها الجنة فمن ذا يذمها وقد آذنت بينها ونادت بفراقها ونعت نفسها وأهلها فمثلت للهم ببلائها البلاء وشوقتهم بسرورها إلى السرور راحت بعافية وابتكرت بفجيعة ترغيباً وترهيباً وتخويفاً وتحذيراً فذمها رجال غداة الندامة وحمدها آخرون يوم القيامة ذكرتهم الدنيا فتذكروا وحدثتهم فصدقوا ووعظتهم فاتعظوا.
"عهد الإمام علي المتوفي سنة 401 ه? لمالك بن الحارث الأشتر النخعي"
"حين ولاه مصر جباية خراجها وجهاد عدوها وإصلاح أهلها وعمارة بلادها"
(1/102)
________________________________________
اعلم يا مالك أني قد وجهتك إلى بلاد قد جرت عليها دول قبلك من عدل وجور، وأن الناس ينظرون من أمورك في مثلى ما كنت تنظر فيه من أمور الولاة قبلك، ويقولون فيك كما كنت تقول فيهم وإنما يستدل على الصالحين بما يجري الله لهم على ألسنة عباده فليكن أحب الذخائر إليك ذخيرة العمل الصالح فاملك هواك وشح بنفسك عما لا يحل لك فإن الشح بالنفس الإنصاف منها فيما أحبت أو كرهت: واشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم فإنهم صنفان إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق يفرط منهم الزلل وتعرض لهم العلل ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب وترضى أن يعطيك الله من عفوه وصفحه فإنك فوقهم ووالي الأمر عليك فوقك والله فوق من ولاك وقد استكفاك أمرهم وابتلاك بهم ولا تنصبن نفسك لحرب الله فإنه لا يدى لك بنقمته ولا غنى بك عن عفوه ورحمته ولا تندمن على عفو ولا تبجحن بعقوبة ولا تسرعن إلى بادرة وجدت عنها مندوحة ولا تقولن إني مؤثر آمر فأطاع فإن ذلك إدغال في القلب ومنهكة للدين وتقرب من الغير وإذا أحدث لك ما أنت فيه من سلطانك أبهة أو مخيلة فانظر إلى عظم ملك الله فوقك وقدرته منك على ما لا تقدر عليه من نفسك فإن ذلك يطامن إليك من طماحك ويكف عنك من غربك ويفيء إليك بما عزب عنك من عقلك وإياك ومساماة الله في عظمته والتشبه به في جبروته فإن الله يذل كل جبار ويهين كل محتال أنصف الله وأنصف الناس من نفسك ومن خاصة اهلك ومن لك فيه هوى من رعيتك فإنك إن لم تفعل تظلم ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده ومن خاصمه الله أدحض حجته وكان الله حرباً حتى ينزع ويتوب وليس شيء أدعى إلى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته من إقامة على ظلم فإن الله سميع دعوة المظلومين وهو للظالمين بالمرصاد. وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق وأعمها في العدل وأجمعها لرضاء الرعية فإن سخط
(1/103)
________________________________________
العامة يجحف برضاء الخاصة وإن سخط الخاصة يغتفر مع رضاء العامة وليس أحد من الرعية أثقل على الوالي مؤونة في الرخاء وأقل معونة في البلاء وأكره للإنصاف وأسأل بالإلحاف وأقل شكراً عند الإعطاء وأبطأ عذراً عند المنع وأخف صبراً عند ملمات الدهر من أهل الخاصة: وإنما عماد الدين وجماع المسلمين والعدة للأعداء العامة من الأمة فليكن صفوك لهم وميلك معهم: وليكن ابعد رعيتك منك وأشنأهم عندك أطلبهم لمعايب الناس فإن في الناس عيوباً الوالي أحق من سترها فلا تكشفن عما غاب عنك منها فإنما عليك تطهير ما ظهر لك والله يحكم على ما غاب عنك فاستر العورة ما استطعت يستر الله منك ما تحب سترة من رعيتك: أطلق عن الناس عقدة كل حقد واقطع عنك سبب كل وتر وتغاب عن كل ما لايصح لك ولا تعجلن إلى تصديق ساع فإن الساعي غاش وإن تشبه بالناصحين: ولا تدخلن في مشورتك بخيلاً يعدل بك عن الفضل ويعدك من الفقر ولا جباناً يضعفك عن الأمور ولا حريصاً يزين لك الشره بالجور فإن البخل والجبن والحرص غرائز شتى يجمعها سوء الظن بالله: إن شر وزارائك من كان قبلك للأشرار وزيراً ومن شركهم في الآثام فلا يكونن لك بطانة فإنهم أعوان الأثمة وإخوان الظلمة وأنت واحد منهم خير الخلف ممن له مثل آرائهم ونفاذهم وليس عليه مثل آصارهم وأوزارهم ممن لا يعاون ظالماً على ظلمه ولا آثماً على إثمه أولئك أخف عليك مؤونة وأحسن لك معونة وأحنى عليك عطفاً وأقل لغيرك إلفاً فاتخذ أولئك خاصة لخلواتك وحفلاتك: ثم ليكن عندك أقولهم لك بمر الحق وأقلهم مساعدة فيما يكون منك مما كره الله لأوليائه واقعاً ذلك من هواك حيث وقع: وألصق بأهل الورع والصدق ثم رضهم على أن لا يطروك ولا يبجحوك بباطل لم تفعله فإن كثرة الإطراء تحدث الزهو وتدني من العزة: ولا يكونن المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء فإن في ذلك تزهيداً لأهل الإحسان وتدريباً لأهل الإساءة على الإساءة وألزم كلاً منهم ما ألزم نفسه: واعلم أنه
(1/104)
________________________________________
ليس شيء بأدعى إلى حسن ظن وال برعيته من إحسانه إليهم وتخفيفه للمؤونات عليهم وترك استكراهه إياهم على ما ليس له قبلهم فليكن منك في ذلك أمر يجمع لك حسن الظن برعيتك فإن حسن الظن يقطع عنك نصباً طويلاً: وإن أحق من حسن ظنك به لمن حسن بلاؤك عنده وإن أحق من ساء ظنك به لمن ساء بلاؤك عنده ولا تنقض سنة صالحة عمل بها صدور هذه الأمة واجتمعت بها الألفة وصلحت عليها الرعية ولا تحدثن سنة تضر بشيء مما مضي من تلك السنن فيكون الأجر لمن سنها والوزر عليك بما نقضت منها: وأكثر مدارسة العلماء ومناقشة الحكماء في تثبيت ما صلح عليه أمر بلادك وإقامة ما استقام به الناس قبلك: واعلم أن الرعية طبقات لا يصلح بعضها إلا ببعض ولا غنى ببعضها عن بعض فمنها جنود الله ومنها كتاب العامة والخاصة ومنها قضاة العدل ومنها عمال الأنصاف والرفق ومنها أهل الجزية والخراج من أهل الذمة ومسلمة الناس ومنها التجار وأهل الصناعات ومنها الطبقة السفلى من ذوي الحاجة والمسكنة وكلا قد سمى الله سهمه ووضع على حده فريضة في كتابه أو سنة نبيه ( عهداً منه عندنا محفوظاً فالجنود بإذن الله حصون الرعية وزين الولاة وعز الدين وسبل الأمن وليس تقوم الرعية إلا بهم ثم لا قوام للجنود إلا بما يخرج الله تعالى لهم من الخراج الذي يقوون به في جهاد عدوهم ويعتمدون عليه فيما يصلحهم ويكون من وراء حاجتهم ثم لا قوام لهذين الصنفين إلا بالصنف الثالث من القضاة والعمال والكتاب لما يحكمون من المقاعد ويجمعون من المنافع ويؤتمنون عليه من خواص الأمور وعوامها ولا قوام لهم جميعاً إلا بالتجار وذوي الصناعات فيما يجتمعون عليه من مرافقهم ويقيمونه من أسواقهم ويكفونهم من الترفق بأيديهم ما لا يبلغ رفق غيرهم: ثم الطبقة السفلى من أهل الحاجة والمسكنة الذين يحق رفدهم ومعونتهم وفي الله لكل سعة: ولكل على الوالي حق بقدر ما يصلحه وليس يخرج الوالي من حقيقة ما ألزمه الله من ذلك إلا بالاهتمام
(1/105)
________________________________________
والاستعانة بالله وتوطين نفسه على لزومه الحق والصبر عليه فيما خف عليه أو ثقل فول من جنودك أنصحهم في نفسك لله ولرسوله ولإمامك وأطهرهم جيباً وأفضلهم حلماً ممن يبطئ عن الغضب ويستريح إلى العذر ويرأف بالضعفاء وينبو على كالأقوياء ممن لا يثيره العنف ولا يقعد به الضعف ثم الصق بذوي المروءات والأحساب وأهل البيوتات الصالحة والسوابق الحسنة ثم أهل النجدة والشجاعة والسخاء والسماحة فإنهم جماع من الكلام وشعب من العرف: ثم تفقد من أمورهم ما يتفقده الوالدان من والدهما ولا يتفاقمن من نفسك شيء قويتهم به ولا تحفرن لطفاً تتعاهدهم به وإن قل فإنه داعية إلى بذل النصيحة لك وحسن الظن بك ولا تدع تفقد لطيف أمورهم اتكالاً على جسيمها فإن لليسير من لطفك موضعاً به وللجسيم موقعاً لا يستغنون عنه: وليكن آثر رؤوس جندك عندك من واساهم في معونته وأفضل عليهم من جدته بما يسعهم ويسع من ورائهم من خلوق أهلهم حتى يكون همهم هماً واحداً في جهاد العدو فإن عطفك عليهم يعطف قلوبهم عليك: وإن أفضل قرة عين الولاة استقامة العدل في البلاد وظهور مودة الرعية وأنه لا تظهر مودتهم إلا بسلامة صدورهم ولا تصح نصيحتههم إلا بحيطتهم على ولاة أمورهم وقلة استثقال دولهم وترك استبطاء انقطاع مدتهم، فافسح في آمالهم وواصل في حسن الثناء عليهم وتعديل ما أبلى ذوو البلاء منهم فإن كثرة الذكر لحسن فعالهم تهز الشجاع وتحرض الناكل إن شاء الله تعالى: ثم أعرف لكل امرئ منهم ما أبلى ولا تضيفن بلا ء امرئ إلى غيره ولا تقصرن به دون غاية بلائه ولا يدعونك شرف امرئ إلى أن تعظم من بلائه ما كان صغيراً ولا ضعة امرئ أن تستصغر من بلائه ما كان عظيماً: واردد إلى الله ورسوله ما يضلعك من الخطوب ويشتبه عليك من الأمور فقد قال الله سبحانه لقوم أحب إرشادهم (يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرّسُولَ وَأُوْلِي الأمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي
(1/106)
________________________________________
شَيْءٍ فَرُدّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرّسُولِ) [النساء: 59] فالرد إلى الله الأخذ بمحكم كتابه والرد إلى الرسول الأخذ بسنته الجامعة غير المفرقة: ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ممن لا تضيق به الأمور ولا تمحكه الخصوم ولا يتمادى في الزلة ولا يحصر عن الفيء إلى الحق إذا عرفه ولا تشرف نفسه على طمع ولا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه أوقفهم في الشبهات وآخذهم بالحجج وأقلهم تبرماً بمراجعة الخصم وأصبرهم على تكشف الأمور وصرمهم عند اتضاح الحكم ممن لا يزدهيه إطراء ولا يستمليه إغراء وأولئك قليل: ثم أكثر تعاهد قضائه وأفسح له في البذل ما يزيح غلته وتقل معه حاجته إلى الناس وأعطه من المنزلة لديك مالاً يطمع فيه
(1/107)
________________________________________
غيره من خاصتك لتأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك فانظر في ذلك نظراً بليغاً فإن هذا الدين قد كان أسيراً في أيدي الأشرار يعمل فيها بالهوى وتطلب به الدنيا ثم انظر في أمور عمالك فاستعملهم اختباراً ولا تولاهم محاباة وأثره فإنهم جماع من شعب الجور والخيانة وتوخ منهم أهل التجربة والحياء من أهل البيوتات الصالحة والقدم في الإسلام فإنهم أكرم أخلاقاً واصح أعراضاً وأقل في المطامع إشرافاً وأبلغ في عواقب الأمور نظراً: ثم أسبغ عليهم الأرزاق فإن ذلك قوة لهم على استصلاح أنفسهم وغنى لهم عن تناول ما تحت أيديهم وحجة عليهم إن خالفوا أمرك أو خانوا أمانتك: ثم تفقد أعمالهم وابعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم فإن تعاهدك في السر لأمورهم حدوة لهم على استعمال الأمانة والرفق بالرعية وتحفظ من الأعوان فإن أحد منهم بسط يده إلى خيانة اجتمعت بها عليه عندك أخبار عيونك اكتفيت بذلك شاهداً فبسطت عليه العقوبة في بدنه وأخذته بما أصاب من عمله ثم نصبته بمقام المذلة ووسمته بالخيانة وقلدته عار التهمة وتفقد أمر الخراج بما يصلح أهله فإن في صلاحه وصلاحهم صلاحاً لمن سواهم ولا صلاح لمن سواهم إلا بهم لأن الناس كلهم عيال على الخراج وأهله: وليكن نظرك عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج لأن ذلك لا يدرك إلا بالعمارة ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد ولم يستقم أمره إلا قليلاً فإن شكوا ثقلاً أو علة أو انقطاع شرب أو بالة أو إحاطة أرض اعتمرها غرق أو أجحف بها عطش خففت عنهم بما ترجو أن يصلح به أمرهم: ولا يثقلن عليك شيء خففت به المؤونة عنهم فإنه ذخر يعودون به عليك في عمارة بلدك وتزيين ولايتك مع استجلابك حسن ثنائهم وتبجحك بى استفاضة العدل فيهم معتمداً فضل قوتهم بما ذخرت عندهم من إجمامك لهم والثقة منهم بما عودتهم من عدلك عليهم في رفقك بهم فربما حدث من الأمور ما إذا عول فيه عليهم من بعد احتملوه طيبة أنفسهم به
(1/108)
________________________________________
فإن العمران يحتمل ما حملته وإنما يأتي خراب الأرض من أعواز أهلها وإنما يعوز أهلها لإشراف أو نفس الولاة على الجمع وسوء ظنهم بالبقاء وقلة انتفاعهم بالعبر ثم انظر في حال كتابك فول على أمورك خيرهم وأخصص رسائلك التي تدخل فيها مكائدك وأسرارك بأجمعهم لوجوه صالح الأخلاق ممن لا تبطره الكرامة فيجترئ بها عليك في خلاف لك بحضرة ملأ ولا تقصر به الغفلة عن إيراد مكاتبات عمالك عليك وإصدار جواباتها على الصواب عنك فيما يأخذ لك ويعطى منك ولا يضعف عقداً اعتقده لك ولا يعجز عن إطلاق ما عقد عليك ولا يجهل مبلغ قدر نفسه في الأمور فإن الجاهل بقدر نفسه يكون بقدر غيره أجهل: ثم لا يكن اختيارك إياهم على فراستك واستنامتك وحسن الظن منك فإن الرجال يتعرفون لفراسات الولاة بتصنعهم وحسن خدمتهم وليس وراء ذلك من النصيحة والأمانة شيء ولكن اختبرهم بما ولوا للصالحين قبلك فاعمد لأحسنهم في العامة أثراً وأعرفهم بالأمانة وجهاً فإن ذلك دليل على نصيحتك لله ولمن وليت أمره واجعل لرأس كل من أمورك رأساً منهم لا يقهره كبيرها ولا يتستت عليه صغيرها ومهما كان في كتابك من عيب فتغابيت عنه ألزمته ثم استوص بالتجار وذوي الصناعات وأوص بهم خيراً المقيم منهم والمضطرب بماله والمترفق ببدنه فإنهم مواد المنافع وأسباب المرافق وجربها من المباعد والمطارح في برك وبحرك وسهلك وجبلك وحيث لا يلتئم الناس لمواضعها ولا يجترئون عليها فإنهم سلم لا تخاف بائقته وصلح لا تخشى غائلته: وتفقد أمورهم بحضرتك وفي حواشي بلادك واعلم مع ذلك أن في كثير منهم ضيقاً فاحشاً وشحاً قبيحاً واحتكاراً للمنافع وتحكماً في البياعات وذلك باب مضرة للعامة وعيب على الولاة فامنع من الاحتكار فإن رسول الله ( منع منه وليكن البيع سمحاً بموازين عدل واسعار لا تجحف بالفريقين من البائع والمبتاع فمن قارف حكرة بعد نهيك إياه فنكل به وعاقب في غير إسراف: ثم الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة
(1/109)
________________________________________
لهم والمساكين والمحتاجين وأهل البؤسى والزمنى فإن في هذه الطبقة قانعاً ومعتراً واحفظ الله ما استحفظك من حقه فيهم واجعل لهم قسماً من بيت مالك وقسماً من غلات صوافي الإسلام في كل بلد فإن للأقصى منهم مثل الذي للأدنى وكل قد استرعيت حقه فلا يشغلنك عنهم بطر فإنك لا تعذر بتضييعك التافه لأحكامك الكثير المهم فلا تشخص همك عنهم خدك لهم وتفقد أمور من لا يصل إليك منهم ممن تقتحمه العيون وتحتقره الرجال ففرغ لأولئك ثقتك من أهل الخشية والتواضع فليرفع إليك أمورهم ثم أعمل فيهم بالأعذار إلى الله سبحانه يوم تلقاه فإن هؤلاء من بين الرعية أحوج إلى الإنصاف من غيرهم وكل فاعذر إلى الله في تأدية حقه إليه وتعهد أهل اليتم وذوي الرقة في السن ممن لا حيلة له ولا ينصب للمسألة نفسه وذلك على الولاة ثقيل والحق كله ثقيل وقد يخففه الله على أقوام طلبوا العاقبة فصبروا أنفسهم ووثقوا بصدق موعود الله لهم: واجعل لذوي الحاجات منك قسماً تفرغ لهم فيه شخصك وتجلس لهم مجلساً عاماً فتتواضع فيه لله الذي خلقك وتقعد عنهم جندك وأعوانك من أحراسك وشرطك حتى يكلمك متكلمهم غير متتعتع فإني سمعت رسول الله ( يقول في غير موطن: "لقد تقدس أمة لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من القوي غير متتعتع" ثم احتمل الخرق منهم والعي وسنح عنهم الضيق والأنف يبسط الله عليك بذلك أكناف رحمته وبوجب لك ثواب طاعته وأعط هنيئاً وامنع في إجمال وإعذار: ثم أمور من أمورك لا بد لك من مباشرتها منها إجابة عمالك بما يعيا عنه كتابك ومنها إصدار حاجات الناس يوم ورودها عليك مما تحرج به صدور أعوانك وامض لكل يوم عمله فإن لكل يوم ما فيه: واجعل لنفسك فيما بينك وبين الله تعالى أفضل تلك المواقيت وأجزل تلك الأقسام وإن كانت كلها لله إذا صلحت فيها النية وسلمت منها الرعية: وليكن في خاصة ما تخلص لله به دينك إقامة فرائضه التي هي له خاصة فاعط فاعط الله من بدنك في ليلك ونهارك ووف ما تقربت به إلى
(1/110)
________________________________________
الله سبحانه من ذلك كاملاً غير مثلوم ولا منقوص بالغاً من بدنك ما بلغ وإذا قمت في صلاتك للناس فلا تكونن منفراً ولا مضيعاً فإن فيلا الناس من به العلة ولا الحاجة وقد سألت رسول الله ( حين وجهني اليمن كيف اصلي بهم فقال: "صل بهم كصلاة أضعفهم وكن بالمؤمنين رحيماً" وأنا بعد فلا تطولن احتجابك عن رعيتك فإن احتجاب الولاة عن الرعية شعبة من الضيق وقلة علم بالأمور والاحتجاب منهم يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه فيصغر عندهم الكبير ويعظم الصغير ويقبح الحسن ويحسن القبيح ويشاب الحق بالباطل وإنما الوالي بشر لا يعرف ما توارى عنه الناس به من الأمور وليست على الحق سمات نعرف بها ضروب الصدق من الكذب وإنما أنت أحد رجلين إما امرؤ سخت نفسك بالبذل في الحق ففيم احتجابك من واجب حق تعطيه أو فعل كريم تسجيه أو مبتلى بالمنع: فما أسرع كف الناس عن مسألتك إذا أيسوا من بذلك مع أن أكثر حاجات الناس إليك مما لا مؤونة فيه عليك من شكاة مظلمة أو طلب إنصاف في معاملة، ثم إن للوالي خاصة وبطانة فيهم استئثار وتطاول وقلة إنصاف في معاملة فاحسم مادة أولئك بقطع أسباب تلك الأحوال ولا تقطعن لأحد من حاشيتك وخاصتك قطيعة ولا يطعمن منك في اعتقاد عقدة تضر بمن يليها من الناس في شرب أو عمل مشترك يحملون مؤونته على غيرهم فيكون مهنأ ذلك لهم دونك وعيبه عليك في الدنيا والآخرة: وألزم الحق من لزمه من القريب والبعيد وكن في ذلك صابراً محتسباً واقعاً ذلك من قرابتك وخاصتك حيث وقع وابتغ عاقبته بما يثقل عليك منه فإن مغبة ذلك محمودة وإن ظنت الرعية بك حيفاً فأصحر لهم بعذرك وأعدل عنك ظنونهم بأصحارك فإن في ذلك رياضة منك لنفسك ورفقاً برعيتك وإعذاراً تبلغ به حاجتك من تقويم على الحق ولا تدفعن صلحاً دعاك ولله فيه رضا فإن في الصلح دعة لجنودك وراحة من همومك وأمناً لبلادك ولكن الحذر كل الحذر من عدوك بعد صلحه فإن العدو ربما قارب ليغتفل فخذ بالحزم واتهم في ذلك
(1/111)
________________________________________
حسن الظن وإن عقدت بينك وبين عدوك عقدة أو ألبسته منك ذمة فحط عهدك بالوفاء وارع ذمتك بالأمانة واجعل نفسك جنة دون ما أعطيت فإنه ليس من فرائض الله شيء الناس أشد عليه اجتماعاً مع تفرق أهوائهم وتشتت آرائهم من تعظيم الوفاء بالعهود وقد لزم ذلك المشركون فيما بينهم دون المسلمين لما استوبلوا من عواقب الغدر فلا تغدرون بذمتك ولا تخيسن بعهدك ولا تختلن عدوك فإنه لا يجترئ على الله إلا جاهل شقي وقد جعل الله عهده وذمته أمناً أفضاه بين العباد برحمته وحريماً يسكنون إلى منعته ويستفيضون إلى جواره فلا إدغال ولا مدالسة ولا خداع فيه ولا تعقد عقداً تجوز فيه العلل ولا تعولن على لحن قول بعد التأكيد والتوثقة ولا يدعونك ضيق أمر لزمك فيه كعهد الله إلى طلب انفساخه بغير الحق فإن صبرك على ضيق أمر ترجو انفراجه وفضل عاقبته خير من غدر تخاف تبعته وأن تحيط بك فيه من الله طلبة فلا تستقيل فيها دنياك ولا آخرتك، إياك والدماء وسفكها بغير حلها فإنه ليس شيء أدعى لنقمة ولا أعظم لتبعة زولا أحرى بزوال نعمة وانقطاع مدة من سفك الدماء بغير حقها والله سبحانه يتولى الحكم بين العباد فيما تسافكوا من الدماء يوم القيامة فلا تقوين سلطانك بسفك دم حرام فإن ذلك مما يضعفه ويوهنه بل يزيله وينقله ولا عذر لك عند الله ولا عندي في قتل العمد لأن كفيه قود البلدان وإن ابتليت بخطأ وأفرط عليك سوطك أو سيفك أو يدك بعقوبة فإن في الوكزة فما فوقها مقتلة فلا تطمحن بك نخوة سلطانك عن أن تؤدي إلى أولياء المقتول حقهم وإياك والإعجاب بنفسك والثقة بما يعجبك منها وحب الإطراء فإن ذلك من أوثق فرص الشيطان في نفسه ليمحق ما يكون من إحسان المحسنين. وإياك والمن على رعيتك بإحسانك أو التزيد فيما كان من فعلك أو أن تعدهم فتتبع موعدك بخلفك فإن المن يبطل الإحسان والتزيد يذهب بنور الحق والخلق يوجب المقت عند الله والناس قال سبحانه وتعالى: (كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللّهِ أَن
(1/112)
________________________________________
تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ) [الصف: 3] وإياك والعجلة بالأمور قبل أوانها أو التسقط فيها عند إمكانها أو اللجاجة فيها إذا تنكرت أو الوهن عنها إذا استوضحت فضع كل أمر موضعه وأوقع كل عمل موقعه، وإياك والاستئثار بما الناس فيه أسوة والتغابي عما يعنى به مما قد وضح للعيون فإنه مأخوذة منك لاغيرك وعما قليل تنكشف عنك أغطية الأمور وينتصف منك للمظلوم: أملك حمية أنفك وسورة حدك وسطوة يدك وغرب لسانك واحترس من كل ذلك بكف البادرة وتأخير السطوة حتى يسكن غضبك فتملك الاختيار وزلن تحكم ذلك من نفسك حتى تكثر همومك بذكر المعاد إلى ربك والواجب عليك أن تتذكر ما مضى لمن تقدمك من حكومة عادلة أو سنة فاضلة أو اثر عن نبينا ( أو فريضة في كتاب الله فتقتدي بما شاهدت مما عملنا به فيها وتجتهد لنفسك في اتباع ما عهدت إليك في عهدي هذا واستوثقت به من الحجة لنفسي دليلك لكيلا يكون لك علة عند تسرع نفسك إلى هواها وأنا أسأل الله بسعة رحمته وعظيم قدرته على إعطاء كل رغبة أن يوفقني وإياك لما فيه رضاه من الإقامة على العذر الواضح إليه وإلى خلقه من حسن الثناء في العباد وجميل الأثر في البلاد وتمام النعمة وتضعيف الكرامة وإن يختم لي ولك بالسعادة والشهادة (إِنّآ إِلَى اللّهِ رَاغِبُونَ) [التوبة: 59] والسلام على رسول الله ( الطيبين الطاهرين.

"وكتب أبو بكر الصديق المتوفي 7 جمادى الثانية سنة 13ه? إلى بعض قواده"
(1/113)
________________________________________
إذا سرت فلا تعنف أصحابك في السير ولا تغضبهم وشاور ذوي الآراء منهم واستعمل العدل وباعد عنك الجور فإنه ما افلح قوم ظلموا ولا نصروا على عدوعم و (إِذَا لَقِيتُمُ الّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلّوهُمُ الأدْبَارَ وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاّ مُتَحَرّفاً لّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيّزاً إِلَىَ فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مّنَ اللّهِ) [الأنفال: 15 16] وإذا نصرتم عليهم فلا تقتلوا شيخاً ولا امرأة ولا طفلاً ولا تحرقوا زرعاً ولا تقطعوا شجراً ولا تذبحوا بهيمة إلا ما يلزمكم للأكل ولا تغدروا إذا هادنتم ولا تنقضوا إذا صالحتم وستمرون على أقوام في الصوامع رهبان ترهبوا الله فدعوهم وما انفردوا إليه وارتضوه لأنفسهم فلا تهدموا صوامعهم ولا تقتلوهم والسلام.

"وكتب عمر بن الخطاب المقتول في 26 ذي الحجة سنة 23 ه? إلى بعض قواده"
أما بعد فإني أوصيك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو وأقوى المكيدة في الحرب وأن تكون أنت ومن معك أشد احتراساً من المعاصي منكم من عدوكم فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة لأن عددنا لتيس كعددهم ولا عدتنا كعدتهم فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة (وإلا ننصر عليهم بطاعتنا لم نغلبهم بقوتنا) واعلموا أن عليكم في سيركم حفظه من الله يعلمون ما تفعلون فاستحيوا منهم واسألوا الله العون على أنفسكم كما تسألونه النصر على عدوكم، وأقم بمن معك في كل جمعة يوماً وليلة حتى تكون لهم راحة يحيون فيهما أنفسهم ويرمون أسلحتهم وأمتعتهم ونح منازلهم عن قرى أهل الصلح والذمة فلا يدخلها من أصحابك إلا من تثق به، وليكن منك عند دنوك من أرض العدو أن تكثر الطلائع وتبث السرايا بينك وبينهم ثم أذك أحراسك على عسكرك وتيقظ من البيات جهدك والله ولي أمرك ومن معك وولي النصر لكم على عدوكم.
(1/114)
________________________________________
"وكتب أبو الفضل بديع الزمان الهمذاني المتوفي سنة 398ه? إلى ابن أخته"
أنت ولدي ما دمت والعلم شأنك والمدرسة مكانك والمحبرة حليفك والدفتر أليفك فإن قصرت ولا أخالك فغيري خالك، والسلام.
"ومن وصية ابن سعيد المغربي المتوفي سنة 697ه? لابنه وقد أراد السفر"
أودعكَ الرَّحمنَ في غربتك

مرتقباً رجماهُ في أوبتك

فلا تطل حبل النّوى إنّني

والله أشتاق إلى طلعتك

واختصر التّوديعَ أخذاً فما

لي ناظرٌ يقوى على فرقتك

واجعل وصاتي نصبَ عين ولا

تبرح مدى الأيام من فكرتك

خلاصة العمر التي حنّكتْ

في ساعةٍ زفّتْ إلى فطنتك

فللتَّجاريب أمور إذا

طالعتها تشحذَ من غفلتك

فلا تنمْ عن وعيها ساعةً

فإنّها عونٌ إلى يقظتك

وكلّ ما كابدتهُ في النّوى

إيّاك أن يكسرَ منْ همتك

فليس يدرى أصلُ ذي غربة

وإنما تعرفُ من شيمتك

وامش الهوينا مظهراً عفّةً

وابغ رضا الأعين عن هيئتك

وانطق بحيثُ الغيُّ مستقبحُ

واصمتْ بحيث الخير في سكتتك
ولج على رزقك من بابه=واقصدْ له ما عشتَ في بكرتك
ووفّ كلاّ حقَّه ولتكن

تكسر عند الفخر من حدّتك

وحيثما خيَّمت فاقصد إلى

صحبة من ترجوه في نصرتك

وللرزايا وثبةٌ مالها

إلا الذي تذخرُ من عدَِّتك

ولا تقل اسلمُ لي وحدتي

فقد تقاسي الذل في وحدتك

ولتجعل العقلَ محكَّماً وخذ

كلاّ بما يظهر في نقدتك

واعتبر الناس بألفاظهم

واصحبْ أخاً يرغب في صحبتك
كم من صديقٍ مظهرٍ نصحه

وفكرهُ وقفْ على عثرتك

إيّاك أن تقربه إنهُ

عونٌ مع الدّهر على كربتك

وأنُ نموَّ النبت قد زاره

غبُّ النَّدى واسمُ إلى قدرنك
(1/115)
________________________________________
ولا تضيّعْ زمناً ممكناً=تذكارهُ يذكي لظى حسرتك والشّرّ مهما استطعتَ لا تأتهِ= فإنهُ جورٌ على مهجتك يا بني الذي لا ناصح له مثلي ولا منصوح لي مثلة قد قدمت لك في هذا النظم ما إن أخطرته بخاطرك في كل أوان رجوت لك حسن العاقبة إن شاء الله تعالى وإن أخف منه للحفظ وأعلق بالفكر وأحق بالتقدم قول الأول.
يزينُ الغريبَ إذا ما اغتربْ

ثلاثٌ فمنهنّ حسن الأدّب

وثانية حسن أخلاقهِ

وثالثةٌ اجتنابُ الرّيب

واصغ يا بني إلى البيت الذي هو يتيمة الدهر وسلم الكرم والصبر ولو أن الديار نبت بكم لسكنتم الأخلاق والآدابا.
(1/116)
________________________________________
إذ حسن الخلق أكرم نزيل والأدب أرحب منزل ولتكن كما قال بعضهم في أديب متغرب وكلن كلما طرأ على ملك فكأنه معه ولد وإليه قصد غير مستريب بدهره ولا منكر شيئاً من أمره وإذا دعاك قلبك إلى صحبة من أخذ بمجامع هواه فاجعل التكلف له سلماً وهب في روض أخلاقه هبوب النسيم وحل بطرفه حلول الوسن وانزل بقلبه نزول المسرة حتى يتمكن لك وداده ويخلص فيك اعتقاده وطهر من الوقوع فيه لسانك وأغلق سمعك ولا ترخص في جانبه لحسود لك منه يريد إبعادك عنه لمنفعة أو حسود له يغار لتجمله بصحبتك ومع هذا فلا تغتر بطول صحبته ولا تتمهد بدوام رقدته فقد ينبهه الزمان ويتغير نته القلب واللسان وإنما العاقل من جعل عقله معياراً وكان كالمرأة يلقى كل وجه بمثاله: وفي أمثال العامة من سبقك بيوم فقد سبقك بعقل فاحتذ بأمثلة من جرب واستمع إلى ما خلد الماضون بعد جهدهم وتعبهم من الأقوال فإنها خلاصة عمرهم وزبدة تجاربهم ولا تتكل على عقلك فإن النظر فيما تعب فيه الناس طول أعمارهم وابتاعوه غالياً بتجاربهم يربحك ويقع عليك رخيصاً، وإن رأيت من له عقل ومروءة وتجربة فاستفد منه ولا تضيع قوله ولا فعله فإن فيما تلقاه تلقيحاً لعقلك وحثاً لك واهتداء وليس كل ما تسمع من أقوال الشعراء يحسن بك أن تتبعه حتى تتدبره فإن كان موافقاً لعقلك مصلحاً لحالك فراع ذلك عندك وإلا فانبذه نبذ النواة فليس لكل أحد يبتسم ولا كل شخص يكلم ولا الجود مما يعم به ولا حسن الظن وطيب النفس مما يعامل به كل أحد والله در القائل:
وماليَ لا أوفى البريّة قسطها

على قدرِ ما يعطي وعقلي ميزانُ
(1/117)
________________________________________
وإياك أن تعطي من نفسك إلا بقدر فلا تعامل الدون بمعاملة الكفء ولا الكفء بمعاملة الأعلى ولا تضيع عمرك فيمن يعاملك بالمطامع ويثيبك على مصلحة حاضرة عاجلة بغائبة آجلة ولا تجف الناس بالجملة ولكن يكون ذلك بحيث لا يلحق منه ملل ولا ضجر ولا جفاء فمتى فارقت أحداً فعلى حسنى في القول والفعل فإنك لا تدري هل أنت راجع إليه فلذلك قال الأول (ولما مضى سلم بكيت على سلم) وإياك والبيت السائر.
وكنتَ إذا حللتَ بدارِ قومٍ

رحلتَ بخزيةٍ وتركتَ عارا
واحرص على ما جمع قول القائل ثلاثة تبقي لك الود في صدر أخيك أن تبدأه بالسلام، وتوسع له في المجلس، وتدعوه بأحب الأسماء إليه واحذر كل ما بينه لك القائل: كل ما تغرسه تجنيه إلا ابن آدم فإذا غرسته يقلعك وقول الآخر ابن آدم ذئب مع الضعف أسد مع القوة، وإياك أن تثبت على صحبة أحد قبل أن تطيل اختباره. ويحكى أن ابن المقفع خطب من الخليل صحبته فجاوبه أن الصحبة رق ولا أضع رقي في يديك حتى أعرف كيف ملكتك واستمل من عين من تعاشره وتفقد في فلتات الألسن وصفحات الأوجه ولا يحملك الحياء على السكوت عما يضرك أن لا تبينه فإن الكلام سلاح السلم وبالأنين يعرف ألم الجرح واجعل لكل أمر أخذت فيه غاية يجعلها نهاية لك.
وخذْ من الدّهر ما أتاك به

من قرّ عيناً بعيشه نفعه

غذ الأفكار تجلب الهموم وتضاعف الغموم وملازمة القطوب عنوان المصائب والخطوب يستريب به الصاحب ويشمت العدو والمجانب ولا تضر بالوساوس إلا نفسك لأنك تنصر بها الدهر عليك، ولله در القائل:
إذا ما كنتَ للأحزان عوناً

عليك مع الزمان فمن تلوم
(1/118)
________________________________________
مع انه لا يرد عليك الغائب الحزن ولا يرعوي بطول عتبك الزمن.
ولقد شاهدت بغرظ ناطة شخصاً قد ألقته الهموم وعشقته الغموم ومن صغره إلى كبره لا تراه أبداً خلياً من فكرة حتى لقب "بصدر الهم" ومن أعجب ما رأيته منه أنه يتنكد في الشدة ولا يتعلل بأن يكون بعدها فرج ويتنكد في الرخاء خوفاً من أن لا يدوم. وينشد: "توقع زوالاً إذا قيل تم" وينشد "وعند التناهي يقصر المتطاول".
وله من الحكايات في هذا الشأن عجائب ومثل هذا عمره محسور يمر ضياعاً، ومتى رفعك الزمان إلى قوم يذمون من العالم ما تحسنه حسداً لك وقصداً لتصغير قدرك عندك وتزهيداً لك فيه فلا يحملك ذلك على أن تزهد في علمك وتركن إلى العلم الذي مدحوه فتكون مثل الغراب الذي أعجبه مشي الحجلة فرام أن يتعلمه فصعب عليه ثم أراد أن يرجع إلى مشيه فنسيه فبقي مخبل المشي كما قيل:
إن الغراب وكان يمشي مشيةً

فيما مضى من سالف الأجيال
حسدّ القطا وأرادَ يمشي مشيها

فأصابه ضربٌ من العقَّال

فأضلَّ مشيته وأخطأ مشيها=فلذلك كنَّوهُ أبا مرقال ولا يفسد خاطرك من جعل يذم الزمان وأهله ويقول ما بقي في الدنيا كريم ولا فاضل ولا مكان يرتاح فيه فإن الذين تراهم على هذه الصفة أكثر ما يكونون ممن صحبه الحرمان واستحقت طلعته للهوان وأبرموا على الناس بالسؤال فمقتوهم وعجزوا عن طلب الأمور من وجوهها فاستراحوا إلى الوقوع في الناس وأقاموا الأعذار لأنفسهم بقطع أسبابهم ولا تزل هذين البيتين من فكرك.
لنْ إذا ما نلتَ عزَّا

فأخو العزّ يلين

فإذا نابكَ دهرٌ

فكما كنتَ تكون

والأمثال تضرب لذب اللب الحكيم وذوا البصر يمشي على الصراط المستقيم والفطن يقنع بالقليل ويستدل باليسير والله سبحانه خليفتي عليك لا رب سواه.
"وصية هارون الرشيد لمعلم ولده الأمين"
(1/119)
________________________________________
يا احمر: إن أمير المؤمنين قد دفع إليك مهجة نفسه وثمرة قلبه فصير يدك عليه مبسوطة وطاعته لك واجبة فكن له بحيث وضعك أمير المؤمنين أقرئه القرآن وعرفه الأخبار وروه الأشعار وعلمه السنن وبصره بمواقع الكلام وبدئه، وامنعه من الضحك إلا في أوقاته بتعظيم بني هاشم إذا دخلوا عليم ورفع مجالس القواد إذا حضروا مجلسه ولا تمرن بك ساعة إلا وأنت مغتنم فائدة تفيده إياها من غير أن تحزنه فتميت ذهنه ولا تمعن في مسامحته فيستحلي الفراغ ويألفه وقومه ما استطعت بالقرب والملاينة فإن أباهما فعليك بالشدة والغلظة.
"ومن وصية ابن شداد لابنه"
عليك بتقوى الله العظيم وليكن أولى الأمور شكر الله وحسن النية في السر والعلانية فإن الشكور يزداد والتقوى خير زاد وكن كما قال الحطيئة:
ولستُ أرى السّعادةَ جمعَ مالٍ

ولكنّ التّقيّ هو السّعيدُ

وتقوى الله خير الزّاد ذخراً

وعندَ الله للأتقى مزيدُ

ثم قال: أي بني لا تزهدن في معروف فإن الدهر ذو صروف والأيام ذات نوائب على الشاهد والغائب فكم من راغب قد كان مرغوباً إليه وطالب أصبح مطلوباً ما لديه: واعلم أن الزمان ذو ألوان ومن يصحب الزمان يرى الهوان.
ثم قال: أي بني كن جواداً بالمال في موضع الحق. بخيلاً بالأسرار عن جميع الخلق فإن أحمد جود المرء الإنفاق في وجه البر وأن أحمد بخل الحر الضن بمكتوم السر وكن كما قال قيس بن الخطيم:
أجودُ بمكنون التِّلاد وإنّني

بسرّك عمّن سالني لضنينُ

إذا جاوزَ الإثنين سرُّ فإنه

بنث وتكثير الحديث قمين

وعندي له يوماً إذا ما ائتمنتني

مكانٌ بسوداء الفؤاد مكين
(1/120)
________________________________________
ثم قال: أي بني وإن غلبت يوماً على المال فلا تدع الحيلة على حال فإن الكريم يحتال والدنيء عيال وكن أحسن ما تكون في الظاهر حالاً أقل ما تكون في الباطن مالاً فإن الكريم من كرمت طبيعته وظهرت عند الأنفاذ نعمته.
ثم قال: أي بني وإن سمعت كلمة من حاسد فكن كأنك لست بالشاهد فإنك إن أمضيتها حيالها رجع العيب على من قالها وكان يقال الأريب العاقل هو الفطن المتغافل.

"وصية بعض نساء العرب إلى ابنها وقد أراد السفر"
قال أبان بن تغلب وكان عابداً من عباد أهل البصرة شهدت أعرابية وهي توصي ولداً لها يريد سفراً وهي تقول له.
أي بني أجلس أمنحك وصيتي وبالله توفيقك فإن الوصية أجدى عليك من كثير عقلك. فقال أبان فوقفت مستمعاً لكلامها مستحسناً لوصيتها فإذا هي تقول. أي بني إياك والنميمة فإنها تزرع الضغينة وتفرق بين المحبين وإياك والتعرض للعيوب فتتخذ غرضاً وخليق ألا يثبت الغرض على كثرة السهام. وقلما اعتورت السهام غرضاً إلا كلمته حتى يهي ما اشتد من قوته. وإياك والجود بدينك والبخل بمالك. وإذا هززت فاهزز كريماً يلن لهزتك ولا تهزز اللئيم فإنه صخرة لا ينفجر ماؤها ومثل لنفسك مثال ما استحسنت من غيرك فاعمل به وما استقبحت من غيرك فاجتنبه فإن المرء لا يرى عيب نفسه ومن كانت مودته بشره وخالف ذلك منه فعله كان صديقه منه على مثل الريح في تصرفها، والغدر أقبح ما تعامل به الناس بينهم ومن جميع الحلم والسخاء فقد أجاد الحلة ريطتها وسربالها.
الفصل الثاني عشر في رسائل التنصل والتبرؤ
"كتب أبو الحسن علي بن الرومي المتوفي سنة 284ه? إلى القاسم بن عبيد الله"
(1/121)
________________________________________
ترفع عن ظلمي إن كنت بريئاً وتفضل بالعفو إن كنت مسيئاً فو الله إني لأطلب عفو ذنب لم اجنه وألتمس الإقالة مما لا أعرفه لتزداد تطوالاً وأزداد تذللاً وأنا أعيذ حالي عندك بكرمك من واش يكيدها وأحرسها بوفائك زمن باغ يحاول إفسادها وأسأل الله تعالى أن يجعل حظي منك بقدرودي لك ومحلي من رجالك بحيث استحق منك.
"وكتب أبو الوليد بن زيدون المتوفي بأشبيلية سنة 463ه?"
يا مولاي وسيدي الذي ودادي له واعتمادي عليه واعتدادي به وامتدادي منه ومن أبقاه الله ماضي حد العزم وأرى زند الأمل ثابت عهد النعمة إن سلبتني أعزك الله لباس نعمائك وعطلتني من حلى إيناسك وأظمأتني إلى برود إسعافك ونفضت بي كف حياطتك وغضضت عني طرف حمايتك بعد أن نظر الأعمى إلى تأميلي لك وسمع الأصم ثنائي عليك وأحس الجماد باستحمادي إليك.
فلا غزو قد يغض الماء شاربه ويقتل الدواء المستشفى به ويؤتى الحذر من مأمنه وتكون منية المتمني في أمنيته والحين قد يسبق جهد الحريص.
كلُّ المصائبِ قد تمر?ُ على الفتى

وتهون غير شماتةِ الحسَّادِ

وإني لأتجلد وأرى للشامتين أني لريب الدهر لا أتضعضع فأقول هل أنا إلا يد أدماها سوارها وجبين عض به إكليله ومشرفي ألصقه بالأرض صاقله وسمهري عرضه على النار مثقفه وعبد ذهب به سيده مذهب الذي يقول:
فقسا ليزدجروا ومن يكُ حازماً

فليقسُ أحياناً على من يرحمُ

هذا العتب محمود عواقبه وهذه النبوة غمرة ثم تنجلي وهذه النكبة سحابة صيف عن قليل تقشع ولن يربيني من سيدجي إن أبطأ سبييه أو تأخر غير ضنين غناؤه فأبطأ الدلاء فيضاً أملؤها وأثقل السحائب مشياً أحفلها وأنفع الحيا ما صادف جدباً وألذ الشراب ما أصاب غليلاً ومع اليوم غد و (لِكُلّ أَجَلٍ كِتَابٌ) [الرعد: 38] له الحمد على اهتباتله ولا عتب عليه في اغتفاله.
فإن يكن الفعلُ الذي ساءَ واحداً

فأفعالهُ اللائي سررنَ ألوفُ
(1/122)
________________________________________
وأعود فأقول ما هذا الذنب الذي لم يسعه عفوك والجهل إلي لم يأت من ورائه حلمك والتطاول الذي لم تستغرقه تطولك والتحامل الذي لم يف به احتمالك ولا أخلو من أن أكون بريئاً فأين عدلك أو مسيئاً فأين فضلك.
ألاَّ يكن ذبنٌ فعدلك واسعٌ

أو كان لي ذنبٌ ففضلك أوسع

فهبني مسيئاً كالذي قلت طالباً

قصاصاً فأين الأخذ يا عزّ بالفضل
حنانيك قد بلغ السيل الزبى ونالني ما حسبي به وكفى وما أراني إلا لو أمرت بالسجود لآدام فأبيت واستكبرت.
وقال لي نوح اركب معنا فقلت سآوي إلى جبل يعصمني من الماء وأمرت ببناء صرح لعلي أطلع إلى إله موسى وعكفت على العجل واعتديت في السبت وتعاطيت فعقرت وشربت من النهر الذي ابتلى به جيوش طالوت وقدت الفيل لأبرهة وعاهدت قريشاً على ما في الصحيفة وتأولت في بيعة العقبة واستنفرت إلى العير ببدر وانخذلت بثلث الناس يوم أحد وتخلفت عن صلاة العصر في بني قريظة وجئت بالإفك على عائشة الصديقية وأنفت عن إمارة أسامة وزعمت أن خلافة أبي بكر كانت فلتة ورويت رمحي من كتيبة خالد ومزقت الأديم الذي باركت يد الله عليه وضحيت بأشمط عنوان السجود به وبذلت لقطام.
ثلاثة آلافٍ وعبدٌ وقينةٌ

وضربُ عليّ بالحسامِ المسمَّمِ
وكتبت إلى عمر بن سعد أن جعجع بالحسين وتمثلت عندما بلغني من وقعة الحرة.
ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا

جزع الخزرج من وقع الأسل
ورجمت الكعبة وصلبت العائذ على الثنية لكان فيما جرى علي ما يحتمل أن يكون نكالاً ويدعى ولو على المجاز عقابا.
وحسبك من حادث بازمرئٍ

ترى حاسديهِ له راحمينا

فكيف ولا ذنب إلا نميمة أهداها كاشح ونبأ جاء به فاسق وهم المهمازون المشاؤون بنميم والواشون الذين لا يلبثون أن يصدعوا العصا والغواة الذين لا يتركون أديماً صحيحاً والسعاة الذين ذكرهم الأحنف بن قيس فقال ما ظنك بقوم الصدق محمود إلا منهم.
حلفت فلم أترك لنفسك ريبةً
(1/123)
________________________________________
وليسَ وراءَ الله للمرءِ مذهبُ
والله ما غششتك بعد النصيحة ولا انحرفت عنك بعد الصاغية إليك ولا نصبت لك بعد التشيع فيك ولا أزمعت يأساً منك مع ضمان تكلفت به الثقة عنك وعهد أخذه حسن الظن عليك ففيم عبث الجفاء بأذمتي وعاث العقوق في مواتى وتمكن الضياع من وسائلي ولم ضاقت مذاهبي وأكدت مطالبي وعلام رضيت من المركب بالتعليق بل من الغنيمة بالإياب وأنى غلبني المغلب وفجر على العاجز الضعيف ولطمتني غير ذات سوار.
ومالك لم تمنع من قبل أن أفترس وتدركني ولما أمزق.
أم كيف لا تضطرم جوانح الأكفاء حسداً لي على الخصوص بك وتنقطع أنفاس النظراء منافسة لي على الكرامة فيك وقد زانني اسم خدمتك وزهاني وسم نغمتك وأبليت البلاء الجميل في سماطك وقمت المقام المحمود على بساطك.
ألستُ الموالى فيك غرّ قصائد

هي الأنجمُ اقتادت مع الليلي أنجما
ثناءٌ يظلُّ الروض منه منوراً

ضحّى ويخال الوشى فيه منمنما

وهل لبس الصباح إلا برداً طرزته بفضائلك وتقلدت الجوزاء إلا عقداً فصلته بمآثرك واستملى الربيع إلا ثناء أملأته في محاسنك وبث المسك إلا حديثاً أذعته في محامدك (ما يوم حليمة بسر) وإن كنت لم أكسك سليباً ولا حليتك عطلاً ولا وسمتك غفلاً بل وجدت آجراً وجصاً فبنيت ومكان القول ذا سعة فقلت حاشا لك أن أعد من العاملة الناصية وأكون كالذبابة المنصوبة تضيء للناس وهي تحترق (فلك المثل الأعلى) وهو بك وبي وفيك أولى ولعمرك ما جهلت أن (صريح الرأي) أن أتحول إذا بلغتني الشمس (وبنا بي المنزل) واصفح عن المطامع التي تقطع أعناق الرجال فلا (استوطئ العجز) ولا أطمئن إلى الغرور. ومن الأمثال المضروبة: خامري أم عامري.
وإني مع المعرفة أن الجلاء سباء والنقلة مثلة.
ومن يغتربْ عن قومه لم يزل يرى

مصارعَ مظلوم مجرا مسحبا

ويدفن منه الصالحات وإن يسيء

يكن ما أساء النار في راس كبكبا
(1/124)
________________________________________
عارف أن الأدب الوطن لا يخشى فراقه والخليط لا يتوقع زياله والنسيب لا يخفى والجمال لا يجفى.
ثم ما قران السعد بالكواكب أبهى أثراً ولا أثنى خطراً من اقتران غنى النفس به وانتظامها نسقاً معه فغن الحائز لهما الضارب بسهم فيهما "وقليل ما هم" أينما توجه ورد منهل بر وحط في جناب قبول وضوحك قبل إنزال رحلة وأعطى حكم الصبي على أهله.
وقيلَ له أهلاً وسهلاً ومرحبا

فهذا مبيتٌ صالحٌ ومقيل

غير ان الوطن محبوب والمنشأ مألوف واللبيب يحن إلى وطنه النجيب إلى عطنه والكريم لا يجفوا أرضاً بها قوابله ولا ينسى بلداً فيها مراضعه، قال الأول:
أحبّ بلادَ الله ما بين منعجٍ

إليّ وسلمى أن يصوبَ سحابها
بلاد بها حلّ الشّباب تمائمي

وأوّل أرضٍ مسّ جلدي ترابها

هذا إلى مغالاتي بعقد جوارك ومنافستي بلحظة من قربك واعتقادي أن الطمع في غيرك طبع والغنى ممن سواك عناء والبدل منك أعور والعوض لفاء وكل الصيد في جوف الفرا.
وإذا نظرتُ إلى أميري زادني

ضنَّا بهِ نظري إلى الأمراء

وفي كل شجر نار وأستمجد (المرخ والعهفار) فما هذه البراءة ممن يتولاك والميل عمن لا يميل عنك وهلا كان هواك فيمن هواه ورضاك فيمن رضاه لك.
يا من يعزُّ علينا أن نفارقهم

وجداننا كلَّ شيء بعدكم عدمُ
أعيذك ونفسي من أن أشيم خلباً وأستمطر جهاماً وأكدم في غير مكدم وأشكو شكوى الجريح إلى الغربان والزخم فما أبسست لك إلا لتدر ولا حركت لك الحوار إلا لتحن ولا نبهتك إلا لأنام.
ولا سريت إليك إلا لأحمد السرى لديك.
وإنك إن سنيت عقد أمري تيسر ومتى أعذرت في فك أسري لم يتعذر وعلمك محيط بأن المعروف ثمرة النعمة والشفاعة زكاة المروءة وفضل الجاه يعوذ به صدقه.
وإذا امرؤٌ أهدى إليك صنيعةً

من جاهله فكأنّهامن ماله
(1/125)
________________________________________
لعلي ألقي العصا بذارك وتستقر بي النوى في ظلك وأستأنف التأديب بأدبك والاحتمال على مذهبك فلا أوجد للحاسد مجال لحظة ولا أدع للقادح مساغ لفظه.
والله ميسرك من إطلابي بهذه الطلبة وإشكائي من هذه الشكوى بصنيعة تصيب منها مكان المصنع وتستودعها أحفظ مستودع حسبما أنت خليق له وأنا منك حري به وذلك بيده وهين عليه.
?مكاتبات متفرقة
"كتب الدولة العلية العثمانية إلى إحدى الدول الأوروبية"
أيها الوزير الأفخم: إن لفظة (تقسيم تركيا) إفك لا يفوه به عاقل ولا يتصوره إنسان تكاد تنفطر له السماء دهشة وترتج له الأرض وحشة بل تخر دونه الجبال وتنفك عنده الآمال كأن أوروبا تستطيعه ولكنها لم تفعله: ولن تفعله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً فقل: (اللّهُمّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمّنْ تَشَآءُ وَتُعِزّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنّكَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [آل عمران: 26] تقسم تركيا كلمة ليست اكبر من أوروبا فقط بل هي أكبر من منظومة هذا العالم الشمسي الذي تراه أو تسمع به إن كنت لا تراه فلا يليق أن يفوه به إلا فم القدرة الإلهية (قَآئِمٌ عَلَىَ كُلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ) [الرعد: 33] (وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَىَ أَمْرِهِ وَلََكِنّ أَكْثَرَ النّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) [يوسف: 21] تقسيم تركيا ربما يكون ولكن متى يكون؟ يكون حينما يتحلى وجه البسيطة بدمائنا الطاهرة الزكية يوم ترى الأرض لابسة تلك الحلة الأرجوانية الثمينة حيث تتمشى الدماء على فيروزج الفضاء محاطة كواكب الوجود بكتائب جنود العدم المطلق: لا أرض لمن تقل ولا سماء لمن تظل ولا قائم موجود ولا دائم مقصود، هنالك تتحدث شياطين الخيال في أندية المحال بحديث ذلك التقسيم المشؤوم ولا من سميع ولا من مجيب فالويل ثم الويل يوم ذلك التقسيم الموهوم والثبور ثم الثبور إذا تنزلت السماء بقضاء ذلك الهول المقسوم: إن في
(1/126)
________________________________________
ذلك لبلاغاً يتفكرون.
"وكتب ابن العميد المتوفى سنة 360ه? في شكر صديق له على مراسلته إياه"
وصل ما وصلتني به جعلني الله فداك من كتابك بل نعمتك التامة ومنتك العامة فقرت عيني بوروده وشفيت نفسي بوفوده ونشرته فحكى نسيم الرياض غب المطر وتنفس الأنوار في السحر وتأملت مفتتحه وما اشتمل عليه من لطائف كلمم وبدائعه حكمك فوجدته قد تحمل من فنون البر عنك و ضروب الفضل منك جداً وهزلاً ملأ عيني وغمر قلبي وغلب فكري وبهر لبي فبقيت ا أدري أسموط در خصصتني بها أم عقود جوهر منحتنيها ولا أدري أجدك أبلغ وألطف أم هزلك أرفع وأظرف وأنا أوكل بتتبع ما انطوى عليه نفساً لا ترى الحظ إلا ما اقتنته منه ولا تعد الفضل إلا فيما أخذته وأمتع بتأمله عيناً لا تقر إلا بمثله مما يصدر عن بدك ويرد من عندك وأعطيه نظراً لا يمله وطرفاً لا يطردونه، وأجعله مثالاً أرتسمه وأحتذيه وأمتع خلقي برونقه وأعذي نفسي ببهجته وأمزج قريحتي برقته وأشرح صدري بقراءته ولئن كنت عن تحصيل ما قلته عاجزاً وفي تعديد ما ذكرته متخلفاً لقد عرفت أن ما سمعت به منه السحر الحلال.
"وكتب السيد توفيق البكري في سفراه إلى الآستانة العلية"
(1/127)
________________________________________
كتابي إلى السيد الأجل وأنا أحمد الله إليه وأدعوه أن يديم النعمة والسلامة عليه، وبعد: فلما اعتزمت عى الرحلة هذا العام إلى قبة السلام ودا خلافة الإسلام وفارقت مصر وساكنها وأرباضها ومواطنها ركبت سفينة عدولية إلى الثغور الفرنجية فجرت في خضم عجاج ملتطم الأمواج لع دوي من جرجرة الآذي أخضر الجلد كأنه إفرند تصطخب فيه النينان وتجري لفي جوفه الدعاميص، والحيتان إذا ما زحه الأصيل وبالعشي خلته كسرت، عليه الحلي أو مزج بالرحيق القطربلي وإن لاحت به نجوم السماء خلته صفائح من فضة بيضاء سمرت بمسامير صغار من نشضار وأخذت السفينة تشق عبابه وتفلق حبابه بين ريح رخاء أو زعزع هوجاء فهي تارة في طريق معبد ورةميث مسرد وطوراً فو حزن وردد أو على صرح ممرد وطان معنا في الفلك رهط من العرب والترك فكنا نتوار د معهم جوائب الأخبار وطرف الأحاديث والأسمار ما يزري بالمنهل العذب واللؤلؤ الرطب إلى أن يميل ميزان وتغرق ذكاء في البحار ويمسي الكون من السواد في لبوس حديد أو لباس حداد وتبرق ونجوم السماء في أكناف الظلماء كأنها سكاك دلاص أو فلق رصاص أو عيون جراد أو جمر في خلال رماد أو در في بحر أو ثقوب في قبة الديجور يلوح منها النور ويبدو الهلال كأنه خنجر من ضياء يشق طياليس الظلماء أو قلادة أو دنملج غادة أو سنان لواه الضراب أو الليل فيل وهو ناب فنأخذ مجلساً نسمه الكافور وأرضه عنبر مذور رقمت فيه زرابي مثبوتات ومنابذ وحسبانات وأنماط مفروشة وأبسط منقوشة.
بسط أجادَ الرسمَ صانعها

وزها عليه النقشُ والشكلُ
فيكاد يقطف من أزهارها

ويكاد يسقط فوقها النحلُ
(1/128)
________________________________________
وحوله شموع تزهر وأضواء تبهر وقد دارت عليه سقاة جماع الثريا بأقداح الحميا وأكواب الفانيذ المروق وقوارير الجلاب المصفق ثم تجيء قينة في يدها ناي كأنه صور إسرافيل يحيي الرفات وينشر الأموات حتى إذا بدا الضياء كابتسام الشفة اللمياء دخلنا المضجع لنهجع وهلّم جراً في أيامنا الأخرى إلى أن وطئنا أرض القوم بعد ثلاثة أيام وبعض يوم فلما أضحت مرأى عين كبرنا تكبر ابن الحسين.
كبرتُ حول ديارهم لما بدت

منها الشموس وليس فيها المشرق
(1/129)
________________________________________
وراقنا ما رأينا من عمران وحضارة ورفهينة وشارة وزراعة وصناعة وتجارة وضخامة وسلكان بنيان وجواد كالأودية بين الأطواد وكأنما الناس في المدينة احتفلوا ليوم الزينة أو هم لكثرة الحركة منهزموا معركة ىفيهم غادون ورائحون زرافات ووحداناً إناثاً وذكراناً وقد لبثنا في تيك البلدان هنيهة من الزمان نتقلب في جنباتها ونتنقل في أنحائها وجهاتها إلى أن قدمنا القسطنطينية إيوان الخلافة الإسلامية وعش الدعوة المحمدية فإذا النعيم والملك الكبير والجنةوالحرير وإذا بقعة أطيب الأرضين رقعة وأمرعها نجعة وقد اعتلت منائرها في الفضاء وحلقت قصورها بالسماء فلبست أردية الغيوم وتقلدت عقود النجوم ولاحت مقاصيرها البيضاء في أكنافها الخضراء وجرى بينها خليج الماء فكأنها النجوم والمجرة والسماء واكتظت نواحيها بالآثار وحشدت بالجوامع الكبار ناهيك "بأيا صوفية" وما أدراك ما "أيا صوفية" هو بنية تعلوها شرافات علية وقبة ضخمة جوفاء كأنها قبة السماء وأرض تلك البنية كالماوية من مرمر ألاق ذي بصيص براق وافيها دعائم كل دعامة كالحق واستقامة وبها محاريب وحنايا وأقبية زوايا ومنبر كأنه أريكة سلطان في الخورنق أو غمدان هذا وقد نزلت من كنف أمير المؤمنين وخليقة رب العالمين ىفي دار السعادة ومرع الفضل والمجاد ومطلع الجود وفل السعود وحظيرة لنع ومشعر الهمم وأقمت ضيفاً تعند السيد السند الهزبري النضد تاج آل محمد السيد فلان في عصابة من الصوابة لاعيب فيهم غير أنهم ينسون الغريب وطنه وحامته وسكنه لهم أعراق عربية وأخلاق هاشمية وحماس وسماح كالماء والراح ولم أكد ألقي العصا وتستقر بين النوى حتى جاءني سلام من أمير المؤمنين خلته السلام الذي ذكره في قوله تعالى: (ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ) [الحجر: 46].
"كتبت السيدة وردة اليازجية إلى السيدة عائشة تيمور المتوفاة سنة 1300ه?"
(1/130)
________________________________________
سيدتي ومولاتي: أعرض أنني بينما أنا ألهج بذكر ألطافكم السنية أتنسم شذا أنفاسكم العبقرية وأترقب لقاء أثر من لدنكم يتعللل به الخاطر ويكتحل بإثمد مداد الناظر.
وصلتني مكاتبكم فجلت العين أقذاءها وردت إلى النفس صفاءها فتناولتها بالقلب لا بالبنان وتصفحت ما في طيها من سحر البيان، فقلت:
هذا الكتابُ الذي هامَ الفؤاد به

يا ليتني قلمٌ لفي كفّ كاتبه

ولعمري إنه كتاب حوى بدائع المنثور والمنظوم وتحلى من درر الفصاحة فأخجلت لديه دراي النجوم وقد تطفلت على مقالكم العالي بهذا الجواب ناطقاً بتقصيري وضمنته من مدح سجاياكم الغراء وما يشفع لدى مكارمكم في قبو معازيري لا زلتم للفضل معهدناً وذخر اً وللأدب كنزاً وفخراً.
?"وكتبت السيدة عائشة تيمور إلى السيدة وردة اليازجية المتوفاة سنة 1313ه?"
(1/131)
________________________________________
استهل براعة سلام مل الشوق وتقلد الشقق ما نشقت ناشقة عف الوداد كفالته ورضيت المجال في صدق المقال لنطق بخالص الوفاء مداد حروفه وأقام بأداء التحية العاطرة قبل فض ختام مظروفه ولعمري قد توجته أزهار الثناء بلآلئ غراء كللته زواهر الوفاء من خالص الوداد إلى حضرة من لا تزال تستروح الأسماع بنسيم أنبائها صباح مساء، وتتشوق الأرواح إلى استطلاع بدر إنسانها الكامل أطرافاً وآناء، ومما زادني شوقاً إلى شوق حتى لقد شبّ فيه طفل الشفق تعن الطوق اجتلائي حديقة "الورد" القدسية ونافجة الأدب المكية فيالها من حديقة رقمتها أحداق الأذهان فاقتبست نوراً وانشقتها مسام الآذان فثملت طرباً وسروراً ومنذ سرحت في أرجاء تلك اليانعة إنان العيون وشرحت بأفكار البصيرة أسرار ذلك الدر المصون لم أزل بين طرب أتوشح وأدب أتعجب من حسن اختتامه وافتتاحه وجعلت أغازل من نرجس تلك الروضة تعيوناً ملكت مني الحواس وهصرت من غصون ألفاتها كل ممشوق أهيف مياس وأتأدب في حضرة وردها خوفً من شوكة سلطانها وأن حياتي بجميل الالتفات ضاحكة عن نفس جماثة وإذا بالياسمين الغض قد ألقى نفسه على الثرى ونادى بلسان الإفصاح هل لهذه النضرة نظيرة يا ترى فأشار المنثور بكفه الخضيب أن لا نظير لتك الغادة ونطق الزنبق بلسان البيان لا تكتموا الشهادة فعد ذلك صفق الطير بأكف الأجنحة وبشر وجرى الماء لإذاعة نبأ السرور فعثر بذيل النسيم وتكسر وتمايل أغصانها المورقة لسماع هذا الحديث وأخذت نسماتها العاطرة في السير الحثيث إذاعة لتلك البشائر في العشائر ونشراً لهذه الفضائل التي سارت مسير المثل السائر فقلت بلسان الصادق الأمين بعد تحقق هذا النبأ اليقين هكذا وهكذا تكون الحديقة وإلا وكذلك كذلك لتكتب الفضائل وتملي.
وحدثني يا سعد عنهم فزدتني

غراماً فزدني من حديثك يا سعدُ
(1/132)
________________________________________
فتحمل عني أيها الصديق تحية إلى ربة هاتيك الحديقة واشرح لديها حديث شغفي بفضلها الباهر على الحقيقة وأعتذر عن كتابي هذا فقد جاء يمشي على استحياء وكلما حركة الشوق يبطئه الحياء وكيف وقد حل في منيع الفضائل والمقام الذي لم يدع مقالاً لقائل فكأني إما أهدي الثمر إلى هجر وأمنح البحر الخضم بالمطر أدام الله معالي تلك الحضرة وزادها في كل حال بهجة ونضرة ما لاح جبين وبلغ غاية الكمال.
?"وكتب السيد عبد الله النَّدي المتوفى سنة 1314ه?"
أستاذي وقدوتي وملاذي وعمدتي، ربيت فأحسنت وغذيت فأسمنت مؤدباً ليثا ولنت فسودت وجدت فعودت مهذباً غيثاً وعلمت فأفهمت وأشرت فألهمت غرض سهمك وقد نلت ما أملت فيمن تعليه عولت حسن فهمك.
غلامك الشهيرُ بالنّديم

منْ صار في البيان كالنّسيم
وكيف لا يكون لساني قوس البديع وكلامي السهم السريع وأنت باريه وراميه أم كيف لا يكون مقامي الحصن المنيع وقدري العزيز الرفيع وأنت معليه وبانيه وفوجه جمال العلم أنت غرته وإنسان عين العلم أنت قرته وحاليه وجاليه وجبين العقل أنت طرته وكتاب الفضل أنت صورته وطاليه وتاليه.
على بابك العالي من الفضل رايةٌ

على رأس أرباب المعارف تخفقُ

فعلمك جناتٌ من الفضل رايةٌ

وكلك خبراتٌ وغيثك مغدقٌ

أرى غصن من يدعو إلى الفضل نفسه

من الفضل عرياناً وغصنك مورقٌ

إذا رمت إنشاء فعن صدق فكرة

تهادى بأبكار وغيرك يسرق

"وكتب أيضاً في التوادد"
(1/133)
________________________________________
بينما أنا راكب لجة بحر الفكر مجد في طلب فريدة بكر تارة أغوص ومرة أسبح وآونة أقف وطوراً أصفح لا يقر لي قرارا ولا يمكنني الفرار ولا يقصر عن طرح شباكي ذراعٌ ولا يطوى لسفينتي شراع كلما أدركني الملل هاجت عليّ رياح الأمل حتى دخلت في بحر عجاج متلاطم الأمواج فاقتحمت هذا المركب الصعب وتهت بين الجزائر والشعب فتعلقت أفكاري بالسواري والحبال وبت بليلة نجومها كواحل لا يرى فيها بر ولا سواحل وقلت اشتداد الأمر يستدعي ضده ولا يأتي الفرج إلا بعد الشدة، وعينيك ما سل سيفها على مفرق مساها حتى سمعت (بِسْمِ اللّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا ) [هود: 41] فكان من تمام حظي وسعودي أن تركت لجنة اليم (وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيّ ) [هود: 44] وتنصرف خوفي وارتباكي وبادرت بطرح شباكي فإذا هي قد ملئت بأصداف الجوهر وعلقت بها شجرة العنبر فتفتح الصدف عن در يستخدم الأقمار وفاح العنبر بما أذهب شذى الأزهار.
وصرت ما بينها كسرى الزمان له

شمسٌ تنادمه في مجلس عطر

ونلت أقصى أمان كنت آملها

الأنس في خلدي والنور في نظري
ولما جلوت الطرف بما فيها من الظرف ووقعت ندي الموقع الحسن أردت أن أسومها بثمن فإذا هي درة يتيمة لا يقدر لها أحد على قيمة فاستهديتها من ربها لشغفي بحبها وجعلت القلب لها كنزاً والفؤاد لها حرزاً ألا وهي محة العزيز الحافظ أبدع مرئي وأبلغ لافظ.
"وكتب إبراهيم بك المويلحي المتوفى سنة 1323 يعزي محمود باشا البارودي"
أنت فوق أن تعزى عن الأحبا

ب فوق الذي يعزيك عقلا

وبألفاظك اهتدي فإذا عزا

ك قال الذي له لت قبلا

وقتلت الزمان علماً فما يغ

رب قولاً ولا يجدد فعلا
(1/134)
________________________________________
نعم إن يا "محمود" الخصال و"سامي" الفعال لأنت الشهم المجرب لصروف الحدثان والعالم الخبير بأحوال الزمان قد أعددت لنوازل المقدور نزلاً من الصبر المأجور وصرفت ضيف الشجون والهموم إلى قرى الفضائل العلوم وأخذت من المصاب العظيم بسيرة ذاك الفيلسوف الحكيم بين هو جالسٌ يوماً في الدرس بين تلاميذه إذ جاءه من أخبره بأن ابنه الوحيد مات وهو رطب الشباب غض العمر فلم يتوله الفزع ولم يظهر عليه الاضطراب ولم يبد على وجهه الكدر وما زاد على أن استرجع واستمر في قراءة درسه كما كان فلما انتهى منه بادر أحد الحاضرين من أصحابه ممن حيرتهم الدهشة في أمره ويسأله كيف لم يسله الحزن ثوب الثبات برهة مفاجأته بالخبر فقال له: "لو فاجأتني النازلة على غرة مني لجزعت وحزنت ولكني ما وزلت أقدر لابني منذ يوم ولادته حلول أجله كل يوم من أيام حياته ولمثل هذا اليوم كنت أعده من زمان طويل وكان كلما مضى عام من أعوام اعتبرته خلسة اختلسها من الدهر حتى مضى على هذه العارية عشرون عاماً فشكري لله اليوم على أن أبقاها في يدي و لهذه المدة يوم مقام الحزن عند غير لدى استرداها" وعن النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا مات ولد العبد قال الله تعالى للملائكة أقبضتم ولد عبدي فيقولون نعم فيقول أقبضتم ثمرة قلبه فيقولون نعم فيقول الله تعالى ماذا قال عبدي فيقولون حمدك واسترجع فيقول الله تعالى ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد" وأنت يا محمود صلوات الله عليك ورحمته لقوله تعالى: (وَلَنَبْلُوَنّكُمْ بِشَيْءٍ مّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مّنَ الأمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثّمَرَاتِ وَبَشّرِ الصّابِرِينَ {155} الّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنّا للّهِ وَإِنّآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ {156} أُولََئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مّن رّبّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولََئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) [البقرة: 155 157] أول من يمثل لحكم القضاء ويسترجع عنه نزول
(1/135)
________________________________________
البلاء ويعمل بأدب الدين في التجلد والتصبر ويأخذ بسيرة الحكماء في التدبر والتبصر.
ومن كان ذا نفس كنفسك حرة

ففيه لها مغنٍ وفيها له مسلْ

الكلام على الرسالات العلمية
الرسالات العلمية هي مقالات في المطالب العلمية أو المسائل الأدبية وإنما سميت بالرسالات لأن أصحابها يرسلونها إلى من اقترحها عليهم ويسلك فيها صاحبها مناهج الاسترسال والمخاطبات البليغة وقد أفردنا لها كتابنا "أسلوب الحكيم في منهم الإنشاء القويم" فارجع إليه إن شئت.
الفن الثاني في المناظرات
للمناظرة ثلاثة شروط: الأول: أن يجمع بين خضمين متضادين أو متباينين في صفاتهما بحيث تظهر خواصهما بالمقابلة كالربيع والخريف والصيف والشتاء، والثاني: أن يأتي كل من الخصمين في نصرته لنفسه وتفنيد مزاعم قرنه بأدلة من شأنها أن ترفع من قدره وحط من مقام الخصم بحيث ميل بالسامع عنه إليه، والثالث: أن تصاغ المعاني والمراجعات صوغاً حسناً وترتب على سياق محكم ليزيد بذلك نشاط السامع وتنمي فيه الرغبة في حل المشاكل.
ولنذكر لك عليها شذرات من أقوال الكتاب فنقول:
"مناظرة العثمان بن المنذر وكسرى وأنوشروان في شأن العرب"
(1/136)
________________________________________
روى بن القطامي عن الكلبي قال: قدم النعمان بن المنذر على كسرى وعند وفود الروم والهند والصين فذكروا من ملوكهم وبلادهم: فافتخر النعمان بالعرب وفضلهم على جمع الأمم لا يستثنى فارس ولا غيرها: فقال كسرى وأخذته عزة الملك يا نعمان لقد فكرت في أمر العرب وغيرهم من الأم ونظرت في حالة من يقدم عليّ من وفود الأمم، فوجدت للروم حظاً في اجتماع ألفتها وعظم سلطانها وكثرة مدائنها ووثيق بنيانها وإن لها دينا يبين خلالها وحرامها ويرد سفيهها ويقيم جاهلها ورأيت الهند نحوا من ذلك في حكمتها وطبها وكثرة أنهار بلادها وثمارها وعجيب صناعتها وطيب أشجارها ودقيق حسابها وكثرة عددها و وكذلك الصين في اجتماعها وكثرة صناعات أيديها وفروسيتها وهمتها في آلة الحرب وصناعة الحديد وإن لها ملكاً يجمعها، والترك والخزر على ما بهم من سوء الحال في المعاش وقلة الريف والثمار والحصون وما هو رأس عمارة الدنيا من المساكن والملابس لهم ملوك تضم قواصيهم وتدبر أمرهم، ولم أر للعرب شيئاً من خصال الخير في أمر ودين ولا دنيا لا حزم ولا قوة: ومع أن مما يدل على مهانتها وذلها وصغر همتها محلتهم التي هم بها مع الوحوش النافرة والطير الحائرة يقتلون أولادهم من الفاقة ويأكل بعضهم بعضاً من الحاجة قد خرجوا من مطاعم الدنيا وملابسها ومشربها ولهوها ولذاتها، فأفضل طعام ظفر به ناعمهم لحوم الإبل التي يعافها كثير من السباع لثقلها وسوء طعمها وخوف دائها، وإن قوى أحدهم ضيفاً عدها مكرمة وإن أطعم أكلة عدها غنيمة تنطق بذلك إشعارهم وتفتخر بذلك رجالهم (ما خلا هذه التنوخية التي أسس جدي اجتماعها وشد مملكتها ومنعها من عدوها فجرى لها ذلك إلى يومنا هذا وإن لها مع ذلك آثاراً ولبوساً وقرى وحصوناً وأموراً تشبه بعض أمور الناس يعني اليمن) ثم لا أراكم تستكبنون على ما بكم من الذلة والقلة والفاقة والبؤس حتى تفتخروا وتريدوا أن تنزلوا فوق مراتب الناس، قال النعمان أصلح الله
(1/137)
________________________________________
الملك: حق لأمة الملك منها أن يسمو فضلها ويعظم خطبها وتعلوا درجتها إلا أن عندي جواباً في كل ما ينطق به الملك في غير رد عليه ولا تكذيب له فإن أمنني من غضبه نطقت به: قال كسرى: قل فأنت آمن: قال النعمان: أما أمتك أيها الملك فليست تنازع في الفضل لموضعها الذي هي به من عقولها وأحلامها وبسطة محلها وبحبوحة عزها وما أكرمه الله به من ولاية آبائك وولايتك وأما الأمم التي ذكرت فأي أمة تقرنها بالعرب إلا فضلتها:قال كسرى بماذا: قال النعمان بعزها ومنعتها وحسن وجوهها وبأسها وسخائها وحكمة ألسنتها وشدة عقولها وأنفتها ووفائها.
فأما عزها ومنعتها فإنها لم تزل مجاورة لآبائك الذين دخلوا البلاد ووطدوا الملك وقادوا الجند لم يطمع فيهم طامع ولم ينلهم نائل حصونهم ظهور خيلهم ومهادهم الأرض وسقوفهم السماء وجنتهم السيوف وعدتهم الصبر، إذا غيرها من لأمم إنما عزها الحجارة والطين وجزائر البحور.
وأما أحسن وجوهها وألوانها فقد يعرف فضلهم في ذلك على غيرهم من الهند المنحرفة والصين المنحفة والتك المشوهة والروم المقسرة.
وأما أنسابها وأحسابها فليست أمة من الأمم إلا وقد جهلت آباءها وأصولها وكثيراً من أولها حتى أن أحدهم ليسأل عمن وراء أبيه دنيا فلا ينسبه ولا يعرفه، وليس أحد من العرب إلا ويسمى آباءه أبا فأبا حاطوا بذلك أحسابهم وحفظوا به أنسابهم فلا يدخل رجل في غير قومه ولا ينتسب إلى غير نسبه ولا يدعي إلى غير أبيه.
(1/138)
________________________________________
وأما سخاؤها فإن أذناهم رجلا الذي تكون عند البكرة والنا عليها بلاغة في حموله وشبعه وريه فيطرقه الطارق الذي يكتفي بالفلذة ويجتري بالشربة فيعقرها وله ويرضى أن يخرج عن دنياه كلها فيما يكسبه حسن الأحدوثة وطيب الذكر.
وأما حكمة ألسنتهم فإن الله تعالى أعطاهم في أشعارهم ورونق كلامهم وحسنة وزنه وقوافيه مع معرفتهم بالأشياء وضربهم للأمثال وإبلاغهم في الصفات وما ليس لشيء من ألسنة الأجناس، ثم خيلهم أفضل الخيل ونساؤهم أعف النساء ولباسهم أفضل اللباس ومعدنهم الذهب والفضة وحجارة جبالهم الجزع ومطاياهم التي لا يبلغ على مثلها سفر ولا يقطع بمثلها بلد قفرٌ.
وأما دينها وشريعتها لأنهم متمسكون به حتى يبلغ أحدهم من نسكه بدينه أن لهم أشهراً حرماً وبلجاً محرماً وبيتاً محجوجاً ينسكون فيه مناسكهم ويذبحون فيه ذبائحهم فيلقى الرجل قاتل أبيه أو أخيه وه قادر على أخذ ثأره وإدراك رغمه منه فيحجزه كرمه ويمنعه دينه عن تناوله بالأذى.
وأما وفاؤها فإن أحدهم يلحظ اللحظة ويومئ الإيماء فهي ولت (أي عهد) وعقدة ولا يحلها إلا خروج نفسه وإن أحدهم يرفع عوداً من الأرض فيكون رهناً بدينه فلا يغلق رهنه ولا تحفز ذمته وإن أحدهم ليبلغه أن رجلاً استجار به وعسى أن يكون نائياً عن داره فيصاب فلا يرضى حتى يفنى تلك القبيلة التي أصابته أو تفنى لما أحفز من جواره وأنه ليلجأ إليهم المجرم المحدث من غير معرفة ولا قرابة فتكون أنفسهم دون نفسه وأموالهم دون ماله.
وأما قولك أيها الملك يئدون أولادهم فإنما يفعله من يفعله منهم بالإناث أنفة من العار وغيرة من الأزواج.
وأما قولك إن أفضل طعامهم لحوم الإبل على ما وصفت منها فما تركوا ما دونها إلا احتقاراً ل فعمدوا إلى أجلها وأفضلها فكانت مراكبهم وطعامهم مع أنها أكثر البهائم شحوماً وأطيبها لحوماً وأرقها ألباناً وأقلعها غائلة وأحلاها ومضغة وإنه لا شيء من اللحمان يعالج ما يعالج به لحمها إلا استبان فضلها
(1/139)
________________________________________
عليه.
وأما تجاربهم وأكل بعضهم بعضاً وتركهم الانقياد لرجل يسوسهم ويجمعهم فإنما يفعل ذلك من يفعله من الأمم إذا أنست من نفسها ضعفاً وتخوفت نهوض عدوها بالزحف وإنه إنما يكون في المملكة العظيمة أهل بيت واحد يعرف فضلهم على سائر غيرهم فيقولون إليهم أمورهم وينقادون لهم بأزمتهم.
وأما العرب فإن ذلك كثير فيهم حتى لقد حاولوا ن يكونوا ملوكاً أجمعين مع آنفتهم من أداء الخراج والوطث (أي الضرب الشديد بالرجل على الأرض) بالعسف.
وأما اليمن التي وصفها الملك فإنما أتى جد الملك إليها الذي أتاه عند غلبة الجيش له على ملك وأمرٍ مجتمع فأتاه مسلوباً طريداً مستصرخاً ولولا ما وتر به من يليه العرب لمال إلىة مجال واحد من يجيد الطعان ويغضب الأحرار من غلبة العبيد الأشرار.
قال فعجب كسرى لما أجابه النعمان به وال إنك لأهل لموضعك من الرياسة في أهل إقليمك ثم كساه من كسوته وسرحه إلى موضعه من الحيرة.
فلما قدم النعمان الحيرة وفي نفسه ما فيها مما سمع كسرى من تنقص العرب وتهجين أمرهم بعث إلى أكثم بن صفي حاجب بن زرارة التيميين وإلى الحارث بن ظالم وقيس بن مسعود البكريين وإلى خالد بن جعفر وعلقمة بن علاثة وعامر بن الطفيل العامريين وإلى عمرو بن الشريد لسليمي وعمرو بن معد يكرب الزبيدي والحارث بن ظالم المري فلما قدموا عليه في الخورنق قال لهم قد عرفتم هذه الأعاجم وقرب جوار العرب منها وقد سمعت من كسرى مقالات تخوفت أن يكون لها غوار أو يكون إنما أظهرها لأمر أراد أن يتخذ العرب خولاً كبعض طماطمته في تأديتهم الخراج إليه كما يفعل بملوك الأمم الذي حوله فاقتص عليهم مقالات كسرى وما رد عليه: فقالوا أيها الملك وفقك الله ما أحسن ما رددت وأبلغ ما حججته به فمرنا بأمرك وادعنا إلى ما شئت.
(1/140)
________________________________________
قال إنما أنا رجل منكم وإنما ملكت وعززت بمكانكم وما يتخوف ومن ناحيتكم ولاليس شيء أحب إليّ مما سدد الله أمركم وأصلح به شأنكم وأدام به عزكم والرأي أن تسيرزا بجماعتكم أيها الرهط وتنطلقوا إلى كسرى، فإذا دخلتم نطق كل رجل منكم بما حضره ليعلم أن العرب تعلى غير ما ظن أو حدثته نفسه ولا ينطق رجل منكم بما يغضبه فإنه ملك عظيم السلطان كثير الأعوان مترف معجب بنفسه لا تنخزلوا له انخزال الخاضع الذليل ولكن أمر بين ذلك تظهر به دماثة حلومكم وفضل منزلتكم وعظيم أخطاركم وليكن أول من يبدأ منكم بالكلام أكثم بن صيفي ثم تتابعوا على الأمر من منازلكم التي وضعتكم بها فإنما دعاني إلى التقدمة إليكم علمي بميل كل رجل منكم إلى التقدم قبل صاحبه فلا يكون منكم فيجد في آدابكم مطعناً فإنه ملك مترف وقادر مسلط ثم دعا لهم بما في خزائنه من طرائف حلل الملوك كل رجل منهم حلة وعممه عمامة وختمه بياقوتة وأمر لكل رجل نهم بخيبة مهرية وفرس نجيبة وكتب معهم كتاباً.
(1/141)
________________________________________
أما بعد فإن الملك ألقى إلى من أمر العرب ما قد علم وأجبته بما قد فه مما أحببت أن يكون منه على علم ولا يتلجلج في نفسه أن أمة من الأمم التي احتجزت دونه بمملكتها وحمت ما يليها بفضل قوتها تبلغها من الأمور التي يتعزز بها ذوو الحزم والقوة والتدبير والمكيدة، وقد أوفدت أيها الملك رهطً من العرب لهم فضل في أحسابهم وأنسابهم وعقولهم وآدابهم فليسمع الملك وليغمض عن جفاء أ، ظهر من منطقهم وليكرمنني بإكرامهم وتعجيل سراحهم وقد نسبتهم الملك وليغمض عن جفاء أن ظهر من منطقهم وليكرمني بإكرامهم وتعجيل سراحهم وقد نسبتهم في أسفل كتابي هذا إلى عشائرهم فخرج القوم في أهبتهم حتى وقفوا بباب كسرى بالمدائن فدفعوا إليه كتاب النعمان فرآه وأمر بإنزالهم إلى أن يجلس لهم مجلساً يسمع منهم فلما أن كان بعد ذلك بأيام أمر مرازبته وجوه أهل مملكته فحضروا وجلسوا على كاسي عن يمينه وشماله ثم دعا بع على الولاء والمراتب التي وصفهم النعمان بها في كتابه وأقام الترجمان ليؤدي إليه كالمهم ثم أذن لهم في الكلام.
فقام أكثم بن صفي فقال إن أفضل الأشياء أعاليها وأعلى الرجال ملوكها وأفضل الملوك أعمها نفعاً وخيرُ الأزمنة أخصبها وأفضل الخطباء أصدقها.
الصدق منجاة والكذب مهواة والشر لجاجة والحزم مركب صعب والعجز مركب وطيء آفة الرأي الهوى والعجز مفتاح الفقر وخير الأمور الصبر حسن الظن ورطة وسوء الظن عصمة، إصلاح فساد الرعية خير من إصلاح فسادر الراعي من فسدت بطانته كان كالغاص بالماء.
شر البلاد بلاد لا أمير بها، شر الملوك من خافه البريء المرء يعجز لا محالة أفضل الأولاد البررة الأعوان من لم يراء بالنصيحة أحق الجنود بالنصر من حسنت سريرته يكفيك من الزاد ما بلغك المحل حسبك من شر سماعه الصمت حكم وقليل فاعله البلاغة الإيجاز من شدد نفر ومن تراخى تألف فتعجب كسرى من أكثم ثم قال ويحك يا أكثم ما أحكمك وأوثق كلامك لولا وضعك كلامك في غير موضعه قال أكثم الصدق
(1/142)
________________________________________
بنبئ عنك لا الوعيد قال كسرى لو لم يكن للعرب غيرك لكفى قال أكثم رب قول أنفذ من صول.
ثم قام حاجب بن زرارة التيمي وقال: ورى زندك وعلت يدك وهيب سلطانك، وإن العرب أمة قد غلظت أكبادها واستحصدت مرتها ومنعت درتها وهي لك وامقة ما تألفتها مسترسلة ما لا ينتها سامعة ما سامحتها وهي العلقم مرارة وهي الصاب غضاضة والعسل حلاوة والماء الزلال سلاسة نحن وفودها إليك وألسنتها لديك ذمتنا محفوظة وأحسابنا ممنوعة وعشائرها فينا سامعة مطيعة إن نؤوب لك حامدين خيراً فلك بذلك عموم محمدتنا وإن نذم لم نخص بالذم دونها، قال كسرى يا حاجب ما أشبه حجر التلال بألوان صخرها قال حاجب بل زئير الأسد بصولتها، قال كسرى وذلك.
(1/143)
________________________________________
ثم قام الحارث البكري فقال: دامت لك المملكة باستكمال جزيل حظها وعلو سنائها، من طال رشاؤه كثر متحه ومن ذهب ماله قل نحه تناقل الأقاويل يعرف اللب وهذا مقام سيوجف بما تنطق به الركب وتعرف به كنه حالنا العجم والعرب ونحن جيرانك الأدنون وأعوانك المعينون خيولنا جمة وجيوشنا فخمة ون استنجدتنا فغير ربض وإن استطرفتنا غير جهض وإن طلبتنا فغير غمض ولا ننثني لذعر ولا نتنكر لدهر رماحنا طوال وأعمارنا قصار وقال كسرى أنفس عزيزة وأمة ضعيفة قال الحارث أيها الملك وأنى يكون لضعيف عزة أو لصغير مرة قال كسرى لو قصر عمرك لن تستول على لسانك نفسك قال الحارث أيها الملك إن الفارس إذا حمل نفسه على الكتيبة مغرراً بنفسه على الموت فهي منية استقبلتها وجنان استدبرها، والعرب تعلم أني أبعث الحرب قدماً وأحبسها وهي تصرف بها حتى إذا جاشت نارها وسعرات لظاها وكشفت عن ساقها جعلت مقادها رمحي وبرقها سيفي ورعدها زئيري ولم أقصر عن خوض خضخاضها حتى انغمس في غمرات لججها وأكون فلكاً لفرساني إلى بحبوحة كبشها فاستمطرها دماً وأترك حماتها جز السباع وكل نسر قشعن ثم قال كسرى لمن حضره من العرب أكذلك هو قالوا فعاله أنطق من لسانه قال كسرى ما رأيت كاليوم وفداً أحشد ولا شهوداً أوفد.
ثم قام عمرو بن الشريد السلمي فقال: أيها الملك نعم بالك ودام في السرور حالك أن عاقبة الكلام متدبرة وأشكال الأمور معتبرة وفي كثير ثقلة وفي قليل بلغة وفي الملوك سورة العز وهذا منطق له ما بعده، شرف فيه شرف وخمل من خمل لم نأتِ لضيمك ولم نفد لسخطك ولم نتعرض1 لرفدك إن في أموالنا منتقداً وعلى عزنا معتمداً إن أورينا اثقبنا وإن أود دهر بنا اعتدلنا إلا أنا م هذا لجوارك حافظون ولمن رامك كافحون حتى يحمد الصدر ويستطاب الخبر قال كسرى ما يقوم قصد منطقك بإفراطك ولا مدحك بذمك قال عمرو كفى بقليل قصدي هاديا وبأيسر إفراطي مخبراً ولم يلم من غربت نفسه ما يعلم ورضى من القصد بنما بلغ
(1/144)
________________________________________
قال كسرى ما كل ما يعرف المرء ينطق، اجلس.
ثم قام خالد بن جعفر الكلابي فقال: أحضر الله الملك إسعادا ورشده إرشاداً إن لكل منطق فرصة ولك حاجة غصة وعي المنطق من عي السكوت وعثار القول أنكأ من عثار الوعث وما فرصة وما فرصة المنطق عندنا إلا بما نهوى وغصة المنطق بما لا نهوى غير مستساغة وتركي ما أعلم من نفسي ويعلم من سمعي أنني له مطيق أحب إلي من تكلفني ما أتخوف ويتخوف مني وقد أوفدنا إليك ملكنا النعمان وهو لك من خير الأعوان ونغم حامل المعروف والإحسان أنفسنا بالطاعة لك باخعة ورقابنا بالنصيحة وأيدينا لك بالوفاء رهينة قال له كسرى نطقت بعقل وسمرت بفضل وعلوت بنبل. ثم قام علقمة بن علاثة العامري فقال: نهجت سبل الرشاد وخضعت لك رقاب العباد إن للأقاويل مناهج وللآراء موالج وللعويص مخارج وخير القول اصدقه وأفضل الطلب أنجح، وإنا وإن كانت المحبة أحضراتنا والوفادة فربتنا فليس من حضرك منا بأفضل من عزب عنك بل لو قست كل رجل منهم وعلمت منهم ما علمنا لوجدت له في آبائه دنيا أنداداً وأكفاء كلهم إلى الفضل منسب وبالشرف والسودد موصوف وبالرأي الفاضل والأدب النافذ معروف يحمي حماه ويروي نداماه ويذود أعداه لا تخمد ناره ولا يحترز منه جاره، أيها الملك، من يبل العرب يعرف فضلهم فاصطنع العرب فإنها الجبال الرواسي عزا والبحور الزواخر طميا والنجوم الزواهر شرفاً والحصى عدداً فإن تعرف لهم فضلهم يعزوك وإن تستصرخهم لا يخذلوك، قال كسرى وخشي أن يأتي منه كلام يحمله على السخط عليه أبلغت وأحسنت.
(1/145)
________________________________________
ثم قام قيس بن مسعود الشيباني فقال: أطاب الله بك المراشد وجنبك المصاب ووقاك مكروه الشصائب ما أحقنا إذا أتيناك ما لا يحنق صرك ولا يزرع لنا حقداً في قلبك لم تقدم أيها الملك لمساماة ولم ننتسب لمعاداة ولكن لتعلن أنت ورعيتك ومن حضرك من وفود الأمم أما في المنطق غير محجمين وفي الناس غير مقرصين وإن جورينا فغير مسبوقين وإن سومينا فغير مغلوبين قال كسرى غير أنكم إذا عاهدتم غير وافين وهو يعرض به في تركه الوفاء بضمانه السواد: قال قيس أيها الملك ما كنت في ذلك إلا كوافٍ غدر به أو كخافر خفر بذمته قال كسرى ما يكون لضعيف ضمان ولا لذليل خفارة قال قيس أيها الملك م أنا فيما أخفر من ذمتي أحق بإلزامي العار منك فيما قتل من رعيتك وانتهك من حرمتك قال كسرى ذلك لأن من ائتمن الخانة واستنجد الأئمة ناله من الخطأ ما نالني وليس كل الناس سواء، كيف رأيت حاجب بن زرارة لم يحكم قواه فيبرم ويعهد فيوفي ويعد فينجز، قال وما أحقه بلك وما رأيته إلا لي قال كسرى القوم بزل فأفضلها أشدها.
ثم قام عامر بن الطفيل العامري فقال: كثر فنون المنطق وليس القول أعمى من حندس الظلماء وإنما الفخر في الفعال والعجز في النجدة: والسؤدد مطاوعة القدة وما أعلمك بقدرنا وأبصرك بفضلنا وبالحرا إن أدلت الأيام وثابت الأحلام أن تحدث لنا أمور لها أعلام، قال كسرى وما تلك الأعلام قال مجتمع الأحياء من ربيعة ومضر على أمر يذكر قال كسرى وما الأمر الذي يذكر قال عامر مالي علم أكثر مما خبرني به خبر قال كسرى متى تكاهنت يا ابن الطفيل قال لسن بكاهن ولكني بالرمح طاعن قال كسرى فإن أتاك آت من جهة عينك العوراء ما أنت صانع قال ما هيبتي في قفاي بدون هيبتي في وجهي وما أذهب عيني عيث ولكن مطاوعة العبث.
ثم قامر عمرو بن معد يكرب الزبيدي: فقال: إنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه فبلاغ المنطق الصواب وملاك النجدة الارتياد وعفو الرأي خيرٌ من استكراه الفكرة وتوقيف الخبرة خيرٌ من
(1/146)
________________________________________
اعتساف الحيرة فاحتبذ طاعتنا بلفظ واكتظم بإدراتنا وألن كتفك يسلس لك قيادتا فإنا أناس لم يوقس صفاتنا قراع ناقير من أراد قضماً ولكن منعاً ن كل من رام لناهضما.
ثم قام الحارث بن ظالم المري فقال: إن من آفة المنطق الكذب ومن لؤم الأخلاق الملق ومن خطل الرأي خفة الملك المسلط فإن أعلمناك أن مواجهتنا لك عن الائتلاف وانقيادنا لك عن تصاف ما أنت لقبول ذلك منا ولا للاعتماد عليه بحقيق ولمن الوفاء بالعهود وإحكام ولث لعقود والأمر بينا وبينك معتدل وما لم يأتمن قبلك ميل أو زلل، قال كسرى من أنت قال الحارث بن ظالم قال إن في أسماء آبائك لدليلا على قلة وفائك وأن تكون أولى بالغدر وأقرب من الوزر قال الحارث إن في الحق مغضبة والسر التغافل ولن يستوجب أحد الحلم إلا مع القدرة فلتشبه أفعالك مجلسك قال كسرى هذا فتى القوم، ثم قال كسرى قد فهمت ما نطقت به أخطاؤكم وتفنن فيه متكلموكم ولولا أني أعلم أن الأدب لم يثقف أودكم ولم بحكم أمركم وأنه ليس لكم ملك يجمعكم فتنطقون عنده منطق الرعية الخاضعة الباخعة فنطقتم بما استولى على ألسنتكم وغلب على طباعكم لم أجز لكم كثيراً مما تكلمنم به وإني لأكره أن أجبه وفودي أو أحنق صدورهم والذي أحب من إصلاح مدبركم وتألف شواذكم والإعذار إلى الله فيما يني وبينكم وقد قبلت ما كان في منطقكم من صواب وصفحت عما كان في من خلل فانصرفوا إلى ملككم فاحسنوا موازرته والتزموا طاعته واردعوا سفهاءكم وقيموا أودهم وأحسنوا أدبهم فإن في ذلك صلاح العامة.
روي عن الكلبي أنه قال كان كسرى يحفل بالعرب ويستأنس بمشاهدهم ويرغب في سماع محادثاتهم ومفاخراتهم ومنافراتهم ولم يدخر وسعاً إلا بذله للحصول على ذلك (وممات اتفق له) أن النعمان بن المنذر كان بمجلسه يوماً فقال له هل في العرب من قبلية تشرف على قبيلة، قال نعم، قال فبأي شيء قال من كانت له ثلاث آباء متوالية رؤساء واتصل ذلك بمزية فبيته أشرف بيت وليه تنسب القبيلة وه
(1/147)
________________________________________
تعلو تعلى غيرها، قال أحضر من هذه صفتهم فطلبهم النعمان فلو يصبهم إلا في الحذيفة بن بدر وآل ذي الجدين وآل الأشعث بن قيس بن كندة فأحضرهم في جملة من عشائرهم، فعقد لهم كسرى مجلساً عاماً حضره لحكام والعدول والأعيان، ثم قال ليتكلم كل منكم بمآثر قومه وليصدق.
فانتصب حذيفة بن در قائماً وكان ألسن القوم فقال: قد علمت العرب أن فينا الشرف الأقدم والفخر الأعظم، لقيل له لم ذاك يا أخا فزارة قال ألسنا الدعائم التي لا تنرام والعز الذي لا يضام، فقيل له صدقت.
ثم قام شاعرهم فقال:
فزارةُ بيتُ العزّ والعز فيهمِ

فزةارةُ بدرِ حسبُ بدر نضالها

لها العزةُ القعساء والحسبُ الذي

بناه لبدرٍ في القيم رجالها

فهيهات قد أعيا القرون التي مضت

مآثر بدرٍ مجدها وفعالها

وهل أحدٌ إن مدّ يوماً بكفه

إلى الشمس في مجرى النجوم ينالها
فإن يصلحوا يصلح لذاك جميعنا

وإن يفسدوا يفسد على الناس حالها

ثم قام الأشعث بن قيس فقال: لقد علمت العرب أن نقاتل عديدها الأكثر ونقهر جمعها الكبر وأنا غياث اللزبات وبناة المكرمات، فقيل له لم يا أخا كندة، قال لأنا ورثنا ملك كندة فاستظللنا بأفيائه وتقلدنا منكبه الأعظم وتوسطنا بحبوحه الأكرم، ثم قام شاعرهم فقال:
إذا قستَ أبياتَ الرجال بيتنا

وجدت لهُ فضلاً على من يفاخرُ
فمن قال كلاّ أو أتانا بخطّةٍ

ينافرنا يوماً فنحن نخاطرُ

تعالوا فغدوا يعلم الناس أيُّنا

له الفضل فيما أورثته الأكابر

ثم قام بسطام لابن قيس فقال: قد علمت العرب أنّا بناة بيتها الذي لا يزول ومغرس عزها الذي لا يحول، فقيل له ولم يا أخا شيبان، قال لأنا أدرهم للثأر وأضربهم لملك الجبار وأقوالهم للحق وألدهم للخصم.
ثم قام شاعرهم فقال:
لعمري بسطامٌ أحقُّ بفضلها

وأوّلُ بينت العزّ عزُّ القبائل

فسائل أبيتَ اللّعن عن عزّ قومها
(1/148)
________________________________________
إذا جدّ يوم الفخر كلُّ مناضل

فيخبرك الأقوام عنها فإنها

وقائع جدّ لا ملاعب هازل

ألسنا أعزّ الناس قوماً وأسرةً

وأضربهم للكبش يوم التخاذل

وقائع عزّ كلها ربعية

تذل لهم فيها رقابُ المحافل

إذا ذكرتم ينكر الناس فلها

وعاذ بها من شرها كل قائل

وإنا ملوك الناس في كلّ بلدة

إذا نزلت بالناس إحدى النوازل
ثم قام حاجب بن زرارة التيمي فقال: قد علمت العرب أن فرع دعامتها وقادة زحفها.
فقيل له لم ذلك يا أخا بني تميم. قال لأنّا أكثر عديداً وأنجبهم طريداً وليدا وأعطاهم للجزيل وأحملهم للثقيل.
ثم قام شاعرهم فقال:
لقد علمت أبناء خندفَ أنّنا

لنا العزُّ قدماً في الخطوب الأوائل
وأنّا كرام أهلُ مجد وثروةٍ

وعزّ قديم ليس بالمتضائل

فكم فيهم من سيّد وابن سيّد

أغر نجيب ذي فعال ونائل

فسائل أبيت اللعن عنا فإنّنا

دعائم هذا الناس عند الجلائل

ثم قام قيس بن عاصم السعدي فقال: لقد علم هؤلاء أنا أرفعهم في المكرمات وأثبتهم في النائبات، فقيل له لم ذاك يا أخا بني سعد، قال لأنا أدركهم للثأر وأمنعهم للجار لا نتكل إذا حملنا ولا نرام إذا حللنا.
ثم قام شاعرهم فقال:
لقد علمت قيسٌ وخندف أنّنا

وجلُّ تميم والجموعُ التي ترى

بأنّا ليوثُ البأس في كلّ مأزقٍ

إذا جزّ بالبيض الجماجم والطلى

وأنا إذا داعٍ دعانا لنجدةٍ

أجبنا سراعاً في العلائم من دعا

فهيهات قد أعيا الجميع فعالهم

وفاتوا بيوم الفخر مسعاة من سعى
فقال كسرى حينئذٍ ليس منهم إلا سيد يصلح لموضعه.
وأعظم صلاتهم أجمعين وردهم إلى أقوام معظمين.
??"مناظرات المهدي لأهل بيته ومشاروته لهم في حر خراسان"
(1/149)
________________________________________
هذا ما ترجع فيه المهدي ووزراءه وما دار بينهم من تجبير الرأي في حرب خراسان أيان تحاملت عليهم العمال وأعنفت فحملتهم الدالة وما تقدم لهم من المكانة على أن نكثوا ببعتهم ونقضوا موثقهم وطردوا العمال والتووا بما عليهم الخراج وحمل المهدي مات يجب من مصلحتهم ويكره من عينهم على أن أقال عثرتهم اغتفر زلتهم واحتمل دالتهم تطولاً بالفضل واتساعاً بالعفو وأخذاً بالحجة ورفاً بالسياسة ولذلك لم يزل مذ حمله الله أعباء الخلافة وقلده أمور الرعية رفيقاً بمدار سلطانه وبصيراً بأهل زمانه باسطاً للمعدلة ف رعيته تسكن إلى كنفه وتأنس بعفوه وتثق بحلمه فإذا وقعت الأقضية اللازم والحقوق الواجبة فليس عنده هوادة ولا إغضاء ولا مداهنة أثرة للحق وقياماً بالعدل وأخذاً بالحزم فدعا أهل خراسان الاغترار بحمله والثقة بعفوه وأن كسروا الخراج وطردوا العمال وسألوا ما ليس لهم من الحق ثم خلطوا احتجاجاً باعتذار وخصومة بإقرار وتنصلا باعتلال، فلما انتهى ذلك إلى المهدي خرج إلى مجلس خائه وبعث إلى نفر من لحمته ووزرائه فأعلمهم الحال واستفهم للرعية ثم أمر الموالي بالابتداء وقل للعباس بن محمد "أي عم" تعقب قولنا وكن حكماً بينا وأرسل ولديه موسى وهارون فأحضرهما الأمر وشاركهما في الرأي وأمر محمد بن الليث بحظ مراجعتهم وإثبات مقالتهم في كتاب.
فقال سلام صاحب المظالم: أيها المهدي إن في كل أمر غاية ولكل قوم صناعة استفرغت رأيهم واستغرقت أشغالهم واستنفدت أعمارهم وذهبوا بها وذهبت بهم وعرفوا بهم ولهذه الأمور التي جعلتنا فيها غاية وطلبت معونتنا عليها أقوام من أبناء الحرب وساسة الأمور وقادة الجنود وفرسان الهزاهز وإخوان التجارب وأبطال الوقائع الذين رشحهم سجالها وفياتهم ظلالها وعضتهم شدائدها وفرمتهم نواجذها فلو عجمت ما قبلهم وكشفت ما عندهم لوحدت نظائر تؤيد أمرك وتجارب توافق نظرك وأحاديث تقوي قلبك فأما نحن معاشر عمالك وأصحاب دواوينك فحسنٌ بنا، وكثيرٌ
(1/150)
________________________________________
منا أن نقوم بثقل ما حملتنا من عملك واستودعتنا من أمانتك وشغلتنا من إمضاء عدك وإنفاذ حكمك إظهار حقك.
فأجابه المهدي إن في كل قوم حكمة ولك زمان سياسة وفي كل حال تدبيراً يبطل ألآخر الأول ونحن أعلم بزماننا وتدبير سلطاننا.
قال نعم أيها المهدي أنت متبع الرأي وثيق العقدة قوي المنة بليغ الفطنة معصوم النية محضور الروية مؤيد البديهة موفق العزيمة معان بالظفر مهدي إلى الخير، إن هممت في عزمك مواقع الظن وإن اجتمعت صدع فعلك ملتبس الشك فاعزم يهد الله إلى الصواب قلبك وقل ينطق الله بالحق لسانك فإن جنوك جمة وخزائنك عامرة ونفسك سخية وأمرك نافذ.
فأجابه المهدي أن المشاورة والمناظرة بلا رحمة ومفتاحاً بركة لا يهلك عليهما رأي ولا يتغيل معها حزم فأشيروا برأيكم وقولوا بما بحضوركم فأثنى من ورائكم وتوفيق الله من وراء ذلك.
(1/151)
________________________________________
قال الربيع: أيها المهدي إن تصاريف وجوه الرأي كثيرة وإن الإشارة ببعض معاريض القول يسيرة ولكن خراسان أرض بعيدة المسافة متراخية الشقة متفاوتة السبيل فإذا ارتأيت من محكم لتدبير ومبرم التقدير ولباب الأصول رأياً قد أحكمه نظرك وقلبه تدبيرك فليس وراءه ومذهب طاعن ولا دونه معلق لخصومه عائب ثم أجبت البرد به وانطوت الرسل عليه بالحري أن لا يصل إليهم محكمه إلا وقد حدث منهم ما ينقضه فما أيسر أن ترجع إليك الرسل وترد عليك الكتب بحقائق أخبارهم وشوارد آثارهم ومصادر أمورهم فتحدث رأياً غيره وتبتدع تدبيراً سواه وقد انفرجت الحلق وتحللن العقد واسترخى الحقاب وامتد الزمان ثم لعلمك موقع الآخرة كمصدر الأولى ولكن الرأي لك أيها المهدي وفقك الله أن تصرف إجالة النظر وتقليب الفكر فبما جمعتنا له واستشرتنا فيه من تدبير لحربهم والحيل في أمرهم إلى الطلب لرجل ذي دين فاضل وعقل كامل وورع واسع وليس موصوفاً بهوى في سواك ولا متهماً في أثرة عليك ولا ظنيناً على دخلة مكروهة ولا منسوباً إلى بدعة محذورة فيقدح في ملكك ويريض الأمور لغيرك ثم تستند إليه أمورهم وتفوض غليه حربهم وتأمره في عهدك ووصيتك إياه بلزوم أمرك ما لزمه الحزم وخلاف نهيك إذا خالفه الرأي عند استحالة الأمور واشتداد الأحوال التي ينقض أمر الغائب عنها ويثبت رأي الشاهد لها فإنه إذا فعل ذلك فواثب أمرهم من قريب وسقط عنه ما أتي من بعيد تمت الحيلة وقويت المكيدة ونفذ العمل وأحد النظر إن شاء الله.
قال الفضل بن العباس: أيها المهدي إن ولي الأمور سائس الحروي ربما حي جنوده وفرق أمواله في غير ما ضيق أمر حزبه لا ضغطه حال اضطرته فيقعد عند الحاجة إليها وبعد التفرقة لها عديمها منها فاقداً لها ولا يثق ولا يصول بعدة ولا يفزع إلى ثقة فالرأي لك أيها المهدي وفقك الله أن تعفي خزائنك من الإجابة إلى ما يطلبون والعطاء لما يسألون فيفسد عليك أدبهم وتجريء من رعيتك غيرهم ولكن أغرهم بالحيلة
(1/152)
________________________________________
وقاتلهم بالمكيدة وصارعهم باللين خاتلهم بالرفق وأبرق لهم بالقول أرعد نحوهم بالفعل وأبعث البعوث وجند الجنود وكتب الكتائب واعقد الألوية وانصب الرايات وأظهر إنك موجه إليهم الجيوش مع أخنق قوادك عليهم وأسوئهم أثراً فيهم ثم ادسس الرسل وأثبت الكتب وضع بعضهم على طمع من وعدك وبعضاً على خوف من عيدك وأوقد بذلك وأشباهه نيران التحاسد فيهم واغرس أشجار التنافس بينهم حتى تملأ القلوب نمن الوحشة وتنطوي الصدور على البغضة ويدخل كلاً من كل الحذر والهيبة فإن مرام الظفر بالعيلة والقتال بالحيلة والمناصبة والكتب والمكايدة بالرسل والمقارعة بالكلام اللطيف المدخل في القلوب القوي الموقع من النفوس المعقود بالحجج الموصول بالحل المبني على اللين الذي يستميل القلوب ويسرق العقول والآراء ويستميل الأهولاء ةويستجعي المواتاة انفذ من القتال بظبات السيوف وأسنة الرماح كما أن الوالي الذي يستنزل طاعة رعيته بالحيل ويفرق كلمة عدوه بالمكايدة أحكم عملاً وألطف منظراً وأحسن سياسة من الذي لا ينال ذلك إلا بالقتال ولإتلاف للأموال والتغرير والخطار وليعلم المهدي إنه إن وجه لقتالهم رجلاً لم ير لقتالهم إلا بجنود كثيفة تخرج عن حال شديدة وتقدم على أسفار ضيقة وأموال متفرقة وقواد غششة إن ائتمنهم استنفدوا ماله وإن استنصحهم كانوا عليه لا له.
(1/153)
________________________________________
قال المهدي هذا رأي قد أسفر نوره وأبرق ضوءه وتمثل صوابه للعيون ومجد حقه في القلوب ولكن (وَفَوْقَ كُلّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) [يوسف:76] ثم نظر ابنه علي فال ما تقول قال علي: أيها المهدي إن أهل خراسان لم يخلعوا عن طاعتك ولم ينصبوا من دونك أحداً يقدح في تغيير ملكك ويريض الأمور لفساد دولتك ولو فعلوا لكان الخطب أيسر والشأن أصغر والحال أدل لأن الله مع حقه الذي لا يخذله وعند موعده الذي لا يخلفه ولكنهم قوم من رعيتك وطائفة من شيعتك الذي جعلك الله عليهم والياً وجعل العدل بينك وبينهم حاكماً طلبوا حقاً وسألوا إنصافاً فإن أجبت إلى دعوتهم ونفست عنهم قبل أن يتلاحم منهم حال أو يحدث من عندهم فتق أطعت أمر الرب واطفأت ثائرة الحرب ووفرت خزائن المال وطرحت تغرير القتال وحمل الناس محمل ذلك على طبيعة وسجية حلمك وأشجاع خليفتك ومعدلة نظرك فأمنت أن تنسب إلى ضعف وأن يكون فيما بقي دربة وإن منعتم ما طلبوا ولم تجبهم إلى ما سألوا اعتدلت بك وبهم الحال وساويتهم في ميدان الخطاب فما أرب المهدي أن يعمد إلى طائفة من رعيته مقرين بمملكته مذعنين بطاعته لا يخرجون أنفسهم عن قدرته ولا يبرؤنها من عبوديته فيملكهم أنافسهم ويخلع نفسه عنهم ويقف على الحيل معهم ثم يجازيهم السوء في حد المنازعة ومضمار المخاطرة أيريد المهدي وفقه الله الأموال فلعمري لا ينالها ولا يظفرها إلا بإنفاق أكثر منها مما يطلب منهم وأضعاف ما يدعي قبلهم ولو نالها فحملت إليه أو وضعت بخرائطها بين يديه ثم تجافى لهم عنها وطال عليهم لها لكان مما إليه ينسب وبه يعرف من الجود الذي طبه الله عليه وجعل قرة عينه ونهمة نفسه فيه فإن قال المهدي هذا رأيٌ مستقيم سديد في أهل الخراج الذين شكوا ظلم عمالنا وتحامل ولاتنا فأما الجنود الذين نقضوا مواثيق العهود انطقوا لسان الإرجاف وفتحوا باب المعصية وكسروا قيد الفتنة فقد ينبغي لهم أن أجعلهم نكالاً لغيرهم وعظة لسواهم فيعلم المهدي أنه
(1/154)
________________________________________
لو أتى بهم مغلولين في الحديد مقرنين في الأصفاد ثم اتسع لحقن دمائهم عفوه والإقالة عثرتهم صفحة واستبقاهم لما هم فيه من حزبه أو من بإزائهم من عدوه لما كمان بدعاً من رأيه ولا مستنكراً من نظره لقد علمت العرب أنه أعظم الخلفاء والملوك عفواً وأشدها وقعاً وأصدقها أصوله وأنه لا يتعاظمه عفو ولا يتكادءه صفح وإن عظم الذنب وجل الخطب فالرأي للمهدي وفقه الله تعالى أن يحل عقدة الغيظ بالرجاء لحسن ثواب الله في العو عنهم وأن يذطر أولى حالاتهم وضيعة عيالاتهم برأيهم وتسعاً لهم فإنهم إخوان دولته وأركان دعوته وأساس حقه الذين بعوزتهم يصول وبحجتهم يقول وإنما مثلهم فيما دخلوا من مساخطه وتعرضوا له من معاصيه وانطووا فيه عن إجابته ومثله في قلة ما غير ذلك من رأيه فيهم أو نقل حاله لهم أو تغير من نعمته بهم كمثل رجلين أخوين متناصرين متوازرين أصاب أحدهما خبلٌ ولهوٌ حادث فنهض إلى أخيه بالأذى وتحامل عليه بالمكروه فلم يزدد أخوه إلا رقة ولطفاً به واحتيالاً لمداواة مرضه ومراجعة حاله عطفاً عليه وبراً به ومرحمة له.
فقال المهدي أما علي فقد كوى سمت اللبان وفض القلوب في أهل خراسان (لّكُلّ نَبَإٍ مّسْتَقَرّ )، [الأنعام: 67] فقال ما ترى يا أبا محمد يعنى موسى ابنه.
فقال موسى:
(1/155)
________________________________________
أيها المهدي لا تسمكن إلى حلاوة ما يجري من القول على ألسنتهم وأنت ترى الدماء تسيل من خلال فعلهم الحال من القوم ينادي بمضمرة شر وخفية حقد قد جعلوا المعاذير عليها ستراً اتخذوا العلل من دونها حجاباً رجاء أن يدافعوا الأيام بالتأخر والأمور بالتطويل فيكسروا حيل المهدي فيهم ويفنوا جنوده عنهم حتى يتلاحم أمرهم وتتلاحق مادتهم وتستفحل حربهم وتستمر الأمور بهم والمهدي من قولهم في حال غرة ولباس آمنة قد فتر لها وأنس بها وسكن غليها ولولا ما اجتمعت به قلوبهم وبردت عليه جلودهم من المناصبة بالقتال والإضمار للقراع عن داعية ضلال أو شيطان فساد لرهبوا عواقب أخبار الولاء وغب سكون الأمور فليشدد المهدي وفقه الله أزره لهم ويكتب كتائبه نحوهم وليضع الأمر على أشج ما يحضره فيهم وليوقن أنه لا يعطيهم خطة يريد بها صلاحهم إلا كانت دربة إلى فسادهم وقوة الذين أقرهم وتلك العادة وأجراهم على ذلك الأرب ولم يبرح في فتق حادث وخلاف حاضر ولا يصلح عليه دين ولا ستقيم به دنيا وإن طلب تغييره بعد استحكام العادة واستمرار الدربة لم يصل إلى ذلك إلا بالعقوبة المفرطة والمؤونة الشديدة والرأي للمهدي وفقه الله أن لا يقيل عثرتهم ولا يقبل معذرتهم حتى تطأهم الجيوش وتأخذهم السيول ويستحر بهم القتل ويحدق بهم البلاء ويطبق عليهم الذل فإن فعل المهدي ذلك كان مقطعة لكل عادة سوء فيهم وهزيمة لكل بادرة شرفيهم واحتمال المهدي في مؤونة غزوتهم هذه تضع عنه غزوات كثيرة ونفقات عظيمة.
قال المهدي قد قال القوم فاحكم يا أبا الفضل.
فقال العباس بن محمد: أيها المهدي أما (الموالي9 فأخذوا بفروع الرأي وسلكوا جنبات الصواب وتعدوا أموراً قصر بنظرهم عنها وأه لم يأت تجاربهم عليها وأما (الفضل) فأشار بالأموال أن لا تنفق والجنود أن لا تفرق وبأن لا يعطي القوم ما طلبوا ولا يبذل لهم ما سألوا وجاء بأمر بين ذلك استصغاراً لأمرهم واستهانة بحربهم وإنما يهيج جسيمات الأمور
(1/156)
________________________________________
صغارها وأما (علي) فأشار باللين وإفراط الرفق وإذا جرد الوالي لمن غمط أمره وسفه حقه اللين بحتاً والخير محضاً لم يخلطهما بشدة تعطف القلوب عن لينة ولا بشر يحسبهم إلى خيره فقد ملكهم الخلع لعذرهم ووسع لهم الفرجة لثني أعناقهم فإن أجابوا دعوته وقبلوا لينه من غير خوف اضطرهم ولا شدة فنزوة في رؤوسهم يستدعون بها البلاء إلى أنفسهم ويستصرخون بها رأي المهدي فيهم وإن لم يقبلوا دعوته يسرعوا لإجابته باللين المحض والي الصراح فذلك ما عليه الظن بهم والرأي فيهم وما قد يشبه أن يكون من مثلهم لأن الله تعالى خلق الجنة وجعل فيها من النعيم المقيم والملك الكبير مال لا يخطر على قلب بشر ولا تدركه الفكر ولا تعلمه نفس ثم دعا الناس إليها ورغبهم فيها فلولا أنه خلق ناراً جعلها لم رحمة يسوقهم بها إلى الجنة لما أجابوا ولا قبلوا وأما (موسى) فأشار بأن يعصبوا بشدة لا لين فيها وأن يرموا بشر ولا خير معه وإذا أضمر الوالي لمن فارق طاعته وخالف جماعته الخوف مفاداً والشر مجرداً ليسعهما طمع ولا لين بثنيتهم اشتت الأمور بهم وانقطعت الحال منهم إلى أحد أمرين إما أن تدخلهم الحمية من الشدة والأنفة من الذلة والامتعاض من القهر فيدعوهم ذلك إلى التمادي في الخلاف والاستبسال في القتال والاستسلام للموت وإما أن ينقادوا بالكره ويذعنوا بالقهر على بغضة لازمة وعداوة باقية تورث النفاق وتعب الشقاق فإذا أمكنتهم فرصة أو ثابت لهم قدرة أو قويت لهم حال عاد أمرهم إلى اصعب وأغلظ وأشده مما كان.
وقاتل في قول الفضل: أيها المهدي أكفى دليل أوضح برهان وأبين خبر بأن فد أجمع رأيه وحزم نظره على الإرشاد ببعثة الجيوش إليهم وتوجيه البعوث نحوم مع إعطائهم ما سألوا من الحق وإجابتهم إلى ما سألوه من العدل.
قال المهدي ذلك رأي.
قال هارون ما خلطت الشدة أيها المهدي باللين فصارت الشدة أمر فطام لما تكره وعاد اللين أهدى قائد إلى ما تحب ولكن أرى غير ذلك.
قال المهدي لد قلت
(1/157)
________________________________________
قولاً بديعاً وخالفت فيه أهل بيتك جميعاً والمرء مؤتمن بما قال وظنين بما ادعى حتى يأتي بينة عادلة وحجة ظاهرة فاخرج عما قلت.
أيها المهدي إن الحرب خدع والأعاجم قوم مكرة وربما اعتدلت الحال بهم واتفقت الأهواء منهم فكان باطن ما يسرون على ظاهر ما يعلنون وربما اقترفت الحالان وخالف القلب اللسان فانطوى القلب على محجوبه تبطن واستسر بمدخوله لا تعلن والطبيب الرفيق بطبه البصير بأمره العالم بمقدم يده وموضع مسيمه لا يتعجل بالدواء حتى يقع على معرفة الداء فالرأي للمهدي وفقه الله أن يفر باطن أمرهم فر المسنة ويمخض ظاهر حالهم مخض السقاء متابعة الكتابة ومظاهرة الرسل وموالاة العيون حتى تهتك جب عيونهم وتكشف أغطية أمورهم فإن انفرجت الحال وأفضت الأمور به إلى تغيير حال أو داعية ضلال اشتملت الأهواء عليه وانقاد الرجال إليه وامتدت الأعناق نحو يدين يعتقدونه وأثم يستحلونه عصبهم بشد لا لين فيها ورماهم بعقوبة لا عفو معها وإن انفرجت العيون واهتصرت الستور ورفعت الحجب والحال فيهم مريعة والأمور بهم معتدلة في مناصحتهم فالرأي للمهدي وفقه الله أن يتسع لهم بما طالبوا ويتجافى لهم عما كرهوا ويشعب من أمهم ما صدعوا من فتقهم ما قطعوا ويولي عليهم من أحبوا ويداوي بذلك مرض قلوبهم وفساد أمورهم فإنما المهدي وأمته وسواد أهله مملكته بمنزلة الطبيب الرفيق والوالد الشفيق والراعي المجر الذي يختال لمرابض غنمه وضوال رعيته حتى يبرئ المريضة من داء علتها ويرد الصحيحة إلى انس جماعتها، ثم إن خراسان بخاصة الذين لهم دالة محمولة وماتة مقبولة ووسيلة معروفة وحقوق واجبة لأنهم أيدي دولته وسيوف دعوته وأنصار حقه وأعوان عدله فليس من شأن المهدي الاضطعان عليهم ولا المؤاخذة لهم ولا التوغير بهم ولا المكافأة بإساءتهم لأن مبادرة حسم الأمور ضعيفة قبل أن تقوى ومحاولة قطع الأصول ضئيلة قبل أن تغلط أحزم في الرأي وأصح في التدبير من التأخير لها والهاون بها حتى
(1/158)
________________________________________
يلتئم قليلها بكثيرها وتجتمع أطرافها إلى جمهورها.
قال المهدي ما زال هارون يقع وقع الحيا حتى خرج خروج القدح من الماء وانسل انسلال السيف فيما ادعى فدعوا ما سبق موسى فيه فإنه هو الرأي وثنى بعد هارون ولكن من لأعنة الخيل وسياسة الحر وقادة الناس إن أمعن بهم اللجاج وأفرطت بهم الدالة.
قال صالح: لسنا نبلغ أيها المهدي بدوم البحث وطول الفكر أدنى فراسة رأيك وبعض لحظات نظرك وليس ينقض عنك من بيوتات العرب ورجال العجم ذو دين فاضل ورأي كامل وتدبير قوي تقلده حربك وتستودعه جندك ممن يحتمل الأمانة العظيمة ويضطلع بالأعباء الثقيلة وأنت بحمد الله ميمون النقيبة مبارك العزيمة مخبور التجارب محمود العواقب معصوم العزم فليس يقع اختيارك وزلا يقع نظرك على أحد توليه أمرك وتسند إليه ثغرك إلا أراك لله ما تحب وجمع لك منه ما تريد.
قال المهدي إني لأرجو ذلك لقديم عادة الله فيه وحسن معونته عليه ولكني أحب الموافقة على الرأي والاعتبار للمشاورة فالأمر المهم.
قال محمد بن الليث:
(1/159)
________________________________________
أهل خراسان أيها المهدي قوم ذوو عزة ومنعة وشياطين خدعة زروع الحمية فهم نابتة وملابس الأنفة عليهم ظاهرة فالروية عنهم عازية والعجلة عنهم حاضرة تسبق سيولهم مطرهم وسيوفهم عذلهم لأنهم بين صفة لا يعدو مبلغ عقولهم منظر عيونهم وبين رؤساء لا يلجمون إلا بشدة ولا يفطمون إلا بالمر وإن ولي المهدي عليهم وضيعاً لم تنقد له العظماء وإن ولي أمرهم شريفاً تحمل عليه الضعفاء وإةن أخر المهدي أمرهم ودافع حربهم حتى يصيب لنفسه من حشمه ومواليه وأو بني عمه أو بني أبيه ناصحاً يتفق عليه أمرهم وثقة تجتمع له أملاؤهم بلا أنفة تلزمهم ولا حمية تدخلهم ولا مصيبة تنفرهم تنفست اليان بهم وتراخت الحال بأمرهم فدخل بذلك من الفساد الكبير والضياع لعظيم ما لا يتلافاه صاحب هذه الصفة وإن جد ولا يستصلحه وإن جهد إلا بعد دهر طويل وشر كبير وليس المهدي وفقه الله فاطماً عاداتهم ولا قارعاً صفاتهم ويمثل أحد رجلين لا ثالث لهما ولا عدل في ذلك بهما: أحدهما لسان ناطق موصول بمسمعك ويد ممثلة لعينك وصخرة لا تزعزع وبهمة لا تثنى وبازل لا يفزعه صوت الجلجل نقي العرض نزيه النفس جليل والخطر قد اتضعت الدنيا عن قدره وسما نحو الآخرة بهمته فجع الغرض الأقصى لعينه نصبا والغرض الأدنى لقدمه موطئاً فليس يقبل عملاً ولا يتعدى أملاً وهو رأس مواليك وأنصح بني أبيك رجل قد غذي بلطيف كرامتك ونبت في ظل دولتك ونشأ على قوائم أدبك فإن قلدته أمرهم وحملته ثقلهم وأسندت إليه ثغرهم كان قفلاً فتحه أمرك وباباً أغلقه نهيك فجعل العدل عليه وعليهم أميراً والإنصاف بينه وبينهم حاكماً وإذا حكم المنصفة وسلك المعدلة فأعطاهم ما لهم وأخذ منهم ما عليهم غرس في الذي لك بين صدورهم وأسكن لك في السويداء داخل قلوبهم طاعة راسخة العروق باسقة الفروع متماثلة فيحول شيء عوامهم متمكنة من قلوب من غيضك أو نبعة من أورمتك فتي السن كهل الحلم راجح العقل محمود الصرامة مأمون الخلاف يجرد فيهم سيفه
(1/160)
________________________________________
ويبسط عليهم خيره بقدر ما يستحقون وعلى حسب ما يستوجبون وهو فلان أيها المهدي: فسلطة أعزك الله عليهم ووجهه بالجيوش إليهم ولا تمنعك ضراعة سنة وحداثة مولده فإن الحلم والثقة مع الحداثة خير من لشك والجهل مه الكهولة وإنما أحداثكم أهل البيت فيما طبعكم الله عليه واختصكم به من مكارم الأخلاق لأخذ الصيد بلا تدريب والعارفة لوجوه النفع بلا تأديب فالحلم والعلم والعزم والحزم والجود والتؤدة والرفق ثابت في صدوركم مزروع في قلوبكم مستحكم لكم متكامل عندكم بطبائع لازمة وغرائز ثابتة. قال معاوية بن عبد الله: فتاء أهل بيتك المهدي في الحلم على ما ذكر وأهل خراسان في حال عز على ما وصف: ولكن إن ولى المهدي عليهم رجلاً ليس بقديم الذكر في الجنود ولا نبيه الصوت في لحروب ولا بطويل التجربة للأمور ولا بمعروف السياسة للجيوش والهيبة في الأعداء داخل ذلك أمران عظيمان وخطران مهولان أحدهما أن الأعداء يغتمرونها منه ويحتقرونها فيه ويجترئون بها عليه في النهوض به والمقارعة له والخلاف عليه قبل الاختبار لأمره والتكشف لحاله والعلم بطباعه ولأمر الآخر أن الجنود التي يقود والجيوش التي يسوس إذا لم يختبروا منه البأس والنجدة وبم يعرفوه بالصيت والهيبة انكسرت شجاعتهم وماتت نجدتهم واستأخرت طاعتهم إلى حين اختيارهم ووقوع معرفتهم وبنا وقع البوار قبل الاختيار، وبباب المهدي وفه الله رجل مهيب نبيه حنيك صيت له نسب زاك وصوت عال قد قاد الجيوش وساد الحروب وتآلف أهل خراسان واجتمعوا عليه بالمقة ووثقوا به كل الثقة فلولا ولاه المهدي أمرهم لكفاه شرهم قال المهدي جانبت قصد الرمية وأبيت إلا عصبية إذا رأى الحدث من أهل بيتنا كرأي عشرة حلفاء من غيرنا ولمتن أين تركتم ولي العهد.
(1/161)
________________________________________
قالوا: لم يمنعنا من ذكره إلا كونه شبيه جده ونسيج وده ومن الدين وأهله بحي يقصر القول عن أدنى فضله وكن وجدنا الله عز وجل حجب عن خلقه وستر دون عباده علم ما تختلف به الأيام ومعرفة ما تجري عليه المقادير من حوادث الأمور و ريب المنون المخترمة لخوالي القرون ومواضي الملوك فكرهنا شسوعه ن محله الملك ودار السلطان ومقر الإمامة والولاية وموضع المدائن والخزائن ومستقر الجنود ومعدن الجود ومجمع الأموال التي جعلها الله قطباً لدار الملك ومصيدة لقلوب الناس ومثابة لإخوان الطمع وثوار الفتن وداعي البدع وفرسان الضلال وأبناء الموت لقلوب الناس ومثابة لإخوان الطمع وثوار الفتن ودواعي البدع وفرسان الضلال وأبناء الموت وقلنا إن وجه المهدي ولي عهده فحدث في جيوشه وجنوده ما قد حدث بجنود الرسل من قبله لم يستطع المهدي أن يعقبهم بغيره إلا أن ينهد إليهم بنسفه وهذا خطر عظيم وهول شديد إن تنفست الأيام بمقامة واستدارت الحال بإمامه حتى يقع عوض لا يستغنى عنه أو يحدث أمر لابد منه صار ما بعد ما هو أعظم وأجل خطراً له تبعاً وبه متصلاً.
قال المهدي: الخط ب أيسر مما تذهبون إليه وعلى غير ما تصفون الأمر عليه نحن أهل البيت نجري من أساليب القضايا ومواقع الأمور على سابق من العلم ومحتوم من الأمر قد أنبأت به الكتب ونبأت عليه الرسل وولي عهد عقبي بعدي أن يقود إلى خراسان البعوث ويتوجه نحوها بالجنود أما الأول فإنه يقدم إليهم رسله ويعمل فيهم حيله ثم يخرج نشطاً حنقاً عليهم يريد أن لا يدع أحداً من إخوان الفتن ودواعي البدع وفرسان الضلال إلا توطأة بحر القتل والبسه قناع القهر وقلده طوق الذل ولا أحد من الذين عملوا في قص جناح الفتنة وإخماد نار لبدعة ونصرة ولاة الحق إلا أجرى عليهم ديم فضله وداول نهله فإذا خرج مزمعاً بع مجمعاً عليه لم يسر إلا قليلاً حتى تأتيه أن قد عملت محيلة وكدحت كتبه ونفذت مكايده فهدأت نافرة القلوب وقعت طائرة الأهواء واجتمع
(1/162)
________________________________________
عليه المختلفون بالرضى فيميل نظراُ لهم وبراً بهم وتعطفاً عليهم إلى عدو قد أخاف سبيلهم وقطع طريقهم ومنع حجاجهم بين اله الحرام وسلب تجارهم رزق الله الحلال وأما الآخر فإنه يوجع إليهم ثم تعتقد له الحجة عليهم بإعطاء ما يطلبون وبذل ما يسألون فإذا سمحت الفرق بقراباتها له وجنح أهل النواحي بأعناقهم نحوه فأضعت إليه الأفئدة واجتمعت له الكلمة وقدمت عليه الوفود قصد الأول ناحية نجعت بطاعتها وأفت بأزمتها عليهم بالرمة فاتقى فيهم ناحية وأنزلها ظل كرامته ولا فرقة قاصية إلا دخلت عليها بركته ووصلت إليها منفعته فأغنى فقيرها وجبر كسيرها ورفع وضيعها وزاد رفيعها ما خلا ناحيتي ناحية يغلب عليها الشقاء وتستمليهم الأهواء فتستخف بدعوته وتبطئ عن إجابته وتتثاقل عن حقه فتكون آخر من يبعث وأبطا من يوجه فيصطلي عليها موجودة ويبتغي لها علة لا يبث أن يجد بحق يلزمهم وأمر يجب عليهم فتستلحمهم الجيوش وتأكلهم السيوف ويستحر بهم القتل ويحيط بهم الأسر ويفنيهم التتبع حتى يخرب البلاد ويوتم الأولاد وناحية لا يبسط لهم أماناً ولا يقبل لهم عهداً ولا يجعل لهم ذمة لأنهم أول من فتح باب الفرقة وتدرع جلباب الفتنة وربض في شق العصا ولكنه يقتل أعلامهم ويأسر قوادهم ويطلب هربهم في لجج البحار وقلل الجبال وحميل الأدوية وبطون الأرض تقتيلاً وتغليلاً وتنكيلاً حتى يدع الديار خراباً والنساء أيامى، وهذا أم لا نعرف له في كتبنا وقتاً ولا نصحح منه غير ما قلنا تفسيراً وأما موسى ولي عهدي فهذا أو أن توجه إلى خراسان وحلوله بجرجان وما قضي الله له من الشخوص إيها والمقام فيها خير للمسلمين مغبة له بإذن الله عاقبة من المقام بحيث يغمر في لجج بحورنا ومدافع سيولنا ومجاميع أمواجنا فيتصاغر عظيم فضله ويتدأب مشرق نوره ويتقلل كثير ما هو كائن منه فمن يصحبه من الوزراء ويختار له من الناس.
قال محمد بن الليث: أيها المهدي إن ولي عهدك أصبح لأمتك وأهل ملتك علماً قد
(1/163)
________________________________________
تثنت نحوه أعناقها ومجت سمته أبصارها وقد كان لقرب داره منك ومحل جواره لك عطل الحال غفل الأمر واسع العذر فأما إذا انفرد بنفه وخلا بنظره وصار إلى تدبيره فإن من شأن العامة أن تتفقد مخارج رأيه وتستنصت لمواقع آثاره وتسأل عن حوادث أحواله في بره ومرحمته وإقساطه ومعدلته وتدبير سياسته ووزرائه وأصحابه ثم يكون ما سق إليهم أغلب الأشياء عليهم وأملك الأمور بهم وألزمها لقلوبهم وأشدها استمالة لرأيه وعطفاً لأهوائهم فلا يفتأ المهدي وفقه الله ناظراً له فيما يقوي عمد مملكته ويسدد أركان ولايته وتستجمع رضاء أمته هو أزين لحاله وأظهر لجماله وأفضل مغبة لأمه وأجل موقعاً في قلوب رعيته وأحمد حالاً في نفوس ملته ولا أدفع مع ذلك باستجماع الأهواء له وأبلغ في استعطاف القلوب عليه من مرحمة تظهر من فعله ومعدلة تنتشر عن ثر ومحبة للخير وأهله وأن يختار المهدي وفقه الله من خيار أهل كل مصر أقواماً تسكن العامة إليهم إذا ذكروا وتأنس الرعية بهم إذا وصفوا ثم تسهل لهم عمارة سبل الإحسان وفتح باب المعروف كما قد كان فتح له وسهل عليه.
قال امهدي صدقت ونصحت ثم بعث في ابنه موسى فقال: أي بني قد أصبحت لسمت وجوه العامة نصباً ولمثنى أعطاف الرعية غاية فحسنتك شاملة وإساءتك نائية وأمر ظاهر بتقوى الله وطاعته احتمل سخط الناس فيهما ولا تطلب رضاهم بخلافهما فإن الله عز وجل كفيك من أسخطه عليه إيثارك رضاه وليس بكافيك من يسخطه عليك إيثارك رضا من سواه، ثم اعلم أن الله تعالى في كل زمان فترة من رسله وبقايا من صفوة خلقه وخبايا لنصرة حقه يجدد حيل الإسلام بدعواهم ويشيد أركان الدين بنصرتهم ويتخذ لأولياء دينه أنصاراً وعلى إقامة عدله أعواناً يسدون الخلل ويقيمون الميل ويدفعون عن الأرض الفساد وأن أهل خراسان أصبحوا أيدي دولتنا وسيوف دعوتنا الذين نستدفع المكاره بطاعتهم ونستصرف نزول العائم بمناصحتهم وندافع ريب الزمان بعزائمهم ونزاحم ركن الدهر ببصائرهم
(1/164)
________________________________________
فهم عناد الأرض إذا أرجفت لففها وخوف الأعداء إذا برزت صفحتها وحصون الرعية إذا تضايقت الحال بها وأذلت رقاب الجبرين ولم ينفكوا كذلك ما جروا مع ريح دولتنا وأقاموا فيظل دعوتنا واعتصموا بحبل طاعتنا التي أعز الله بها ذاتهم ورفع بها ضعتهم وجعلهم بها أرباباً في أقطار الأرض وملوكاً على رقاب العالمين بعد لباس الذل وقناع الخوف وإطباق البلا ومحالفة الأسى وجهد البأس والضر فظاهر عليهم لباس كرامتك وأنزلهم في حدائق نعمتك ثم اعرف لهم حق طاعتهم ووسيلة دالتهم ووماتة سابقتهم وحرمة مناصحتهم بالإحسان إليهم والتوسعة عليهم والإثابة لمحسنهم والإقالة لمسيئهم أي بني ثم عليك العامة فاستدع رضاها بالعدل عليها واستجلبت مودتها بالإنصاف لها وتحسن بذلك لربك وتوثق ه عين رعيتك واجعل عمال العذر وولاة الحجج مقدمة بين عملك ونصفة منك لراعيتك وذلك أن تأمر قاضي كل بلد وخيار أهل كل مصر أن يختاروا لأنفسهم رجلاً توليه أمرهم وتجعل العدل حاكماً بينه وبينهم فإن أحسن حمدت وإن أساء عذرت هؤلاء عمال العذر وولاة الحجج فلايسقطن عليك ما في ذلك إذا انتشر في الآفاق وسبق إلى الأسماع من انعقاد ألسنة المرجفين وكبت قلوب الحاسدين وإطفاء نيران الحروب وسامة عواقب الأمور ولا ينفكن في ظل كرامتك نازلاً وبعرى حبلك متعلقاً رجلان أحدهما كريمة مكن كرائم رجالات العرب وأعلام بيوتات الشرف له أد فاضل وحلم راجح ودين صحيح والآخر له دين غير مغموز وموضع غير مدخول بصير بتقليب وتصريف الرأي وأنحاء العرب ووضع الكتب عالم بحالات الحروب وتصاريف الخطوب يضع آداباً نافعة وآثاراً باقية من محاسنك وتحسين أمرك وتحلية ذكرك فتستشيره بحربك وتدخله في أمرك فرجل أصبته كذلك فهو يأوي إلى محلتي ويرعى في خضرة جناني ولا تدع أن تختار لك من فقهاء البلدان وخيار الأمصار أقواماً يكونون جيرانك وسمارك وأهل مشاورتك فيمت تورد أصحاب مناظرتك فيما تصدر فسر على بركة الله أصحبك الله من
(1/165)
________________________________________
عونه وتوفيقه دليلاً يهدي إلى الصواب قلبك وهادياً ينطق بالخير لسانك.
"وفود بكارة الهلالية على معاوية"
استأذنت بكارة الهلالية على معاوية بن أبي سفيان فأذن لها وهو يومئذٍ بالمدينة فدخلت عليه وكانت أسنت وعشي وبصرا وضعفت قوتها ترعشبين خادمين لها فسلمت وجلست فرد عليها معاوية السلام وقال: كيف أنت يا خالة فقالت بخير يا أمير المؤمنين قال غيرك الدهر قالت كذلك هو ذو غير من عاش كبر ومن مات قبر فقال عمرو بن العاص هي والله القائلة يا أمير المؤمنين:
يا زيد دونك فاحتفر من دارنا

سيفا حساماً في التراب دفينا
قد كنت أذخره ليوم كريهة

فالآن أبرزه الزمان مصونا

قال مروان وهي ولله قائلة يا أمير المؤمنين:
أترى ابن هند للخلافة مالكاً

هيهات ذاك وإن أراد بعيدُ

منتّك نفسك في الخلاء ضلالة

أغراك عمرو للشقا وسعيد

قال سعيد بن العاص وهي والله القائلة:
قد كنت أطمع أن أموت ولا أرى

فوق المنابر من أمية خاطبا

فالله أخر مدتي فتطاولت

حتى رأيت من الزمان عجائبا

في كل يوم لازال خطيبهم

بين الجميع لآل أحمد عائبا

ثم سكتوا فقالت يا معاوية كلامك أعشى بصري وقصر حجتي أنا والله قائلة ما قالوا خفي عليك مني أكثر فضحك وقال ليس يمنعنا ذلك من برك اذكري حاجتك: قالت أما أن فلا.
"مناظرة السيف والقلم لزين الدين عمر بن الوردي المتوفى سنة 749ه?"
لما كان السيف والقلم عتي العمل ولقول، وعمدتي الدول عدمتهما دولة فلا حول.
(1/166)
________________________________________
وركني إسناد الملك المعربين عن المخفوض والمرفوع ومقدمتي نتيجة الجدل الصادر عنهما المحمول والموضوع فكرت أيهما أعظم فخراً أو أعلى قدراً فجلست مجلس الحكم والفتوى ومثلتهما في الفكر حاضرين للدعوى وسويت بين الخصمين في الإكرام واستنطقت لسان حالهما للكلام، (فقال القلم): (بِسْمِ اللّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا) [هود: 41]، (وَالنّهَارِ إِذَا جَلاّهَا {3} وَاللّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا) [الشمس: 3 4] أما بعد حمد الله بارئ القلم ومشرفه بالقسم وجعله أول ما خلق وجمل الورق بغصنه كما جمل الغصن بالورق والصلاة على القائل جفت الأقلام فإن القلم قصب السباق والكاتب بسبعة أقلام من طبقت الكتاب السبع الطباق جرى بالقضاء والقدر وناب عن اللسان فيما نهى وأمر طالما أربى على البيض والسمر في ضرابها وطعانها واتل البعد والصوارم في القرب ملء أجفانها وماذا يشبه القلم في طاعة ناسه ومشيه لهم على أم رأسه، (قال السيف): بسم الله الخافض الرافع (وَأَنزْلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ ) [الحديد: 25] أما بعد حمد الله الذي أنزل آية السيف فعظم بها حرمة الجرح وآمن خيفة الحيف والصلاة على الذي نفذ بالسيف سطور الطروس وخدمته والأقلام ماشية على الرؤوس وعلى آله وصحبه الذين أرهفت سيوفهم وبنيت بها على كسر الأعداء حروفهم فإن السيف عظيم الدولة شديد الصولة محا أسطار البلاغة وأساغ ممنوع الإساغة من اعتمد على غيره في قهر العداء تعب وكيف لا وفي حده الحد بين الجد واللعب فإن كلن القلم شاهداً فالسيف قاضي وإن اقتربت مجادلته بأمر مستقل قطعه السيف بفعل ماضي به ظهر الدين وهو العدة لقمع المعتدين حملته دون القلم يد نبينا فشرف بذلك في الأمم شرفاً بينا الجنة تحت ظلاله ولا سيما حين يسل فترى ودق الجم يخرج من خلاله زينت بزينة الكواكب سماء غمده وصدق لقائل (السيف أصدق إنباءً من ضده) لا يعبث به الخامل ولا يتناوله كالقلم بأطراف الأنامل ما
(1/167)
________________________________________
هو كاللم المشبه بقوم عروا لبوسهم ثم نكسوا ما قبل على رؤوسهم فكأن السيف (خُلِقَ مِن مّآءٍ دَافِقٍ) [الطارق: 6] أو كوكب راشق مقدراً في السرد فهو الجوهر الفرد لا يشترى كالقلم بثمن بخس ولا يبلى كما يبلى القلم بسواد وطمس كم لقائمه المنتظر من أثر في عين أو عين في أثر فهو في جراب القوم قوام الحر ولهذا جاء مطبوع الشكل داخل الضرب (قال القلم) أمن ينشأ في المخصوص وهو في الخصام غير مبين يفاخر وهو القائم عن الشمال وأن الجالس على اليمين أنا المخصوص بالرأي وأنت المخصوص بالصدى أنا آلة الحياة وأنت آلة الردى ما لنت إلا بعد دخول السعير وما حددت إلا عن ذنب كبير أنت تنفع في العمر ساعة وأنا أفني العم في الطاعة أنت للرهب وأنا للرعب وإذا كان بصرك حديداً فبصري ماء ذهب أين تقليدي من اجتهادي، وأين نجاسة دمك من تطهير مدادي، (قال السيف): أمثلكم يعبر مثلي بالدماء فطالما أمرت بعض فراخي وهي السكين: فأصبحت من النفاثات فيعدك يا مسكين، فأخلت من الحياة جثمانك، وشقت أنف وقطعت لسان، ويك إن كنت للديوان فحاسبٌ مهموم، أو للإنشاء فخادم لمخدوم، أو للبليغ فساحر مذموم، أو للفقيه فناقص في المعلوم، أو للشاعر فسائل محروم، أو للشاهد فخائف مسموم، أو للمعلم فللحي القيوم، وأما أنا فلي الوجه الأزهر، والحلية والجوهر، والهيبة إذا أشهرن والصعود على المنبر، شكلي الحسن علي، ولم لا حملك الحطب بدلي، ثم إني مملوك كمالك، فإنك كناسك، أسلك الطرائق وأقطع العلائق، (قال القلم): وأليف الغدير وحليف الهواء، وأما أنت فابن النار والدخان، وباتر الأعمار وخوان الإخوان، تفصل ما لا تفصل، وقطع ما أمر الله به أن يوصل، لا جرم شمر السيف وصقل قفاه، وسقي ماء حميماً فقطع معاه، يا غرب البين، ويا عدة الحين، ويا معتل العين، ويا ذا الوجهين، كم أفنيت وأعدمت.. وأرملت وأيئمت (قال السيف): يا بن الطين، ألست ضامراً وأنت بطين، كم جريت بعكس وتصرفت في مكس، وزورت
(1/168)
________________________________________
وحرفت، ونكرت وعرفت، وسطر ت وهجواً وشتماً، وخلدت عاراً وذماً، أشر بفرط روعتك، وشدة خيفتك، إذا قستن بياض صحيفتي بسواد صحيفتك، فألن خطابك فأنت قصير المدة، وأحسن جوابك فعندي حدة، وأقلل من غلظتك وجبهك، واشتغل عن دم في وجهي بمدة في وجهك، وإلا فأدنى ضربة مني تروم أرومتك، فنستأصل أصلك وتجحتث جرثومتك، فسقيا لمن غاب بك عن غابك، ورعياً من أهاتب بك لسلخ إهابك، (فلما رأى القلم) السيف احتد، الآن له من خطابه ما اشتد وقال: أما ألأدب فيؤخذ عني، وأما اللطف فيكةتس منس، فإن لنت لنت، وإن أحينت أحينت، نحن اهل السمع والطاعة، ولهذا نجمع في الدواء الواحدة منا جماعة، وأما أنتم فأهل الحدة والخلاف، ولهذا لم يجمعوا بين سيفين في غلاف، (قال السيف): أمراً ودعوى عفة، لأمر ا جدع قصير أنفع لو كنت كما زتعمت ذا أدب، لما قابلت رأس الكىاتب بعقدة الذنب، أنا ذو الصيت والصوت، وغرارء لسانا مشرفي يرتجل غرائب الموت، أنا من مارج النمار، والقلم من صلصال كالفخار، وإذات زعنم القلم أه مثلي أمرت من يدق رأسه بنعلي (قال اللم): صف فصاحب السيف بلا سعادة كأعزل، (قال السيف): مه فقلم البيلغ بغير حظ معزل، (قال القلم): أنا أزكى وأطهر، (قال السيف): أنا أبهى وأبهر فتلا، (ذو القلم) لقلمه: (إِنّآ أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) [لكوثر:1] فتلا: (صاحب السيف): (فَصَلّ لِرَبّكَ وَانْحَرْ) [الكوثر:2] فتلا( ذو القلم) لقلمه: (إِنّ شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ) [الكوثر:3] (قال) أما وكتابي المسطور، وبيتي المعمور، والتوراة والإنجيل، والقرآن ذي التنبجيل، إن لم تكف عني غربك، وتبعد مني قربك، لأكتبنك من الصم والبكم، ولسطرن عليك بقلمي بهذا الحكم، (قال السيف): أما ومتني المتين، وفتحي المبين، ولساني الرطبين، ووجهين الصلبين، وإن لم تغب عن بياضي بسوادك، لأمسحن وجهك بمدادك، ولقد كسبت من الأسد في الغابة، توقيح العين والصلابة، ومع أني ما ألوتك نصحاً، أفنضرب عنكم
(1/169)
________________________________________
الذكر صفحاً.
(قال القلم): سلم إلي مع من سلم، إن كنت على فأنا أعلم، وإن كنت أحلى فأنا أحلم، وإن كنت أقوى فأنا أقوم، أوكنت ألوى فأنا ألوم، أو كنت أطرى فأنا أطرب، أو كنت أغلى فأنا أغلب، أو كنت أعتى فأنا أعتب، أو كنت أقضة فأنا أقضب (قال السيف): كيف لا أفضلك والمقر الفلاني شاد أزري، (قال القلم) كيف لا أفضلك وهو تعز نصره ولي أمري.
(قال الحكم بين السيف والقلم): فلما رأيت الحجتين ناهضتين، والبينتين متعارضتين، وعلمت أن لكل واحد منهما نسبة صحيحة إلى هذا المقر الكريم، ورواية مسندة عن حديثه القديم لطفت الوسيلة ودقت الحيلة حتى رددت القلم إلى كنه، وأغمدت السيف فنام ملء جفنه.
وأخرت بينهما الترجيح، وسكت عما هو عندي الصحيح، إلى أن بحكم المقر لبينهما بعلمه ويسكن سورة غضبهما الوافر ولجاجهما المديد ببسط حلمه.
?"مناظرة بين صاحب أبي تمام وصاحب البحتري للآمدي"
(صاحب أبي تمام): كيف يجوز لقائل أن يقول إن البحتري أشعر من أبي تمام وعن أبي تمام أخذ وعلى حذوه احتذى ومن معانيه استقى حتى قيل الطائي الأكبر والطائي الأصغر.
(صاحب البحتري): أما الصحبة له فما صحبه ولا تتلمذ له وا روى ذلك أحد عنه ولا نقله ولا رأي قط أنه محتاج إليه ودليل ذلك الخبر المستفيض من اجتماعهما وتعارفهما عند أبي سعيد محمد بن يوسف الثغري وقد دخل عليه البحتري بقصيدته التي أولها:
أأفاقَ صبَ من هوى فأُفيقا
(1/170)
________________________________________
وأبو تمام حاضر فلما أنشدها علق أبو تمام منها أبياتاً كثيرة فلما فرغ من الإنشاد أقبل أبو تمام على محمد بن يوسف فال أيها الأمير ما ظننت أن أحداً يقدم على أن يسرق شعري وينشده بحضرتي حتى اليوم ثم اندفع ينشج ما حفظه حتى أتي على أبيات كثيرة من القصيدة فبهت البحتري ورأ ى أبو تمام الإنكار في وجه أبي سعيد فحينئذٍ قال له أبو تمام أيها الأمير والله ما الشعر إلا له وإنه أحسن فيه الإحسان كله وأقبل يقرظه ويصف معانيه ويذكر محاسنه ولم يقنع من محمد بن يوسف حتى أضعف له الجائزة فمن كان يقول مثل هذه القصيدة التي هي من عين شعره وفاخر كلامه قبل أن يعرف أبا تمام جدير به أن يستغني عن أن يصحبه أو يتتلمذ له أو لغيره من الشعراء على أنني لا أنكر استعار بعض معاني أبي تمام لقرب البلدين وكثرة ما كان يطرق سمع البحتري من شعره وليس ذلك بمقتض أن يكون أبو تمام أستاذ البحتري ولا بمانعه أن يكون البحتري أشعر من أبي تمام فهذا كثير قد أخذ من جميل واستقى من معانيه فما رأينا أحداً قال إن جميلاً أشعر منه بل هو عند أهل الشعر والرواية أشعر من جميل (صاحب أبي تمام): أن البحتري نفسه يعترف أن أبا تمام منه فقد سئل عنه وعن أبي تمام فقال أن جيده خير من جيدي وجيد أبي تمام كثير.
(صاحب البحتري): إن كان هذا الخر صحيحاً فهو للبحتري لا عليه لأن قوله هذا يدل على أن شعر أبي تمام كثير الاختلاف وشعره شديد الاستواء ولمستوى الشعر أولى بالتقدمة من المختلف الشعر وقد اجتمعنا نحن وأنتم على أن أبا تمام يعلو علواً حسناً وينحط انحطاطاً قبيحاً وأن البحتري يعلو بتوسط ولا يسقط ومن لا يسقط ولا يسف أفضل ممن يسقط ويسف.
(صاحب أبي تمام): أن أبا تمام انفرد بمذهب اخترعه وصار فيه أولاً إماماً متبوعاً وشهر به حتى قيل هذا مذهب أبي تمام وسلك الناس نهجه واقتفوا أثره وهي فضيلة عري عن مثلها البحتري.
(صاحب البحتري) ليس الأمر على ما وصفت وليس أبو تمام صاحب هذا
(1/171)
________________________________________
المذهب ولا يأول فيه ولا سابق إليه بل سلك فيه سبيل مسلم بن الوليد واحتذى حذوه وأفرط في ذلك وأسرف حتى زال عن النّهج المعروف وسنن المألوف بل إنّ مسلماً غير مبتدع له ولكنه رأى هذه الأنواع التي وقع عليها اسم البديع متفرّقة في أشعار المتقدمين فقصدها وأكثر في شعره منها ولكنه حرص على أن يضعها في مواضعها ولم يسلم مع ذلك من الطعن عليه حتى قيل إنه أول من أفسد الشعر فجاء أبو تمام على أثره واستحسن مذهبه وأحبّ أن يجعل كل بيت من شعره غير خال من هذه الأصناف فسلك طريقاً وعراً واستكره الألفاظ والمعاني استكراهاً ففسد شعره وذهب طلاوته ونشف ماؤه فقط سقط الآن احتجاجكم باختراع أبي تمام لهذا المذهب وسبقه إليه: وكلّ ما في المسألة أنه استكثر منه وأفرط فكان إفراطه فيه من أعظم ذنوبه وأكبر عيوبه. أما البحتري فإنه ما فارق عمود الشعر وطريقته المعروفة على كثرة ما جاء في شعره من الاستعارة والتجنيس والمطابقة فكان انفراده بحسن العبارة وحلاوة اللفظ وصحّة المعنى والبعد عن التكلف والتعمل سبباً في إجماع الناس على استحسان شعره واستجادته وتداوله ونفاق شعر الشاعر دليل على علو مكانته واضطلاعه بما يلائم الأذواق ويلامس القلوب من أساليب الكلام ومناهجه.
(صاحب أبي تمام) إنما أعرض عن شعر أبي تمام من لم يفهمه لدقّة معانيه وقصور فهمه عنه أما النقاد والعلماء فقد فهموه وعرفوا قدره وإذا عرفت هذه الطبقة فضيلته لم يضره طعن من طعن بعدها عليه.
(صاحب البحتري) لا يستطيع أحد أن ينكر منزلة ابن الأعرابي وأحمد بن يحيى الشيباني ودعبل بن الخزاعي من الشعر ومنزلتهم من العلم بكلام العرب وقد علمتم مذهبهم في أبي تمام وازدراءهم بشعره حتى قال دعبل إن ثلث شعره محال وثلثه مسوق وثلثه صالح وقال ما جعل الله أبا تمام من الشعراء: بل شعره بالخطب والكلام المنثور أشبه منه بالشعر: وقال ابن الأعرابي في شعر أبي تمام إن كان شعراً فكلام العرب باطل وهذا محمد
(1/172)
________________________________________
بن يزيد المبرد ما علمناه دون له كبير شيء.
(صاحب أبي تمام) إن دعبلاً كان يشنأ أبا تمام ويحسده على ما هو معروف ومشهور فلا يقبل قول شاعر في شاعر وإما ابن الأعرابي فكان شديد التعصب عليه لغرابة مذهبه ولأنه كان يرد عليه من معانيه ما لا يفهمه ولا يعلمه فكان إذا سئل عن شيء منها بأنف أن يقول لا أدري فيعدل إلى الطعن عليه ولا مانع أن يكون جميع من تذكرونه على هذا القياس.
(صاحب البحتري) لا عيب على ابن الأعرابي في طعنه على شاعر عدل في شعره عن مذاهب العرب إلى الاستعارات البعيدة المخرجة للكلام إلى الخطأ والإحالة والعيب في ذلك يلحق أبا تمام إذ عدل عن المحجة إلى طريقة يجهلها ابن الأعرابي وأمثاله من المضطلعين بالسليقة العربية.
(صاحب أبي تمام) إن العلم في شعر أبي تمام أظهر منه في شعر البحتري والشاعر العالم أفضل من الشاعر غير العالم.
(صاحب البحتري) كان الخليل بن أحمد عالماً شاعراً وكان الأصمعي شاعراً عالماً وكان الكسائي كذلك وكان خلف بن حيان الأحمر أشعر العلماء وما بلغ بهم العلم طبقة من كان في زمانهم من الشعراء غير العلماء والتجويد في الشعر ليست علته العلم: والشائع المشهور أن شعر العلماء دون شعر الشعراء وقد كان أبو تمام يعمل على أن يدل في شعره على علمه باللغة وكلام العرب.
أم البحتري فلم يقصد هذا ولا اعتمده ولا كان يعده فضيلة ولا يراه علماً بل كان يرى أنه شاعر لا بد له أن يقرب شعره من فهم سامعه فلا يأتي بالغريب إلا أن يتفق له في اللفظة بعد اللفظة في موضعه من غير طلب له ولا حرص عليه. على أن هذا العلم الذي تؤثرون به أبا تمام لم ينفعه فقد كان يلحن في شعره لحناً يضيق العذر فيه ولا يجد المتأول له مخرجاً منه إلا بالحيلة والتحمل الشديد.
(صاحب أبي تمام) لسنا ننكر أن يكون صاحبنا قد وهم في بعض شعره وعدل عن الوجه الأوضح في كثير من معانيه: وغير غريب على فكر نتج من المحاسن ما نتج وولد من البدائع ما ولد أن
(1/173)
________________________________________
يلحقه الكلال في الأوقات والزلل في الأحيان بل من الواجب لمن أحسن إحسانه أن يسامح في سهوه ويتجاوز له عن خطائه وما رأينا أحداً من شعراء الجاهلية سلم من الطعن ولا من أخذ الرواة عليه الغلط والعيب وكذلك ما أخذته الرواة على المحدثين المتأخرين من الغلط والخطأ واللحن أشهر من أن يحتاج إلى أن نبرهنه أو ندل عليه وما كان أحد من أولئك ولا هؤلاء مجهول الحق ولا مجحود الفضل بل عفا إحسانهم على إسائتهم وتجويدهم على تقصيرهم.
(صاحب البحتري) أما أخذ السهو والغلط على من أخذ عليهم من المتقدمين والمتأخرين ففي البيت الواحد والبيتين والثلاثة أما أبو تمام فلا تكاد تخلو له قصيدة واحدة من عدة أبيات يكون فيها مفسداً أو محيلاً أو عادلاً عن السنن أو مستعيراً استعارة قبيحة أو مخطئاً للمعنى بطلب الطباق والتجنيس أو مبهماً يسوء العبارة والتعقيد حتى لا يفهم ولا يوجد له مخرج.
(صاحب أبي تمام) إنكم تنكرون على أبي تمام من الفضل ما يعترف به البحتري نفسه فقد رثاه بعد موته رثاء اعترف فيه له بالسبق وفضله على شعراء عصره.
(صاحب البحتري) لم لا يفعل البحتري ذلك وقد كان هو وأبو تمام صديقين متحابين وأخوين متاصفيين يجمعهما الطلب والنسب والمكتسب فليس بمنكر ولا غريب أن يشهد أحدهما لصاحبه بالفضل ويصفه بأحسن ما فيه وينحله ما ليس فيه على أن الميت خاصة يعطى في تأيينه من التقريظ والوصف وجميل الذكر أضعاف ما كان يستحقه.
(صاحب أبي تمام) كيفما كان الأمر لا تستطيعون أن تدفعوا ما أجمع عليه الرواة والعلماء أن جيد أبي تمام لا يتعلق به جيد أمثاله وإذا كان جيده بهذه المكانة وكان من الممكن إغفال رديئته واطراحه كأنه لم يقل فلا يبقى ريب في أنه أشعر شعراء عصره والبحتري واحد منهم.
(صاحب البحتري) إنما صار جيد أبي تمام موصوفاً ومذكوراً لندرته ووقوعه في تضاعيف الرديء فيكون له رونق وماء عند المقابلة بينه وبين ما يليه: وجيد البحتري كجيد أبي تمام إلا
(1/174)
________________________________________
أنه يقع في جيد مثله أو متوسط فلا يفاجئ النفس منه ما يفاجئها من جيد صاحبه.
"مناظرة السفينة والوابور للمرحوم السيد عبد الله النديم المتوفى سنة 1314ه"
شمرت "السفينة" عن الذراع وسحبت طرفها ونشرت الشراع واعتدلت ومالت وابتدأت وقالت: حمداً لمن أسبغ على عباده جزيل الإنعام وسخر لهم من فضله السفن والأنعام وجعلهما مطيتين لحمل الأرزاق والأثقال وحافظين للذخائر عند السفر والانتقال وامتن بهما على عباده وهو عليم بما يصنعون فقال تعالى: (وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ) [المؤمنون: 22] وصلاةً وسلاماً على من أسفرت أسفاره عن عظيم أخلاقه فانفتح بتوجهاته الشريفة باب السياحة بعد إغلاقه وآله وأصحابه الذين تحملوا في الغزوات مشاق البرد والحر واقتحموا في نضر دينه عقبات البحر والبر "وبعد" فإن المخترعات في الدنيا كثيرة وقد صارت سهلة بعد أن كانت خطيرة ولكن من المعلوم لكل عاقل عارف بأحوال الأوائل ناقل أن شكلي أول غريب ابتدع وأحسن عظيم اختراع ما تقدمني سوى الحيوان والكواكب وضروريات الزرع وبعض آلات المعاطب وكان البحر قبلي ظلمة ما طلع له فجر وانشرح لها صدر بل غرضاً ما أصابه سهم ومعنى ما ترقى لهم وهم حتى أمر الله نبيه نوحاً بصنعي وعلمه تركيب ضلوعي عند جمعي فبذل في جهده وباشر عملي وحده وكلما مر عليه ملأٌ من قومه سخروا منه قال: (إِن تَسْخَرُواْ مِنّا فَإِنّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ) [هود: 38] فقال تعالى: (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الّذِينَ ظَلَمُوَاْ إِنّهُمْ مّغْرَقُونَ) [هود: 37] فاستمر حتى أتم عمله وحقق رجاءه وأمله وأنزلني البحر عروساً وأطاب بي نفوساً فتلقاني البحر على رأسه وجريت بين روحه وأنفاسه وصار كل غريب حاضر لدي وكلما تلاطم البحر ضربته بيدي لا ترهبني منه الأمواج ولا تردني عنه الأبراج أحمل الذخائر والأرزاق وأجمع الأحباب والعشاق ومع ذلك
(1/175)
________________________________________
فإن أصلي معدن الثمر ونزهة الأرقاء عند السمر فمن له أب كأبي ومن قبلي صنعه نبي فمجدي شامخ ومجد غيري متهدم والفضل كل الفضل للمتقدم.
فالتهبت أحشاء (الوابور) بفحم الحجر وصعدت أنفاسه مشوبة بشرر وزمجر وكفر وصاح وصفر وجرى حتى خرج عن "الشريط" وقال السكوت على هذا من التفريط ثم كر بعجله وجال وابتدأ رداً عليه فقال: الحمد لله خالق كل شيء موجود الذي يشرفني بالذكر قبل الوجود حيث امتن على عباده بخلق عليها يحملون ثم قال: (وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) [النحل: 8] ويستأنس لي بقوله: (وَخَلَقْنَا لَهُمْ مّن مّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ) [يس: 42] ولا يغفل عن ذكري إلا الجاهلون والصلاة والسلام على من تكلم بالمغيبات من غير شك ولا التباس المنزل عليه (وَأَنزْلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنّاسِ) [الحديد: 25] وأصحابه الذين اتخذوا من معدني دروعاً وتيجاناً وقاتلوا بها حتى أظهروا ديناً وأرضوا ديّاناً "وبعد" فالوقوف عند حد النفس إنصاف والخروج عنه قبيح الأوصاف: الفخر لا يكون إلا عن كبر أو غباوة وهو أول داع للحرب والعداوة فكم أثار حرباً وأضرم ناراً وكم هدم قصراً وأباد داراً ولكن شر أهر ذا ناب وكوة فتحت بها أبواب فإني ما كنت أظن أن السفينة الحقيرة المسكينة تخرج من الأجراف وهي ترفع في وجهي المجداف ولكن قد يلقى الإنسان ضد أمله والمرء مجزي بعمله ومن سل سيف البغي قتل به وأهم أمريك الذي أنت به فانتبه فقابل أعداءك بأرداء الحجارة وإياك أعني فاسمعي بإجارة فإنك وإن كنت أول عمل للخلق وصناعة نبي بوحي الحق إلا أنك حمالة الحطب قريبة العطب إن هبت عليك نسمات هلك من فيك ومات وإن كتبت لك سلامة فلا حباً ولا كرامة وإن كسر ضلعك فار علا فيك الماء وفار: بم تفتخرين وأنت مكتفة بالحبال وخدمتك ينادون بالوبال إن سلكت طرق الأمن ارتجفت القلوب وإن ساعدتك الصبا أهلكتك الجنوب تغرقين إن زاد عليك "طرد" وتهلكين إن نزل
(1/176)
________________________________________
عليك "شرد" فإن أبيت السير سحبوك على وجهك وإن كلوا تركوك وباتوا على قلبك ما أقبح أصوات الأوباش حين يصعدون لسحب القماش وما أفظع تلك الضجة إذا "شحطت" وسط اللجة كم عقت محباً عن حبيبه وأحرمت تاجراً من نصيبه وكم جعلوك مطية للفساد وآلة لهلاك العباد فإن كنت ذكرت في الكتاب صراحة فقد ذكرت ضمناً وإن ظهرت قبلي لفظاً فقد كنت معنى ما تأخر لتاجر عندي سبب ولا حرم من صاحبني بلوغ أرب طريقك معوج وطريقي مستقيم لا يملني صحيح ولا يسأمني سقيم فسحبت السفينة "المداري" وقالت له "باري باري" كم تعرض وتصرح "وأصفح وأصلح" ولكن مهلاً يا أبا لهب فقد خرجت عن الأدب ولابد ما "أرسي" على برّك وأحرقك بلهيب جمرك حصرت بين "عجل وقضيب" ووقفت في جحيم ولهيب وتغذّيت "بالخشب والفحم" وتفكهت "بالزيت والشحم" وتولعت "بالمشاقة والكهنه" وتحليت "بالهباب والدهنة" وتمكن الغيظ فيك وانحبس حتى صار فيك "نفس" وجئت تقول إني حمالة الحطب وأنت حمال النار واللهب وإني قريبة العطب وأنت أبو البلايا والكرب إن جريت فضحت عرضك وإن وقفت تأكل بعضك وإن صدمك شيء هلكت ووقفت وما سلكت وإن كسر "ذراعك" وقعت وقليل إن طلعت وإن دخن أنفك تعمى صورتك وإن ظمئت يوماً طقت "ما سورتك" تجري في الخلاء والقفار وتقول النار ولا العار ما أوسخ رجالك وأضيق مجالك يا مفرق الأحباب ومفزع الركاب غريقي أرجى من غريقك وبحري أنجا من طريقك كم هرست من إنسان وطحنت من حيوان وخلفت راكباً وتركته حيران وكم جعل رجالك الناس مسخرة إذا لم يجدوا معهم "تذكرة" وكم أضعت على تاجر فلوسه إذا فقدت منه "بوليسة" أعلى غير "الشريط" تجري فضلاً عن لجي وبحري أدخل نفسك في "مخزن الوفر" (وفضك من النفخ والصفر) تفتخر على أغصان الطعوم "وأنت حديد يا مشوم" ولئن سرت على "عجل" فقلوب أهلك في وجل أما علمت أن العجلة من الشيطان وأن الباغي جزاؤه النيران شغلت بالأكل والتمشي ففاتك الرفق والتأني.
وبالجملة فإني سابقة هذا
(1/177)
________________________________________
الميدان ولا ينتطح في ذلك عنزان.
فتحرك الوابور تحرك ناقد وتنهّد تنهد حاقد وقطع (قطره) وأبا (شحناً) وقال أسمع جعجعة ولا أرى طحناً أبعوض تطن في أذن فيل وصورة تعد في التماثيل ولكني أبيت مخاطبتك وعفت وكرهت وجهك المدهون "بالزفت" فإن حالك حال الحيران وصباحك صباح "القطران" وكيف أفاخر امرأة عقلها في "مؤخرتها" وهلاكها في تمزيق مئزرها تقاد بحبل طويل وتنقاد لأدنى "عويل" يديرها (شاغول) وفكرها مشغول تتبع هواها في السير ولها جناح كالطير أمية فيها (قارية) ويد عاجزة لها (باريه) ثالثة العيزين في ذل (الوتد) (وَامْرَأَتُهُ حَمّالَةَ الْحَطَبِ{4} فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مّن مّسَدٍ) [المسد: 4 5].
"مناظرة بين الليل والنهار لمحمد أفندي المبارك الجزائري"
(1/178)
________________________________________
لما أسفر النهار عن بياض الغرة قابله الليل بسواد الطرة ثم صار الهزل جداً واشتد النزاع بينهما جداً فاستنجد كل منهما أميره وأفشى له سره وضميره وإذا بالليل حمل على النهار فصبغ حمرة وردته بصفرة البهار وخطر يجر ذيول تيهه وعجبه مرصعاً تيجان مفاخره بدرر شهبه. ثم قال: (وَالْلّيْلِ إِذَا يَغْشَىَ) [الليل: 1] (إِنّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لّمَن يَخْشَىَ) [النازعات: 26] ففتح باب المناقشة في هذا الفصل وعقد أسباب المنافسة بقول الفصل (فإن الحرب أولها كلام) ثم تنجلي عن قتيل أو أسير بكلام ولما بلغ الليل غايته بزغ الفجر ورفع رايته وقال إذ جال في معترك المنايا (أنا ابن جلا وطلاع الثنايا) فتقدم في ذلك الميدان وجلي تالياً قوله تعالى: (وَالنّهَارِ إِذَا تَجَلّىَ) [الليل: 2] ثم استوى على عرش السنا والسناء وأطلع شموس طلعته في الأرض والسماء فأعرب عن غوامض الرقائق والحقائق وأغرب في نشر ما انطوى من الأسرار والدقائق وما انحدر من منبره حتى أيد دعوى خبره بشاهد مخبره فانتدب إليه "الليل" ومال عليه كل الميل وقال أحمد من جعلني خلوة للأحباب وجلوة لعرائس العرفان ونفائس الأدباء وخلقني مثوى لراحة العباد ومأوى لخاصة النساك والعباد: ولله در من قال فأجاد:
أيها الليل طل بغير جناح

ليس للعين راحة في الصباح

كيف لا أبغض الصباح وفيه

بان عني نور الوجوه الصباح
أتردد على أرباب المجاهدة بفنون الغرائب وأتودد إلى أصحاب المشاهدة بعيون الرغائب تدور في ساحتهم بدور الحسن والبهاء وتدار من راحتهم كؤوس الأنس والهناء فتحييهم نغمات السمر وتحييهم نسمات السحر فأحيان وصلي بالتهاني مقمرة وأفنان فضلي بالأماني مثمرة وحسبي كرامة أني للناس خير لباس أقيهم بلطف الإيناس من كل باس ومن واصل الإدلاج وهجر طيب الكرى قيل له "عند الصباح يحمد القوم السرى".
وما الليل إلا للمجد مطيته

وميدان سبق فاستبق تبلغ المنى
(1/179)
________________________________________
ففتن بمعاني بيانه البديع وتفنن في أفانين التصريع والترصيع ثم أتم خطبته بالتماس المغفرة والعفو واستعاذ بالله من دواهي الغفلة ودواعي اللهو فوثب إليه (النهار) وصال عليه صولة ملك قهار وصعد على منبره ثانياً وقد أضحى التيه لعطفه ثانياً فأثنى على من جلى ظلمة الحجاب وتحلى له باسمه النور وتوجه بسورة من الكتاب وزانه بأبهى سراج وهاج فأوضح بسناه السبيل والمنهاج ثم صاح أيها الليل هلا قصرت من إعجابك الذيل ولئن دارت رحى الحرب واستعرت نار الطعن والضرب فلا سبين مخدراتك وهي عن الوجوه حاسرة وأنت تتلو يومئذ (تِلْكَ إِذاً كَرّةٌ خَاسِرَةٌ) [النازعات: 12] فما دعاك إلى حلبة المفاضلة وما دهاك حتى عرضت بنفسك للمناضلة وهل دأبك إلا الخداع والمكر وترقب الفرصة وأنت داخل الوكر أما حض القرآن على التعوذ (بِرَبّ الْفَلَقِ) [الفلق:1] وندب (مِن شَرّ مَا خَلَقَ {2} وَمِن شَرّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ) [الفلق: 2 3] فبربي يستعاذ من شرك ويستعان على صنوف صروف غدرك وهب أنك تجمع المحب بالحبيب إذا جار عليه الهوى وحار الطبيب فكم يقاسي منك في هاجرة الهجر ويئن أنين الثكلى حتى مطلع الفجر.
يبيت كما بات السليم مسهداً

وفي قلبه نار يشب وقد

فيساهر النجوم ويساور الوجوم وقد هاجت لواعج غرامه وتحركت سواكن وجده وهيامه: فأنشد وزفيره يتصعد:
أقضي نهاري بالحديث وبالمنى

ويجمعني والهم بالليل جامع

نهاري نهار الناس حتى إذا بدا

لي الليل هزتني إليك المضاجع
على أن العاشق الواله يشكو منك في جميع أحواله فكم قطع آناءك بمواصلة أنينه متململاً من فرط شوقه وحنينه فلما أن حظي بالوصال تمثل بقول من قال:
الليل إن واصلت كالليل إن هجرت

أشكو من الطول ما أشكو من القصر
(1/180)
________________________________________
ولئن افتخرت ببدرك الباهي فإما تباري ببعض أنواري وتباهي وهل للبدر عند إشراق الشمس من نور أو لطلعة حسنه من خدور البطون ظهور ومن أدعى أنك تساويني في الفضل والقدر أو زعم أن الشمس تقتبس من مشكاة البدر ومتى استمدت الأصول من الفروع "وما أغنى الشموس عن الشموع" فبي تنجلي محاسن المظاهر الكونية وتتحلى بجواهر الأعراض اللونية وأنى يخفى حسني وجمالي على مشاهد أو يفتقر فضلي وكمالي إلى شاهد وعرضي عارٍ عن العار وجميع الحسن من ضيائي مستعار.
وليس يصح في الأذهان شيء

إذا احتاج النهار إلى دليل
(1/181)
________________________________________
أما كفاك بينةً وزادك ذكرى وتبصرة قوله تعالى: (فَمَحَوْنَآ آيَةَ الْلّيْلِ وَجَعَلْنَآ آيَةَ النّهَارِ مُبْصِرَةً) [الإسراء: 12] و (هَلْ يَسْتَوِي الأعْمَىَ وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظّلُمَاتُ وَالنّورُ) [الرعد: 16] وأين منزل أهل الغفلة من منزل أهل اليقظة والحضور وإن كنت مغنى الأنس والأفراح تفعل بعقول الناس فعل الراح فهل حسبت أن السكون خير من الحركة وقد أجمع العالم على أن "الحركة بركة" فإن لي بكل خطوة حظوة وليس لجوادي كبوة ولا لصارمي نبوة وإن صرحت بالذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً معرضاً بكل غافل لاه في كل مجال (رِجَالٌ لاّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللّهِ) [النور: 37] وأين من احتجب بظلمات بعضها فوق بعض ممن أضحى ينظر بعين الاعتبار في ملكوت السموات والأرض وقد أتحفني الله بالصلاة الوسطى فأوتر بها صلواتي وشرع فيها الإسرار لأسرار اختصت بها أهل جلوتي وكفاني شرفاً (شَهْرُ رَمَضَانَ الّذِيَ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) [البقرة: 185] فمآثري مأثورة في القديم والحديث ومفاخري منثورة في الكتاب والحديث ومحاسني واضحة لأولي الأبصار وهل تخفى الشمس في رائعة النهار فاكفف عن الجدال وأمسك ولا تجعل يومك مثل أمسك وسالم من ليس لك عليه قدرة فقد قيل: (ما هلك امرؤ عرف قدره) أقول قولي هذا واستغفر الله من آفة العجب والكبرياء ولما انهار ركن النهار ابهارّ (الليل) وتبرقع بالاكفهرار فسد ما بين الخافقين بسواده وطفق يرمي بسهام جداله في جلاده وقدم بين نجواه سورة القدر آية على ما حازه من كمال الرفعة والقدر وثني بقوله تعالى: (سُبْحَانَ الّذِي أَسْرَىَ بِعَبْدِهِ لَيْلاً) [الإسراء: 1] فأشار إلى الحبيب حين تجلت له قرة عينه ليلاً ثم قال سحقاً لك أيها النهار فقد أسست بنيانك على شفا جرف هارٍ تناضلني ومني كان انسلاخك وظهورك وتفاضلني وبي أرحت أعوامك وشهورك ألم يأن لك أن تخشع للذكر فتعترف
(1/182)
________________________________________
لي برتبة التقديم في الذكر وكيف تعيرني بلون السواد وهل يقبح السواد إلا في الفؤاد أم كيف تعيبني بالخداع "والحرب خدعة" وليس الشيء في موطنه بغريب ولا بدعة أما تشهد العوالم من هيبتي حيارى (وَتَرَى النّاسَ سُكَارَىَ وَمَا هُم بِسُكَارَىَ) [الحج: 2] فكم أرقت ملوكاً أكاسرة وأرقت دماء أسودٍ كاسرة وكم أرويت نار الوغى تحت العجاج وقد ازورت اللحاظ واغبرت الفجاج فأنا البطل الذي لا يصطلى بناره ولا يأخذ منه الموتور بثأره وافتخارك علي بالصلاة الوسطى ليس إنصافاً منك ولا قسطاً وهب أنك انفردت بتلك الصلاة الجليلة فأين أنت مما أوتيته من الصلات الجزيلة أما كان افتراض الصلاة في ليلة العروج فما بالك تدعي الارتقاء إلى هذه البروج.
وما أعجبتني قط دعوى عريضة

ولو قام في تصديقها ألف شاهد
(1/183)
________________________________________
وأما افتخارك علي بشهر رمضان وما نزل فيه من السبع المثاني والقرآن فهل صح لك صيامه إلا بي بدأ وختاماً وقد تميزت عليك بفضيلة إحيائه تهجداً وقياماً على أني محل النية "ونية المرء خير من عمله" لأنها بمثابة الروح له وبها يحظى الراجي ببلوغ أمله هذا وإني أتكفل للصائم بمد يد الراحة ووافر الأجر حتى يتبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر وكيف تفتخر بالكتاب المنزه في مزاياه عن المشاركة والله تعالى يقول فيه: (إِنّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مّبَارَكَةٍ) [الدخان: 3] وهل في مطالع سعودك أشرقت بدور العيدين أم على جناح جنحك أسرى بنور طلعة الكونين ثم عرج به عليه الصلاة والسلام إلى منزلة قاب قوسين وهل في تجليات أسحارك يقول الرب هل من سائل فيناجيه العبد متضرعاً إليه بقلب خاشع ودمع سائل ومما اختصصت به من الفضائل أنه في دولتي سيد الأوائل والأواخر وناهيك بليالي شهر الله رجب وكيف لا وفي طالعها السعيد حملت آمنة سيد العجم والعرب "فطلع النهار" طلوع الأسد من غابه وكسر جيوش الدجى حين كشر عن نابع وشمر للحرب العوان غيرنا كل ولا وان ناشراً في الأفق رايته البيضاء وأسنته لامعة بين الخضراء والغبراء وقال والذي كساني حلل الملاحة وأطلق لساني بالبلاغة والفصاحة لأمحون سطور الدجى من طروس الوجود ولأثبتن حسن أحوالي في مقامات أهل الشهود فإني معروف بالوفاء وصدق الخبر موصوف بالصفاء الذي لا يشوب صفوه كدر كيف يباهيني الليل بمكارم الأخلاق ومحاسن الشيم وأنا أتحدث بنعم الله وهو موسوم بكفران النعم ألست مظهر الهداية والدلالة وهو مظهر الغواية والضلالة فكم أرشدت من أضله وأعززت من أهانه وأذله وكم أظهرت منه عيباً كان غبياً فابيضت عينه حزناً (وَاشْتَعَلَ الرّأْسُ شَيْباً) [مريم: 4].
ومن جهلت نفسه قدره

رأى غيره منه ما لا يرى
(1/184)
________________________________________
وكيف يزعم هذا العبد الأبق أنه لسيده في حلبة الشرف سابق وقد قال الواحد القهار (وَلاَ الْلّيْلُ سَابِقُ النّهَارِ) [يس: 40] إن هو وايم الله إلا كافر وبشموس أنوار الشهادة غير ظافر لو كان من السعداء لفاز بدار النعيم ولولا شقاؤه لما شابه سواد طبقات الجحيم وماذا يؤمله من الجزاء ويرجوه (يَوْمَ تَبْيَضّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدّ وُجُوهٌ) [آل عمران: 106] أما دري أن صحيفته سوداء مظلمة وصحيفتي تفصح عن نفس مؤمنة بالله مسلمة وأنى يرقى كتابه إلى عليين وهي من ظلمات الحجاب في سجين ثم أقبل عيه وأنشد مشيراً إليه:
يا مشبا في فعله لونه

لم تعد ما أوجبت القسمة

خلقك من خلقك مستخرج

والظلم مشتق من الظلمة
وقال كيف تدعي فوق حالك وأي فضل لمن منظره أسود حالك أما علمت أن الظاهر للباطن عنوان كما أن اللسان عن الجنان ترجمان: قال أفضل الخلق "ابتغوا الخير عند حسان الوجوه" وقال الشاعر:
لا تسأل المرء عن خلائقه

في وجهه شاهد من الخبر
فأنا مفتاح خزائن الأرزاق وبي يستفتح باب الكريم الرزاق وكفاني دليلاً على الفضل والكمال "إن الله تعالى جميل يحب الجمال" لقد سمعت أقاويلك التي قدمها بين يديك وزعمت أنها حجة عليك ولا جرم أن "لسان الجاهل مفتاح حتفه وكم من باغ قتل بصارم بغيه وحيفه أما انسلاخي منك فمن أملح الملح لي والغرر وهل تحق لأصناف الأصداف أن تنافس الدرر أليست (تلد الأمة ربتها حرة نجيبة) وقد قالوا (إن الليالي حبالى يلدن كل عجيبة) وما تقدمك علي فمن العادة تقدم الخدم بين يدي السادة:
أو ما ترى أن النبيّ محمداً

فاقَ البريّةَ وهو آخرُ مرسل
على أنه (أو ما خلق الله النور) كما ورد عن جابر في خبره المأثور.
(1/185)
________________________________________
وأما تحلي صفوتك بتجلي الحق تعالى في السحر فليس إلا لمن أحيا أحيانك بالمجاهدة والسهر وأما زهوك بقصة ظهور سيد ولد آدم الذي هو نتيجة مقدمات الكون وزبدة العالم فهل وقع اتفاق الرواة على ذلك وأنى لك هذا وصبح طلعته يمحو سوادك الحالك وأما خبر الإسراء فعني روته الأمة ثم بلغه الشاهد للغائب بعد أمة فما لاحت أسراره إلا بمطالعي ولا زاحت أستاره إلا بطوالعي وما أشرت إليه من بقية معانيك التي أضاءت بها في الخافقين نجوم معاليك فأنت أين من يوم عرفه الذي عرفه بأبهى الخصائص من عرفه وأين أنت من يوم عاشوراء الذي يعظم فيه الشكر والصبر على السراء والضراء وناهيك بسمو شأن العيدين فما أجلها من موسمين سعيدين وكيف تفاخرني بساعة تبدو منك مرة في كل عام ولي في كل أسبوع أمد تمتد فيه موائد الجود والإنعام فأخبار أخياري سارت بها الركبان وماست بنسيم رقتها معاطف البان وقدري فوق ما تصفه الألسن وعندي (مَا تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وَتَلَذّ الأعْيُنُ) [الزخرف: 71] فدع عنك قول الزور والمين (فقد بين الصبح لذي عينين) ولما أفاض النهار في حديث يفضح الأزهار أبدع في كنايته وتلويحه وأعرب في تعريضه وتصريحه (ابتدر له الليل) وأجلب عليه بالرجل والخيل وامتطى جواده الأدهم واعتم بعمامة سوداء وتلثم فأنسى بفتكاته عنترة بني عبس حين أمسى يتعود عمارة بالقتل والرمس ثم نشر في الأفق ذوائبه السود وعبس وبسر فأسر بسطوته الأسود وقال: (فَلاَ أُقْسِمُ بِالشّفَقِ {16} وَاللّيْلِ وَمَا وَسَقَ {17} وَالْقَمَرِ إِذَا اتّسَقَ) [الانشقاق: 16 18] لأسبينّ رومي النهار ولأجعلنّه عبرة لذوي الاعتبار لقد تزيا المملوك بزي الملوك وادعى مقام الوصول إلى صاحب السير والسلوك أما كفاه ازدرائي وتحقيري حتى حكم بتضليلي وتكفيري كم أسبلت على عوراته ذيل ستري وهو لا يبالي بهتك أستاري وكم أودعت مكنون سره في خزانة سري وهو يبوح بمصون أسراري أفّ له من فاضح أما يكفيه ما فيه من
(1/186)
________________________________________
المفاضح.
أنمُّ بما استودعتهُ من زجاجةٍ

يرى الشيءُ فيها ظاهراً وهو باطنُ
كيف احتجَّ لتقدمه بحديث جابر مع أن ما رواه لكسرى أعظم جابر فإنه برهن على تقدمي عليه لو أدرك سر ما أومأ إليه وعلام جعل السواد على النقص علامة وهو مشتق من السؤدد لدى كل علامة أما درى أني حزت من الكمال الحظ الأوفر حتى تحلى ببديع وصفي العنبر والمسك الأذفر.
إن كنتُ عبداً فنفسي حرةٌ كرماً

أو أسود الخلق إني أبيض الخلق
وهل يزري بالخال سواده البارع أو يغري بالبرص بياضه الناصع وفي بياض المشيب عبرة وأي عبرة فكم أجرى من الآماق أعظم عبرة.
له منظرٌ في العين أبيض ناصع

ولكنه في القلب أسود أسفعُ

ومن عاب نعت الشباب وفضل وصف الشيب فقد غاب عن شهود العيب وعالم الغيب (فما كل بيضاء شحمة ولا كل حمراء لحمة) ولما أنهى مقاله ومل مقامه شمر للرحلة أذياله وقوض خيامه فتهلل وجه الصباح وهلل بذكره (فَالِقُ الإِصْبَاحِ) [الأنعام: 96] وازدهاه السرور والابتهاج كأنه رب السرير والتاج.
فكأنّ الصبح لمّا

لاحَ من تحت الثريا
ملكٌ أقبل في التا

ج يفدّى ويحيّا
(1/187)
________________________________________
وبرز إلى المبارزة من بابها إذ كان من فرسانها وأربابها فسلب الليل لباسه وأذاقه شدته وبأسه وقال له أيها المعجب بنفسه المغرب في نقشه صحيفة زوره بنقسه (ما كل سوداء تمرة ولا كل صهباء خمرة) ألم تعلم أينا أبهى محيا وشتان ما بين الثرى والثريا أين سوادك من بياضي وما زهر نجمك إن تلألأ زهر رياضي وكم أطلعت بدوراً في مواكب السيارة فأضحت تزهو بجمالها على الكواكب السيارة وهل لك مثل الغزالة التي انفردت في الملاحة لا محالة فأنا الذي ضاء صباح الصباحة من محياه وضاع عبير العنبر من نشر أنفاسه وطيب رياه ولولاي ما عرف الحسن والجمال على وجه الأرض بدر الكمال: فوجم (الليل) لبراعة تلك العبارة وبلاغة ما لاح له من الرمز والإشارة ثم وثب للمقال كأنما أنشط من عقال وقال (رب ملوم لا ذنب له) ومظلوم خبيث الدهر أمله فإلى متى يسوءني النهار وحتى ما يسومني عذاب النار طالما أعرته أذناً صماء وعيناً عمياء وهو لا ينثني عن المقابلة ولا يرعوي عن المحاربة والمقاتلة أما تعلم أيها المغتر ببياضك أن السواد حلية أهل الزهد والصلاح وهل يسترق الأسود إلا سود أحداق الملاح بيد أن الحر لا يبالي بالجمال الظاهر وإنما يباهي بالفعل الجميل القلب الطاهر فإن تفاؤت المراتب بحسن تفاؤت المناقب.
وما الحسن في وجه الفتى شرفٌ له

إذا لم يكن في فعله والخلائق

وكم أعددت للأنس مقاعد وفي الأمثال (ربّ ساعٍ لقاعد) فإن ظلي ظليل ونسيمي عليلٌ بليل تهدأ بي الأنفاس وتسكن الأعضاء والحواس.
(فقام النهار) يعثر في ذيله وقد كفكف واكف سيله فما لبث أن تنفس الصباح وأظهر من سناه ما أخفى ضوء المصباح ورفرف بجناحه الأبيض على الدجى فاقتنصه من وكره بعدما سكن وسجا.
فكأنّ الصباح في الأفق بازٌ

والدجى بين مخلبيه غرابُ
وقال تبا لك أيها (الليل) فلقد أوتيت من المين أوفر نيل أي حديث لك صحيح وضعته وأي حق لك صريح أضعته.
عليك بالصدق ولو أنه
(1/188)
________________________________________
أحرقك الصدقُ بنار الوعيد

وأبغ رضا الله فأبغى الورى

من أسخط المولى وأرضى العبد
نعم لك في السمر خبرٌ مرفوع بيد أنه مكروه في السنة موضوع قد اشتهرت لكن بأقبح الأوصاف وعدلت لكن عن سبيل العدل والإنصاف تكتم عن المرء ما يرديه (وَتُخْفِي فِي نِفْسِكَ مَا اللّهُ مُبْدِيهِ) [الأحزاب: 37] وفي المثل (الليل أخفى للويل) فما أصعب مراسك قبل افترار سهيل وهل يترنم بذكرك إلا غافل وأنى يغتر بك عاقل ونجمك آفل وكيف تفتخر علي وأنت تفتقر إلي ولما سلب النهار بأساليب بيانه العقول "سكت الليل" ملياً ثم أنشأ يقول:
فعين الرضا عن كلّ عيب كليلةً

كما أن عين السخط تبدي المساويا
(1/189)
________________________________________
كيف أتصدى للكذب وأتردى باللهو واللعب وأنا المنعوت باللطف والظرف والموسوم بالصمت وغض الطرف كيف أورث الغرور وأوثر الغفلة على الحضور وأنا الداعي إلى ذكر الله وحده والساعي في رد الكثرة الوهمية إلى عين الوحدة وأنا الموصوف بالستر الجميل والمعروف بشكر المعروف والجميل وهل أحجب البصر عن شهود عالم الكثافة إلا لأكشف لعين البصيرة عن عالم اللطافة وبذلك يتحقق العبد بفنائه عن وجوده فيمده الرب تعالى بسر بقائه من خزائن جوده ثم قال: (النهار لليل) وقد هجم عليه هجوم السيل أيها المدعي مقام الدعوة إلى الله وهو في خال الغفلة عن مولاه لاه كيف تسنمت ذروة هذا المنبر كأنك تكتب بالمسك وتختم بالعنبر لقد أطلت فيما (لا طائل تحته) ولا معنى فكم ذا (أسمع جعجعة ولا أرى طحناً) فلو كنت ممن انتخب غرر الشيم وانتقى لاتعظت بقوله تعالى: (فَلاَ تُزَكّوَاْ أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتّقَىَ) [النجم: 32] فتنبه من غفلتك أيها "الليل" قبل أن تدعو بالثبور والويل وإلا فرقت طلائع سوادك أي تفريق ومزقت سوابغ ظلمك أي تمزيق (فما كل مرة تسلم الجرة) فاسود وجه الليل وانقلب (بحشف وسوء كيل) وندم على مناضلة النهار ندامة الفرزدق حين فارق النوار (ولما سقط في يده) ورزئ في عدة وعدده ترى بالسواد ولبس ثياب الحداد ثم لاح هلاله للعين كمنجل صنع من لجين.
انظرْ إلى حسنِ هلالٍ بدا

يجلو سنا طلعتهِ الحندسا

كمنجل قد صيغ من فضةٍ

يحصد من زهر الدجى نرجسا
وقال من ينصفني من هذا الجائر وينصت لي فأبثه شكوى الواله الحائر فحتام أعاني حد الظبا (وقد بلغ السيل الزبى).
وكنتُ كالمتمني أن يرى فلقاً

من الصّباح فلمّا أن رآه عمي
فانتبه طرف (النهار) وازدهر سراجه أي ازدهار وشرع يتلو سورة النور بكامل الابتهاج والشمس ترقم آية جماله بالذهب الوهاج.
وقابل الصبحُ جنح الليل أن يرى فلقاً

سطورهُ البيضُ في ألواحه السود
(1/190)
________________________________________
ثم قال أيها "الليل" البهيم (تَاللّهِ إِنّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ) [يوسف: 95] كيف تدعي أنك مظلوم وتشتكي من جوري وأنت الظلوم وهب أني قاتلتك ظلماً فأنت البادي وهل قابلتك إلا بما عدول فاستقل من دعوى المجد والفخر فقد (حَصْحَصَ الْحَقّ) [يوسف: 51] ووضح الفجر وإن أبيت سلوك محجتي ولم تتضح لك أدلة حجتي فهلم إلى حضرة الأمير (وَلاَ يُنَبّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) [فاطر: 14] فأنكر الليل زعمه التفرد بالفضل وادعاءه وأجاب في عرض أمرهما على الأمير دعاءه وقال "على الخبير سقطت وعند ابن بجدتها حططت".
"وكتب أيضاً مناظرة بين الأرض والسماء"
جالت السماء في ذلك المضمار وصالت ونوهت برفيع قدرها وقالت: (تَبَارَكَ الّذِي جَعَلَ فِي السّمَآءِ بُرُوجاً) [الفرقان: 61] ومنح أشرف الخلق إلي مروجاً وقدمني في الذكر في محكم الذكر وشرفني بحسن القسم وأتحفني بأوفر القسم وقدسني من النقائض والعيوب وأطلعني على الغوامض والغيوب وقد ورد أن الرب ينزل إلي كل ليلة فيولي من تعرض لنفحاته بره ونيله فيا له من تحفة جليلة ومنحة جزيلة يحق لي أن أجر بها ذيول العزة والافتخار وكيف لا والوجود بأسره باسط إلي أيدي الذلة والافتقار فلي العزة الباذخ والمجد الأثيل الشامخ لتفردي بالرفعة والسمو وعلو المنزلة دون غلو فقالت لها (الأرض) ويك لقد أكثرت نزراً وارتكبت بما فهمت به وزراً أما أنه لا يعجب بنفسه عاقل ولا يأمن مكر ربه إلا غافل ومن ادعى ما ليس له بقوله أو فعله فهلاكه أقرب إليه من شراك نعله وقد قيل من سعادة جدك وقوفك عند حدك ومن فعل ما شاء لقي ما ساء وما كفاك أن خطرت في ميادين التيه والإعجاب حتى عرضت لشتمي إن هذا لشيء عجاب وهل اختصك الله بالذكر أو أقسم بك دوني في الذكر أو آثرك بالتقديم في جميع كلامه القديم حتى ترديت بالكبرياء وتعديت طور الحياء.
إذا لم تخش عاقبة الليالي

ولم تستحِ فاصنع ما تشاءُ

فلا وأبيك ما في العيش خيرٌ
(1/191)
________________________________________
ولا الدنيا إذا ذهب الحياءُ

وكيف تزدرين أهلي بالذنوب والمعاصي وأنت تعلمين أن الله هو الآخذ بالنواصي فقابلتها (السماء) بوجهٍ قد قطبته ومجنّ قد قلبته وقالت لها في الحال أيتها القانعة بالمحال ما كنت أحسب أنك تجترئين على مبارزة مثلي وتنكرين علي ما ترنمت به من شواهد مجدي وفضلي وهل خلت أن التحدث بالنعم مما يلام عليه مع أنه أمر مندوب إليه ومن أمثال ذوي الفطنة والعقل ليس من العدل سرعة العذل ولم جحدت ظهور شمس كمالي وهل لك من الفضائل والفواضل كما لي ولكن لك عندي عذراً جلياً وإن كنت (لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً) [مريم: 27].
قد تنكرُ العينُ ضوء الشمس من رمدٍ

وينكرُ الفمُ طعمَ الماء من سقم

ولو رأيت ما فيك من المساوي عياناً لما ثنيت إلى حلبة المفاخرة عناناً فأنّى تفوزين بأشرف الأقدار وأنت موضع الفضلات والأقذار وما هذا التطاول والإقدام ووجهك موطئ النعال والأقدام إن هذا إلا فعل مكابر دعوى عريضة وعجزٌ ظاهر وهل يحق للكثيف أن يتغالى على اللطيف أم ينبغي للوضيع أن يتعالى على الرفيع فقالت لها (الأرض) أيتها المعتزة بطوالع أقمارها والمغترة بلوامع أنوارها (ما كل بيضاء شحمة ولا كل حمراء لحمة) فبم تزعمين أنك أتقى مني وأنقى (وَمَا عِندَ اللّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىَ) [الشورى: 36] وأنت واقفة لي على أقدام الخدمة جارية في قضاء مأربي بحسب الحكمة قد كفلك الحق بحمل مؤونتي وكلفك بمساعدتي ومعونتي ووكلك بإيقاد سراجي ومصباحي ووكلك إلى القيام بشؤوني في ليلي وصباحي وليس علوك شاهداً لك بالرتبة العلية فضلاً عن أن يوجب لك مقام الأفضلية (فما كل مرتفع نجد ولا كل متعاظم ذو شرف ومجد).
وإن علانيَ من دوني فلا عجبٌ

لي أسوةٌ بانحطاط الشمس عن زحلِ
(1/192)
________________________________________
فمن أعظم ما فقت به حسناً وجمالاً وكدت بأخمصيّ أطأ الثريا فضلاً وكمالاً تكوين الله مني وجود سيد الوجود فأفرغ علي به خلع المكارم والجود فهو بدر الكمال وشمس الجمال.
وأجمل منك لم ترَ قطُّ عينٌ

وأكملُ منك لم تلدِ النساء

خلقتَ مبرءاً من كلّ عيبِ

كأنّك قد خلقت كما تشاء

فأكرم به من نبي أسرني به وأرضى كيف لا ولولاه ما خلق سماء ولا أرضاً وجعلني له مسجداً وطهوراً وأقر به عيني بطوناً وظهوراً فأبرقت (السماء) وأرعدت وأرغت وأزبدت وقالت إن لم تتخط خطة المكابرة وتتخلى عن هذه المثابرة لأغرقنك في بحار طوفاني أو أحرقنك بصواعق نيراني وهل امتطيت السماكين أو انتعلت الفرقدين حتى تفتخري علي وتشيري بالذم إلي وتلك شهادة لي بالكمال وقد صدق من قال:
وإذا أتتكَ مذمتي من ناقصٍ

فهي الشّهادة لي بأني كاملُ
أم حسبت أن لك في ذلك حجة فخاطرت بنفسك في ركوب هذه اللجة وكنت كالباحث عن حتفه بظلفه والجادع مارن أنفه بكفه.
لكلّ داءِ دواءُ يستطبّ به

إلا الحماقة أعيت من يداويها
(1/193)
________________________________________
أما دعواك أني واقفة لك على أقدام الخدمة فهي مما يوجب لي عليك شكر الفضل والنعمة فلو تكفرت أن خادم القوم هو السيد والمولى وعرفت الفاضل من المفضول أو تدبرت أن اليد العليا خير من اليد السفلى لاستقلت من هذا الفضول فإن في قيامي بشؤونك أوضح أمارة وأما قولك مني سيد الوجود ومن اصطفاهم لحضرته الملك الودود فإن كنت تفتخرين بأشباحهم الظاهرة فأنا أفتخر بأرواحهم الطاهرة أما علمت أنها في ملكوتي تغد وتروح وبواردي بسطي وقبضي تشدو وتنوح فأنا أولى بهم وأحرى بالافتخار بحزبهم فلما سمعت (الأرض من السماء) مقالة تقطر من خلالها الدماء أطرقت لحمة بارق خاطف أو نغبة طائر خائف ثم قنّعت رأسها وصعدت أنفاسها وقال لقد أكثرت يا هذه من اللغط وما آثرت الصواب على الغلط فعلام تهزئين بي وتستخفين بحسبي ونسبي وإلام تنقضين عرى أدلتي ولا تعامليني بالتي وحتام تقابلينني بأنواع التأنيب ولم لا تقفي على حقيقتي بالتنقير والتنقيب أحسبت أن الجسم ما خلق إلا عبثاً ولا كان للنفس النفيسة إلا جدثا وفي ميدانه تتسابق الفهوم وتدرك عوارف المعارف والعلوم وبه تترقى الأرواح في مراقي الفلاح وكيف لا يكون مقدساً من كل غي ومين وهو لا يفتر عن تسبيح بارئه طرفة عين وإلى متى أنت علي متحاملة وعن آية العدل والإحسان متماحلة وأنا لك أسمع من خادم وأطوع من خاتم على أن لي من الفضائل ما ثبت بأصح البراهين والدلائل أم في بقعة من أشراف البقاع على الإطلاق لضمها أعضاء من تمم الله به مكارم الأخلاق وفي روضة من رياض الجنة كما أفصحت عن ذلك ألسنة السنة ومني الكعبة والمشعر الحرام والحجر وزمزم والركن والمقام وعلي بيوت الله تشد إليها الرحال (يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوّ وَالاَصَالِ {36} رِجَالٌ) [النور: 36] وأخرج مني طيبات الرزق فأكرم بها عبادة وأتم نعمته عليهم فجعل الشكر عليها عبادة وناهيك بما اشتملت عليه من الرياض والغياض ذات الأنهار والحياض التي تشفي
(1/194)
________________________________________
بنسيمها العليل وتنفي ببرد زلالها حر الغليل.
لمَ لا أهيم على الرياض وطيبها

وأظلُّ منها تحت ظلٍّ صافي

والزّهرُ يضحكُ لي بثغرِ باسم

والنهر يلقاني بقلب صافي

فأسفرت عن بدر طلعتها (السماء) وهي تزهو في برد السنا والسناء وقالت تناجي نفسها عندما رق السمر حتام أريها السهر وتريني القمر ثم عطفت عليها تقول وهي تسطو وتصول أيتها المعتدية لمفاضلتي والمتصدية لمناضلتي متى قيس التراب بالعسجد أو شبه الحصى بالزبرجد إن افتخرت بشرف هاتيك البقاع التي زها بها منك اليفاع والقاع فأين أنت من عرش الرحمن الذي تعكف عليه أرواح أهل الإيمان وأين أنت من البيت المعمور والكرسي الكلل بالنور وكيف تفتخرين علي بروضة من رياض الجنة وهي علي بأسرها فضلاً من الله ومنّة أم كيف تزعمين أنه كتب لك بأوفر الحظوظ وعندي القلم الأعلى واللوح المحفوظ، وأم ازدهاؤك بالحياض والأنهار والرياض المبتهجة بورود الورد والأزهار فليت شعري هل حويت تلك المعاني إلا بنفحات غيوثي وأمطاري أم أشرقت منك هاتيك المغاني إلا بلمحات شموسي وأقماري فكيف تباهيني بما منحتك إياه وعطرت أرجاءك بأريج نشره ورياه ويا عجباً منك كلما لاح علي شعار الحزن خطرت في أبهى حلة من حلل الملاحة والحسن وإن افترت ثغور بدور أنسي وقرّت ببديع جمالي عين شمسي زفرت زفرة القيظ وكدت أن تتميزي من الغيظ ما هذا الجفاء يا قليلة الوفاء وهل صفت أوقاتك إلا بوجودي أو طابت أوقاتك إلا بوابل كرمي وجودي ولو قطعت عنك لطائف الأمداد لخلعت ملابس الأنس ولبست ثياب الحداد أو حجبت عنك الشموس والأقمار لما ميزت بين الليل والنهار فهلا كنت بفضلي معترفة حيث إنك من بحر فيضي مغترفة فنزعت (الأرض) عن مقاتلتها وعلمت أنها لا قبل لها بمقاتلتها وحين عجزت عن العوم في بحرها واستسلمت تمائمها لسحرها بسطت لها بساط العتاب متمثلة بقول ذي اللطف والآداب.
إذا ذهبَ العتابُ فليس ودّ

ويبقى الودّ ما بقي العتابُ
(1/195)
________________________________________
ثم قالت اعلمي أيتها الموسومة بسلامة الصدر الموصوفة بسمو المنزلة وعلو القدر أن الله ما قارن اسمي باسمك ولا قابل صورة جسمي بجسمك إلا لمناسبة عظيمة وألفة بيننا قديمة فلا تشتمي بنا الأعداء وتسيئي الأحباء والأودّأء فإن لك من أعظم الرزايا وأشد المحن والبلايا.
كل المصائبِ قد تمر على الفتى

فتهون غير شماتة الأعداءِ

ألا وإن العبد محل النّقص والخلل وهل يسوغ لأحدٍ أن يبرئ نفسه من الزلل ومن يسلم من القدح ولو كان أقوم من القدح.
ومن ا الذي ترضى سجاياه كلّها

كفى المرء فضلاً أن تعد معايبه
هذا وإن لي مفاخر لا تنكر ومآثر تجل عن أن تحصر كما أنك في الفضل أشهر من نار على علم وأجل من أن يحصى ثناء عليك لسان القلم فإلى متى ونحن في جدال وجلاد نتطاعن بأسئلة ألسنة حداد وهل ينبغي أن يجر بعضنا على بعض ذيل الكبر والصلف ولكن عفا الله عما سلف وهذه لعمري حقيقة أمري فانظري إلي بعين الرضا واصفحي بحقك عما مضى ولما سمعت (السماء) هذه المقالة التي تجنح إلى طلب السلم والإقالة قالت لها مآرب لا حفاوة ومشرب قد وجدت له حلاوة وما ندبت إليه من المودة والإلفة فلأمر ما جدع قصير أنفه ولو لم تلقي إلي القياد لعاينت مني ما دونه خرط القتاد ولكن لا حرج عليك ولا ضير فإنك اخترت الصلح والصلح خير وكيف جعلت العتاب شرطاً بين الأحباب أو ما سمعت قول بعض أولي الألباب.
إذا كنت في كل الأمور معاتباً

صديقك لم تلق الذي لا تعاتبهُ

وإن أنت لم تشرب مراراً على القذى

ظمئتَ وأيُّ الناس تصفو مشاربهُ

وهأنا رادة إليك عوائد إحساني وموائد جودي وامتناني فقري عيني وطيبي نفساً وتيهي ابتهاجاً وأنساً وأبشري ببلوغ الوطر وزوال البؤس والخطر فسجدت الأرض شكراً وهامت نشوة وسكراً وتهلل وجهها سروراً وامتلأت طرباً وحبوراً.
"مناظرة بين فصول العام لابن حبيب الحلبي المتوفى سنة 401 ه"
(1/196)
________________________________________
(قال الربيع) أنا شاب الزمان وروح الحيوان وإنسان عين الإنسان أن حياة النفوس وزينة عروس الغروس ونزهة الأبصار ومنطق الأطيار عرف أوقاتي ناسم وأيامي أعياد ومواسم فيها يظهر النبات وتنشر الأموات وترد الودائع وتتحرك الطبائع ويمرح جنيب الجنوب ونزح وجيب القلوب وتفيض عيون الأنهار ويعتدل الليل والنهار كم لي عقد منظوم وطراز وشي مرقوم وحلة فاخرة وحلية ظاهرة ونجم سعد يدنى راعيه من الأمل وشمس حسن تنشدنا يا بعد ما بين برج الجدي والحمل عساكري منصورة وأسلحتي مشهورة فمن سيف غصن مجوهر ودرع بنفسج مشهر ومفغر شقيق أحمر وترس بهار يبهر وسهم آس يرشق فينشق ورمح سوسن سنانه أزرق تحرسها آيات وتكتنفها ألوية ورايات بي تحمر من الورد خدوده وتهتز من البان قدوده ويخضر عذار الريحان وينتبه من النرجس طرفه الوسنان وتخرج لخبايا من الزوايا ويفتر ثغر الأقحوان قائلاً أنا ابن جلا وطلاع الثنايا.
إن هذا الربيع شيءٌ عجيب

يضحك الأرض من بكاء السماء
ذهبٌ حيثما ذهبنا ودرٌّ

حيث درنا وفضّة في الفضاء
(1/197)
________________________________________
(وقال الصيف) أنا الخلّ الموافق والصديق الصادق والطبيب الحاذق أجتهد في مصلحة الأحباب وأرفع عنهم كلفة حمل الثياب وأخفف أثقالهم وأوفر أموالهم وأكفيهم المؤونة وأجزل لهم المعونة وأغنيهم عن شراء الفرا وأحقق عندهم أن كل الصيد في جوف الفرا نصرت بالصبا وأتيت الحكمة في زمن الصبابي تتضح الجادة وتنضج من الفواكه المادة ويزهو البسر والرطب وينصلح مزاج العنب ويقوى قلب اللوز ويلين عطف التين والموز وينعقد حب الرمان فيقمع الصفراء ويسكن الخفقان وتخصب وجنات التفاح ويذهب عرف السفرجل مع هبوب الرياح وتسود عيون الزيتون وتخلق تيجان النارنج والليمون مواعدي منقودة وموائدي ممدودة الخير موجود في مقامي والرزق مقسوم في أيامي.
الفقير ينصاع بملء مده وصاعه والغني يرتع في ربع ملكه وأقطاعه والوحش تأتي زرافات ووحداناً والطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً.
مصيف له ظل ظليلٌ على الورى

ومنْ حلا طعماً وحللَ أخلاطاً

يعالج أنواع الفواكه مبدياً

لصحتها حفظاً يعجز بقراطا
(1/198)
________________________________________
(وقال الخريف) أنا سائق الغيوم وكاسر جيش الغموم وهازم أحزاب السموم وحادي نجائب السحائب وحاسر نقاب المناقب أن أصد الصدى وأجود بالندي وأظهر كل معنى جلي وأسمو (بالوسمي والولي) في أيامي تقطف الثمار وتصفو الأنهار من الأكدار ويترقرق دمع العيون ويتلون ورق الغصون طوراً يحاكي البقم وتارة يشبه الأرقم وحيناً يبدو في حلته الذهبية فيجذب إلى خلته القلوب الأبية وفيها يكفي الناس هم الهوام ويتساوى في لذة الماء الخاص والعام وتقدم الأطيار مطربة بنشيشها رافلة في الملابس المجددة من ريشها وتعصر بنت العنقود وتوثق في سجن الدن بالقيود على أنها ل تجترح إثماً ولم تعاقب إلا عدواناً وظلماً بي تطيب الأوقات وتحصل اللذات وترق النسمات وترمى حصى الجمرات وتسكن حرارة القلوب وتكثر أنواع المطعوم والمشروب كم لي من شجرة أكلها دائم وحملها النفع المعتدي لازم وورقها على الدوام غير زائل وقدود أغصانها تخجل كل رمح زابل.
إن فصل الخريف وافى إلينا

يتهادى في حلةٍ كالعروس

غيره كان للعيون ربيعاً

وهو ما بيننا ربيعُ النفوسِ
(1/199)
________________________________________
(وقال الشتاء) أنا شيخ الجماعة وربُّ البضاعة والمقابل بالسمع والطاعة أجمع شمل الأصحاب وأسدل عليهم الحجاب وأتحفهم بالطعام والشراب ومن ليس له بي طاقة أغلق من دونه الباب أميل إلى المطيع القادر المستطيع المعتضد بالبرود والفرا المتمسك من الدينار بأوثق العرى ومن يعش عن ذكري ولم يمتثل أمري أرجفته بصوت الرعد وأنجزت له من سيف البرق صادق الوعد وسرت إليه بعساكر السحاب ولم أقنع من الغنيمة بالإياب معروفي معروف ونيل نيلي موصوف وثمار إحساني دانية القطوف كم لي من (وابل) طويل المدى (وجود) وافر الجدى (وقطر) حلا مذاقه (وغيث) قيد العفاة إطلاقه (وديمة) تطرب السمع بصوتها (وحياً) (وَيُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) [الروم: 50] أيامي وجيزة وأقاتي عزيزة ومجالسي معمورة بذوي السيادة مغمورة بالخير والمير والسعادة نقلها يأتي من أنواعه بالعجب ومناقلها تسمح بذهب اللهب وراحها تنعش الأرواح وسقاتها بجفونهم السقيمة تفتن العقول الصحاح إن ردتها وجدت مالاً ممدوداً وإن زرتها شاهدت لها بنين شهوداً.
"وكتب بعضهم مناظرة بين البر والبحر"
(1/200)
________________________________________
قال (البر) يا صاحب الدَّر ومعدن الدُر أطرقت رياضي ومزقت جسوري وأحواضي وأغرقت جثتي ودخلت جنتي وتلاطمت أمواجك على جنتي وأكلت حزائري وجروفي وأهلكت مرعى فصيلي وخروفي وأهزلت ثوري وحملي وفرسي وجملي وأجريت سفنك على أرض لم تجر عليها ولم تمل طرف غرابها إليها وغرست أوتادها على أوتاد الأرض وعرست في مواطن النفل والفرض وجعلت مجرى مراكبك في مجرى مراكبي ومشى حوتك على بطنه في سعد أخبية مضاربي وغاص ملاحك في ديار فرحي وهاجرت من القرى إلى أم القرى وحملت فلاحي أثقاله على القِرى وقد تلقيتك من الجنادل بصدري وحملتك إلى برزخك على ظهري وقبلت أمواجك بثغري وخلقت مقياسي فرحاً بقدومك إلى مصري وقد حرت وعدلت وفعلت فلعلك تغيض ولا يكون ذهابك عن ذهاب بغيض أو تفارق هذه الفجاج وتختلط بالبحر العجاج وإن لم تفعل شكوناك إلى من أنزلك من السماء وأنعم بك علينا من خزائن الماء؟
إذا لم تكن ترحم بلاداً ولم تغث

عباداً فمولاهم يغيث ويرحمُ

وإن صدرتْ منهم ذوبٌ عظيمةٌ

فعفو الذي أجراك يا بحر أعظمُ
نمدُّ إليه أيدياً لم نمدّها

إلى غيره والله بالحال أعلم

قال (البحر) يا بر يا ذا البرّ هكذا تخاطب ضيفك وهو يخصب شتاءك وصيفك وقد ساقني الله إلى أرضك الجزر ومعدن الدر والخزر لأبهج زرعها وخيلها وأخرج أبها ونخيلها وأكرم ساكنك وأنزل البركة في أماكنك وأثبت لك في قلب أهلك أحكام المحبة وأنبت بك لهم في كل سنبلة مائة حبة وأحييك حياة طيبة يبتهج بها عمرك الجديد ويتلو (كَذَلِكَ يُحْيِي اللّهُ الْمَوْتَىَ) [البقرة: 73] ألسنة العبيد وأطهرك من الأوساخ وأحمل إليك الإبليز فأطيبك به من عرق السباخ وأنا هدية الله إلى مصرك وملك عصرك القائم بنصرك ولولا بركاتي عليك ومسيري في كل مسرى إليك لكنت وادياً غير ذي زرع وصادياً غير ذي ضرع.
سريتُ أنا ماءُ الحياة فلا أذى

إذا ما حفظتُ الصحب فالمالُ هينُ
(1/201)
________________________________________
فكن خضراً يا بر واعلم بأنني

إلى طينك الظمآن بالري أحسن

وأسعى إليه من بلادٍ بعيدةٍ=وأحسن أجري بالتي هي أحسنُ
إذا طاف طوفاني بمقياسك الذي

يسرُّ بإتيان الوفاء ويعلنُ

فقم وتلقّاه ببسطتك التي

لروضها فضلٌ على الروض بينُ
ولعمري لقد تلطف (البر) في عتابه وأحسن ودفع (البحر) في جوابه بالتي هي أحسن وقد اصطلحا وهما بحمد الله أخوان متضافران على عمارة بلاده ونشر الثروة ونمو الخيرات بين عباده فالله تعالى يخصب مرعاهما ويحرسهما ويرعاهما.
"وكتب بعض الأدباء مناظرة بين الهواء والماء"
الحمد لله الذي رفع فلك الهواء على عنصر التراب والماء "أما بعد" فأنا (الهواء) الذي أؤلف بين السحاب وأثقل نسيم الأحباب وأهب تارة بالرحمة وأخرى بالعذاب وأنا الذي سير بي الفلك في البحر كما تسير العيس في البطاح وطار بي في الجو كل ذي جناح وأنا الذي يضطرب مني الماء اضطراب الأنابيب في القنا إذا صفوت صفا العالم وكان له نضرة وزهواً وإذا تكدرت انكدرت النجوم وتكدر الجو لا أتلون مثل الماء المتلون بلون الإناء: لولاي ما عاش كل ذي نفس ولولاي ما طاب الجو من بخار الأرض الخارج منها بعد ما احتبس ولولاي ما تكلم أدمي ولا صوت حيوان ولا غرد طائر على غصن بان ولولاي ما سمع كتاب ولا حديث ولا عرف طيب المسموع المشموم من الخبيث، فكيف يفاخرني الماء الذي إذا طال مكثه ظهر خبثه وعت فوقه الجيف وانحطت عنده اللآلئ في الصدف فقال ( الماء) الحمد لله الذي خلق كل حي (أما بعد): فأنا أول مخلوق ولا فخر وأنا لذة الدنيا والآخرة ويوم الحشر وأنا الجوهر الشفاف المشبه بالسيف إذا سل من الغلاف، وقد خلق الله في جميع الجواهر حتى اللآلئ والأصداف، أحيي الأرض بعد مماتها وأخرج منها للعالم جميع أقواتها وأكسو عرائس الرياض أنواع الحلل وأنثر عليها لآلئ الوبل والطلل حتى يضرب بها في الحسن المثل كما قيل:
إن السماءَ إذا لم تبك مقلتها
(1/202)
________________________________________
لم تضحك الأرض عن شيء من الزهر
فكيف ينكر فضلي من دب أو درج وأنا البحر الذي قيل عنه في الأمثال (حدث عن البحر ولا حرج) وأما أنت أيها الهواء فطالما أهلكت أمماً بسمومك وزمهريرك ولا تقوم جنتك بسعيرك.
وأما قولك لولاي ما عاش إنسان ولا بقي على الأرض حيوان فجوابه "لو شاء الله تعالى لعاش العالم بلا هواء كما عاش عالم الماء في الماء" وأنشدك الله أما رأيت ما حباني الله به من عظيم المنة حيث جعلني نهراً من أنهار الجنة أنا أرفع الأحداث وأطهر الأخباث وأجلو النظر وأزيل الوضر أما رأيت الناس إذا غبت عنهم يتضرعون إلى الله بالصوم والصلاة والصدقة والدعاء ويسألونه تعالى إرسالي من قبل السماء واعلم أنني ما نلت هذا المقام الذي ارتفعت به على أبناء جنسي إلا بانحطاطي الذي عيرتني به وتواضعي وهضم نفسي.
وكثر بينهما النزاع والجدال حتى حكم بينهما أمير وقال: إن كلاً منكما محق فيما أشبهكما في السماء بالفرقدين وفي الأرض بالعينين إلا أن مرآة الحق أرتني فضيلة تفضل بها أيها الماء أخاك الهواء وحققت لي بأنكما لستما في الفضل سواء وهي (أن الله تعالى خلق آدم من الماء) فاعترف لأخيك بالفضل والذكاء.
"وكتب المقدسي المتوفى سنة 875ه مناظرة بين الجمل والحصان"
(1/203)
________________________________________
قال "الجمل" أن أحمل الأثقال وأقطع بها المراحل الطوال وأكابد الكلال وأصبر على مر النكال ولا يعتريني من ذلك ملال وأصول صولة الإدلال بل أنقاد للطفل الصغير ولو شئت استصعبت على الأمير الكبير فأنا الذلول وللأثقال حمول لست بالخائن ولا الغلول ولا الصائل عند الوصول أقطع في الوحول ما يعجز عنه الفحول وأصابر الظلماء في الهواجر ولا أحول فإذا قضيت حق صاحبي وبلغت مآربي القيت حبلي على غاربي وذهبت في البوادي اكتسب من الحلال زادي فإن سمعت صوت حادي سلمت إليه قيادي وواصلت فيه سهادي وطلقت طيب رقادي ومددت إليه عنقي لبلوغ مرادي فأنا إن ضللت فالدليل هادي وإن زللت أخذ بيدي من إليه انقيادي وإن ظمئت فذكر الحبيب زادي وأنا المسخر لكم بإشارة (وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ) [النحل: 7] فلم أزل بين رحلة ومقام حتى أصل إلى ذلك المقام.
(1/204)
________________________________________
فقال (الحصان) أنا أحمل على كاهلي فأجتهد به في السير وأنطلق به كالطير أهجم هجوم الليل وأقتحم اقتحام السيل فإن كان طالباً أدرك في طلبه وإن كان مطلوباً قطعت عنه سببه وجعلت أسباب الردى عنه محتجبة فلا يدرك مني إلا الغبار ولا يسمع عني إلا الأخبار وإن كان الجمل هو الضابر المجرب فأنا السابق المقرب وإن كان هو المقتصد اللاحق فأنا المقرب السابق فإذا كان يوم اللقاء قدمت أقدام الواله وسبقت سبق نباله وذلك متخلف لثقل أحماله وإن أوثق سائسي قيدي وأمن قائدي كيدي أوثقت بشكالي لكيلا أحول على أشكالي وألجمت بلجامي كيلا أغفل عن قيامي وأنعلت الحديد أقدامي كيلا أكلّ عن إقدامي فأنا الموعود بالنجاة المعدود لنيل الجاه المشدود للسلامة المقصود للكرامة قد أجزل النعم عن إنعامه وأمضي بالعناية الأزلية أحكامه فإن الخير معقود بنواصي الخيل إلى يوم القيامة خلقت من الريح وألهمت التسبيح وما برح ظهري عزا وبطني كنزاً وصهوتي حرزاً فكم ركضت في ميدان السباق وما أبديت عجزاً وكم حززت رؤوس أهل النفاق حزاً وكم أخليت منهم الآفاق (هَلْ تُحِسّ مِنْهُمْ مّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً) [مريم: 98].
"الفن الثالث في الأمثال"
(1/205)
________________________________________
المثل عبارة عن تأليف لا حقيقة له في الظاهر وقد ضمن باطنه الحكم السافية وهي ثلاثة أقسام مفترضة ممكنة ومخترعة مستحيلة ومختلطة.
فالأمثال المفترضة الممكنة هي ما نسب فيها النطق والعمل إلى عاقل والمخترعة المستحيلة ما جاءت على ألسنة الحيوانات والجمادات فيعزى لها النطق والعمل لإرشاد الإنسان.
والمختلطة ما دار فيها الكلام أو العمل بين الناطق وغير الناطق.
وشروط المثل أربعة "الأول" أن تكون روايته خالية من كل تعقيد ليفضي المقصود منه إلى ذهن السامع "الثاني" أن لا يكون مسهباً مملاً "الثالث" أن يبهج السامع بطلاوته ويفكه فكرته بهزل كلامه وابتكار معانيه ويضبط عقله في فهم الرواية المختلفة وفض مشكلها "الرابع" أن يورد بصورة محتملة وفوائد المثل جمة منها نزهة البال وترويح الخاطر ومنها استقصاء الحكم. وهي قديمة العهد جداً ولا يعرف اسم أول من تكلم بها وكما تكون نثراً تكون نظماً. ولنذكر لك من الأمثال ما طاب وراق فنقول:
"أمثال القرآن الكريم"
أمثال القرآن الشريف قسمان ظاهر مصرح به وكامن لا ذكر للمثل فيه.
(1/206)
________________________________________
أما أمثاله الظاهرة فكقوله تعالى في شأن المنافقين: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمّآ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاّ يُبْصِرُونَ {17} صُمّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ {18} أَوْ كَصَيّبٍ مّنَ السّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِيَ آذَانِهِم مّنَ الصّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ {19} يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَآءَ اللّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنّ اللّهَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ {20} [البقرة: 17 20] وقوله تعالى في شأن الذي ينفق أمواله ابتغاء مرضاة الله والذي يُنفقها رياءً (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنّ وَالأذَىَ كَالّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ النّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لاّ يَقْدِرُونَ عَلَىَ شَيْءٍ مّمّا كَسَبُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ {264} وَمَثَلُ الّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللّهِ وَتَثْبِيتاً مّنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلّ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ {265} أَيَوَدّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنّةٌ مّن نّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلّ الثّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرّيّةٌ ضُعَفَآءُ فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيّنُ اللّهُ لَكُمُ
(1/207)
________________________________________
الاَيَاتِ لَعَلّكُمْ تَتَفَكّرُونَ) وقوله تعالى في تمثيل الحق والباطل: (أَنَزَلَ مِنَ السّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السّيْلُ زَبَداً رّابِياً وَمِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النّارِ ابْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقّ وَالْبَاطِلَ فَأَمّا الزّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمّا مَا يَنفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأمْثَالَ) [الرعد: 17] وقوله تعالى في تمثيل لحكمة وضدها: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيّبَةً كَشَجَرةٍ طَيّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السّمَآءِ {24} تُؤْتِيَ أُكُلَهَا كُلّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأمْثَالَ لِلنّاسِ لَعَلّهُمْ يَتَذَكّرُونَ {25} وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ) [إبراهيم: 24 26] وقوله جل شأنه في حال الكفار وما يعبدون من دون الله.
(ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ إِنّ الّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُواْ لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذّبَابُ شَيْئاً لاّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) [الح: 73] وقوله تعالى: (مَثَلُ الّذِينَ اتّخَذُواْ مِن دُونِ اللّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ) [العنكبوت: 41] وقوله تعالى في أن عمل الكافر يذهب هباء تذروه الرياح.
(1/208)
________________________________________
(مّثَلُ الّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدّتْ بِهِ الرّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاّ يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُواْ عَلَىَ شَيْءٍ) [إبراهيم: 18] وقوله تعالى: (وَالّذِينَ كَفَرُوَاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظّمْآنُ مَآءً حَتّىَ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللّهَ عِندَهُ فَوَفّاهُ حِسَابَهُ وَاللّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ {39} أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لّجّيّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لّمْ يَجْعَلِ اللّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ) [النور: 39 40].
وقوله تعالى في أن الدنيا ظل زائل وخيال باطل.
(وَاضْرِبْ لَهُم مّثَلَ الْحَيَاةِ الدّنْيَا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرّياحُ) [الكهف: 45] وقوله تعالى: (اعْلَمُوَاْ أَنّمَا الْحَيَاةُ الدّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأمْوَالِ وَالأوْلاَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَبَاتُهُ ثُمّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمّ يَكُونُ حُطَاماً) [الحديد: 20] وأما أمثاله الكامنة فهي الآداب البارعة والحكم الباهرة فمن ذلك قوله تعالى: (لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللّهِ كَاشِفَةٌ) [النجم: 58].
(لَن تَنَالُواْ الْبِرّ حَتّىَ تُنْفِقُواْ مِمّا تُحِبّونَ) [آل عمران: 92].
(الاَنَ حَصْحَصَ الْحَقّ) [يوسف: 51].
(وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ) [يس: 78].
(ذَلِكَ بِمَا قَدّمَتْ يَدَاكَ) [الحج: 10].
(قُضِيَ الأمْرُ الّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ) [يوسف: 41].
(أَلَيْسَ الصّبْحُ بِقَرِيبٍ) [هود: 81].
(وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ) [سبأ:
(1/209)
________________________________________
54].
(وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِيَ الشّكُورُ) [سبأ: 13].
(وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السّيّىءُ إِلاّ بِأَهْلِهِ) [فاطر: 43].
(قُلْ كُلّ يَعْمَلُ عَلَىَ شَاكِلَتِهِ) [الإسراء: 84].
(عَسَىَ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لّكُمْ وَعَسَىَ أَن تُحِبّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرّ لّكُمْ) [البقرة: 216].
(كُلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) [المدثر: 38].
(لّكُلّ نَبَإٍ مّسْتَقَرّ) [الأنعام: 67].
(هَلْ جَزَآءُ الإِحْسَانِ إِلاّ الإِحْسَانُ) [الرحمن: 60].
(كَم مّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً) [البقرة: 249].
(آلاَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ) [يونس: 91].
(تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتّىَ) [الحشر: 14].
(وَلاَ يُنَبّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) [فاطر: 14].
(كُلّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) [المؤمنون: 53] [الروم: 32].
(وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأسْمَعَهُمْ) [الأنفال: 23].
(مَا عَلَى الرّسُولِ إِلاّ الْبَلاَغُ) [المائدة: 99].
(مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ) [التوبة: 91].
(لاَ يُكَلّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَهَا) [البقرة: 286].
(لاّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطّيّبُ) [المائدة: 100].
(ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرّ وَالْبَحْرِ) [الروم: 41].
(لِمِثْلِ هََذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ) [الصافات: 61].
(فَاعْتَبِرُواْ يَأُوْلِي الأبْصَارِ) [الحشر: 2].
جملة من أمثال العرب والمولدين ما يماثلها من القرآن الكريم القتل أنفى للقتل (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) [البقرة: 179].
إن عادت العقرب عدنا لها (وَإِنْ عُدتّمْ عُدْنَا) [الإسراء: 8] (وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ) [الأنفال: 19].
إن غداً لناظره قريب (أَلَيْسَ الصّبْحُ بِقَرِيبٍ) [هود: 81].
قد وضح الأمر لذي عينين (الاَنَ حَصْحَصَ الْحَقّ) [يوسف: 51].
أعط أخاك تمرة فإن أبى فجمرة (وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ
(1/210)
________________________________________
الرّحْمََنِ نُقَيّضْ لَهُ شَيْطَاناً) [الزخرف: 36].
سبق السيف العذل (قُضِيَ الأمْرُ الّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ) [يوسف: 41].
قد حيل بي العير والنزوان (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ) [سبإ: 54].
عادت غيث على ما أفسد (ثُمّ بَدّلْنَا مَكَانَ السّيّئَةِ الْحَسَنَةَ) الأعراف: 95].
لكل مقام مقال (لّكُلّ نَبَإٍ مّسْتَقَرّ) [الأنعام: 67].
مصائب قوم عند قوم فوائد (تُصِبْكُمْ سَيّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا) [آل عمران: 120].
من حفر لأخيه بئراً وقع فيها (وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السّيّىءُ إِلاّ بِأَهْلِهِ) [فاطر: 43].
كل البقل لا تسأل عن المبقلة (لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) [المائدة: 101].
المأمول خير من المأكول (وَلَلاَخِرَةُ خَيْرٌ لّكَ مِنَ الاُولَىَ) [الضحى: 4].
لو كان في اليوم خير ما سلم على الصياد (وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأسْمَعَهُمْ) [الأنفال: 23].
الكلب لا يصيد كارهاً (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدّينِ) [البقرة: 256].
كل شاة ستناط برجليها (كُلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) [المدثر: 38].
عند الخنازير تنفق العذرة (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ) [النور: 26].
"الفن الرابع في الأوصاف"
(1/211)
________________________________________
الوصف عبارة عن بيان الأمر باستيعاب أحواله وضروب نعوته الممثلة له وأصوله ثلاثة: الأول: أن يكون الوصف حقيقياً بالموصوف مفرزاً له عما سواه. الثاني: أن يكون ذا طلاوة ورونق. الثالث: أن لا يخرج فيه إلى حدود المبالغة والإسهاب ويكتفي بما كان مناسباً للحال وأنواعه كثيرة لكنها ترجع إلى قسمينوهما وصف الأشياء ووصف الأشخاص أما الأشياء الحرية بالوصف فهي كالأمكنة والحوادث ومناظر الطبيعة.
وأما وصف الأشخاص فيكون بوصف الصورة أو الطبع أو بوصفها معاً.
ولنذكر لك فقراً جارية على ألسنة البلغاء في صفات شتى ثم نتبعها بمقالات في الوصف نثراً ونظماً.
"وصف البلدان"
بلدة كأنها صورة الخلد منقوشة في عرض الأرض، بلدة كأن محاسن الدنيا مجموعة فيها ومحصورة في بواحيها، بلدة ترابها عنبر وحصباؤها عقيق، وهواؤها نسيم وماؤها رحيق، بلدة معشوقة السكنى ورحبة المثوى كوكبها يقظان وجوها عريان، يومها غداة وليلها سحر، بلدة واسعة الرقعة طيبة البقعة، واسعة البلاد وسرتها ووجهها وغرتها.
"وصف القلاع"
قلعة حلقت بالجو تناجي لسماء بأسرارها، قالعة تتوشح بالغيوم،وتجتلي بالنجوم، قلعة متناهية في الحصانة ممتنعة عن الطلب والطالب منصوبة على أضيق المسالك وأوعر المناصب، لم تزدها الأيام إلا نبؤ أعطاف واستصعاب جوانب وأطراف، قد مل الملوك حصارها ففارقوها عن طماح منها وشماس وسئمت الجيوش ظلها فغادرتها بعد قنوط ويأس، فهي حمى لا يراع ومعقل لا يستطاع، كأن الأيام صالحتها على الإعفاء من الحوادث والليالي عاهدتها على التسليم من القوارع.
"وصف الدور"
(1/212)
________________________________________
دار قرار توسع العين قرة والنفس مسرة، كأن بانيها استسلف الجنة فجعلت له، دار تخجل منها الدور وتتقاصر عنها القصور، دار قد اقترن اليمن بينماها واليسر بيسراها الجسوم منها في حضر والعون على سفر، دار دار بالسعد نجمها وفاز بالحسن سهمها يخدمها الدهر ويأويها البدر ويكنفها النصر، هي مرتع النواظر ومتنفس الخواطر، أخذت أدوات الجنان وضحكت من العبقري الحسان.
"وصف الديار الخالية"
دار لبست البلى وتعطلت من الحلى، صارت من أهلها خالية بعدما كانت بهم حالية، قد أنفد البين سكانها وأقعد حيطانها، دار شاهد اليأس منها ينطق وحبل الرجاء فيها يقصر، كأن عمرانها يطوى وخرابها ينشر أركانها قيام وقعود وحيطانها ركع وسجود.
بكتْ دارهم من بهدهم فتهلَّلت

دموعي فأيَّ الجازعين ألومُ

أمستعبراً يبكي على اللهو البلى

أم آخر يبكي شجوه فيهيم

2"وصف أيام الربيع" يوم جلابيب غيومه رواق وأردية نسيمه رقاق، يوم سماؤه فاختية وأر ضه طاووسية، يوم ممسك السماء معصفر الهواء معنبر الروض مصندل الماء، يوم تبسم عنه الربيع وتبرج عنه الروض المريع، يوم كأن سماءهمحد وأرضه عروس تتجلى، يوم دجنه عاكف وقطره واكف.
"وصف الرياض"
(1/213)
________________________________________
روضة رقت حواشيها وتأنق واشيها، روضة كالعقود المنظمة على البرود المنمنمة، روضة قد راضتها كف المطر ودبجتها أيدي الندى، رياض كالعرائس في حيلها وزخارفها والقيان في وشيها ومطارفها باسطة زرابيها وأنماطها ناشرة برودها ورياطها زاهية بحمرائها وصفرائها تائهة بعيدانها وغدرانها وكأنما احتفلت لوفد أو هي من حبيب على وعد، روضة قد تضوعت بالأرج الطيب أرجاؤها وتبرجت في ظلل الغمام صحراؤها وتنافحت بنوافح المسك أنوارها وتعارضت بغرائب النطق أطيارها، بستان أنهاره محفوفة بالأزهار وأشجاره موقرة بالثمار، أشار كأن الحور أعارتها قدودها وكستها برودها وحلتها عقودها، شقائق كتيجان العقيق على رؤوس الزنوج كأنما أصداغ المسك على الوجنات الموردة كأن الشقيق جام من عقيق أحمر ملئت قرارته بمسك أذفر، الأرض زمردة والأشجار وشي والماء سيوف والطيور قيان، قد غردت خطباء الأطيار على منابر الأنوار والأزهار.
"وصف طول الليل والسهر وما يعرض فيه من الهموم والكفر".
ليلة قص جناحها وظل صاحبها، ليال ليست لها أسحار وظلمات لا يتخللها أنوار، ليل ثابت الأطناب بطيء الغوراب طامح الأمواج وافي الذوائب بات بليلة ساورته فيها الهموم وسامرته النجوم واكتحل السهاد وافترش القتاد اكتحل بماء السهر وتململ على فراش الكفر قد أقض مهاده وقلق وساده هموم تفرق بين الجنب والمهاد وتجمع بين العين والسهاد.
"وصف انتصاف الليل وتناهيه وانتشار النور وأفول النجوم".
(1/214)
________________________________________
قد اكتهل الظلام قد نصفنا عمر الليل واستغرقنا شبابه قد شاب رأس الليل كاد ينم النسيم بالسحر قد انكشف غطاء الليل وستر الدجى: هرم الليل وشمطت ذوائبه، قوضت خيام الليل وخلع الأفق ثوب الدجى تبسم الفجر ضاحكاً من شرقه ونصب أعلامه على منازل أفقه، اقتنص بازي الضوء غراب الظلام وفض كافور النور مكن الغسق مسك الختام طرز قميص الليل بغرة الصبح، باح الصبح بسره، خلع الليل ثيابه وحدر الصبح نقابة بث الصبح طلائعه تبرقع الليل بغرة الصبح أطار منادي الصبح غراب الليل عزلت نوافج الليل بجامات الكافور وانهزم جيش الظلام عن عسكر النور مالت الجوزاء وانطفأ قنديل الثريا.
"وصف طلوع الشمس وغروبها"
بدا حاجب الشمس ألقت الغزالة لعابها وضربت الضحى أطنابها وانتشر جناح الضو في أفق لجو استوى شباب النهار على رونق الضحى بلغت الشمس كبد السماء قام قائم الهاجرة ورمت الشمس بجمرات الشمس اصفرت غلالة الشمس وصارت كأنها الدينار يلمع في قرار الماء نفضت تبراً على الأصيل وشدت رحلها للرحيل جنحت الشمس إلى مغاربها دلكت دلوح واغبر لوح اللوح تصوبت الشمس للمغيب تضيفت للغروب فآذن جنبها بالوجوب شاب النهار وأقبل شاب الليل استتر وجه الشمس وتوارت بالحجاب كأن الأمر من مطلع الفلق إلى مجمع الغسق.
"وصف الرعد والبرق"
قام خطيب الرعد نبض عرق البرق، سحابة ارتجزت رعودها وذهبت ببروقها برودها، نطق لسان الرعد وخفق قلب البرق، فالعرد ذو صخب والبرق ذو لهب، ابتسم البرق عن قهقهة الرعد، زأرت أسود الرعد ولمعت سيوف البرق رعدت الغمائم وبرقت، وانحلت عرى السماء فطبقت هدرت رواعدها وقربت أبعادها وصدقت مواعدها.
"وصف مقدمات المطر"
(1/215)
________________________________________
لبست المساء سربالها وسحبت السحائب أذيالها قد احتجت السماء في سرادق الغيم، لبس الجو مطرفه الأدكن باحت الريح بأسرار الندى ضريت خيمة الغمام، ابتل جناح الهواء واغرورقت مقلة السماء هبت شمائل الجنائب لتأليف شمل السحائب، تألفت أشتات الغيوم وأسبلت الستور على النجوم.
"وصف البرد والثلج وأيام الشتاء"
مد الثلج شتائه وألقى أرواقه وحل نطاقه أناخ بنوازله وأرسى بكلاكله وكلح بوجهه وكشر عن أنيابه قد عادت الجبال شيبا ولبست من الثلوج ملاء قشيباً شابت مفارق البروج بتراكم الثلوج ألم الشيب بها وابيضت لممها وبرد يقضقض الأعضاء وينقض الأحشاء برد يجمد الريق في الأشداق والدمع في الآماق يوم كأن الأرض شابت لهوله يوم فضي الجلباب مسكي النقاب عبوس قمطرير كشر عن ناب الزمهرير وفرش الأرض بالقوارير يوم أرضه كالقوارير اللامعة وهواؤه كالزنابير اللاسعة.
"وصف المطر والماء والسحاب والغدران"
ماء إذا مسته أيدي النسيم حكى سلاسل الفضة غدير ترقرقت فيه دموع السحائب وتواترت عليه أنفاس الرياح الغرائب انحل عقد السماء وانهل دمع الأنواء انحل سلك القطر در البحر سحابة تحدو من الغيوم جمالاً وتمد من الأمطار حبالاً سحابة ترسل الأمطار أمواجاً والأمواج أفواجاً سحابة يضحك من بكائها الروض وتخضر من سواتها الأرض سحابة لا تجف جفونها ولا يجف أنينها ديمة روت أديم الثرى ونبهت عيون النور من الكرى سحابة ركبت أعناق الريح وسحت كأفواه الجراح مطر كأفواه القرب.
"وصف القيظ وشدة الحر"
(1/216)
________________________________________
حر يشبه قلب الصب ويذيب دماغ الضب قوي سلطان الحر وبسط بساط الجمر أوقدت الشمس نارها وأذكت أوارها حر يلفح حر الوجه، هاجرة كأنها من قلوب العشاق إذا اشتعلت فيها نار الفراق هاجرة تحكي نار المهجر وتذيب قلب الصخر حلا يهرب له الحرباء من الشمس قد صهرت الهاجرة الأبدان وركبت الجنادب العيدان حر ينضج الجلود ويذيب الجلمود أيام كأيام الفرقة امتداداً وحر كحر الوجد اشتداداً هاجرة كالسعير الهاجم يجر أذيال السمائم.
"وصف الشيب"
ذوى غصن شبابه بدت في رأسه طلائع المشيب أقمر ليل ظهرت غرة القمر وأومض البرقفي ليل الشعر رمي فاحم القود بضده واشتعل المبيض في مسودة لمع ضوء فرعه وتفرق شمل جمعه علاه غبار وقائع الدهر، بينما هو راقد في ليل الشباب أيقظه صبح المشيب طوى مراحل الشباب وأنفق عمره بغير حساب جاوز من الشباب مراحل وورد من الشيب مناهل، فل الدهر شبا شبابه ومحا محاسن روائه طار غراب شبابه وشاب أترابه استبدل بالأدهم الأبلق وبالغراب العقعق استعاض من الغراب بقادمة النسر أسفر صبح المشيب علته أهبة الكبر نفض جبة الصبا وتولى داعية الحجا الشيب زبدة مخضتها الأيام وفضة محصتها التجارب سرى في طريق الرشد بمصباح الشيب، الشيب خطام المنية الشيب نذير الآخرة.
"وصف آلات الكتابة"
الدواة من أنفع الأدوات وهي للكتابة عتاد وللخاطر زناد غدير لا يرد غير الأفهام ولا يمتح بغير أرشية الأقلام غدير تفيض ينابيع الحكمة من أقطاره وتنشأ سحب البلاغة من قراره مداد كسواد العين وسويداء القلب وجناح الغراب ولعاب الليل وألوان دهم الخيل، مداد ناسب خافية الغراب واستعار لونه من شرخ الشباب أقلام جمة المحاسن بعيدة من المطاعن أنابيب ناسبت رماح الخط في أجناسها وشاكلت الذهب في ألوانها وضاهت الحديد في لمعانها أقلام كأنها الأميال استواء والآجال مضاء بطيئة الخفى قوية القوى، قلم لا ينبو إذا نبت الصفاح ولا يحجم إذا أحجمت الرماح قلم يسكت واقفاً وينطق ساكتاً.
(1/217)
________________________________________
"وصف لخطباء"
جلوا بكلامهم الأبصار العليلة وشحذوا بمواعظهم الأذهان الكليلة ونبهوا القلوب من رقدتها ونقلوها عن سوء عادتها فشفوا من داء القسوة وغباوة الغفلة وداووا من العي الفاضح ونهجوا لنا الطريق الواضح خطيب لا تناله حبسة ولا ترتهنه لكنة ولا تتمشى في خطابه رتة ولا تتحيف بيانه عجمة ولا تعترض لسانه عقدة خطيب جواهر نفثاته صحاح وعرائس أفكاره صباح خطيب تزينت بدرر ألفاظه عقود الملح، لا عيب فيه إلا أن لفظه عطل الياقوت والدر خطيب مصقع ينثر لسانه اللؤلؤ المكنون هو الخطيب المصقع الذي أشخص بآيات خطبه الزاجرة عيون القوم وأبكاها هو الخطيب المصقع الذي تتلاعب بالعقول معانيه ويصاغ الدر من لفظ فيه هو الخطيب الذي تهتز له المنابر وتنقاد إليه كلمات السحر متسابقة آخذاً بعضها برقاب بعض.
"وصف العلماء"
يدر العلوم اللائح وقطرها الغادي والرائح وثبيرها الذي لا يزحم ومنيرها الذي ينجلي به ليلها الأسحم أما فنون الأدب فهو ابن بجدتها وأخو جملتها و أبو عذرتها ومالك أزمتها تستخرج الجواهر من بحوره وتحلى لمعات الطروس بقلائد سطوره تآلبفه غرر منيرات أضاءت في وجوه دعم المشكلات عالم أقلامه نفثات السحر تآليفه عقائد أصبح الدهر من خطابها له بدائع مائسات الأعطاف، بحر البيان الزاخر شيخ المعارف وإمامها ومن في يديه زمامها لديه تنشد ضوال الأعراب وتوجد شوارد اللغة والإعراب مالك أعنة العلوم وناهج طريقها والعارف بترصيعها وتنميقها الناظم لعقودها الراقم لبرودها المجيد لإرهافها العالم بجلائها وزفافها ملك رق الكتابة والإنشاء وتصرف في فنون الإبداع كيف شاء عالم يتفجر العلم من جوانبه وتنطق الحكمة من نواحيه صاحب المصنفات التي دلت على وفرة اطلاعه وغزارة مادته وحسن بيانه لم يترك معنى مغلفاً إلا فتح صياصيه ولا مشكلاً إلا أوضح مبانيه.
"وصف البلغاء"
(1/218)
________________________________________
فلان يحوك الكلام على حسب الأمان ويخيط الألفاظ على قدود المعاني يجتني من الألفاظ أنوارها ومن المعاني ثمارها يعبث بالكلام ويقوده بألين زمام حتى كأن الألفاظ تتحاسد في التسابق إلى خواطره والمعاني تتغير في الانتثال على أنامله، بليغ نسق من جواهر كلامه أكاليل در ما لمنظمها سلك، بليغ تفك سهام أفكاره الزرد ناظم سلك البلاغة وقائد زمام البراعة إذا أوجز أعجز وإذا شاء أطال وأطلق من البلاغة العقال إذا أذكى سراج الفكر أضاء ظلام الأمر يستنبط حقائق القلوب ويستخرج ودائع الغيوب.
"وصف الشعراء والمنشئين ومحاسن النظم والنثر"
مقذف حصى القريض وجماره ومطلع شموسه وأقماره ونثره سحر البيان ونظمه قطع الجمان طلعت شمس الأدب من أفق أشعاره وتفجرت ينابيعها من خلال آثاره، شاعر توقدت جمرات أفكاره، وشاعر عرائس أفكاره صباح إن نثر بالنجوم في أفلاكها أو نظم فالجواهر في أسلاكها أخذت بمجامع القلوب كلمة إذا كتب انتسب ونسق المعجزات نسق حساب وأرى البدائع بيض الوجوه كريمة الأحساب إن نثر رأيت بحراً يزخر وإذا نظم أزرى بنظم العقود وأتى بأحسن من رقم البرود إذا كتب ملأ المهارق بياناً وأرى السحر عياناً هو الكاتب الذي تحسد أرقام الطراز سطور قلمه ويود التبر لو كان مداد كلمة هو الكاتب لذي تنقاد إلى يراعه دقائق المعاني صاغرة بزمام، نثر كمثر الورد ونظم كنظم العقد نثر كالسحر أو أدق ونظم كالماء أو أرق نثر كما تفتح الزهر ونظم كما تنفس السحر، رسالة تضحك عن غرر وزهر وقصيدة تنطوي على حبر ودرر كلام كما هب نسيم السحر على صفحات الزهر، كتاب مطلعه مطلع أهله الأعياد وموقعه موقع نيل المراد، كتاب حسبته يطير من يدي لخفته ويلطف عن حسي لقلته صحائف تنوب عن الصفائح وقراطيس تزف إلى الأسماع عرائس القرائح صحائف ألبسها الحبر أثواباً من الحبر ودبجها صوب الفكر لا صوب المطر.
"وصف الأمراء والأشراف"
(1/219)
________________________________________
فلان من شرف العنصر لكريم ومعدن الشرف الصميم أصل راسخ وفرع شامخ ومجد باذخ قد ركب الله دوحته في قرارة المجد وغرس نبعته في منبت الفضل، والمج السان أوصافه والشرف نسب أسلافه دوحة رسب عرقها وبسق فرعها وطاب عودها واعتدل أوصافه والشرف نسب أسلافه دوحة رسب عرقها وبسق فرعها وطاب عودها واعتدل عمودها وفيأت ظلالها وتهدلت ثمارها ولفرعت أغصانها وبرد مقيلها أمير جيشيه الهمم دوحة مجده وريفه الظل وريقة أمير لا عيب في نداه إلا أنه يستعبد كل حر هو غرة الجمال وصورة الكمال عقد المناصب به نضيد، أمير عبقت من شمائله نسمات الند وقطرت من سلسبيل أوصافه مياه المجد جامع ما تفرق من شمل الفضائل ناظم ما انتثر من عقد المآثر، أنارت به نجوم المعالي وشموسها، له شرف باذخ تعقد بالنجوم ذوائبه، ألقت إليه الرسالة مقاليدها وملكته طريفها وتليدها أمير تفرع من دوحة سناء وتحدر من سلالة أكابر ورقاه أسرة ومنابر مرتضع ثدي المجد ومفترش حجر الفضل له صدر تضيق به الدهناء وتفزع إليه الدهماء لهفي كل مكرمة غرة إلا صباح وفي كل فضيلة قادمة الجناح له صورة تستنطق الأفواه بالتسبيح ويترقرق فيها ماء الكرم وتقرأ فيها صفيحة البشر ينابيع الجود تتفجر من أنامله وربيع السماك يضحك من فواضله له أخلاق خلقن من الفضل وشيم تشام منها بوارق المجد أرج الزمان بفضله، وعقم النساء عن الإتيان بمثله ما له للعفاة مباح وفعاله في ظلمة الدهر مصباح، مناقب تشدخ في جبينها غرة الصباح وتتهادى أنباءها وفود الرياح سألت عن أخباره فكأني حركت المسك فتيقاً أو صبحت الروض أنيقاً هو رائش نبلهم ونبعة فضلهم وواسطة عقدهم، لههمة علا جناحها إلى عنان النجم وامتد صباحها من شرق إلى غرب همته أبعد من مناط الفرقد وأعلى من منكب الجوزاء موضعه من أهل الفضل موضع الواسطة من العقد وليلية التم من الشهر بل ليلة القدر إلى مطلع الفجر هطلت علي سحائب عنايته ورفرفت حولي أجنحة رعايته قد استظهرت على
(1/220)
________________________________________
جور الأيام بعدله واستترت من دهري بظله قد غرقتني نعمه حتى استنفدت شكر لساني ويدي، تتابعت نعمه تتابع القطر على القفر وترادفت مننه ترادف اليسر إلى ذي الفقر له أياد قد عمت الآفاق وطوقت الأعناق أياد قد حسبت عليه الشكر واستعبدت له الحر منن توالت توالي القطر واتسعت سعة البر والبحر وأثقلت كاهل الحر.
"وصف القلم"
القلم أحد اللسانين وهو المخاطب للغيوب بسرائر القلوب على لغات مختلفة من معان معقولة بحروف معلولة متباينات الصور مختلفات الجهات لقاحها التفكر ونتاجها التدبير تخرس منفردات وتنطق مزدوجات بلا أصوات مسموعة ولا ألسن محدودة ولا حركات ظاهرة خلا فلم حرف باريه قطته ليتعلق المداد به وأرهف جانبيه ليرد ما انتشر عنه إليه وشق رأسه ليحتبس المداد عليه فهنالك استمد القلم بشقه ونثر في القرطاس بخطه حروفاً أحكمها التفكر وأولى الإسماع بها الكلام الذي سداه العقل وألمحه اللسان ونهسته اللهوات وقطعته الأسنان ولفظته الشفاه ووعته الأسماع عن أنحاء شتى من صفات وأسماء. قال البحتري:
طعانٌ بأطراف القوافي كأنه

طعان بأطراف القنا المتكسر
"وصف الخط لأبي الحسن القيرواني المتوفي سنة 488 ه?"
سئل بعض الكتاب عن الخط متى يستحق أن يوصف بالجودة قال: إذا اعتدلت أقسامه وطالت ألفه ولامه واستقامت سطوره وضاهى صعوده وحدوره وتفتحت عيونه ولم تشتيه راؤه ونونه وأشرق قرطاسه وأظلمت أنفاسه ولم تختلف أجناسه وأسرع إلى العيون تصوره وإلى العقول تثمره وقدرت فصوله واندمجت أصوله وتناسب دقيقه وجليله وخرج من نمط الوراقين وبعد عن تصنع المحبرين وأقام لصاحبه مقام النسبة والحلية.
"وصف الكتاب"
(1/221)
________________________________________
الكتاب نعم الأنيس في ساعة الوحدة ونعم المعرفة في دار الغربة ونعم القرين والدخيل ونعم الزائر والنزيل وعاء مليء علماً وظرفاً وإناء ملئ مزحاً وجداً وحبذا بستان يحمل في خرج وروض يقلب في حجر هل سمعت بشجرة: (تُؤْتِيَ أُكُلَهَا كُلّ حِينٍ) [إبراهيم: 25] يألوان مختلفة وطعوم متباينة هل سمعت بشجرة لا تؤذى وزهر لا يتوى وثمر لا يفنى ومنة لك بجليس يفيد الشيء وخلافه والجنس وضده ينطق عن الموتى ويترجم عن الأحياء إن غضبت لم يغضب وإن عربدت لم يصخب أكتم من الأرض وأنم من الريح وأهوى من الهوى وأخدع من المنى وأمتع من الضحى وأنطق من سحبان وائل وأعيا من باقل هل سمعت بمعلم تحلا بخلال كثيرة وجمع أوصافاً عديدة عربي وفارسي يوناني هندي سندي رومي إن وعظ أسمع وإن ألهى امنع وإن أبكى أدمع وإن ضرب أوجع يفيدك ولا يستفيد منك ويزيدك ولا يستزيد منك إن جد فعبرة وإن مزح فنزهة قبر الأسرار ومخزن الودائع قيد العلوم وينبوع الحكم ومعدن المكارم ومؤنس لا ينام يفيدك علم الأولين ويخبرك عن كثير من أخبار المتأخرين هل سمعت في الأولين أو بلغك أن أحداً من السالفين جمع هذه الأوصاف مع قلة ومؤونته وخفة محمله لا يرزؤك شيئاً من دنياك نعم المدخر والعدة والمشتغل والحرفة جليس لا يطريك ورفيق لا يملك يطيعك في الليل طاعته في النهار ويطيعك في السفر طاعته في الحضر إن أطلت النظر إليه أطال إمتاعك وشحذ طباعك وبسط لسانك وجود بيانك وفخم ألفاظك إن الفته خلد على الأيام ذكرك وإن درسته رفع في الخلق قدرك وإن نعته نوه عندهم باسمك يقعد العبيد في مقاعد السادات ويجلس السوقة في مجالس الملوك فأكرم به من صاحب وأعزز به من موافق.
"وصف عاصفة لجلال الدين السيوطي المتوفى سنة 911 ه?"
(1/222)
________________________________________
أتى عارض في ليل الجمعة التاسعة من جمادى الآخرة كانت فيه ظلمات متكاثفة وبروق خاطفة ورياح عاصفة فقويت أهويتها واشتد هبوبها فتافعت لها أعنة مطلقات وارتفعت لها صواعق مصفعات فرجفت لها الجدران واصطفق وتلاقت على بعدها واعتنقت، وثار بين السماء والأرض عجاج فقيل لعل هذه على هذه أطبقت وتحسب أن جهنم قد سال منها واد وعدا منها عاد وزاد عصف الرياح إلى أن انطفأت مصابيح النجوم ومزق أديم السماء ومحا ما فوقه من الرقوم لا عاصم من الخطف للأبصار ولا ملجأ من الخطب إلا معاقل الاستغفار وفر الناس نساء ورجالاً ونفروا دورهم خفافاً وثقالا لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً فاعتصموا بالمساجد الجامعة وأذعنوا للنازلة بأعناق خاضعة ووجوه عانية ونفوس عن الأهل والمال سالية ينظرون من طرف خفي ويتوقون أي خطب جلي قد انقطعت من الحياة علقهم وعميت عن النجاة طرقهم ووقعت الفكرة فيما هم عليه قادمون وقاموا إلى صلاتهم وودوا أن لو كانوا من الذين هم عليها دائمون إلى أن أذن الله في الركود وأسعف الهاجدين بالهجود وأصبح كل يسلم على رفيقه ويهنئه بسلامة طريقه ويرى أنه قد بعث بعد النفخة وأفاق بعد الصيحة والصرخة وأن الله قد رد له الكرة وأدبه بعد أن كاد يأخذه على غرة ووردت الأخبار بأن كسرت المراكب في البحار والأشجار في القفار وأتلف خلق كثير من السفار ومنهم من وفر فلم ينفعه الفرار.
"وصف العلم لبديه الزمان الهمذاني المتوفي سنة 398 ه?"
العلم شيء بعيد المرام لا يصاد بالسهام ولا يقسم بالأزلام ولا يرى في المنام ولا يضبط باللجام ولا يكتب للثام ولا يورث عن الآباء والأعمام.
وزرع لا يزكو إلا متى صادف الحزم ثرى طيباً ومن التوفيق مطراً صبياً ومن الطبع جوا صافيا ومن الجهد روحا دائما ومن الصبر سقيا نافعاً.
وغرض لا يصاب إلا بافتراش المدر واستناد الحجر ورد الضجر وركوب الخطر وإدمان السهر واصطحاب السفر وكثرة النظر وإعمال الفكر.
"وصف الإمام العادل"
(1/223)
________________________________________
كتب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لما ولي الخلافة إلى الحسن بن أبي الحسن البصري أن يكتب إليه بصفة الإمام العادل فكتب إليه الحسن: اعلم يا أمير المؤمنين أن الله جعل الإمام العادل قوام كل مائل وقصد كل جائر وصلاح كل فاسد وقوة كل ضعيف ونصفة كل مظلوم ومفزع كل ملهوف والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالراعي الشفيق على إبله الرفيق الذي يرتاد له أطيب المرعى يذودها عن مراتع المهلكة ويحميها من السباع ويكنفها من أذى الحر والقر، والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالأب الحاني على ولده يسعى لهم صغاراً ويعلمهم كباراً يكتسب لهم في حياته ويدخر لهم بعد مماته، والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالأم الشفيقة البرة الرفيقة بولدها حملته كرها ووضعته كرها وربته طفلاً تسهر بسهره وتسكن بسكونه ترضعه تارة وتفطمه أخرى وتفرح بعافيته وتغتم بشاكيته والإمام العدل يا أمير المؤمنين وصي اليتامى وخازن المساكين يربي صغيرهم ويمون كبيرهم، والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالقلب بين الجوانح تصلح الجوانح بصلاحه وتفسد بفساده، والإمام العدل يا أمير المؤمنين هو القائم بين الله وبين عباده يسمع كلام الله ويسمعهم وينظر إلى الله ويريهم وينقاد إلى الله ويقودهم فلا تكن يا أمير المؤمنين فيما ملكك الله كعبد إئتمنه الله سيده واستحفظه ماله وعياله فبدد المال وشرد العيال فأفقر أهله وفرق ماله واعلم يا أمير المؤمنين أن الله أنزل الحدود ليزجر بها عن الخبائث والفواحش فكيف إذا أتاها من يليها وأن الله أنزل القصاص حياة لعباده فكيف إذا قتلهم من يقتص منهم. واذكر يا أمير المؤمنين الموت وما بعده وقلة أشياعك عنده وأنصارك عليه فتزود له ولما بعده من الفرع الأكبر واعلم يا أمير المؤمنين أن لك منزلاً غير منزلك الذي أنت فيه يطول فيه ثواؤك ويفارقك أحباؤك يسلمونك في قعره فريداً وحيداً فتزود له ما يصحبك (يَوْمَ يَفِرّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ {34} وَأُمّهِ
(1/224)
________________________________________
وَأَبِيهِ {35} وَصَاحِبَتِهُ وَبَنِيهِ) [عبس: 34 36] واذكر يا أمير المؤمنين (إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ {9} وَحُصّلَ مَا فِي الصّدُورِ) [العاديات: 9 10] فالأسرار ظاهرة، و(الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصَاهَا) [الكهف: 49]، فالآن يا أمير المؤمنين وأنت في مهل قبل حلول الأجل وانقطاع الأمل، لا تحكم يا أمير المؤمنين عباد الله بحكم الجاهلين ولا تسلك بهم سبيل الظالمين ولا تسلط المستكبرين على المستضعفين فإنهم لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة فتبوء بأوزارك وتحمل أثقالك وأثقالاً مع أثقالك ولا يغرنك الذين يتنعمون بما فيه بؤسك ويأكلون الطيبات في دنياهم بإذهاب طيباتك في آخرتك، لا تنظر إلى قدرتك اليوم ولكن انظر إلى قدرتك غداً وأنت مأسور في حبائل الموت وموقوف بين يدي الله في مجمع من الملائكة والنبيين والمرسلين، وقد عنت الوجوه للحي القيوم إني يا أمير المؤمنين وإن لم أبلغ بعظتي ما بلغه أولوا النهي من قبلي فلم آلك شفقة ونصحا فانزل كتابي إليك كمداوي حبيبه يسقيه الأدوية الكريهة لما يرجوا له في ذلك من العافية والصحة والسلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته.
"وصف عمر بن العاص مصر لسيدنا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب"
(1/225)
________________________________________
مصر تربة غبراء وشجرة خضراء طولها شهر وعرضها عشر يخط وسطها نهر ميمون الغدوات مبارك الروحات يجري بالزيادة والنقصان كجري الشمس والقمر له أوان تظهر به عيون الأرض وينابيعها حتى إذا اصطلح عجاجه وتعظمت أمواجه لم يكن وصول أهل القرى إلى بعض إلا في خفاف القوارب وصغار المراكب فإذا تكاملت زيادته نكص على عقبيه كأول ما بدأ في شدته وطما في حدته فعند ذلك يخرج القوم ليحرثوا بطون أوديته وروابيه فيبذرون الحب ويرجون الثمار من الرب حتى إذا أشرق وأشرف سقاه من فوقه الندى وغذاه من تحته الثرى فعند ذلك يدور حلابه ويغنى ذبابه فبينما هي يا أمير المؤمنين درة بيضاء إذ هي عنبرة سوداء فإذا هي زبرجدة خضراء فتبارك الله الفعال لما يشاء.

"وصف حرب لأبي منصور الثعالبي النيسابوري المتوفي سنة 429 ه?"
عندما دارت رحى الحرب صمتت الألسنة ونطقت الأسنة وخطبت السيوف على منابر الرقاب وأقدمت الرماح على الخطط الصعاب وتلاصقت القنا والقنابل وتعانقت الصوارم والمناصل وبلغت القلوب الحناجر وأدركت السيوف المناحر وضاق المجال وتحكمت الآجال فلا ترى إلا رؤوساً تندر ودماء تهدر وأعضاء تتطاير وتتناثر وأجساماً تتزايل وتتمايل حتى ثملت الرماح من الدماء فتعثرت في النحور وتكسرت في الصدور فرجموا الأعداء من جوانبهم وتمكنوا من فض مواكبهم.
"وصف أبو الفضل الميكالي المتوفى سنة 436 ه? المطر شعراً"
(1/226)
________________________________________
مع مقدمة لعمر بن علي المتطوعي في وصف ذلك المطر نثراً.
حكى عمر بن على المتطوعي قال: رأى الأمير السيد أبو الفضل عبد الرحمن بن أحمد أدام الله عزه أيام مقامه بجوين أن يطالع قرية من قربى ضياعه تدعى نجاب على سبيل التنزه والتفرج فكنت في جملة من استصحبه إليها من أصحابه واتفق أن وصلنا والسماء مصيحة والجو صاف لم يطرز ثوبه بعلم الغمام والأفق فيروزج لم يعبق به كافور السحاب فوقع الاختيار على ظل شجرة باسقة الفروع متسعة الأوراق والغصون قد سترت ما حواليها من الأرض طولاً وعرضاً فنزلنا تحتها مستظلين بسماوة أفنانها مستترين من وهج الشمس بستارة أغضانها وأخذنا نتجاذب أذيال المذاكرة ونتسالب أهداب المناشدة والمحاورة فما شعرنا بالسماء إلا وقد أرعدت وأبرقت وأظلمت بعدما أشرقت ثم جادت لمطر كأفواه القرب فأجادت وحكت أنامل الأجواد بل أوفت عليها وزادت حتى كاد غيثها يعود عيثاً وهم وبلها أن يستحيل ويلاً فصبرنا على أذاها وقلنا: "سحابة صيف عن قليل تقشع" فإذا نحن بها قد أمطرتنا برداً كالثغور لكنها من ثغور العذاب لا من ثغور العذاب فأيقنا بالبلاء وسلمنا لأسباب القضاء فما فرت ساعة من النهار حتى سمعنا خرير الأنهار ورأينا السيل قد بلغ الزبى والماء قد غمر القيعان والربا فبادرنا إلى حصن القرية لائذين من السيل بأفنيتها وعائذين من القطر بأبنيتها وأثوابنا قد صندل كافورها ماء الوبل وغلف طرازها طين الوحل ونحن نحمد الله تعالى على سلامة الأبدان وإن فقدنا بياض الأكمام والأردان ونشكره على سلامة الأنفس والأرواح شكر التاجر على بقاء رأس المال إذا فجع بالأرباح فبتنا تلك الليلة تحت سماء تكف ولا تكف وتبكي علينا إلى الصباح بأمع خوام وأربع سجام فلما سل سيف الصبح من غمد الظلام وصرف بوالي الصحو عامل الغمام رأينا صواب الرأي أن نوسع الإقامة بها رفضاً ونتخذ الارتحال عنها فرضاً فما زلنا نطوي الصحارى أرضاً فأرضاً إلى أن وافينا المستقر
(1/227)
________________________________________
ركضاً فلما نفضا غبار ذلك المسير الذي جعلنا في ربقة الأسير وأفضينا إلى ساحة التيسير بعدما أصبنا بالأمر العسير وتذاكرنا ما لقينا من التعب والمشقة في قطع ذلك الطريق وطي لك المشقة أخذ الأمير السيد طال الله بقاءه القلم فعلق هذه الأبيات ارتجالاً:
دهنتا السَّماء غداة السَّحاب

بغيثٍ على أفقهِ مسبِل

فجاءَ برعد له رنةٌ

كرنةِ ثكلى ولم تثكلِ

وثنّى بوبل عدا طورهُ

فعادَ وبالاً على الممحلِ

وأشرفَ أصحابنا من أذاهُ

على خطرٍ هائلٍ معضلِ

فمن لائذٍ بفناءِ الجدارِ

وآو إلى نفق مهملِ

ومنْ مستجيرٍ ينادي الغريقَ

هناكَ ومنْ صارخ معولِ

وجادتْ علينا سماءُ السقوفِ

بدمعٍ من الوجدِ لم يهملِ

كأنَّ حراماً لها أن يرى

يبيساً من الأرضِ لمْ يبللِ

وأقبلَ سيلٌ لهُ روعةٌ

فأدبرَ كل عنِ المقبلِ

يقلعُ ما شاءَ من دوحةٍ

وما يلقَ من صخرةٍ يحملِ
فمنْ عامرٍ ردهُ غامراً

ومن معلمٍ عادَ كالمجهلِ

كفانا بليتهُ ربُّنا

فقد وجبَ الشكر للمفضلِ

فقلْ للسماء ارعدي وابرقي

فإنا رجعنا إلى المنزلِ

"ووصف ابن حبيب الحلبي المتوفى سنة 779 ه? حديقة"
لما صدأت مرآة الجنان قصدت لجلائها بعض الجنان فدخلت إليها وما كدت أن أقدم عليها فإذا هي جنة عالية قطوفها دانية وطلحها منضود وظلها ممدود وأعلام أشجارها مرفوعة وفاكهتها كثيرة لا مقطوعة لا مقطوعة ولا ممنوعة تجوس المياه خلال ديارها وتشرق بآفاقها أنوار نوارها نزهة النواظر وشرك الخواطر بها أشجار لا يحصى وثمار لا تعد ولا تستقصى.
"وصف أمير المؤمنين ابن المعتز المتوفى سنة 296 ه? البيان"
(1/228)
________________________________________
البيان ترجمان القلوب وصقيل العقول ومجلي الشبهة وموجب الحجة والحاكم عند اختصام الظنون والمفرق بين الشك واليقين وخير البيان ما كان مصرحاً عن المعنى ليسرع إلى الفهم تلقيه أو موجزاً ليخف على اللفظ تعاطيه.
"ووصف أيضاً المكارم"
لن تكسب لأعزك الله المحامد وتستوجب الشرف إلا بالحمل على النفس والحال، والنهوض بحمل الأثقال وبذل الجاه والمال ولو كانت المكارم تنال بغير مؤونة لاشترك فيها السفل والأحرار وتساهمها الوضعاء من ذوي الأخطار ولكن الله تعالى خص الكرماء الذين جعلهم أهلها فخفف عليهم حملها وسوغهم فضلها وحظرها على السفلة لصفر أقدارهم عنها وبعد طباعهم منها ونفورها عنهم واقشعرارها منهم.

"ووصف أيضاً القرآن الكريم"
فضل القرآن على سائر الكلام معروف غير مجهول وظاهر غير خفي يشهد بذلك عجز المتعاطين ووهن المتكلفين وهو المبلغ الذي لا يمل والجديد الذي لا يخلق والحق الصادع والنور الساطع والماحي لظلم الضلال ولسان الصدق النافي للكذب ومفتاح الخير ودليل الجنة: إن أوجز كان كافياً وإن أكثر كان مذكراً وإن أمر فناصحاً وإن حكم فعادلاً وإن أخبر سراج تستضيء به القلوب وبحر العلوم وديوان الحكم وجوهر الكلم.
"ووصف ابن الرومي المتوفى سنة 282 ه? جيوشاً"
وسار فلان في جيوش، عليهم أردية السيوف وأقمصة الحديد وكأن رماحهم قرون الوعول وكان أدراعهم زبد السيول على خيل تأكل الأرض بحوافرها وتمد بالنفع سرادقها قد نشرت في وجوهها غرر كأنها صحائف الرق وأمسكها تحجيل كأنه أسورة اللجين وقرطت عذرا كأنها الشنوف تتلقف الأعداء أوائلها ولم تنهض أواخرها قد صب عليهم وقار الصبر وهبت معهم ريح النصر.
"ووصف الحسد الجاحظ المتوفى سنة 255 ه?"
(1/229)
________________________________________
الحسد أبقاك الله داء ينهك الجسد علاجه عسير وصاحبه ضجر وهو باب غامض وما ظهر منه فلا يداوى وما بطن منه بمداويه في عناء ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "دب إليكم داء الأمم من قبلكم الحسد والبغضاء".
الحسد عقيد الكفر وحليف الباطل وضد الحق، منه تتولد العداوة وهو سبب كل قطيعة ومفرق كل جماعة وقاطع كل رحم من الأقرباء ومحدث التفرق بين القرناء وملقح الشر بين الحلفاء.
ووصف أيضاً أفضل الكلام، وقال: أفضل الكلام ما كان قليله يغنيك عن كثيره ومعناه ظاهراً في لفظه وكان الله قد ألبسه من ثياب الجلالة وغشاه من نور الحكمة على حسب نية صاحبة وتقوى قائله فإذا كان المعنى شريفاً واللفظ بليغاً صحيح الطبع بعيداً من الاستكراه منزهاً عن الاختلال مصوناً عن التكلف صنع في القلوب صنيع الغيث في التربة الكريمة ومتى فصلت الكلمة على هذه الشريطة ونفذت من قائلها على هذه الصفة كساها الله من التوفيق ومنحها من التأييد ما لا يمتنع من تعظيمها به صدور الجبابرة ولا يذهل عن فهمها معه عقول الجهلة.
"وصف الشعراء المحدثين"
(1/230)
________________________________________
قال ابن دريد سألت أبا حاتم عن أبي نواس إن جد أحسن وغن هزل ظرف وإن وصف بالغ يلقي الكلام على عواهنه لا يبالي من أين أخذه قلت فبشار بن برد قال نظار غواص مطيل مجيد يصف ما لم ير كأنه رآه على أن في شعره خللاً كثيراً، قلت فمروان بن أبي حفصة قال شاعر راض عن نفسه يستحسن كلما جاء منه معجب لا يرى أن أحداً يتقدمه كثير الصواب كثير الخطأ ليس لشعره صنعة، قلت فمسلم بن الوليد قال خليج صاف ينزع من بحر كدر كالزند يوري تارة ويصلد أخرى، قلت فأبو العتاهية، قال غثاء جم واقتدار سهل وشعر كخرز الزجاج وربما أشبه الياقوت والزبرجد، قلت فعباس بن الأحنف قال يلقي دلوه في الدلاء فيغترف الصفو أحياناً والحماة أحياناً على أن كدره أكثر من صفوه، قلت فمسلم الخاسر، قال مقل مداح شعره ديباج وعهن يموه الرديء حتى يشبه الجيد، قلت فأبو الشيص قال جده كله فيه حلاوة وبشاعة كالسدرة التي نفضت ففيها المستعذب والمستبشع قلت فعلي بن جبلة قال بحاث عن الكلام الفخم والمعنى الرائع لا ينال مرتبة القدماء ويجل عن منزلة النظراء، قلت فأبو تمام قال سيل كثير الغثاء غزير الغمار جم النطاف فإذا صفا فهو السلاف بالماء الزلال، قلت فعبد الصمد بن المعذل قال خراج ولاج يعتسف تارة ويهتدي أخرى، قلت فعلي بن الجهم، قال كلام رصين ومسلك وعر عقله أغلب على شعره من طبعه قلت فبكر بن النطاح قال تشبه بالأعراب فأفرط وتجاوز حد المولدين فأسهب فهو الساقط بين القريتين.
"ووصف ابن الأثير المتوفى سنة 759 ه? أبا تمام والبحتري والمتنبي"
(1/231)
________________________________________
قال لقد وقفت من الشعر في كل ديوان ومجموع وأنفذت شطراً من العمر في المحفوظ منه والمسموع فألفيته بحراً لا يوقف على ساحله وكيف يحصى قول لم تحص أسماء قائليه فعند ذلك اقتصرت منه على ما تكثر فوائده وتتشعب مقاصده ولم أكن ممن أخذ بالتقليد والتسليم في اتباع من قصر نظره على الشعر القديم إذ المراد من الشعر إنما هو إيداع المعنى الشريف في اللفظ الجزل اللطيف فمتى وجدت ذلك فكل مكان خيمت فهو بابل وقد اكتفيت من هذا بشعر أبي تمام والبحتري والمتنبي وهؤلاء الثلاثة هم (لات الشعر وعزاه ومناته) الذين ظهرت على أيديهم حسناته ومستحسناته وقد حوت أشعارهم غرابة المحدثين وفصاحة القدماء وجمعت بين الأمثال السائرة وحكمة الحكماء: أما أبو تمام فإنه رب معان وصيقل أذهان وقد شهد له بكل معنى مبتكر لم يمش فيه على أثر فهو مدافع عن مقام الأغراب الذي برز فيه على الإضراب ولقد مارست من الشعر كل أول وأخير ولم أقل ما أقوله إلا بعد التنقير فمن حفظ شعر الرجل وكشف عن غامضه وراض فكره برائضه أطاعته أعنه الكلام وكان قوله في البلاغة ما قالت فخذ مني في ذلك قول حكيم وتعلم (وَفَوْقَ كُلّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) [يوسف: 76] وأما البحتري فإنه أحسن في سبك اللفظ على المعنى ولقد حاز طرفي الرقة والجزالة على الإطلاق فبينا يكون في شظف نجد إذ يتشبث بريف العرق: وسئل المتنبي عنه وعن أبي تمام وعن نفسه فقال أنا وأبو تمام حكيمان والشاعر البحتري ولعمري أنه أنصف في حكمه وأعرب بقوله هذا عن متانة علمه فإن البحتري أتى في شعره بالمعنى المقدود من الصخرة الصماء في اللفظ المصوغ من سلاسة الماء فأدرك بذلك بعد المرام مع قربه إلى الإفهام وما أقول إلا أنه أتى في معانيه بالنوادر الغالية ورقي في ديباجة لفظه إلى الدرجة العالية وأما المتنبي فإنه أراد أن يسلك مسلك أبي تمام فقصرت عنه خطاه ولم يعطه الشعر من قياده ما أعطاه ولكنه حظى في شعره بالحكم والأمثال واختص
(1/232)
________________________________________
بالإبداع في وصف مواقف القتال وأنا أقول قلاً لست فيه متأثماً ولا منه متلثماً وذاك انه إذا خاض في وصف معركة كان لسانه أمضى من أقول قولاً لست فيه متأثماً ولا منه متلثماً وذاك أنه إذا خاض في وصف معركة كان لسانه أمضى من نصالها وأشجع من أبطالها وقامت أقواله للسامع مقام أفعالها حتى يظن أن الفريقين قد تقابلا والسلاحين قد تواصلا فطريقه في ذلك تضل بسالكه وتقوم بعذر تاركه ولا شك أنه كان يشهد الحروب مع سيف الدولة فيصف لسانه ما أداه إليه عيانه ومع هذا فإني رأيت الناس عادلين عن سنن التوسط فإما مفرط في وصفه وإما مفرط على أنه كان إذا انفرد بطريق صار عذره، ولقد صدق في قوله من أبيات يمدح بها سيف الدولة:
لا تطلبنّ كريماً بعد رؤيته

إن الكرام بأسخاهم يداً ختموا

ولا تبال بشعر بعد شاعره

قد أفسد القول حتى احمد الصمّم
"ووصف المفضل الضبي المتوفى سنة 430 ه? مروره ببعض أحياء العرب"
(1/233)
________________________________________
روى المفضل الضبي قال نزل علينا بنو ثعلبة في بعض السنين وكنت مشغوفاً بسماع أخبار العرب وجمعها فأخذت أجول بين خيامهم وأتحسس من أحوالهم وإذا أنا بامرأة واقفة في فناء خبائها آخذة بيد غلام قلما رأيت مثله في حسنه وجماله وهي تعاتبه بلسان رطب وكلام عذب يسترق السمع ويترشفه القلب فكان أكثر ما أسمعه منها (بني وأي بني) وهو يبتسم في وجهها وقد غلب عليه الحياء والخجل كأنه من ربات الحجال فلا يحير جواباً ولا يبدي خطاباً فاستحسنت ما رأيت واستحليت ما سمعت فدنوت فسلمت فرد علي السلام ووقفت أنظر إلى المرأة والغلام فقلت لي يا حضري ما حاجتك قلت الاستكثار ما أسمع والاستمتاع بما أرى فابتسمت وقالت يا هذا إن شئت سقت إليك ما هو أحسن مما رأيت فقلت هاتي حفظك الله قالت ولد هذا الغلام فكان ثالث أبويه فربي بيننا كأنه شبل وكنت أقيه برد الشتاء وحر الهجير حتى إذا ما تمت له خمس سنين أسلمته إلى المؤدب فحفظه القرآن فتلاه وعلمه الشعر فرواه ورغب في مفاخر قومه وطلب سنين أسلمته إلى المؤدب فحفظه القرآن فتلاه وعلمه الشعر فرواه ورغب في مفاخر قومه وطلب مآثر آبائه وأجداده فلما أن اشتد عظمه وكمل خلقه حملته على عتاق الخيل فتفرس وتمرس ولبس السلاح ومشي الخيلاء بين بيوتات الحي وأصغي إلى أصوات ذوي الحاجات فأخذ في قرى الضيف وإطعام الطعام وأنا عليه وجله أحرسه من العيون أن تصيبه ومن الألسن أن تعيبه إلى أن نزلنا في بعض الأيام منهلاً من المناهل بين أحياء العرب فخرج فتيان الحي في طلب ثأر لهم وشاء الله تعالى أن أصابت الغلام وعكة شغلته عن الخروج حتى إذا أمعن القوم ولم يبق في الحي غيره ونحن آمنون وادعون فوربك ما هو إلا أن أدبر الليل وأقبل الصبح حتى طلعت علينا طلائع العدو وغرر الجياد ثواراً لا زواراً فما كان إلا هنيهة حتى أحرزوا الأموال وهو يسألني ما الخبر وأنا أستره عنه إشفاقاً عليه وضناً به حتى إذا علت الأصوات وبرزت المخدرات رمى دثاره
(1/234)
________________________________________
وثار كما يثور الضرغام إذا أغضب فأمر بإسراج فرسه ولبس درع حربه وأخذ رمحه بيده وركب حتى لحق حماة القوم وأنا أنظر إليه فطعن أدناهم منه فرمى به ولحق أبعدهم فقلته فانصرفت إليه وجوه الفرسان فرآه غلاماً صغيراً لا مدد وراءه فحملوا عليه فأسرع يؤم البيوت حتى إذا خلفهم وراءه وامتدوا في أثره عطف عليهم ففرق شملهم وشتت جمعهم وقلل كثرتهم ومزقهم كل ممزق ومرق كما يمرق السهم من الرمية وناداهم خلوا عن المال فوالله لا رجعت إلا به أو لهلكن دونه فتداعت إليه الأقران وتمايلت نحوه الفرسان وتميزت له الفتيان وحملوا عليه وقد رفعوا إليه الأسنة ومالوا عليه بالأعنة فوثب عليهم وهو يزأر كالأسد وجعل لا يحمل على ناحية غلا حطمها ولا كتيبة إلا هزمها حتى لم يبق من القوم إلا من نجا به فرسه ففاز بالأموال وأقبل بها فكبر القوم عند رؤيته وفرحوا فرحاً عظيماً بسلامته فوالله ما رأينا قط يوماً كان أسمح صباحاً وأحسن رواحاً من ذلك اليوم ولقد سمعته ينشد في وجوه فتيات الحي هذه الأبيات:
تأمّلنَ فعلي هل رأيتنّ مثله

إذا حشرجت نفس الكميّ عن الكربِ

وضاقتْ عليه الأرض حتى كأنه

من الخوف مسلوب العزيمة والقلبِ

ألم أعطِ كلاَّ حقّه ونصيبه

من السّمهري اللّدن والصارم العضب

أنا ابن أبي هند بن قيس بن خالد

سليل المعالي والمكارم والسّيب

أبي لي أن أعطي الظلامةُ مرهفٌ

وطرفٌ قوي الظهر والجوف والجنب

وعزمٌ صحيح لو ضربت بحده

شماريخ رضوى لا نحططن إلى التّرب
وعوضٌ نقيّ أتقى أن أعيبه

وبيت شريف في ذرى ثعلب الغلب

فإن لم أقاتل دونكن واحتمي

لكنَّ وأحميكنّ بالطّعن والضّرب

وأبذل نفساً دونكنَّ عزيزةً

عليَّ لأطراف القنا وظبي القضب

فلم تصدق اللاتي مشين إلى أبي

يهنّئنه بالفارس البطل النّدب
(1/235)
________________________________________
"وصف نهج البلاغة للإمام المرحوم الشيخ محمد عبده المتوفى ستة 1322 ه?"
أوفى لي حكم القدر بالإطلاع على كتاب (نهج البلاغة) صدفة بلا تعمل أصبته على تغير حال وتبلبل بال وتزاحم أشغال وعطلة من أعمال فحسبته تسلية وحيلة للتخلية فتصفحت بعض صفحاته وتأملت جملاً من عباراته من مواضع مختلفات ومواضيع متفرقات، وكان يخيل لي في كل مقام أن حروباً شبت، وغارات شنت وإن للبلاغة دولة، وللفصاحة صولة، وإن للأوهام عرامة وللريب دعارة، وإن جحافل الخطابة وكتائب الذرابة في عقود النظام وصفوف الانتظام، تنافح بالصفيح الأبلج والقويم الأملج وتمتلج المهج بروائع الحجج، وتفل دعارة الوساوس، وتصيب مقاتل الخوانس فما أنا إلا والحق منتصر، والباطل منكسر، ومرج الشك في خمود وهرج الريب في ركود، وغن مدبر تلك الدولة، وباسل تلك الصولة، هو حامل لوائها الغالب، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، بل كنت كلما انتقلت من موضع إلى موضع أحسّ بتغير المشاهد، وتحول المعاهد، فتارة كنت أجدني في عالم يعمره من المعاني أرواح عالية، في حلل من العبارات الزاهية، تطوف على النفوس الزاكية، وتدنو من القلوب الصافية.
توحى إليها رشادها وتقوم منها منآدها، وتنفر بها عن مداحض المزال، إلى جواد الفضل والكمال، وطوراً كانت تتكشف لي الجمل عن وجوده باسرة، وأنياب كاشرة وأرواح في أشباح النمور،، ومخالب النسور، وقد تحفزت للوثاب ثم انقضت للاختلاب، فجبلت القلوب عن هواها، وأخذت الخواطر دون مرماها، واغتالت فاسد الأهواء، وباطل الآراء، وأحياناً كنت أشهد أن عقلاً نورانياً لا يشبه خلقاً جسدانياً، فصل عن الموكب الإلهي، واتصل بالروح الإنساني، فخلعه عن غاشيات الطبيعة وسما به إلى الملكوت الأعلى ونما به إلى مشهد النور الأجلي،وسكن به إلى عمار جانب التقديس بعد استخلاصه من شوائب التلبيس، وآنات كأني أسمع خطيب الحكمة ينادي بأعلياء الكلمة وأولياء أمر الأمة، يعرفهم مواقع الصواب ويبصرهم
(1/236)
________________________________________
مواضع ارتياب ويحذرهم مزالق الاضطراب ويرشدهم إلى دقائق السياسة ويهديهم طريق الكياسة، ويرتفع بهم إلى منصات الرياسة ويصعدهم شرف التدبير ويشرف بهم على حسن المصير.
"وصف حفلة لمحمد بك المويلحي"
لو كان لليالي لسان ينطق بالفخار وجنان يجري بنظم الأشعار لأنشدت ليلة الحفلة (الخديوية) قصيدة تسجل لها في ديوان العصور والدهور ما لم تبلغه ليلة قبلها في تكامل الفرح والسرور ولو كان الدهر يفصح لنا يوماً عن انشراحه وابتهاجه لأنبأنا بأنه ادخرها غرة لجبينه ودرة لتاجه لا زالت أيام الجناب العالي ولياليه مشرقة بالسعد والهناء متألقة تألق البدور في أفق السماء.
"وصف أيضاً متحفاً من مقامة له"
قال عيسى بن هشام زايلنا الأهرام وخليناها تندب من شادها وتنعي من بناها وملنا إلى دار التحف ومستودع الآثار لمشاهدة ما حفظته لنا من صنوف الطرف وعيون الأخبار وما أخرجته الأيام من عالم الخفاء إلى عالم الظهور بعد أم كان سراً مكتوباً في خواطر العصور والدهور وما صانته بطون القبور من الفناء والدثور وحمته أحشاء الرموس من العفاء والدروس وما أخبته أرحام المعابد والهياكل من بقايا الماضين وخبايا الأوائل وما انكشفت عنه سجوف الأحقاب وديعة الأسلاف للأعقاب من مكنون الدفائن ومكنوز الخزائن وعجائب الفن الدقيق وبدائع البدع الأنيق وغرائب الصنع العتيق بليت في أصطحابها بطون الأيام والليالي وانحنت في احتضانها ظهور العصور الخوالي وانقلبت البحار وهادا وأصبحت الوهاد أطواداً وغدت الأغوار أنجاداً وأضحى العمار خراباً والخراب عماراً والغمار سراباً والسراب غماراً وتمدينت بواد وتبدت مدائن وبادت مواطن وقامت مواطن ومضت دول بعد دول وذهبت أول أثر أول وبدت أحوال وحالت وظهرت أعمال وزالت وهي كما تركها مصون وضعها محفوظ شكلها خبر صادق ولسان ناطق تخبر بالعبر وتحدث عمن غبر.
مضتْ غبراتُ العيش وهي غوابر

على الدّهر مكتوبٌ عليها حبائسُ
(1/237)
________________________________________
"وصف الفوتغراف للمرحوم مصطفى بك نجيب المتوفى سنة 1320 ه?"
مثال القوة الناطقة من غير إرادة سابقة يقتطف الألفاظ اقتطافاً ويختطف الصوت اختطافاً مطبعة الأصوات ومرآة الكلمات ينقل الكلام من ناحية إلى ناحية نقل كلام عمر رضي الله عنه إلى سارية أشد من الصدى في فعله في إعادة الصوت على أصله كأنه الحروف عن يد الطابع والوتر عن يد الضارب والقصب عن فم القاصب يحفظ الكلام ولا يبيده ومتى استعدته منه يعيده من غير أن يبقى لفظاً في صدره أو يكتم شيئاً من أمره كأنما حفظ الوديعة في نفسه طبيعة فلو تقدم له الوجود في مرتبة الزمن لما احتجنا في الأخبار إلى عنعنة ولا في الدعاوى إلى بينة بل كان يسمعنا كلام السيد المسيح في المهد وصوت عاذر من اللحد وكانت الدعاوى إلى بينة بل حكمتهم وانشدوه كلمتهم فرأينا به غرائب اليونان وبدائع الرومان وربما سمعنا خطب سحبان وشعر سيدنا حسان بذلك اللسان وأصبح وجود الإنسان غير محدود بزمن من الزمان: لله دره من تلميذ يستوعب ما عند المعلم ويستخلصه في لحظة معيداً لقوله ناقلاً لصوته ولفظه:
لقد وجدتُ مكان القول إذ سعةٍ

فإن وجدتَ لساناً قائلاً فقلِ

نديم ليس فيه هفوة النديم وسمير لا ينسب إليه تقصير تسكته وتستعيده وتذمه وتستجيده وتنقصه وتستزيده وهو في كل هذه الأحوال راض بما يقال لا يكل من تحديث ولا يمل من حديث نمام عليك وينقل لغيرك كما ينقل إليك فهو المصور لكل فن المتكلم بكل لغة المحدث عن كل إنسان المؤرخ لكل زمان الشاعر الناثر المغني العازف لا تعجزه العبارة ولا يجهده الأداء ولا يضره اختلاف شكل ولا تباين أصل بل تعدت شدة حفظه البشرية من اللغات إلى حفظ أصوات العجماوات إلى حركة اصطحاك الجمادات.
"ووصف أيضاً نظارة ويشكر من أهداها"
(1/238)
________________________________________
ورد الكتاب المطرز بحلى الكرم المحلى بجميل النعم واستملت الهدية فسلمت يد أهدتها وحفظت السجايا التي لمحاسن الأعمال هدتها ودامت رحاب لمثل هذه الحسنات فيها مجال وللمحسنات بهاء وجمال وللآمال محط رحال وللمقاصد كعبة إقبال وطابت نفس تعالى الله أن تماثلها نفس عصام فإنها نسخت آية الكر والإقدام بآية الجود والإكرام وفعلت في القلوب بالعطاء والنوال ما قصرت عنه الرماح وتأملتها فأرتني ما لا عين رأت وأظهرت من محاسن المناظر ما أعمرت وقربت كل منظور بعيد وتلت (فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) [ق: 22] وصفا وقتي بصفاتها فلم أشته شيئاً إلا جمعت بينه وبيني وصح علينا قول القائل (رأيت بعينها ورأت بعيني) ثم سرحت نظري في الأطلال والرسوم حتى نظرت نظرة في النجوم فلم تخف عني شجراً ولا مدراً ولا نجماً ولا قمراً.
يزيدك وجهها حسناً

إذا ما زدته نظرا
ببهاء يخيل لي أنها صيغت من ضياء فلا عيب غير أني نظرت بها في سماء فضلك الباهر وأفق شرفك الطاهر فلم ينكشف لي بها لجودك آخر: لا زال كرمك بعيداً حده على كل ناظر وباصر وفضل مناهلك غاية تقصدها الأوائل والأواخر.
"وصف سان استفانو باسكندرية"
(1/239)
________________________________________
كتابي والقلم في البنان يسطر ما يمليه الجنان عن محاسن ذلك المكان المشهور (بسان استفان) هناك ترى البحر كالمرآة تمثلت فيها السماء فكأنما الماء سماء والسماء ماء وتخال الشاطئ مرتعاً للظبيات الآنسات أو سوق جمال تباع فيه القلوب على الغانيات.
هناك الشبيبة واللعب والزهو والطرب وقد اعتل الصبا وصح الصبا: حور وولدان يمرحون بنشاط الشباب ويتهادون بنشوة الدلال والإعجاب فمن "غادات" روائح غاديات قدودهن الرماح الطاعنات ولحاظهن القاتلات المحييات ومن "ولدان" يلعبون بالكرة والصولجان فالكرة قلب المحب المتيم والصولجان الذي يدفعها شوق العاشق المغرم هناك نغمات الأوتار تدعو إلى اغتنام الأوطار تهدي ارتياح إلى الأرواح وتبدل الأفراح من الأتراح.
هناك الكؤوس على قطب الخلاعة تدور فهي برشفاتها الثغور وبنورها البدور تشرق من الحنان وتغرب في أفواه الندمان فيعلو الوجوه الشفق فتبارك المبدع فيما خلق.
(1/240)
________________________________________
هناك فريق من أهل الهوى حلفاء الأسى والجوى يختلسون النظرات وتحتها سهام صائبات تقصد قلوبهم ولا راحم ينادون من يحبون فلا يجابون ويتذللون لعز الجمال على أنهم لا يحابون يتمنون الرضا بعد الهجر وحلو اللقا بعد الصبر وفريق آخر قد وافاهم السعد فنالوا الأماني تعلو وجوههم نضرة النعيم بما نالوه من إشارة أو تسليم يتبادلون التحيات بالحواجب ويشفقون على القلوب فيضعون الأيدي فوق الترائب حتى إذا الليل سجا وسترهم رداء من الدجى يتلاقون إلى جانب أليم ويتهامسون والفم قريب من الفم تراهم على الأرائك جنباً بجنب وعنقاً على كتف مبتعدين عن العيون هنا وهنا وقد بلغوا الآراب والمنى يجتنون الثمر من السمر ويلثمون الراح بالراح ولا يزالون في مسرة وهناء وأنس وصفاء حتى ينادي منادي الموائد بحي على شهي الطعام وهلموا إلى رائق المدام فيجلسون مثنى وثلاث ورباع محفوفين بيانع الأزهار مستضيئين بأزهى الأنوار والغلمان عن يمينهم وشمالهم قائمون بحوائجهم وهم في لباسهم كأقمار وفي خفتهم كملح الأبصار فيأكلون ويشربون ويضحكون ويلعبون بين نغمة بالحديث الرخيم ونشوة المدام القديم حتى إذا أخذت كل حاسة حظها وتلجلجت الألسنة فلا تفهم لفظها هنالك كسرب الظباء رابح وغاد هذه مائلة وهذا متهاد إلى أن يتمشى النوم في الجفون فتذبل العيون فينصرفون إلى المنام ويحلمون بلذيذ الأحلام بعد أن يتعاهدوا على الأوبة ويحسنوا الختام بالتوبة.
"وصف الشمس"
(1/241)
________________________________________
الشمس كوكب مضيء بذاته، وهي أعظم الكواكب المرئية لنا منظراً وأسطعها ضوءاً، وأغزرها حرارة، وأجزلها نفعاً للأرض التي نسنها ولكثير من أخواتها سيارات الشمس وبناتها.
والشمس كرة متأججة ناراً، حرارتها أشد من حرارة أي ساعور أرضي، ويبلغ ثقلها ثلثمائة وزن من ثقل الأرض، وهي أكبر منها جرماً بثلثمائة ألف وألف ألف مرة.
وتدور الشمس على محورها من الغرب إلى الشرق مرة واحدة في نحو خمسة وعشرين يوماً، وتبعد عنا بنحو اثنين وتسعين ألف ألف ميل وخمسمائة ألف ميل، وهي مع كل هذا العظم الهائل لا تعد في النجوم الكبرى، بل إن أكثر ما نشاهد من النجوم الثابتة شموس أكبر من الشمس بألوف الألوف، والشمس بسيارتها تابع من توابع أحدها.
وسطع الشمس مهب عواصف وزوابع نيرانية شديدة تثير في جوها أشوظة هائلة تندلع ألسنتها المتأججة عن محيط كرتها أميالاً، وقد وصف بعض العلماء لهباً ارتفع من سطحها لأول وهلة نحو أربعين ألف ميل في الفضاء، ثم ازداد بريقاً وتألقاً، ثم ارتفع بعد نصف ساعة إلى خمسين وثلثمائة ألف ميل، ثم جعل يضؤل ويضعف، فلم تمض ساعتان حتى أضمحل اضمحلالاً غير أن ما وصفه هذا العالم ليس إلا من قبيل النوادر، ولكن ارتفاع اللهب نحو مائة ألف ميل ليس بغير العادي، وكثيراً ما تبلغ سرعة اللهب مائة ميل في الثانية، واكثر مادة الشمس من عنصر المحذي (الإيدرجين) المتقد وبرصد الشمس مراراً بالمرقب المغشى بالسواد شوهد في صفحة قرصها نكت سود وكلف يشوه محياها، كأنما هي كرة سوداء الباطن غلفت بسطح ساطع من الصعادات يتخلله نقب يظهر تحتها السواد، ولا تزال حقيقة هذه البقع موضوع البحث والتعليل عند الفلكيين، ومن تنقل هذه النكت عرفت دورتها على محورها وللشمس سيارات أو أبناء انفصلت منها منذ أزمان سحيقة، علم منها إلى الآن نحو ثمانية، هي على ترتيب الأقرب منها فالأقرب: عطارد فالزهرة فالأرض فالمريخ فالمشتري فزحل فأرانوس فنبتون، ولم تعلم كل شؤون هذه
(1/242)
________________________________________
السيارات حق العلم وإنما ألم العلماء بمعرفة موادها وكثافتها وأبعادها، ولكن أمر الحياة فيها لم يزل مبهماً مستغلقاً اللهم إلا في الأرض وقمرها.
أما مقدار النعم التي سخرها الله لنا بوجود الشمس فمما لا يحصيه العد، فهي مبعث حياتنا وحياة الحيوان الذي يعيش معنا، ومصدر نورنا ونارنا وحرنا وبردنا، وهي التي تحيل مياه البحار بخاراً، وتقلها في الجو غيوماً، وتنزلها على الأرض أمطاراً، حيث تجري جداول وأنهاراً، فتروي زرعنا، وتنمي غراسنا، وتثير الرياح، وتطلع الأنواء، وتزجي السفن والبواخر في عباب الماء، وتدفع القطرات الحديدية، وتدير الآلات البخاري، وتنير المصابيح الدخانية والزيتية، إذ ليس الفحم الحجري والزيت الأرضي إلا حرارة نارها المدخرة منذ قديم الدهور لينتفع بها أحياء هذه العصور، وما النهار المبصر، والليل المظلم، إلا آتيان من آيات الله المسخرة لنا بتسخير هذا المخلوق العجيب: ففي النهار نسعى في مناكب الأرض لابتغاء رزقنا، وتدبير معاشنا، وتنظيم شؤون حياتنا، ونسبح بحمد ربنا، ونعتبر بآثار من سبقنا، وفي الليل نسمن لإراحة أبداننا، وأستجمام قوانا واستيفاء حظنا من النوم الذي به نستديم صحتنا، ونستعيض ما فقدناه بأعمالنا وننظر في ملكوت السموات وما خلق الله من شيء في حركات الكواكب وانتقالها، وبديع صورها وألوانها، فتعنو وجوهنا، وتتضاءل كبرياؤنا، أمام قدرة خالقنا العظيم، فسبحانه من إله حكيم.
وما الأولان التي نراها في نور الأزهار وريش الأطيار ونفائس المصنوعات إلا أثر وقوع أضوائها على هذه المرئيات وانعكاسها على أبصارنا، فإن نور الشمس الأبيض مؤلف من سبعة ألوان أصلية تنشأ منها كل الأولان الفرعية، وهي الأحمر، والبرتقالي، والأصفر، والأزرق، والأخضر، والنيلجي، والبنفسجي، فمن الأجسام ما لا يمتص شيئاً من هذه الأولان، بل يعكسها كلها على العين، فيبدو أبيض ناصعاً كزهرة الياسمين، ومنها ما يمتص بعضها ويعكس باقيها، فيتلون
(1/243)
________________________________________
بلون ما يعكس منها، فإذا أبصرت ورقة الشجر خضراء عرفت أنها اختزنت من ضوء الشمس ستة ألوان، وردت إلى عينيك سابعها، وهو الأخضر لن فيما أدخرته نفعاً لها، وليس بها إلى ما لفظته افتقاراً، ومنها ما يرد لونين أو أكثر، فيبدو لونه مزيجاً بين هذه الأولان السبعة، وهذه الأولان من عجائب صنع الله في الأرض لتمييز بعضها من بعض فقد يتماثل الشيئان شكلاً، وحجماً، وصلابة، وليناً، وشمأ ثم لا يتباينان إلا من حيث اللون، فيكون اللون آية تباينهما، وأكثر ما يكون ذلك في الأزهار.
وتنوع الأولان هو السر في جمال المرئيات من مشاهد الطبيعة وبدائع الصناعة، وإن اعظم المصورين وأمهر النقاشين لم يبرز على غيرهم، وبدلوا على ذكائهم ونبوغهم إلا ببراعتهم في محاكاة ألوان الطبيعة المؤتلفة وأشكالها المتجانسة، وإنما يتم ذلك إذا عرفوا كيف يمزجون من الأصباغ ما يستخدمونه به ألوان النور خير استخدام، وينتفعون به أحسن انتفاع، وقد سخر علماء الطب تباين الألوان في كشف النقاب عن حقائق الجراثيم فإن منها ما لا يتضح للعين في المجهر إلا إذا ألقي عليه صبغ خاص يؤثر فيه لوناً فيصبغ به.
ولأمواج الشمس الضوئية سرعة معلومة تسير بها، فإذا انخفضت هذه السرعة عما هي عليه لم تعد العين قادرة على رؤيتها، لأنها تستحيل إلى مظهر آخر غير مظهر الضوء والحرارة، وليس ينكر ما للضوء والحرارة معاً من الأثر الحسن في تنقية المساكن مما يقطنها من الجراثيم القتالة والعفن المضني، ولذلك قيل: إن الدار التي تدخلها أشعة الشمس لا يدخلها الطبيب.
"وصف القمر"
(1/244)
________________________________________
القمر أجمل الكواكب صورة وأبينها منظراً وأسلها رصداً، وأكبرها في رأي العين بعد الشمس جرماً.
وهو سيار كري أصغر من الأرض بنحو تسع وأربعين مرة، انفصل منها زمن التكوين، وصار تابعاً لها، طائفاً حولها، مستمداً نوره من الشمس مثلها، دائراً حول الشمس معها، غير أن طواف الأرض بقمرها حولها يتم في سنة شمسية وطواف القمر حول الأرض يتم في شهر قمري: أي مدة تسع وعشرين ونصف يوم تقريباً، ومع أنه خاضع لنظام الأرض لا يقل بعده عنها عن واحد وعشرين ألفاً ومائتي ألف ميل.
(1/245)
________________________________________
والذي يسترعي أنظارنا كما استرعى أنظار من قبلنا اختلاف إشكاله وتعدد مطالعه، مما جعله مبعث تخيل القدماء ومثار تفكر الحكماء ومقصداً لعبادة الجهلاء! فتراه يلوح ليلة أول الشهر أثر غروب الشمس ضئيلاً مقوساً لا يلبث أن يغرب ويغيب في شفق الشمس، ثم يهل في الليلة الثالثة أبين صورة وأبقى زمناً لازدياد تأخره في الغروب عن الشمس، ولا يزال نوره في تزايد ومطالعه في تقدم نحو المشرق، حتى يطلع من المشرق في الليلة الرابعة عشرة عند غروب الشمس بدراً كاملاً بهي الطلعة باهر الأنوار، (فَتَبَارَكَ اللّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) [المؤمنون: 14].
ولكن الكمال لله وحده، فإن منتهى الزيادة مبتدأ النقص، ففي الليلة الخامسة عشرة يتأخر طلوعه من المشرق، وينقص من حافة نوره التي كانت موضع هلاله الأول زيق لا يشعر به إلا في الليالي التالية، ولا تزال مطالعه في تقهقر ونوره في تناقص حتى قرب آخر الشهر، فيشرق قبيل الفجر هلالاً ضئيلاً يكاد يكون مقلوب الهلال الأول، وفي الليلة الأخيرة يكون عند الصباح في الأفق الشرقي مظلماً لا يرى منه شيء، وهي ليلة المحاق أو السرار، ويظل بعض النهار كذلك، ثم يتولد هلاله الجديد، ولكنه لا يظهر إلا بعد أن يغيب قرص الشمس، فيلوح هلاله ثم يختفي كما قدمنا.
وعلة ذلك أن نور القمر كنور الأرض مستفاد من الشمس، وهو لا يقابل الأرض إلا بوجه واحد لا يتغير، وهذا الوجه بالنسبة إلى حركته مع الأرض حول الشمس لا يقابل الشمس مقابلة تامة إلا في وضع واحد ومرة واحدة هي الليلة الرابعة عشرة، فيغشاه نورها، ويصير بدراً، أما بقية الليالي التي قبلها والتي بعدها فينحرف قليلاً أو كثيراً عنها، حتى يصير كله ظلاماً ليلة المحاق، فيطوى خبره، ويكون الوجه الآخر الذي لا يرى لنا بدراً كاملاً، ثم يتولد هلاله خلقاً جديداً.
وكذلك شأن الأرض في استمداد نورها أو ما نسميه نهاراً، فلو كان في القمر سكان لكانت في رأي أعينهم أكبر كوكب في
(1/246)
________________________________________
السماء، ولشاهدوها أكبر من الجرم الذي نشاهد القمر عليه أضعافاً مضاعفة، لكانت عندهم أروع جمالاً وأبدع من قمرهم في نظرنا تشكلاً، فبدورانها على نفسها يرونها كلها جزءاً فجزءاً، وتظهر قارتها ومحيطاتها واضحة عليها في وقت الصحو ومظللاً بعضها بالغمام في وقت الدجن، وتبدو أهلتها وبدورها ضخمة باهرة ولكن لا يراها إلا سكان النصف المقابل لنا أو الذين يريدون التفرج برؤيتها من أهل النصف الثاني.
ولقرب القمر منا وخلو جوه من الهواء سهل رصده علينا، فنرى في صفحته عند الشروق ليلة التمام كثيراً من المحو، يجعل صورته أشبه بوجه إنسان ذي أنف وفم وحاجبين وعينين إحداهما مغضية، ولا يزال كذلك، حتى يتعدى خط زوال مكان الناظر، فإذا مال إلى المغرب انحرفت هذه الصورة حتى يصير عاليها سافلها، وليس هذا المحو إلا ظلام بطون الأودية والسهول البعيدة الغور وظلال الجبال والهضاب الشاهقة الطول شهوقاً يكاد يمنع استدارته أما قمم الجبال وسطوحها المقابلة للشمس فترى لامعة ساطعة فتبين سلاسل الجبال طرائق مضيئة وقممها نقطاً لامعة وفوهات جبال ناره الشديدة السعة البعيدة الغور التي تعد بعشرات الألوف كأنها حلقات وسطها نقط سود.
وقد ظن القدماء في علة المحو ظنوناً بعضها صادف الحقيقة وبعضها جانبها حتى ظهر غاليليو واخترع سنة 1606 م مرقباً يقرب الأشباح ثلاثين مسافة فأثبت وجود الجبال والأودية فيه، وزاد عليه غيره في تحسين المراقب المكبرة حتى أصبح القمر يرى كأنه على بعد أربعين ميلاً منا، على أن هذا القرب لا يجعلنا نرى الأشباح الصغيرة التي من نوع الحيوان لنتحقق أللقمر سكان كما للأرض أو لا، ولكن قد اصبح من المرجح إن لم يكن من المحقق أنه خال من الماء ومن السحاب والضباب الناشئين منه ومن البنات، إذ لو كان به شيء منها لتغير شكله من حال إلى حال، ويشك أن له هواء، وإن كان له فلعله لا يزيد على قمم جباله، ولا شك أن الماء والهواء هما ينبوعا الحياة
(1/247)
________________________________________
وتجرده منهما وخمود جبال ناره ويبس جرمه يجعل برده شديداً جداً في الليل وحره عظيماً جداً في النهار، على فرط طولهما البالغ فيه خمسة عشر يوماً: مما يجعل الحياة فيه متعسرة بل مستحيلة، اللهم إلا أن تكون حياة غير حياتنا.
ويرجحون أن القمر كان أزمان سحيقة على طبيعة تقرب من طبيعة أمه الأرض، فكان آهلاً بالحيوان والبنات، إلا أن صغر جسمه جعله يسبق الأرض في اليبس والبرودة، فتقبض وبرد وانتهت دنياه، وأصبح كإسفنجة مشعثة ذات شعب ونخاريب تكوينها من جنس تكوين الأرض.
ولقد خلق الله القمر مسخراً لأهل الأرض خاصة، فهو بعكسه نور الشمس عليهم هداية لهم في ظلمات البر والبحر، ولقد قضى الإنسان عصوراً ودهوراً وليس له مصباح في جنح الظلام غيره، ولا يزال كذلك لهل البدو وقبائل الهمج، وهو باختلاف أشكاله تقويم فطري لهم، فبإهلاله يعرف أول الشهر، وبالتربيع الأول يعرف ربعه، وببذره يعرف نصفه، وبالتربيع الأخير يعرف ثلاثة أرباعه، وبمحاقه تعرف نهايته.
وإذا مرن الإنسان على النظر في تقدير ضوئه وأوقات مطالعه عرف الشهر يوماً يوماً والليل ساعة ساعة، قال تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنّاسِ وَالْحَجّ) [البقرة: 189].
وباتحاد جذبه مع جذب الشمس للأرض ينشأ المد والجزر، وفائدتهما في تسهيل الملاحة لا تنكر، فكم من موانئ ومرافئ لولاهما لسدت برواسب الأنهار والسيول.
ولضوء القمر في إنضاج الثمار والبقول أثر أيما أثر، حتى إن بعضها لا ينمو ويزهو لونه إلا في لياليه البيض.
"الفن الخامس في المقامات"
(1/248)
________________________________________
المقامة عبارة عن كتابة حسنة التأليف أنيقة التصنيف تتضمن نكتة أدبية ومدارها على رواية لطيفة مختلفة تسند إلى بعض الرواة ووقائع شتى تعزى إلى أحد الأدباء والمقصود منها غالباً جمع درر الألفاظ وغرر البيان وشوارد اللغة ونوادر الكلام من منظوم ومنثور فضلاً عن ذكر الفرائد البديعة والرقائق الأدبية كالرسائل المبتكرة والخطب المحبرة والمواعظ المبكية والأضاحيك الملهية ولنذكر لك منتخبات من مقامات مختلفة فنقول.
"قال الحريري المتوفى سنة 516 ه? المقامة التاسعة الاسكندرنية"
(1/249)
________________________________________
أخبر الحارث بن همام قال طحابي مرح الشباب وهوى الاكتساب إلى أن جبت ما بين فرغانة وغانه أخوض الغمار اجني الثمار وأقتحم الأخطار لكي أدرك الأوطار وكنت لقفت من أفواه العلماء وثقفت من وصايا الحكماء أنه يلزم الأديب الأريب إذ دخل البلد الغريب أن يستميل قاضية ويستخلص مراضيه ليشد ظهره عند الخصام ويأمن في الغربة جور الحكام فاتخذت هذا الأدب إماماً وجعلته لمصالحي زماماً تقوي الأجساد بالأرواح فبينما أنا عند حاكم الإسكندرية في عشية عرية وقد احضر مال الصدقات ليفضه على ذوي الفاقات إذ دخل شيخ عفرية تعتله امرأة مصبية فقالت أيد الله القاضي وأدام به التراضي أني امرأة من أكرم جرثومة وأطهر أرومة وأشرف خؤولة وعمومة ميسمي الصون وشيمتي الهون وخلقي نعم العون وبيني وبين جارتي بون وكان أبي إذا خطبني بناة المجد وأرباب الجد سكتهم وبكتهم وعاف وصلتهم وصلتهم واحتج بأنه عاهد الله تعالى بحلفة أن لا يصاهر غير ذي حرفة فقيض القدر لنصبي ووصبي أن حضر هذا الخدعه نادي أبي فأقسم بين رهطه إنه وفق شرطه وادعى أنه طالما نظم فباعها ببدرة فاغتر أبي بزخرفة محاله وزوجنيه قبل اختبار حاله فلما استخرجني من كناسي ورحلني عن أناسي ونقلني إلى كسره وحصلني تحت أسره وجدته قعدة جثمة وألفيته ضجعة نومة وكنت صحبته برياش وزي وأثاث وري فما برح يبيعه في سوق الهضم ويتلف ثمنه في الخصم والقضم إلى أن مزق مالي بأسره وأنفق مالي في عسره فلما أنساني طعم الراحة وغادر بيتي أنقى من الراحة قلت له يا هذا أنه لا مخبأ بعد بوس ولا عطر بعد عروس فانهض للاكتساب بصناعتك واجتني ثمرة براعتك فزعم أن صناعته قد رميت بالكساد لما ظهر في الأرض من الفاسد زلي منه سلالة كأنه خلالة وكلانا ما ينال معه شبعة ولا ترقا له من الطوى دمعة وقد قدته إليك وأحضرته لديك لتعجم عود دعواه وتحكم بيننا بما أراك الله فأقبل القاضي عليه وقال له وعيت قصص عرسك فبرهن الآن عن نفسك وإلا كشفت عن
(1/250)
________________________________________
لبسك وأمرت بحسبك فأطرق إطراق الأفعوان ثم شمر للحرب العوان وقال:
اسمعْ حديثي فإنه عجبُ

يضحك من شرحه وينتحبُ

أنا امرؤٌ ليس في خصائصه

عيبٌ ولا في فخاره ويبُ

سروجُ داري التي ولدتُ بها

والأصل غسانْ حين أنتسبُ

وشغلي الدرسُ والتبحّرُ في العل

م طلابي وحبذا الطلبُ

ورأسُ ماليّ الكلام الذي

منهُ يصاغُ القريضُ والخطبُ

أغوصُ في لجَّة البيان فأخ

تارُ اللآلئ منها وانتخبُ

وأجتني اليانعِ الجني من ال

قول وغيري للعود يحتطبُ

وآخذُ اللّفظَ فضَّةً فإذا

ما صغته قيل إنهُ ذهبُ

وكنت من قبلُ امتري نشباً

فالأدب المقتني وأحتلبُ

ويمتطي أخمصي لحرمته

مراتباً ليس فوقها رتبُ

وطالما زفت الصلات إلى

ربعي فلم أرضَ كل من يهب

فاليومْ من يعلقُ الرجاءُ بهِ

أكسدُ شيءٍ في سوقه الأدب

لا عرضُ أبنائهِ يصان ولا

يرقب فيهم إل ولا نسبُ

كأنهم في عراصهم جيفٌ

يبعد من نتنها ويجتنبُ

فحار لبّي لما منيت به

من اللّيالي وصرفها عجبُ

وضاق ذرعي لضيق ذات يدي

وساروتني الهمومُ والكربُ

وقدني دهري المليمُ إلى

سلوك ما يستشينهُ الحسبُ

فبعت حتى لم يبق لي لبدُ

ولا بتاتٌ إليهِ أنقلبُ

وادنت حتى أثقلتُ سالفتي

بحمل دينِ من دونهِ العطبُ

ثم طويت الحشا على سغيٍ

خمساً فلمّا أمضني السغب

لم أرَ جهازها عرضاً

أجولُ في بيعهِ وأضطرب

فجلتُ فيهِ والنفسُ كارهةٌ

والعينُ عبرى والقلب مكتئب

وما تجاوزت إذ عبثتُ به

حدَّ التَّراضي فيحدثُ الغضب

فإن يكن غاظها توهما

أن بناني بالنّظم تكتسب

أو أنني إذ عزمت خطبتها

زخرفت قولي لينجح الأرب
(1/251)
________________________________________
فوالذي سارت الرفاقُ إلى

كعبته تستحثها النجب

ما المكرُ بالمحصنات من خلقي

ولا شعاري التمويه والكذب

ولا يدي مذ نشأتُ نيط بها

إلاّ مواضي اليراع والكتب

بل فكرتي تنظم القلائد لا

كفي وشعري المنظوم لا السخب
فهذه الحرفة المشارُ إلى

ما كنت أحوى بها وأجتلب

فأذنْ لشرحي كما أذنتَ لها

ولا تراقبْ واحكم بما يجب

قال: فلما احكم ما شاده وأكمل إنشاده عطف القاضي إلى الفتاة بعد أن شغف بالأبيات وقال أما أنه قد ثبت عند جميع الحكام وولاة الأحكام انقراض جيل الكرام وميل الأيام إلى اللئام وإني لإخال بعلك صدوقاً في الكلام برياً من الملام وها هو قد اعترف ذلك بالقرض وصرح عن المحض وبين مصداق النظم وتبين انه معروق العظم وإعنات المعذر ملأمة وحبس المعسر مألمة وكتمان الفقر زهادة وانتظار الفرج بالصبر عبادة فارجعي إلى خدرك واعذري أبا عذرك ونهنهي من غربك وسلمي بقضاء ربك ثم إنه فرض لهما في الصدقات حصة وناولهما من دراهمها قبصة وقال لهما تعللا بهذه العلالة وتنديا بهذه البلالة وصبرا على كيد الزمان وكده فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فنهضا وللشيخ فرحة المطلق من الإسار وهزة الموسر بعد الأعسار قال الراوي: وكنت عرفت أنه أبو زيد ساعة بزغت شمسه ونزعت عرسه وكدت أفصح عن افتتانه وأثمار أفنانه ثم أشفقت من عثور القاضي على بهتانة وتزويق لسانه فلا يرى عند عرفانه أن يرشحه لإحسانه فأحجمت عن القول إحجام المرتاب وطويت ذكره كطي السجل للكتاب إلا أني قلت ما فصل ووصل إلى ما وصل لو أن من ينطلق في أثره لأتانا بفص خبره وما ينشر من حبره فأتبعه القاضي أحد أمنائه وأمره بالتجسس عن أنبائه فما لبث أن رجع متدهدها وقهقر مقهقهاً فقال له القاضي مهيم يا أبا مريم فقال له لقد عاينت عجباً وسمعت ما أنشأ لي طرباً فقال له ماذا رأيت وما الذي وعيت قال لم يزل الشيخ مذ خرج
(1/252)
________________________________________
يصفق بيديه ويخالف بين رجليه ويغرد بملء شدقيه ويقول:
كدتُ أصلى ببليّه

من وقاح شمَّريَّه
وأزورُ السّجن لولا

حاكم الإسكندريّة

فضحك القاضي حتى هوت دنيته وذوت سكينته فلما فاء إلى الوقار وعقب الاستغراب بالاستغفار قال اللهم بحرمة عبادك المقربين حرم حبسي على المتأد بين ثم قال لذلك الأمين علي به فانطلق مجدا في مطلبه ثم عاد بعد لأيه مخبراً بنأيه فقال له القاضي أما إنه لو حضر لكفي الحذر ثم لأوليته ما هو به أولى ولأريته أن الآخرة خيرٌ له من الأولى قال الحارث بن همام فلما رأيت صغو القاضي إليه وفوت ثمرة التنبيه عليه غشيتني ندامة الفرزدق حين أبان النوار والكسعي لما استبان النهار.
"المقامة البشرية لبديع الزمان الهمذامي المتوفى سنة 398 ه?"
حدثنا عيسى بن هشام قال كان بشر بن عوانة العبدي صعلوكاً فأغار على ركب فيهم امرأة جميلة فتزوج بها وقال: ما رأيت كاليوم فقالت:
أعجب بشراً حورٌ في عيني

وساعدٌ أبيضُ كاللجين

ودونه مسرح طرف العين

خمصانةٌ ترفلُ في حجلين

أحسنُ من يمشي على رجلين

لو ضمّ بشرٌ بينهما وبيني

أدام هجري وأطال بيني

ولو يقيس زينها بزيني

"لأسفر الصبح لذي عينين"
قال بشرٌ ويحك من عنيت فقالت: بنت عمك فاطمة فقال: أهي من الحسن بحيث وصفت قالت: وأزيد وأكثر فأنشأ يقول:
ويحكِ يا ذاتَ الثنايا البيضِ

ما خلتني منك بمستعيض

فالآن إذ لوّحت بالتعريض

خلوتِ جوَّا فاصفري وبيضي

لأضم جفناي على تغميض

مالم أشل عرضي من الحضيض
فقالت:
كم خاطبٍ في أمرها ألحَّا

وهي إليك ابنة عمّ لحّا
(1/253)
________________________________________
ثم أرسل إلى عمه يخطب ابنته ومنعه العم أمنيته فآلى ألا يرعي على أحد منهم إن لم يزوجه ابنته ثم كثرت مضراته فيهم واتصلت معراته إليهم فاجتمع رجال الحي إلى عمه وقالوا كف عنا مجنونك فقال: لا تملبسوني عاراً وأمهلوني حتى أهلكه ببعض الحيل فقالوا: أنت وذاك ثم قال له عمه إني آليت أن لا أزوج بنتي هذه إلا ممن يسوق إليها ألف ناقة مهراً ولا أرضانها إلا من نوق خزاعة وكان غرض العم أن يسلك بشر الطريق بينه ووبين خزاعة فيفترسه الأسد لأن العرب قد كانت تحامت عن ذلك الطريق وكان فيه أسد يسمى "داذا" وحية تدعى "شجاعاً" يقول فيهما قائلهم:
أفتكُ من داذ ومن شجاع

إن يكُ داذٌ سيّد السّباع

فإنها سيّدةُ الأفاعي

ثم إن بشراً سلك ذلك الطريق غما نصفه حتى لقي الأسد وقمص مهره فنزل وعقره ثم اخترط سيفه إلى الأسد واعترضه وقطعه ثم كتب بدم السد على قميصه إلى ابنة عمه:
أفاطمُ لو شهدتِ ببطنِ خبت

وقد لاقى الهزبرُ أخاك بشرا

إذاً لرأيتِ ليثاً زارَ ليثاً

هزبر اً أغلبا لاقى هزبرا

تبهنسَ حين أحجم عنهُ مهري

محاذرةً، فقلتُ عقرتَ مهراً

أنلْ قدميّ ظهرَ الأرض إني

رأيتُ الأرضَ أثبتَ منك ظهرا
وقلتُ له وقد أبدى نصالاً

محدّدة ووجهاً مكفهرا

يكفكفُ غيلةً إحدى يديه

ويبسطُ للوثوب عليّ أخرى

يدلُّ بمخلب وبحدّ ناب

وباللَّحظاتِ تحسبهنَّ جمرا

وفي يمنايَ ماضي الحدّ أبقى

بمضربه قراعُ الموت أثرا

ألم يبلغك ما فعلتْ ظباة

بكاظمةٍ غداةَ لقيتُ عمرا

وقلبي مثلُ قلبك ليس يخشى

مصاولةً فكيفَ يخاف ذعرا

وأنتَ تروم للأشبال قوتاً

وأطلبُ لابنةِ الأعمام مهرا

ففيمَ تسوم مثلي أن يولّي

ويجعلَ في ديك النفس قسرا

نصحتك فالتمسْ يا ليثُ غيري

طعاماً إن لحمي كان مرَّا

فلما ظنَّ أن الغشَّ نصحي
(1/254)
________________________________________
وخالفني كأنّي قلتُ هجرا

مشى ومشيت من أسدين راما

مراماً كان إذ طلباهُ وعرا

هززتُ له الحسامَ فخلتُ أني

سللتُ به لدى الظّلماء فجرا

وجدتُ له بجائشةٍ أرتهُ

بأنَّ كذبتهُ ما منّتهُ غدرا

وأطلقتُ المهنَّدَ من يميني

فقدَّ له من الأضلاع عشرا

فخرَّ مجدَّلاً بدمٍ كأني

هدمتُ به بناءً مشمخرَّا

وقلتُ له يعز عليّ أني

قتلتُ مناسبي جلداً وفخرا

ولكنْ رمتَ شيئاً لم يرمهُ

سواكَ فلم أطقْ يا ليثُ صبرا

تحاولُ أن تعلّمني فراراً

لعمرُ أبيك قد حاولتَ نكرا

فلا تجزعْ فقد لاتقيتَ حرَّا=يحاذر أن يعابَ فمتَّ حرَّا فلما بلغت الأبيات عمه ندم على ما منعه تزويجها وخشي أن تغتاله الحية فقام في أثره وبلغه وقد ملكته سورة الحية فلما رأى عمه أخذته حمية الجاهلية فجعل يده في فم الحية وحكم سيفه فيها فقال:
بشرٌ إلى المجد بعيدٌ همّه

لما رآه بالعراءِ عمّهُ

قد ثكلتهُ نفسهُ وأمُّه

جاشتْ به جائشةٌ تهمهُ

قام إلى ابنِ للفلاَ يؤمُّه

فغاب فيه يدهُ وكمّهُ

ونفسهُ نفسي وسمّي سمُّهُ
(1/255)
________________________________________
فلما قتل الحية قال عمه إني عرضتك طمعاً في أمر قد ثنى الله عناني فارجع لأزوجك لابنتي فلا رجع جعل بشر فمه فخراً حتى طلع أمرد كشق القمر على فرسه مدججاً في سلاحه فقال بشر يا عم إني اسمع حس صيد وخرج فإذا بغلام على قيد فقال ثكلتك أمك يا بشر أن قتلت دودة وبهيمة تملأ ما ضغنك فخراً أنت في أمان إن سلمت عمك فقال بشر من أنت لا أم لك قال اليوم الأسود والموت الأحمر فقال بشر: ثكلتك من سلحتك فقال يا بشر ومن سلحتك وكر كل واحد منهما على صاحبه فلم يتمكن بشر منه وأمكن الغلام عشرون طعنة في كلية بشر كلما مسه شبا السنان حماه عن بدنه إبقاء عليه. ثم قال يا بشر كيف ترى أليس لو أردت لأطعمتك أنياب الرمح ثم ألقى رمحه واستل سيفه فضرب بشراً عشرين ضربة بعرض السيف ولم يتمكن بشر من واحدة ثم قال يا بشر سلم عمك واذهب في أمان قال نعم ولكن على شريطة أن تقول لي من أنت فقال أنا ابن المرأة التي دلتك على ابنة عمك: فقال بشر:
تلك العصا من هذه العصيّه

هل تلدُ الحيَّةُ إلا الحيّة

وحلف لا ركب حصاناً ولا تزوج حصاناً ثم زوج ابنة عمه لابنه.
"الفن السادس في الروايات"
(1/256)
________________________________________
الرواية عبارة عن ذكر قول أو فعل حدثاً أو أمكن حدوثهما وخواصها أربعة الإيضاح والإيجاز والإمكان والتلطف "فالإيضاح" يكون بتقديم فرش للحديث وتوطئة للخبر يقرب مأخذ الرواية وبمراعاة الترتيب الطبيعي في إيراد ظروف الخبر ما لم يكن للراوي غرض لتجاوز هذا النظام وبالعدول عن كثرة الاستطرادات في إنشاء الحديث لأن ذلك يصرف العقل عن سياق الرواية ويذهب برونقها "والإيجاز" حذف فضول وحشو الكلام مع انتقاء أخص الظروف وأنسبها للغاية ولا بأس بالأطناب إذا ما دعا إليه مقتضى الحال "والإمكان" ترشيح الرواية للقبول في ذهن السامع "والتلطيف" في الرواية أن يبلغ الكاتب كنه القلوب ويأخذ بمجامع اللب بأن ينتقل فيها من حال إلى حال لأن النفس قد جلبت على محبة التحول وطبعت على إيثار التنقل وللرواية ثلاثة أجزاء صدرها وعقدتها وختامها "فالصدر" التوطئة للواقع بحيث يقف السامع على أسماء الأشخاص وطباعهم وعلى مكان الواقع وسوابق العمل "والعقدة" هي الجزء الذي على محوره تدور الرواية وهو المجال الأوسع الذي تتقابل الأشخاص وتشتبك الأحوال وتضطرم في النفس لواعج الشوق للوقوف على عاقبة الأمر متنقل من الرجاء إلى الخوف ومن الفرح إلى الحزن.
"والختام" الجزء الأخير من الرواية الذي به تفك الإربة وتحل رباق الحديث فتنال النفوس بذلك مرامها وتفوز بوطرها وسمته أن يكون فجائياً مرتبطاً مع ما قبله ارتباطاً محكماً وافياً بالمراد بحيث ترضى به النفوس وترتاح إليه القلوب وشواهد الرواية كثيرة لا نطيل بذكرها أفرادها الأدباء بالتآليف العديدة ولنذكر هنا بعض ملح لايستغني عنها المقام.
"رواية ليلى الأخيلية مع الحجاج"
(1/257)
________________________________________
قال بعضهم بينما كان الحجاج في مجلس ومعه عنبسة بن سعد العاصي غذ دخل الحاجب فقال امرأة بالباب فقال له الحجاج أدخلها فلما رآها الحجاج طأطأ رأسه حتى ظننت لأن ذقنه قد أصاب الأرض فجاءت حتى قعدت بين يديه فنظرت المرأة قد لأسنت حسنة الخلق ومعها جاريتان لها وإذا هي ليلى الأخيلية فسألها الحجاج عن نسبها فانتسبت له فقال لها يا ليلى ما أتى بك فقالت أخلاف النجوم وقلة الغيوم وكلب البرد وشدة الجهد وكنت لنا بعد الله الرفد فقال لها صفي لنا الفجاج: فقالت الفجاج مغبرة. والأرض مقشعرة والمبرك معتل وذو العيال مختل والهالك للقل والناس مسنتون رحمة الله يرجون وأصابتنا سنون مجحفة مبلطة لم تدع لنا هبعاً ولا ربعاً ولا عافطة ولا نافطة أذهبت الأموال ومزقت الرجال وأهلكت العيال ثم قالت إني قلت في الأمير قولاً: قال هاتي فأنشأت تقول:
أحجَّاجُ لا يفللْ سلاحك إنّما ال?

?منَايا بكفّ الله حيث يراها

أحجاج لا تعط العصاة مناهم

ولا الله يعطي للعصاة مناها

إذا هبط الحجاج أرضاً مريضةً

تتبَّع أقصى دائها فشفاها

شفاها من الدّاء العضال الذي بها

غلامٌ إذا هزَّ القناة سقاها

سقاها فروّاها يشرب سجالهِ

دماء رجالٍ حيث مال حشاها

إذا سمع الحجاج رزّ كتيبةٍ

أعدّ لها قبل النُّزول قراها

أعدّ لها مصقولةً فارسيّة

بأيدي رجال يحلبون صراها

فما ولد الأبكارُ والعونُ مثله

ببحرٍ ولا أرض يجفّ تراها
(1/258)
________________________________________
قال: فلما قالت هذا البيت قال الحجاج قاتلها الله ما أصاب صفتي شاعر منذ دخلت العراق غيرها ثم التفت إلى عنبسة بن سعيد فقال والله إني لأعد للأمر عسى أن لايكون أبداً ثم التفت إليها فقال حسبك قالت غني قد قلت أكثر من هذا قال حسبك ويحك حسبك ثم قال يا غلام اذهب إلى فلان فقل له اقطع لسانها فذهب بها فقال له يقول لك الأمير اقطع لسانها قال فأمر بإحضار الحجام فالتفتت ثكلتك أمك أما سمعت ما قال أنما أمرك أن تقطع لساني بالصلة فبعث إليه يستثبته فاستشاط الحجاج غضباً وهم بقطع لسانه وقال أرددها فلما دخلت عليه قالت: كاد "وأمانة الله" يقطع مقولي ثم أنشأت تقول:
حجّاج أنت الذي ما فوقه أحدٌ

إلا الخليفةُ والمستغفرُ الصّمد

حجاج أنتَ شهابُ الحربِ إن لقحتْ

وأنتَ للناس نورٌ في الدُّجى يقدُ

ثم أقبل الحجاج على جلسائه فقال: أتدرون من هذه قالوا لا والله أيها الأمير إنا لم نر قط أفصح لساناً ولا أحسن محاورة ولا أملح وجهاً ولا أرصن شعراً منها فقال هذه ليلى الأخيلية التي مات توبة الخفاجي من حبها ثم التفت إليها فقال أنشدينا يا ليلى بعض ما قال فيك توبة قالت نعم أيها الأمير الذي يقول:
وهل تبكينَ ليلى إذا متّ قبلها

وقام على قبري النّساء النّوائحُ

كما لو اصاب الموتُ ليلى بكيتها

وجاد لها دمعٌ من العين سافح

وأغبطُ من ليلى بما لا أناله

بلى كلّ ما قّرت به العين طائح

ولو أن ليلى الأخيلية سلّمت

عليّ ودونيَ جندل وصفائح

لسلّمت تسليمَ البشاشة أوزقا

إليها صدّى من جانب القبر صائح
(1/259)
________________________________________
ثم قال لها سلي يا ليلى تعطي قالت أعط فمثلك أعطى فأحسن قال لك عشرون قالت زد فمثلك زاد فأجمل قال لك أربعون قالت زد فمثلك زاد فأكمل قال لك ثمانون قالت زد فمثلك زاد فتمم قال لك مئة واعلمي إنها غنم قالت معاذ الله أيها الأمير أنت أجود جوداً وأمجد مجداً وأورى زنداً من أن تجعلها غنماً قال فما هي ويحك يا ليلى قالت مائة من الإبل برعاتها فأمر لها بها ثم قال ألك حاجة بعدها حاجة بعدها قالت يدفع إلي النابغة الجعدي قال قد فعلت وقد كانت تهجوه ويهجوها فبلغ النابغة ذلك فخرج هارباً عائذاً بعبد الملك فاتبعته إلى الشام فهرب إلى قتيبة بن مسلم بخراسان فاتبعته على البريد بكتاب الحجاج إلى قتيبة بقومس ويقال بحلوان.
"رواية بنات الشاعر المقتول"
كان لشاعر عدو فبينما هو سائر ذات يوم في بعض الطرق إذا هو يبعدوه فعلم الشاعر أن عدوه قاتله لا محاله فقال له يا هذا أنا أعلم أن المنية قد حضرت ولكن سألتك الله إذا أنت قتلتني أن امض إلى داري وقف بالباب وقل "ألا أيها البنتان أن أباكما" فقال سمعاً وطاعة ثم إنه قتله فلما فرغ من قتله أتى إلى داره ووقف بالباب وقال: "ألا أيتها البنتان أن أباكما" وكان للشاعر ابنتان فلما سمعا قول الرجل "ألا أيتها البنتان أنا أباكما" أجابتاه بفم واحد "قتيل خذا بالثار ممن أتاكما" ثم تعلقتا بالرجل ورفعتاه إلى الحاكم فاستقرره فأقر بقتله فقتله.
"رواية المتكلمة بالقرآن الكريم"
(1/260)
________________________________________
قال عبد الله بن المبارك خرجت حاجاً إلى ببت الله الحرام وزيارة قبر نبيه عليه الصلاة والسلام فبينما أنا في بعض الطريق إذ أنا بسواد فتميزت ذاك فإذا هي عجوز عليها درع من صوف وخمار من صوف فقلت السلام عليك ورحمة الله وبركاته فقالت: (سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رّبّ رّحِيمٍ) [يس: 58] قال فقلت لها يرحمك الله ما تصنعين في هذا المكان قالت: (وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) [الأعراف: 186] فعلمت أنها ضالة عن الطريق فقلت لها أين تريدين قالت: (سُبْحَانَ الّذِي أَسْرَىَ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَىَ الْمَسْجِدِ الأقْصَى) [الإسراء: 1] فعلمت أنها قد قضت حجها وهي تريد بيت المقدس فقلت لها أنت منذ كم في هذا الموضع قالت: (ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً) [مريم: 10] فقلت ما أرى معك طعاماً تأكلين قال: (هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ) [الشعراء: 79] فقلت فبأي شيء تتوضئين قالت: (فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمّمُواْ صَعِيداً طَيّباً) [النساء: 43] فقلت لها أن معي طعاماً فهل لك في الأكل قال: (ثُمّ أَتِمّواْ الصّيَامَ إِلَى الّليْلِ) [البقرة: 187] فقلت ليس هذا شهر رمضان قالت: (وَمَن تَطَوّعَ خَيْراً فَإِنّ اللّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) [البقرة: 158] فقلت قد أبيح لنا الإفطار في السفر قالت: (وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [البقرة: 184] فقلت لم لا تكلميني كما أكلمك قالت: (مّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) [ق: 18] فقلت قمن أي الناس أنت قالت: (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنّ السّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) [الإسراء: 36] فقلت قد أخطأت فاجعليني في حل قالت: (قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ )[يوسف: 92] فقلت فهل لك أن أحملك على ناقتي هذه فتدركي القافلة قالت: (وَمَا
(1/261)
________________________________________
تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ ) [البقرة: 197] قال فأنخت ناقتي قالت: (قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ ) [النور: 30] فغضضت بصري عنها وقلت لها اركبي فلما أرادت أن تركب نفرت الناقة فمزقت ثيابها فقالت: (وَمَآ أَصَابَكُمْ مّن مّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) [الشورى: 30] فقلت لها أبصري حتى أعلقها قالت: (فَفَهّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ) [الأنبياء: 79] فعلقت الناقة وقلت لها اركبي فلما ركبت قالت: (سُبْحَانَ الّذِي سَخّرَ لَنَا هََذَا وَمَا كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ {13} وَإِنّآ إِلَىَ رَبّنَا لَمُنقَلِبُونَ) [الزخرف: 13، 14] قال فأخذت بزمام الناقة وجعلت أسرع وأصيح فقالت: (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ) [لقمان: 19] فجعلت أمشي رويداً رويداً وأترنم بالشعر فقالت: (فَاقْرَءُواْ مَا تَيَسّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) [المزمل: 20] فقلت لها لقد أوتيت خيراً كثيراً قالت: (وَمَا يَذّكّرُ إِلاّ أُوْلُواْ الألْبَابِ) [البقرة: 269] فلما مشيت بها قليلاً قلت ألك زوج قالت: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) [المائدة: 101] فسكت ولم أكملها حتى أدركت بها القافلة فقلت لها هذه القافلة فمن لك فيها فقالت: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدّنْيَا) [الكهف: 46] فعلمت أن لها أولاداً فقلت وما شأنهم في الحج قالت: (وَعَلامَاتٍ وَبِالنّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) [النحل: 16] فعلمت أنهم أدلاء الركب فقصدت بها القباب والعمارات فقلت هذه القباب فمن لك فيها قالت: (وَاتّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً) [النساء: 125] (وَكَلّمَ اللّهُ مُوسَىَ تَكْلِيماً) [النساء: 164] (يَيَحْيَىَ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوّةٍ) [مريم: 12] فناديت با ابراهيم يبا موسى يا يحيى فإذا أنا بشبان كأنهم الأقمار قد أقبلوا فلما استقر بهم الجلوس قالت:
(1/262)
________________________________________
(فَابْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هََذِهِ إِلَىَ الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيّهَآ أَزْكَىَ طَعَاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مّنْهُ) [الكهف: 19] فمضى أحدهم فاشترى طعاماً فقدموه بين يدي وقالت: (كُلُواْ وَاشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي الأيّامِ الْخَالِيَةِ) [الحاقة: 24] فقلت الآن طعامكم علي حرام حتى تخبروني بأمرها فقالوا هذه أمنا لها منذ أربعين سنة لم تتكلم إلا بالقرآن مخافة أن تزل فيسخط عليها الرحمن فسبحان القادر على ما يشاء فقلت: (ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) [الحديد: 21].
تم بعون الله سبحانه وتعالى طبع "الجزء الأول" من كتاب "جواهر الأدب" ويليه بمشيئته جل شأنه "الجزء الثاني" وأوله الفن السابع في تاريخ أدب اللغة العربية.
بسم الله الرحمن الرحيم
"الفن السابع في تاريخ أدب اللغة العربية"
(1/263)
________________________________________
التاريخ: هو معرفة أخبار الماضين وأحوالهم من حيث معيشتهم، وسياستهم وأدبهم، ولغتهم.
والأدب: (كل رياضة محمودة يتخرج بها الإنسان في فضيلة من الفضائل). وهذه الرياضة كما تكون بالفعل، وحسن النظر، والمحاكاة، تكون بالأقوال الحكيمة التي تضمنتها لغة أي أمة.
واللغة: ألفاظ يعبر بها كل قوم عن أغراضهم وهي من الأوضاع البشرية وأدب لغة أي أمة هو ما أودع في شعرها ونثرها من نتائج عقول أبنائها وصور أخيلتهم وطباعهم: مما شأنه أن يهذب النفس، ويثقف العقل، ويقوم اللسان.
وتاريخ أدب اللغة: هو العلم الباحث عن أحوال اللغة: نثرها ونظمها في عصورها المختلفة، وعما كان لنابغيها من التأثير البين فيها.
واللغة العربية: إحدى اللغات السامية. وهي لغة أمة العرب القديمة العهد الشائعة الذكر التي كانت تسكن الجزيرة المنسوبة إليها في الطرف الغربي من آسيا.
وهذه الأمة: منها القدماء، وهم الذين يسكنون تلك الجزيرة وينطقون باللغة العربية سليقة وطبعاً، وهم ثلاث طبقات: أولاها العرب البائدة وهؤلاء لم يصل إلينا شيء صحيح من أخبارهم إلا ما قصه الله علينا في القرآن الكريم، وإلا ما جاء في الحديث النبوي. ومن أشهر قبائلهم طسم، وجديس وعاد، وثمود وعمليق. وثانيهما العرب العاربة: وهم بنو قحطان الذين اختاروا اليمن منازل لهم. ومن أمهات قبائلهم كهلان، وحمير. وثالثتها العرب المستعربة: وهو بنو اسماعيل الطارئون على القحطانين، والممتزجون بهم لغة ونسباً. والمعرفون بعج بالعدنانيين، ومن أمهات قبائلهم ربيعة، ومضر، وإياد، وأنمار.
ومنها المحدثون: وهم سلائل هؤلاء الأقوام الممتزجون بسلائل غيرهم والمنتشرون بعد الإسلام في بقاع الأرض من المحيط الأخضر (الأطلنطي) إلى ما وراء بحر فارس ودجلة، ومن أعالي النهرين إلى ماوراء جاوه وسومطرة.
"عصور اللغة العربية وآدابها"
(1/264)
________________________________________
لما كان تاريخ أي أمة وأدبها يرتبط كل الارتباط بالحوادث السياسية والدينية والاجتماعية التي تقع بين ظهراني هذه الأمة، ناسب تقسيم تاريخ أدب اللغة خمسة أعصر: الأول: عصر الجاهلية: وينتهي بظهور الإسلام ومدته نحو خمسين ومائة سنة.
الثاني: عصر صدر الإسلام، ويشمل بني أمية ويبتدئ بظهور الإسلام وينتهي بقيام دولة بني العباس سنة (132ه?).
الثالث: عصر بني العباس: ويبتدئ بقيام دولتهم، وينتهي بسقوط بغداد في أيدي التتار سنة (656ه?).
الرابع: عصر الدول التركية: ويبتدئ بسقوط بغداد، وينتهي بمبدأ النهضة الأخيرة سنة (1220ه?).
الخامس: عصر النهضة الأخيرة: ويبتدئ من حكم الأسرة المحمدية العلوية بمصر، ويمتد إلى وقتنا هذا.

"العصر الأول عصر الجاهلية"
"حالة اللغة وآدابها في ذلك العصر"
(1/265)
________________________________________
لغة العرب من أغنى اللغات كلما، وأعرقها قدماً، وأوسعها لكل ما يقع تحت الحس، أو يجول في الخاطر: من تحقيق علوم، وسن قوانين وتصوير خيال، وتعيين مرافق: وهي على هندمة وضعها، وتناسق أجزائها لغة قوم أميين، ولا عجب أن بلغت تلك المنزلة، من بسطة الثروة، وسعة المدى إذا كان لها من عوامل النمو، ودواعي البقاء والرقي، ما قلما يتهيأ لغيرها وما رواه لنا منها أئمة اللغة وجاء به القرآن الكريم والحديث النبوي هو نتيجة امتزاج لغات الشعوب التي سكنت جزيرة العرب ولا شك في أن من أسباب امتزاج هذه اللغات ما يأتي: 1 هجرة القحطانين إلى جزيرة العرب ومخالطتهم فيها العرب البائدة باليمن ثم تمزقهم في بقاع الجزيرة كل ممزق بظلمهم وتخرب بلادهم بسيل العرم. 2 هجرة اسماعيل عليه السلام إلى جزيرة العرب واختلاطه وبينه بالقحطانين بالمصاهرة والمجاورة والمحاربة والمتاجرة: وأظهر مواطن هذا الامتزاج مشاعر الحج والأسواق التي كانت تقيمها العرب في أنحاء بلادها، ومن هذه الأسواق عكاظ ومجنة وذو المجاز.
وأهمها سوق عكاظ: وكانت تقام من أول ذي العقدة إلى اليوم العشرين منه. وأقيمت تلك السوق بعد عام الفيل بخمس عشرة سنة وبقيت إلى ما بعد الإسلام حتى سنة تسع وعشرين ومائة. وكان يجتمع بهذه السوق أكثر أشراف العرب للمتاجرة، ومفاداة الأسرى والتحكيم في الخصومات وللمفاخرة بالشعر والخطب في الحسب والنسب والكرم والفصاحة والجمال والشجاعة وما شاكل ذلك. وكان من اشهر المحكمين بها في الشعر النابغة الذبياني. ومن أشهر خطبائها قس بن ساعدة الإيادي. وقد لهج الشعراء بذكرها في شعرهم. وحضرها منهم الرجال والنساء.

كلام العرب
(1/266)
________________________________________
الغرض من كلام العرب كغيره الإبانة عما في النفس من الأفكار ليكون مدعاة إلى المعاونة والمعاضدة. وذريعة إلى تسهيل أعمال الحياة.
ولما كانت هذه الأفكار لا تزال متجددة غير متناهية. كانت صور الكلام المبين عنها لا تزال كذلك متجددة خاضعة لقوى الاختراع والابتداع وأنواع الإنشاء والتأليف على حسب ما يقتضيه المقام فقد تصل صورة الكلام إلى الغاية القصوى في البلاغة، وقد تنحط صورة العبارة إلى الدرك الأسفل من الإبانة. بحيث لو انحطت عن ذلك لكانت عند الأدباء بأصوات الحجماوات أشبه، وبين الحالين مراتب، وجل بحث علم الأدب وتاريخه في التفاوت بين هذه المراتب ورجالها.
وكلام العرب بمراتبه: العليا والدنيا وما بينهما تعتوره كغيره أحوال تتغير بتغير حياة أهله العقلية والمعاشية والدينية، وتلك الأحوال تتمثل في "أغراض اللغة، ومعانيها، وعباراتها".
أغراض اللغة في الجاهلية
1 كانت اللغة تستعمل في أغراض المعيشة البدوية، ووصف مرافقها من حل وترحال، وانتجاع كلأ. واستدرار غيث. واستنتاج حيوان.
2 وفي غثارة المنازعات والمشاحنات، وما يتبعها من الحض على إدراك الثأر. والتفاخر بالانتصار، والتباهي بكرم الأصل والنجار.
3 شرح حال المشاهدات والكيفيات والإخبار عن الوقائع والقصص وغير ذلك.

معاني اللغة في الجاهلية
تجمل معاني اللغة (1) في قصر معاني المفردات على ما تقتضيه البداوة والفطرة الغضة الخالية من تكلف أهل الحضر وتأنقهم (2) وفي انحصار أحكامهم في (الخبر) ومطالبهم عن (الإنشاء) إما في التعقل المستنبط من الحس والمشاهدة أو الطبيعة أو التجربة أو الوجدان. من غير مبالغة ولا إغراق. وإما في التخيل المنتزعة صوره من المحسوسات بحيث لا تخرج عن الإمكان العقلي والعادي.
عبارة اللغة في الجاهلية
(1/267)
________________________________________
تلخص أحوال العبارة في الجاهلية فيما يأتي: 1 استعمال الألفاظ في معانيها الوضعية. أو معان مناسبة للمعنى الأصلي بطريق المجاز الذي قد يصبح بعد قليل وضعاً جديداً.
2 كثرة استعمال المترادف، وقلة الأعجمي المعبر عنه بالمعرب، وخلو الكلام العربي من اللحن، وغلبة الإيجاز عليه كما تراه واضحاً في شعرهم.
3 إرسال الأساليب الكلامية على حسب ما تقتضيه البلاغة بدون تكلف.
تقسيم كلام العرب
ينقسم كلام العرب قسمين: نثراً ونظماً. فالنظم هو الموزون المقفى. والنثر ما ليس مرتبطاً بوزن ولا قافية.
النثر المحادثة الخطابة الكتابة
الأصل في الكلام أن يكون منثوراً: لإبانته مقاصد النفس بوجه أوضح وكلفة أقل وهو غما حديث يدور بين بعض الناس وبعض في إصلاح شؤون المعيشة. واجتلاب ضروب المصالح والمنافع وذلك ما يسمى (المحادثة) أو "لغة التخاطب". وإما خطاب من فصيح نابه الشأن يلقيه على جماعة في أمر ذي بال. وهذا ما يسمى "الخطابة". وإما كلام نفسي مدلول عليه بحروف ونقوش لإرادة عدم التلفظ به. أو لحفظه للخلف. أو لبعد الشقة بين المتخاطبين. وذلك ما يسمى (الكتابة). إذن فأقسام النثر ثلاثة. محادثة. خطابة. وكتابة وكلها إما أن تكون كلاماً خالياً من التزام التقفيه في أواخر عباراته: وذلك ما يسمى "النثر المرسل" وإما أن تكون قطعاً ملتزماً في آخر كل فقرتين منها أو أكثر قافية واحدة. وهذا ما يسمى "السجع" وهو نوع من الحلية اللفظية إذا جاء عفواً ولم يتعمد التزامه. ولحسن وقعه في الأسماع. وحوكه وتأثيره في الطباع كان اكثر ما يستعمل في الخطابة. والأمثال. والحكم. والمفاخرات. والمنافرات.
المحادثة أو لغة التخاطب
(1/268)
________________________________________
لغة التخاطب عند عرب الجاهلية بعد أن توحدت لغاتها هي اللغة المعربة المستعملة في شعرها وخطبها وكتابتها. ولا فرق بينها في البلاغة إلا بقدر ما تستدعيه حال الخطابة والشعر والكتابة: من نبالة الموضوع والتأنق في العبارة.
وأكثر ما وصل إلينا منها كان شريف المعنى. فصيح اللفظ.
الخطابة
لما كان جل العرب في جاهليتها قبائل متبدية. لايربطها قانون عام. ولا تضبطها حكومة منظمة. ومن شأن المعيشة البدوية شن الغارات لأوهى الأسباب. والمدافعة بالنفس عن الروح والعرض والمال. والمباهاة بقوة العصبية وكرم النجار وشرف الخصال. وللقول في ذلك أثر لا يقل عن الصول: كانت الخطابة لهم ضرورية. وفيهم فطرية. وإنما لم تصل إلينا أخبار خطبائهم الأوائل. وشيء من خطبهم كما كان ذلك في الشعر. لحفلهم قديماً بالشعر دون الخطابة. ولصعوبة حفظ النثر.
وما عني الرواة بنقل أخبار الخطباء إلا عندما حلت الخطابة بعد منزلة أسمى من الشعر. لابتذاله بتعاطي السفهاء والعامة له. وتلوثهم بالتكسب به والتعرض للحرم. فنبه بذلك شأن الخطابة. واشتهر بها الأشراف وكان لكل قبيلة خطيب كما كان لكل قبيلة شاعر.
وأكثر ما كانت الخطابة في التحريض على القتال. والتحكيم في الخصومات وإصلاح ذات البين. وفي المفاخرات. والمنافرات. والوصايا وغير ذلك.
وكان من عادة الخطيب في غير خطب الإملاك والتزويج أن يخطب قائماً أو على نشر ومرتفع من الأرض أو على ظهر راحلته. لإبعاد مدى الصوت، والتأثير بشخصه وإظهار ملامح وجهه وحركات جوارحه ولا غنى له عن لوث وعصب العمامة والاعتماد على مخصرة أو عصا أو قناة أو قوس وربما أشار بإحداها أو بيده.
وخطباء العرب كثيرون (من أقدمهم) كعب بن لؤي (وكان ذا نفوذ عظيم من قومه حتى أكبروا موته) وذو الإصبع العدواني وهو حرثان بن محرث.
(ومن أشهلارهم) قيس بن خارجة بن سنان خطيب حرب داحس والغبراء. وخويلد بن عمرو الغطفاني خطيب يوم الفجار وقس بن ساعدة الإيادي خطيب
(1/269)
________________________________________
عكاظ. وأكثم بن صيفي زعيم الخطباء الذين أوفدهم النعمان عهلى كسرى: وهم أكثم بن صيفي وحاجب بن زرارة التميميان والحارث بن عباد وقيس بن مسعود البكريان وخالد بن جعفر وعلقمة بن علاثة، وعامر بن الطفيل العامريون، وعمرو بن الشريد السلمي، وعمرو بن معد يكرب الزبيدي، والحارث بن ظالم المري).
قس بن ساعدة الإيادي
هو خطيب العرب قاطبة، وللمضروب به المثل في البلاغة والحكمة كان يدين بالتوحيد، ويؤمن بالبعث، ويدعو العرب إلى نبذ العكوف على الأوثان ويرشدهم إلى عبادة الخالق: ويقال إنه أول من خطب على شرف وأول من قال في خطبه "أما بعد" وأول من اتكأ على سيف أو عصا في خطابته، وكان الناس يتحاكمون إليه وهو القائل "البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر"، وسمعه النبي ( قبل البعثة يخطب في عكاظ فأثنى عليه وعمر قس طويلاً ومات قبيل البعثة: ومن خطبه خطبته التي خطبها في سوق عكاظ وهي: أيها الناس اسمعوا وعوا، من عاش مات، ومن مات فات: وكل ما هو آت آت، ليل داج ونهار ساج وسماء ذات أبراج، ونجوم تزهر، وبحار تزخر وجبال مرساه، وأرض مدحاه وأنهار مجراه، إن في السماء لخبرا وإن في الأرض لعبرا ما بال الناس يذهبون ولا يرجعون أرضوا فأقاموا؟ أم تركوا فناموا؟ يقسم قس بالله قسماً لا إثم فيه إن لله ديناً هو أرضى لكم وأفضل من دينكم الذي انتم عليه، إنكم لتأتون من الأمر منكراً: ويروى أن قسماً أنشأ بعد ذلك يقول:
في الذَّاهبين الأوّل?

?ين من القرون لنا بصائر
لمّا رأيت مورداً=للموت ليس لها مصادر
ورأيت قوميَ نحوها

تمضي الأكابرَ والأصاغر

لايرجع الماضي إليّ

م ولا من الباقين غابر

أيقنت أني لا مح?

?الة حيث صار القومُ صائر
?أكثم بن صيفي
(1/270)
________________________________________
هو أعرف الخطباء بالأنساب وأكثرهم ضرب أمثال وإصابة رأي وقوة حجة وقل من جاره من خطباء عصره وهو زعيم الخطباء الذين أوفدهم النعمان على كسرى ولقد بلغ من إعجابه به أن قال له: لو لم يكن للعرب غيرك لكفى: وقد عمر طويلاً حتى أدرك مبعث النبي ( وجمع قومه وحثهم على الإيمان به، وفي إسلامه روايات، وكان في خطبه قليل المجاز حسن الإيجاز حلو الألفاظ دقيق المعاني مولعاً بالأمثال "راجع خطبته في فن المناظرات".
الكتابة
(1/271)
________________________________________
يراد بالكتابة عند الأدباء صناعة إنشاء الكتب والرسائل وإذ كانت الكتابة بهذا المعنى تؤدى بالنقوش المسماة بالخط فأول خلقة من سلسلة الخط العربي هي الخط المصري القديم ومنه اشتق الخط الفينيقي ومن هذا اشتق الآرامي والمسند بأنواعه: الصفوي والثمودي والليحاني شمالي جزيرة العرب والحميري جنوبيها ورواة العرب يقولون إنهم أخذوا خطهم الحجازي عن أهل الحيرة والأنبار.
أما الكتابة: بمعنى إنشاء الكتب والرسائل فهي لازمة لكل أمة متحضرة ذات حكومة منظمة ودواوين متعددة: وقد كان بعض ذلك موفوراً في ممالك التبابعة جنوباً ومأثوراً عن ممالك المناذرة والغساسنة شمالاً، ولذلك استعمل الخط المسند الحميري عند الأولين من عهد مديدي والأنباري الحيري عند الآخرين وإنما لم يصل إلينا شيء من رسائل تلك الأمم ولا من كتب فنونها ودينها غير قليل عثر عليه لتقادم عهد أهلها وعدم استكمال البحث بعد في بلادها.
ولم يعرفنا التاريخ أيضاً بأحد من كتاب هذه الصناعة إلا "بعدي بن ويد العبادي" الذي كان كاتباً ومترجماً عند كسرى.
أما البدو: من سكان أواسط الجزيرة وهم جمهور مضر وبعض القحطانيين فكانوا أميين ومن المعقول أنهم لم يعرفوا الكتابة الإنشائية إلا بعد عرفوا الخط آخر عصور الجاهلية وهو مانقل عنهم فيه: أنهم كانوا يكتبون في بدء رسائلهم باسمك اللهم ومن فلان إلى فلان وأما بعد: ولم تقم لهم دولة بالمعنى السابق إلا بقيام الإسلام فهو الذي أفشى فيهم الخط والكتابة.
ولما كانت علوم كل أمة لها الأثر العظيم في تكوين فكر الأديب وخيال الشاعر وكانت كتابتها قسماً قائماً بنفسه يسمى كتابة التدوين ناسب شرح ذلك.

علوم العرب وفنونها
(1/272)
________________________________________
العلوم والصناعات لازمة لحضارة الأمم ومن العرب أهل حضارة دلت عليها دولهم العظيمة وقدم تاريخهم وآثارهم الخالدة وهم التبابعة فيلا اليمن والمناذرة والغساسنة في الشمال وإذاً تكون هندسة إرواء الأرض وعمارة المدن والحساب والطب والبيطرة والزراعة ونحوها معروفة في الجنوب والشمال مدونة في الكتب وإن لم يحفظ لنا الدهر صوراً منها: أما البدو منهم وإن كانوا أميين يمقتون الصناعات فلا غنى لهم عن تجربة ترشدهم إلى ما ينفعهم ليعرفوا متى تجود السماء وبم يتميز الأقرباء من البعداء فكسبهم ذلك علم النجوم والطب الضروري والأنساب والأخبار ووصف الأرض والفراسة والعيافة والقيافة والكهانة والعرافة والزجر وقرض الشعر.
علم النجوم: هو معرفة أحوال الكواكب وقد كانوا أبرع في هذا العلم منهم في كل علم سواه، تعرفه عامتهم قبل خاصتهم للاهتداء به من ظلمات البر والبحر، ومعرفة أزمنة الخصب والمحل، وبعض معارفهم فيه مستمد من الكلدان لاختلاطهم بهم ولاتفاق اللغتين في كثير من أسماء الكواكب والبروج ومن أشهرهم فيه (بنو حارثة بن كلب وبنو مرة بن همام الشيباني).
الطب الإنساني والحيواني (البيطرة) وقد عاناه من الغرب كثيرون ومن مشوريهم (الحارث بن كلدة الثقفي وابن حذيم التيمي).
الأنساب: علم تتعرف به القرابات التي بين بعض القبائل وبعض فتلحق فروعها بأصولها وإنما دعاهم إلى العناية به حاجتهم إلى التناصر بالعصبية لكثرة حروبهم وتفرق قبائلهم وأنفتهم من أن يكون لغريب عنهم سلطان عليهم وحبهم الافتخار بأسلافهم وممن اشتهر بمعرفة أنساب العرب (دغفل بن حنظلة الشيباني وزيد بن الكيس النمري وابن لسان الحمرة) ولهذا كانوا يحفظون.
الأخبار والتاريخ والقصص: هي معرفة أحوال السابقين وكانوا يعرفون منها ما كان عليه أسلافهم وبعض مجاوريهم من الأحوال المأثورة ووقائع أيامهم المشهورة كقصة الفيل وحرب البسوس وحرب الفجار.
وصف الأرض: هو معرفة كل بقعة وما يجاورها وكيف
(1/273)
________________________________________
يهتدي إليها.
ومن قرأ شعر العرب في نسيبهم واطلع على وصفهم وكيف كانوا يحددون الحقير منها بحدود قلما تحد به مملكة عظيمة عرف شدة حذقهم بمعرفة بلادهم.
الفراسة: هي الاستدلال بهيئة الإنسان وشكله ولونه وقوله على أخلاقه وفضائله ورزائله وقد نبغ فيها من العرب من لايحصى عددهم ولهم في ذلك نوادر شتى.
القيافة: ضرب من الفراسة وهي الاهتداء بآثار الأقدام على أربابها أو الاستدلال بهيئة الإنسان وأعضائه على نسبه فقد كانوا يميزون بين أثر الرجل والمرأة والشيخ والشاب الأعمى والبصير والأحمق والكيس وإذا نظروا عدة أشخاص ألحقوا الابن بأبيه والأخ والقريب بقريبه وعرفوا الأجنبي من بينهم وممن اشتهر بالقيامفة (بنو مدلج وبنو لهب).
الكهانة والعرافة: وهما القضاء بالغيب وربما خصت الكهانة بالأمور المستقبلة والعرافة بالماضية وطريقهم في ذلك الاستدلال ببعض الحوادث الخالية على الحوادث الآتية لما بينهما من المشابهة الخفية: وللعرب في الكهان اعتقاد عريض لزعمهم أنهم يعلمون الغيب فيرفعون إليهم أمورهم للاستشارة ويستفسرهم عن الرؤى ويستطبونهم في أمراضهم وممن اشتهر من الكهان (شق أتمار وسطيح الذئبي) ومن الكواهن (طريفة الخير ولسمى الهمذانية) ومن العرافين (عراف نجد: الأبلق الأسدي، وعراف اليمامة رباح بن عجلة).
الزجر: وهو الاستدلال بأصوات الحيوان وحركاته وسائر أحواله على الحوادث بقوة الخيال والاسترسال فيه ومن أشهر الزجارين: بنو لهبر وأبو ذؤيب الهذلي ومرة الأسدي.
ومن العرب من لم يعبأ بالزجر وما شاكله كلبيد بن ربيعة القائل:
لعمرك ما تدري الطوراقُ بالحصى

ولا زاجراتُ الطير ما الله صانعُ

وكضابئ بن الحارث القائل:
وما عاجلاتُ الطير تدني من الفتى

نجاحاً ولا عن ريثهنَّ يخيبُ

ورُبَّ أمورٍ لا تضيرك ضيرة

وللقلب من مخشاتهنَّ وجيبُ

ولا خير فيمن لايوطّن نفسه

على نائبات الدهر حين تنوبُ
(1/274)
________________________________________
النظم والشعر والشعراء
النظم عرفه العروضيون بأنه الكلام الموزون المقفى قصداً ويرادفه الشعر عندهم: أما المحققون من الأدباء فيخصون الشعر بأنه الكلام الفصيح الموزون المقفى المعبر غالباً عن صور الخيال البديع. وإذا كان الخيال أغلب مادته أطلق بعض العرب تجوزاً لفظ الشعر على كل كلام تضمن خيالاً ولو لم يكن موزوناً مقفى، ولجريه وفق النظام الممثل في صورة الوزن والتقفية كان تأثيره في النفس من قبيل إثارة الوجدان والشعور لبسطاً وقبضاً وترغيباً وترهيباً لا من قبيل إقناع الفكر بالحجة الدامغة والبرهان العقلي، ولذلك يجمل أثره في إثارة العواطف وتصوير أحوال النفس لا في الحقائق النظرية، ولا ريب أن النفس ترتاع بصور المحسوس الباهر وما انتزع منه من الخيال الجلي لخفة مؤونته عليها وإراحته لها من المعاناة والكد، فكيف إذا انضم إلى ذلك نغم الوزن والقافية الشديد الشبه بتأثير الإيقاع والتلحين الذي يطرب له الحيوان فضلاً عن الإنسان، والعرب بفطرتهم مطبوعين على الشعر لبداوتهم. وملأمة بيئتهم لتربية الخيال، فالبدوي لحريته واستقلاله بأمر نفسه يغلب على أحكامه الوجدان، ويسلك إليه من طريق الشعور، ومعيشة البدوي فوق أرض نقية التربة وتحت سماء صافية الأديم، ساطعة الكواكب، ضاحية الشمس، جلت لحسه مناظر الوجود، وعوالم الشهود فكان لخياله من ذلك مادة لايغور ماؤها، ولا ينضب معينها، فهام بها في كل واد وأفاض منها إلى كل مراد، وكان له من لغته وفصاحة لسانه أقوى ساعد، وأكبر معاضد. ويشعر الإنسان بطبعه أن الشعر متأخر في الوجود عن النثر وإن كانت واسطة بين النثر والشعر، فليست إلا السجع لما فيه من معادلة الفقر، والتزام القافية والميل إى التغني به فكان من ذلك المقطعات والأراجيز الصغيرة، يحدون بها الإبل، ويعدون بها المكارم ثم لما تمت ملكة الشعر فيهم، واتسعت أغراضه أمامهم، نوعوا الأوزان وأطالوا القوافي، وقصدوا القصيد.
وقد خفي علينا
(1/275)
________________________________________
"كأكثر الأمم" مبدأ قول الشعر، وأول من قاله. أما ما نسب من الشعر إلى آدم وإبليس والملائكة والجن والعرب البائدة فهو حديث خرافة.
والشعر الذي صحت روايته منذ أواسط القرن الثاني قبل الهجرة تنتهي أقدم مطولاته إلى مهلهل بن ربيعة وأقدم مقطعاته إلى نفر لعلهم لم يبعدوا عنه طويلاً مثل العنبر بن عمرو بن تميم ودريد بن زيد بن نهد، وأعصر بن سعد بن قيس عيلان وزهير بن جناب الكلبي والأفوه الأودي وأبو داود الإيادي وقد رووا أنه لم يكن لأوائل العرب من الشعر إلا الأبيات يقولها الرجل في حاجته وأن أول من قصد القصائد وذكر الوقائع المهلهل بن ربيعة التغلبي في قتل أخيه كليب فهو أول من رويت له كلمة تبلغ ثلاثين بيتاً وتبعه الشعراء مثل امرئ القيس وعلقمة وعبيد ممن أخرجوا لنا الشعر العربي في صورته الحاضرة.
هذا مجمل ما يتعلق بحقيقة الشعر ونشأته في الجاهلية أما ما يتعلق بمادته وجوهره فإنه يرجع إلى أغراضه وفنون ومعانيه وأخيلته وألفاظه وأساليبه وأوزانه وقوافيه.
?(1) أغراضه وفنونه
(1/276)
________________________________________
نظم العرب الشعر في كل ما أدركته حواسهم وخطر على فقلوبهم من فنونه وأغراضه الكثيرة كالنسيب ويسمى التشبيب والتغزل ى وطريقته عند الجاهلية يكون بذكر النساء ومحاسنهن وشرح أحوالهن وكان له عندهم المقام الأول من بين أغراض الشعر حتى لو انضم إليه غرض آخر قدم النسيب عليه وافتتح به القصيد: لما فيه من لهم النفس وارتياح الخاطر ولأن باعثه الفذ هو الحب وهو السر في كل اجتماع إنساني والبدو أكثر الناس حباً لفراغهم.
والفخر: هو تمدح المرء بخصال نفسه وقومه والتحدث بحسن بلائهم ومكارمهم وكرم عنصرهم ووفرة قبيلهم ورفعة حسبهم وشهرة شجاعتهم.
والمدح: وهو الثناء على ذي شان بما يستحسن من الأخلاق النفسية كرجاجة العقل والعفة والعجل والشجاعة وإن هذه الصفات عريقة فيه وفي قومه وبتعداد محاسنه الخلقية. وشاع المدح عندما ابتذل الشعر واتخذه الشعراء مهنة ومن أوائل مداحيبهم زهير والنابغة والأعشى.
والرثاء: وهو تعداد مناقب الميت وإظهار التفجع والتلهف عليه واستعظام المصيبة فيه.
والهجاء: هو تعداد مثالب المرء وقبيله ونفي المكارم والمحاسن عنه.
والاعتذار: هو درء الشاعر التهمة عنه والترفق في الاحتجاج على براءته منها واستمالة قلب المعتذر إليه واستعطافه عليه: والنابغة في الجاهلية فارس هذه الحلبة.
والوصف: هو شرح حال الشيء وهيئته على ما هو عليه في الواقع لإحضاره في ذهن السامع كأنه يراه أو يشعر به.
والحكمة والمثل: فالحكمة قول رائع يتضمن حكماً صحيحاً مسلماً. والمثل مرآة تريك أحوال الأمم وقد مضت وتقفك على أخلاقها وقد انقضت فالأمثال ميزان يوزن به رقي الأمم وانحطاطها وسعادتها وشقاؤها وأجبها ولغتها. وأكثر ما تكون أمثال العرب وحكمها موجزة متضمنة حكماً مقبولاً أو تجربة صحيحة تمليها عليها طباعها بلا تكلف راجع فن الأمثال السابق.
(2) معانيه وأخيلته
(1/277)
________________________________________
قصد الشاعر من شعره الإبانة عما يخالج نفسه من المعاني في أي غرض من الأغراض السابقة ونحوها. ومن هذه المعاني ما هو عادي في البدوي والحضري والعربي والعجمي كالأخبار الصادقة وأوصاف المشاهدات وشرح الوجدانات كما يمليها الخاطر بلا مبالغة ولا إغراق. ومنها ما هو غريب نادر انتزعه الخيال من المرئيات البديعة والأشكال المنتظمة وذلك ما يسمى بالمعنى المخترع الذي تتفاضل الشعراء بالإجادة فيه والإكثار منه وإذا قسنا الشعر الجاهلي بهذا المعيار وجدنا معانيه وأخيلته تمتاز بالأمور التالية: (1) جلاء المعاني وظهورها ومطابقتها للحقيقة والواقع.
(2) قلة البالغة والغلو فيها بما يخرجها عن حد العقل ومألوف الطبع.
(3) قلة المعاني الغريبة المنزع الدقيقة المأخذ المتجلية في صور الخيال البديع والتشبيه الطريف والاستعارة الجميلة والكناية الدقيقة وحسن التعليل وغير ذلك.
(4) قلة تأنقهم في ترتيب المعاني والأفكار على النظام الذي يقتضيه الذوق فيدخلون معنى في معنى وينتقلون من غرض إلى آخر اقتضاباً بدون تخيل ولا تلطف.
?(3) ألفاظه وأساليبه
ولما كانت العرب أمما بدوية تنظم الشعر بطبعها من غير معاناة صناعة ولا دراسة علم. غلب على شعرها صراحة القول وقلة المواربة فيه والبعد عن التكلف وصحة النظم والوفاء بحق المعنى أضف إلى ذلك الأمور الآتية: (1) جودة استعمال الألفاظ في معانيها الموضوعة لها: لإحاطة علمهم بلغتهم ومعرفتهم بوجوه دلالتها.
(2) غلبة استعمال الألفاظ الجزلة واستعمال الألفاظ الغريبة التي هجرت عند المحدثين.
(3) القصد في استعمال ألفاظ المجاز ومقت استعمال العجمي إلا ما وقع نادراً.
(4) عدم تعمد المحسنات البديعية اللفظية، ومتانة الأسلوب بحسن إيراد المعنى إلى النفس من أقرب الطرق إليها وأطرافها لديها وإيثار المجاز أو قلة الإسهاب إلا إذا دعت الحال.

(4) أوزانه وقوافيه
(1/278)
________________________________________
العرب لم تعرف موازين الشعر بتعلم قوانين صناعية وتعرف أصول وضعية وإنما كانت تنظم بطبعها على حسب ما يهيئه لها إنشادها وقد هدتهم هذه الفطرة إلى أوزان أرجعها الخليل إلى خمسة عشر وزناً سماها بحوراً وزاد عليها الأخفش بحراً وقد اكثروا النظم من بعضها دون بعض.
(راجع كتابنا "ميزان الذهب في بحور شعر العرب") وشعر العرب رجزه وقصيده يبني على قافية واحدة كيفما طال القول.
الشعراء
شعراء الجاهلية اكثر من أن يحاط بهم. ومن جهل منهم اكثر ممن عرف. وإنما اشتهر بعضهم دون بعض: لنبوغه، أو كثرة المروي من شعره أو قرب عهده من الإسلام زمن الرواية.
وكان للشعراء عند العرب منزلة رفيعة، وحكم نافذ وسلطان غالب، إذ كانوا ألسنتهم الناطقة بمكارمهم ومفاخرهم، وأسلحتهم التي يذودون بها عن حياض شرفهم (وكانت القبيلة من العرب إذا نبغ فيها شاعر أتت القبائل فهنأتها، وصنعت الأطعمة وأتت النساء يلعبن بالمزاهر كما يصنعون في الأعراس، ويتباشر الرجال والولدان لأنه حماية لأعراضهم، وذب عن حياظهم وتخليد لمفاخرهم، وإشادة بذكرهم، وكانوا لايهنئون إلا بغلام يولد، أو شاعر ينبغ. أو فرس تنتج).
(1/279)
________________________________________
وكانت طريقة نظم الشعر ارتجاله فتأتيهم ألفاظه عفوا، ومعانيه رهواً كما وقع للحارث بن حلزة وعمرو بن كلثوم. أما من اتخذه منهم صناعة يستدرها ويلتمس به الجوائز، وينشده في المحافل والمواقف العظام فإنه يتعهده بالتهذيب والتنقيح ليجعله رقيق الحاشية حسن الديباجة يصح أن يقال فيه أنه المثل الأعلى للشعر الجاهلي، كما ترى ذلك واضحاً في حوليات زهير واعتذاريات النابغة.
وقد غبر الناس دهراً طويلاً لايقولون الشعر إلا في الأغراض الشريفة لا يمدحون عظيماً طعماً في نواله، ولايهجون شريفاً تشفياً منه وانتقاماً حتى نشأت فهم فئة امتهنت الشعر وتكسبت به، ومدحت الملوك والأمراء كالنابغة الذبياني وحسان مع النعمان بن المنذر وملوك غسان، وزهير بن أبى سلمى مع هرم بن سنان وأمية بن أبي الصلت مع عبد الله بن جدعان: أحد أجواد قريش والأعشى مع الملوك والسوقة، حتى قصد به الأعاجم، وجعله متجراً به فتحامى الشعر الأشراف، وآثروا عليه الخطابة.
طبقات الشعراء
طبقات الشعراء باعتبار عصورهم أربع: 1 طبقة الجاهلين.
2 طبقة المخضرمين (وهم الذين اشتهروا بقول الشعر في الجاهلية والإسلام).
3 طبقة الإسلاميين، وهم الذين نشؤوا في الإسلام ولم تفسد سليقتهم العربية، وهم شعراء بني أمية.
4 طبقة المولدين، أو المحدثين، وهم الذين نشؤوا زمن فساد العربية وامتزاج العرب بالعجم، وذلك من عصر الدولة العباسية إلى يومنا هذا.
والشعراء الجاهليون يقسمون باعتبار شهرتهم في الشعر للإجادة أو للكثرة إلى طبقات كثيرة نذكر منها ثلاثا: 1 الطبقة الأولى: امرؤ القيس، وزهير، والنابغة.
2 الطبقة الثانية: الأعشى، ولبيد، وطرفة.
3 الطبقة الثالثة: عنترة، وعروة بن الورد والنمر بن تولب، ودريد بن الصمة، والمرقش، الأكبر.
ومن الأدباء من يقدم بعض هؤلاء على بعض ويزيدون غيرهم عليهم.
(1) امرؤ القيس
(1/280)
________________________________________
هو الملك أبو الحارث حندج بن حجر الكندي شاعر اليمانية.
وآباؤه من أشراف كندة وملوكها، وكانت بنو أسد من المضرية خاضعة لملوك كندة وآخر ملك عليهم هو حجر أبو امرئ القيس وأمه اخت مهلهل وكليب.
نشأ امرؤ القيس بأرض نجد بين رعية أبيه من بني أسد، وسلك مسلك المترفين من أولاد الملوك يلهو ويلعب ويعاقر الخمر ويغازل الحسان فمقته أبوه ولما لم ينجح فيه القول طرده عنه وأقصاه، حتى جاء نبأ ثوران بني أسد على أبيه وقتلهم له. لأنه كان يعسف في حكمه لهم، فقال (ضيعني صغيراً، وحملني دمه كبيراً لا صحو اليوم ولا سكر غداً، اليو مخمر، وغداً أمر) وأخذ يجمع العدة ويستنجد القبائل في إدراك ثأره فنازل بني أسد وقتل فيهم كثيراً ثم اشتدت به علة لأنه كان يعسف في حكمه لهم، فقال (ضيعني صغيراً، وحملني دمه كبيراً لا صحو اليوم ولا سكر غداً، اليو مخمر، وغداً أمر) وأخذ يجمع العدة ويستنجد القبائل في إدراك ثأره فنازل بني أسد وقتل فيهم كثيراً ثم اشتدت به علة قروح فمات منها ودفن بأنقرة وكان ذلك قبل الهجرة بقريب من قرن.
شعره: يعتبر امرؤ القيس راس فحول شعراء الجاهلية والمقدم في الطبقة الأولى فهو أول من أجاد القول في استيقاف الصحب، وبكاء الديار، وتشبيه النساء بالظباء والمها والبيض، وفي وصف الخيل بقيد الأوابد وترقيق النسيب، وتقريب مآخذ الكلام، وتجويد الاستعارة، وتنويع التشبيه.
وقد يفحش في تشبيه بالنساء وتحدثه عنهن، ويشم من شعره رائحة النبل وتلمح فيه شارات السيادة والملك: من ذلك قوله:
فظل العذارى يرتمين بلحمها

وشحم كهداب الدمقس المفتل
وقوله:
وظل طهارة اللحم مابين منضج

صفيف شواء أو قدير معجل

ولو أن ماأسعى لأدتنى معيشة

كفاني ولم أطلب قليلٌ من المال
ولكنما اسعاى لمجد مؤثل

وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي
(1/281)
________________________________________
وشعره وإن اشتمل بشملة البداوة في جفاء العبارة، وخشونة الألفاظ وتجهم المعاني، تراه أحياناً يخطر في حلل من حسن الديباجة، وبديع المعنى، ودقة النسيب ومقاربة الوصف وسهولة المأخذ: مما كان منه لخلفه أجمل مثال في محاكاته.
فمن النوع الأول قوله في معلقته:
وفرع يغش المتن أسود فاحم

أثيث كقنو النخلة المتعثكل

غدائرة مستشزرات إلى العلا

تضل المدارى في مثنى ومرسل
وكشح لطيف كالجديل مخصر

وساق كأنبوب السقي المذلل

وتعطو برخص غير شئن كأنه

أساريع ظبي أو مسويك إسحل

ومن الثاني قوله:
كأن عيون الوحش حول خبائنا

وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب

كأن قلوب ااتلطير رطباً ويابساً

لدى وكرها العناب والحشف البالي
أغرك مني أن حبك قاتلي

وأنك مهما تأمري القلب يفعل

ولا مرئ القيس المطولات والمقطعات، وأشهر مطولاته معلقته المضروب بها المثل في الاشتها، وأولها:
قفانبك من ذكرى حبيب ومنزل

بسقط اللوى بين الدخول فحومل
فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها

لما نسجتها من جنوب وشمأل

ومنها يصف الليل:
وليل كموج البحر أرخى سدوله

علي بأنواع الهموم وليبتلى

فقلت له لما تمطى بصلبه

وأردف أعجازاً وناء بكلكل

ألا أيها الليل الطويل ألا أنجلي

بصبح وما الإص2باح منك بأمثل
فيالك من ليل كأون نجومه

بكل مغار الفتل شدت بيذبل

ومنها يصف فرسه:
وقد أغتدي والطير في وكناتها

بمنجرد قيد الأوابد هيكل

مكر مفر مقبل مدبر معاً

كجلمود صخر حطه السيل من عل
(2) النابغة الزبياني
(1/282)
________________________________________
هو النابغة الذبياني أبو أمامة زياد بن معاوية: أحد فحول شعراء الجاهلية، وزعيمهم بعكاظ وأحسنهم ديباجة لفظ، وجلاء معنى، ولطف اعتذار ولقب بالنابغة لنبوغه في الشعر فجأة وهو كبير، بعد أن امتنع عليه وهو صغير وهو من أشراف ذبيان إلا أن تكسبه بالشعر غض من شرفه، على أنه لم يتكسب بشعره إلا في مدح ملوك العرب، وكان من أمره في ذلك أنه ااتصل بملوك الحيرة ومدحهم وطالت صحبته للنعمان بن المنذر ، فأدناه منه إلى وشى به عند النعمان أحد بطانته فغضب عليه وهو بقتله. فأسر إليه بذلك حاجبه عصام، فهرب النابيغة إلى ملوك غسان المنافين للمناذرة في ملك العرب، فمدح عمرو بن الحارث الأصغر وأخاه النعمان، غير أن قديم صحبته للنعمان جعله يحن إلى معاودة العيش في ظلاله، فتنصل مما رمي به. واعتذر إليه بقصائد عطفت عليه قلبه، وزعمر النابغة طويلاً ومات قبيل البعثة. شعره يمتاز برشاقة اللفظ ووضوح المعنى، وحسن النظم، وقلة التكلف، حتى عد عند المرفقين من الشعراء جرير أنه أشعر شعرا ء الجاهلية، وأغراه تكسبه بالشعر أن يفتن في ضروب المدح ومن أبلغ شعره معلقته التي أولها:
عوجوا فحيوا لنعم دمنة الدار

ماذا تحيون من نؤى وأحجار

أقوى وأقفر من نعم وغيره

هوج الرياح بها بي الترب موار
وقفت فيها سراة اليوم أسألها

عن آل نعم أموناً معبر أسفار

فاستعجمت دار نعم ماتكلمنا

والفدار لو كلمتنا ذات أخبار

ومن جيد قوله في الاعتذار
آثاني (أبيت اللعن) أنك لمتني

وتلك التي أهتم منها وأنصب

فبت كأن العائدات فرشتني

هراساً به يعلى فراشي وقشب

حلفت فلم أترك لنفسك ريبة

وليس وراء الله للمرء مطلب

لئن كنت قد بلغت عني جناية

لمبلغك االواشي أغش وأكذب

ولكنني كنت امرأ لي جرانب

من الأرض فيه مستراد ومهرب
كفعلك في قوم أراك اصطنعتهم

فلم ترهم في شكرهم ذلك أذنبوا
(1/283)
________________________________________
فلا تتركني بالوعيد كأنني

إلى الناس مطلي به القار أجرب
ألم تر أن الله أعطاك سروة

ترى كل ملك دونها يتذبذب

وإنك شمسٌ والملوك كواكب

إذا طلعت لم يبد منهن كوكب

ولست بمستبق أخا لا تلمه

على شعث أي الرجال المهذب

فإن أك مظلوما فبعد ظلمته

وإن تك ذا عتبى فمثلك يعتب

??(3) زهير بن أبي سلمى
هو زهير بن أبي سلمى ربيعة بن رياح المزني، ثالث فحول الطبقة الأولى من الجاهلية، وأعفهم قولاً، وأوجزهم لفظاً، وأغزرهم حكمة، وأكثرهم تهذيباً لشعره نشأ في غطفان وإن كان نسبة في مزينة، كمن بيت جل أهله شعراء: رجالاً ونساءً ت واختص زهير بمدح هرم بن سنان الذبياني المري وأول ما أعجبه من أمره وجب إليه مدحه حسن سعيه هو والحارث بن عوف في الصلح بين عبس وذبيان في حرب داحس والغبراء بتحملهما دامت القتلى التي بلغت ثلاثة آلاف بعير، وقال في ذلك قصيدته إحدى المعلقات السبع التي أولها:
أمن أم أوفى دمنة لم تكلم

بحومانة الدراج فالمتلثم
ثم تابع مدحه كما تابع هرم عطاءه حتى حلف ألا يمدحه زهير إلاى أعطاه ولا يسأله إلا أعطاه ولا يسلم عليه إلا أعطاه عبداً أو وليدة أو فرساً، فاستحيا زهير منه، فكان إذا رآه في ملأ قال: أنعموا صباحاً غير هرم وخيركم استثنيت وكان زهير سيداً كثير المال حليماً معروفاً بالورع متدنياً مؤمناً بالبعث والحساب كما يظهر من قوله:
فلا تكتمن الله مافي نفوسكم

ليخفى ومهما يكتم الله يعلم

يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر

ليوم الحساب أو يعجل فينقم

وعمر زهير ومات قبل البعثة بسنة ومن حكمه في معلقته:
وأعلم ما في اليوم والأمس قبله

ولكنني عن عام مافي غد عم

رأيت المنايا خبط عشواء من تصب

نمته ومن تخطئ يعمر فيهرم

ومن يجعل المعروف من دون عرضه

يفره ومن لا يتق الشتم يشتم

ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله
(1/284)
________________________________________
على قومه يستغن عنه ويذمم

ومن يوف لا يذمم ومن يهد قلبه

إلى مطمئن البر لا يتجمجم

ومن هاب أسباب المناياينلنه

وأن يرق أسباب السماء بسلم

ومن يجعل المعروف في غير أهله

يكن حمده ذما عليه ويندم

ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه

يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم

ومهما تكن عند امرئ من خليقة

وإن خالها تخفى على الناس تعلم

شعره: اتفق أكثر الشعراء على أن زهيراً يفضل صاحبيه امرأ القيس والنابغة.
وكان زهير صاحب روية وتعمل تهذيب لما يقول ولا سيما مطولاته، حتى قيل إنه كان ينظم القصيدة في أربعة أشهر، ويهذبها في أربعة أشهر، ويعرضها على خواصه في أربعة أشهر فلا يظهرها إلا بعد حول، ولذلك يسمون بعض مطولاته الحوليات، ومكا سبق فيه غيره قوله يمدح هرماً: قد جعل المبتغون الخير في هرم=والسائلون إلى أبوابه طرقاً
من يلق يوماً على علاته هرماً

يلق السماحة منه والندى خلقاً
لو نال حي من الدنيا بمكرمة

أفق السماء لنالت كفه الأفقا

(4) عنترة العبسي
(1/285)
________________________________________
هو عنتر: بن عمرو بن شداد العبسي أحد فرسان العرب وأغربتها وأجوادها وشعرائها المشهورين بالفخر والحماسة وكانت أمه أمة حبشية تسمى زبيبة، وأبوه من سادات بني عبس.
وكان من عادات العرب ألا تلحق ابن الأمة بنسبها، بل تجعله في عداد العبيد ولذلك كاطن عنترة عند أ[يه منوذاً بين عبدانه، يرعى له إبله وخيله فربأ بنفسه عن خصال العبيد، ومارس الفروسية ومهر فيها، فشب فارساً شجاعاً هماماً وكان يكره من أبيه استعباده له عدم إلحاقه به، حتى أغار بعض العرب على عبس واسةتاقوا إبلهم، ولحقتهم بنو عبس وفيهم عنترة لاستنقاذ الإبل، فقال له أبوه: كر ياعنترة فقال: العبد لا يحسن الكر إنما يحسن الحلاب والصر، فقال كر وأنت حر، فقاتل قتالاً شديدياً حتى هزم القوم واستنقذ الإبل، فاستحلقه أبوه. ومن ذلك الوقت ظهر اسمه بين فرسان العرب وساداتها وطال عمر عنترة حتى ضعف جسمه وعجز عن شن الغارات ومات قبيل البعثة.
شعره: لم يشتهر عنترة أول أمره بشعر غير البيتين والثلاثة، وإنما غلبت عليه الفروسية مكتفياً بها حتى عيره يوماً بعض قومه بسواده وأنه لا يقول الشعر فاحتج لسواده بخلقه وشجاعته، واحتج لفصاحته بنظم معلقته المشهورة التي كانت تسمى المذهبة أيضاً وأولها

هل غادر الشعراء من متردم

أم هل عرفت الدار بعد توهم
وقد ضمنها خصاله ومكارم قومه. وحسن دفاعه عنهم ووفرة جوده، معرجاً فيها على أوصاف أمور شتى. ومن قوله في معلقته:
لما رأيت القوم أقبل جمعهم

يتذامرون كررت غير مذمم
يدعون عنتر والرماح كأنها

أشطان بئر في لبان الأدهم

مازلت أرميهم بثغرة نحره

ولبانه حتى تسربل بالدم

فازور من وقع القنا بلبانه

وشكا إلي بعبرة وتحمحم

لو كان يدري ما المحاورة اشتكى

ولكان لو علم الكلام مكلمي

ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها

قيل الفوارس ويك عنتر أقدم

والخيل تقتحم الخبار عوابساً
(1/286)
________________________________________
من بين شيظمة وأجرد شيظم

أثني علي بما علمت فإنني

سمح مخالطتي إذا لم أظلم

فإذا ظلمت فإن ظلمي باسل

مر مذاقته كطعم العلقم

ومن جيد قوله:
بكرت تخوفني الحتوف كأنني

أصبحت عن غرض الحتوف بمعزل
فأجبتها إن المنية منهل

لابد أن أسقى بكأس المنهل

فاقني حياءك لا أبالك واعلمي

أني امرؤ سأموت إن لم أقتل

إن المنية لو تمثل مثلت

مثلي إذا نزلوا بضنك المنزل

إني امرؤ ن خر عب منصبا

شطري وأحمي سائري بالمنصل

وإذا الكتيبة أحجمت وتلاحظ

ت ألفيتُ خيراً من معمّ مخولِ

والخيلُ تعلم والفوارس أنّني

فرت جمعهم بضربة فيصل

والخيل ساهمة الوجوه كأنما

تسقى فوارسها نقعَ الحنظلِ

ولقد أبيتُ على الطوى وأظله

حتى أنالَ به كريمَ المأكل

(5) عمر بن كلثوم
ه أبو الأسود عمرو بن كلثوم بن مالك التغلبي، وأمه ليلى بنت مهلهل أخي كليب، نشأ عمرو في قبيلة تغلب بالجزيرة الفراتية وساد قومه وهو ابن خمس عشرة ستة، وقاد الجيوش مظفراً وأكثر ما كانت فتن تغلب مع أختها بكر بن وائل بسبب حرب البسوس، وكان آخر صلح لهم على يد عمر ن هند أحد ملوك الحيرة من آل المنذر، ولم تمضِ مدة حتى حدث بين وجوه القبيلتين مشاحة في مجلس عمرو بن هند قام أثناءها شاعر بكر (الحارث بن حلزة اليشكري) وأنشد قصيدته المشهورة، وما فرغ منها حتى ظهر لعمرو بن كلثوم أن هوى الملك مع بكر، فانصرف ابن كلثوم وفي نفسه ما فيها ثم خطر على نفس ابن هند أن يكسر من أنفة تغلب بإذلال سيدها وهو عمرو بن كلثوم فدعاه وأمه ليلى بنت مهلهل وأغرى هند أم أن تستخدمها في قضاء أمر، فصاحت ليلى، فثار به الغضب وقتل ابن هند لفي مجلسه، ثم رحل توا إلى بلاده بالجزيرة وأنشد معلقته التي أولها:
ألا هبيّ بصحنكِ فأصبحينا

ولا تبقى خمورَ الأندرينا
(1/287)
________________________________________
ومات قبل الإسلام بنحو نصف قرن.
شعر ه: لم يشتهر إلا بمعلقة الواحدة التي قامت له مقام الشعر الوفير: لحسن لفظها، وانسجام عبارتها، وعلو فخرها ولعلّ شهرته بالخطابة لا تقل عن شهرته بالشعر: ومن سامي فخره في معلقته:
وقد علم القبائلُ من معدّ

إذا قببب بأبطحها بنينا

بأنّا العاصمون إذا قدرنا

وإنا المهلكون إذا ابتلينا

وأنّا المانعون لما أردنا

وأن النازلون بحيث شينا

وأنّا التاركون إذا سخطنا

وأنّا الآخذون إذا رضينا

ونشرب إن وردنا الماء صفواً

ويشرب غيرنا كدراً وطينا

إذا ما الملك سام الناس خسفاً

أبنيا أن نقر الذلّ فينا

لنا الدنيا ومن أمسى عليها

ونبطش حين نبطش قادرينا

بغاةُ ظالمين وما ظلمنا

ولكنا سنبدأ ظالمينا

ملأنا البر حتى ضاق عنا

وكذاك البحر نملاؤه سفينا

إذا بلغ الرضيع لنا فطاما

تخرُّ له الجبابرُ ساجدينا

(6) طرفة بن العبد
ه8و عمرو بن العبد البكري أقصر فحول الجاهلية عمراً ومال إلى قول الشعر الوقوع ه في أعراض الناس، حتى هجا عمرو بن هند ملك العرب على الحيرة مع أنه كان يتطلب معروفه وجوده، فبلغ عمرو بن هند هجاء طرفة فأصطغنها عليه، حتى إذا ما جاءه هو وخاله المتلمس بتعرضان لفضله أظهر لهما البشاشة وأمر لكل منهما بجائزة وكتب لهما كتابين أحالهما على عامله بالبحرين ليستوفيا منه وبينما هما في الطريق ارتاب المتلمس في صحيفته فعرج على غلام يقرؤها له (مضى طرفة) فإذا الصحيفة الأمر بقتله، فألقى الصحيفة وأراد أن يلحق طرفة فلم يدركه وفر إلى ملوك غسان وذهب طرفة إلى عام البحرين وقتل هناك وعمره نحو ست وعشرين سنة.
شعره: يجيد طرفة الوصف في شعره مقتصراً فيه على بيان الحقيقة بعيداً عن الغلو والإغراق وكذلك كان هجاؤه على شدة وقه ومطلع معلقته:
لخولة أطلالٌ ببرقةٍ ثمهدِ

تلوح كباقي الوشم على ظاهر اليد
(1/288)
________________________________________
ومنها:
رأيتُ بني غبراءَ لا ينكرونني

ولا أهلُ هاذاك الطراف الممدد

ألا أيها ذا اللائمي أخضر الوغى

وأن أشهد اللّذات هل أنت مخلدي
فإن كنت لا تستطيع دفعَ منيّتي

فدعني أبادرها بما ملكت يدي

إلى أن قال:
أرى الموت يعتام الكرامَ ويصطفي

عقيلةَ مال الفاحش المتشدد

أرى العيش كنزاً ناقضاً كل ليلة

وما تنقصُ الأيام الدهرُ ينفدِ

لعمرك إن الموت "ما أخطأ الفتى"

لكا لطول المرخى وثنياه باليد

متى ما يشأ يوماً يقده لحتفه

ومن يك في حبل المنية ينقد

ومن أبياته السائرة:
وظلمُ ذوي القربى أشدُّ مضاضة

على المرء من وقعِ الحسام المهنَّد
أرى الموتَ أعداد النُّفوس ولا أرى

بعيداً غداً ما أقرب اليومَ من غد

ستبدي لك الأيامُ ما كنت جاهلاً

ويأتيك بالأخبار من لم تزودّ

(7)أعشى قيس
(1/289)
________________________________________
هو أبو نصير ميمون الأعشى بن قيس بن جندل القيسي نشأ في بدء أمره رواية لخاله المسيب بن علس وقد عمي وطال عمره، حتى كان الإسلام وعظم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بين العرب، فأعدّ له قصيدة يمدحه بها، وقصده بالحجاز، فلقيه كفار قريش وصدّوه عن وجهه على أ، يأخذ منهم مائة ناقة حمراء ويرجع إلى بلده: لتخوفهم أثر شعره ففعل، ولما قرب من اليمامة سقط عن ناقته فدقت عنقه ومات، ودفن ببلدته منفوحة باليمامة.
شعره: يعد الأعشى رابعاً لثلاثة الفحول: امرئ القيس، والنابغة وزهير وإن كان يمتاز عنهم بغزارة شعره، وكثر ما روي له من الول لجياد وتفننه في كل فن من أغراض الشعر واشتهر من بينهم بالمبالغة في وصف الخمر، حتى قيل: أشعر الناس امرؤ القيس إذا ركب، وزهير إذا رغب، والنابغة إذا رهب والأعشى إذا طرب، ولشعره طلاوة وروعة، وليست لكثير من شعره غيره من القدماء ولقوة طعمه وجلبة شعره وسمي صناجة العرب حتى ليخيل إليك إذا أنشدت شعره أن آخره ينشد معك.
ولجلالة شعره كان يرفع الوضيع خاملاً، ويخفض الشريف النابه، ومنم الذين رفعن شعر الأعشى المحلق، وقد كان أبا ثمان بنات عوانس: رغبت عن خطبتهن الرجال لفقرهن فاستضافه على فقره، فمدحه الأعشى ووه بذكره في عكاظ، فلم يمض عام حتى لم تبق جارية منهن إلا هي زوج لسيد كريم وكان الأعشى يتطرف في شعره وده بعضهم من أصحاب المعلقات، وذكر قصيدته التي يمدح بها الأسود الكندي ومطلعها:
ما بكاء الكبير بالأطلال

وسؤالي وما ترد سؤالي
ومن جيد شعره قصيدته التي أعدها لينشدها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يمدحه فيها فلم يفز بذلك، وأولها:
ألم تغمض عيناك ليلةَ أرمدا

وبتَّ كما بات السّليم مسهّدا

وما ذاك من عشق النسّاء وإنّما

تناسيت قبل اليوم خلّة مهددا

ولكن أرى الدهر الذي هو خائن

إذا أصلحت كفاي عاد فأفسدا

شبابٌ وشيبٌ وافتقار وثروة

فلّله هذا الدهر كيف ترددا
(1/290)
________________________________________
وقصيدته في مدح المحلّق أولها:
أرقتُ وما هذا السُّهاد المؤرقُ

وما بي من سقمٍ وما بي تعشقُ
ومنها:
لعمري لقد لاحت عيونٌ كثيرة

إلى ضوء نار في اليفاع تحرّق

تشبُّ لمقرورين يصطليانهما

وبات على النار الندي والمحلّق

رضيعي لبان ذدي أمّ تقاسما

بأسحم داج عوض لا نتفرّق

ترى الجود يجري ظاهراً فوق وجهه

كما زان متنَ الهندواني رونق

يداهُ يدا صدق فكفُّ مبيدةٌ

وأخرى إذا ما ضنَّ بالمال تنفقُ

(8) الحارث بن حلّزة
وهو الحارث بن حلّزة اليشكري البكريّ يتصل نسه إلى بكر بن وائل ولم يؤثر عنه غي قطع يسيرة وقصيدته المعلقة التي مطلعها:
آذنتنا ببينها أسماء

ربَّ ثاوٍ يملُّ منه الثواء
وكان أمر هذه المعلقة أن عمرو بن هند أحد ملوك الحيرة أصلح بين بكر وتغلب بعد حرب البسوس وخذ من كلا الفريقين رهائن من أبناهم ليكف بعضهم عن بعض، وليقيد منها للمعتدي عليه من المعتدي فحدث أن سرح الملك ركباً من تغلب في بعض حاجته، فزعمت تغلب أن الركب نزلوا على ماء لبكر فأجلوهم، وحملوهم على المفازة فماتوا عطشاً، وتزعم بكر أنهم سقوهم وأرشدوهم الطريق فتاهوا وهلكوا وذهب الفريقان تدافعان عند عمرو بن هند وكانت ضلعه مع تغلب فهاج ذلك الحارث بن حلزة وكان في المجلس مستوراً عن الملك بستارة لما فيه من البرص فارتجل قصيدته ارتجالاً يفتخر فيها بقومه وفعالهم وحسن بلائهم عند الملك وعظم أيامهم معه فما أتم قصيدته حتى انقلب الملك إلى جانب البكريين وقرب الحارث من مجلسه.
وعمر بن الحارث طويلاً حتى قيل: إنه أنشد هذه القصيدة وعمره خمس وثلاثون ومائة سنة.
شعره: أكثر الرواة معجبون بارتجال الحارث قصيدته على طولها وإحكامها ومن قوله فيها وهو أوجز وصف للتأهب للارتحال وأوضحه تصويراً للحقيقة.
أجمعوا أمرهم عشاءً فلمّا

أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء
(1/291)
________________________________________
من منادٍ ومن مجيب ومن تصه_هال خيل خلالَ ذاك رغاءُ
(9) لبيد بن ربيعة
هو أبو عقيل لبيد بن ربيعة العامري أحد أشراف الشعراء المجيدين وهو من بني عامر بن صعصعة إحدى بطون هوازن ومضر وأمه عبسية، نشأ لبيد جواداً شجاعاً فاتكاً، أما الجود فورثه عن أبيه الملقب بربيعة المعترين، وأمى الشجاعة والفتك فهما خصلتا قبليته إذا كان عمه ملاعب الأسنة أحد فرسان مضر في الجاهلية وكان من قبليته وبين بني عبس أخواله عداوة شديدة فاجتمع وفداهما عند النعمان بن المنذر وعلى العبسيين الربيع بن زياد وعلى العامريين وملاعب الأسنة وكان الربيع مقرباً عند النعمان يؤاكله وينادمه فأوغر صدره على العامريين فلما دخل وفدهم على النعمان أعرض عند فشق ذك عليهم، ولبيد يومئذٍ صغير يسرح إبلهم ويرعاها فسألهم عن خطبهم فاحتقروه لصغره فألح حتى أشركوه معهم فوعدهم أنه سينتقم لهم منه غداً عند النعمان أسوأ انتقام: بهجاء يجالسه بعده ولا يؤاكله فكان ذلك ومقت النعمان الربيع ولم يقبل له عذراً وأكره العامريين وقضى حوائجهم، فكان هذا أول ما اشتهر به لبيد، ثم قال بعد ذلك المقطعات والمطولات، وشهد النابغة له وهو غلام بأنه أشعر هوازن حين سمع معلقته التي أولها:
عفتِ الديارُ محلُّها فمقامها

بمنّى تأبّد غولها فرجامها
ولما ظهر الإسلام وأقبلت وفود العرب على النبي صلى الله عليه وسلم جاء لبيد في وفد بني عامر وأسلم وعاد إلى بلاد وحسن إسلامه، وتنسك وحفظ القرآن كله وهجر شعر حتى لم يرو له في الإسلام غير بيت واحد هو:
ما عاتب الحرَّ الكريم كنفسه

والمرء يصلحه الجليسُ الصالح
(1/292)
________________________________________
وبعد أن فتحت الأمصار ذهب إلى الكوفة زمن عمر بن الخطاب، واختارها دار إقامة، وما زال بالكوفة حتى مات في أوائل خلافة معاوية سنة إحدى وأربعين من الهجرة، وقد قيل إنه عاش ثلاثين ومائة سنة.
شعره: نبغ فيه وهو غلام وجرى فيه على سنن الأشراف والفرسان.
ومن جيد شعره وقوه في معلقته مفتخراً بفعاله وقوله وقومه:
إنا إذا التقيت المجامع لم يزل

منا لزازٌ عظيمة جشامها

ومقسم يعطي العشيرة حقها

ومغذمرٌ لحقوقها هضامها

فضلاً وذو كرم يعين على الندى

سمحٌ كسوبٌ رغائب غنّامها

من معشر سنّت لهم آباؤهم

ولكل قوم سنّة وإمامها

لا يطبعون ولا يبور فعالهم

إذ لا يميل مع الهوى أحلامها

فاقنع بما قسم المليكُ فإنما

قسم الخلائق بيننا علاّمها

وإذا الأمانة قسّمت في معشر

أوفى بأعظم حظنا قسّامها

فبنى لنا بيتاً رفيعاً سمكه

فسما إليه كهلها وغلامها

فهم السعادة إذا العشيرة أفظعت

وهم فوارسها وهم حكامها

وهم ربيع للمجاور فيهمُ

والمرملات إذا تطاول عامها

وهم العشيرة إن يبطئ حاسد

أو أن يميل مع العدو لئامها

وقال يرثي أخاه أربد:
بلينا وما تبلى النجوم الطوامع

وتبقى الديار بعدنا والمصانع

وقد كنت في أكناف جار مضنه

ففارقني جارٌ بأربد نافع

فلا جزعٌ إن فرق الدهر بينا

فكل امرئ يوماً به الدهر فاجع
وما الناس إلاّ كالديار وأهلها

بها يوم خلّوها وراحوا بلاقع

وما المرء إلاّ كالشهاب وضوئه

يحور رماداً بعد إذ هو ساطع

وما المال والأهلون إلاّ ودائع

ولابدّ يوماً أن تردّ الودائع

وما الناس إلا عاملان: فعامل

يتبر ما يبني وآخر رافع

فمنهم سعيدُ آخذ بنصيبه=ومنهم شقيّ بالمعيشة قانع ومنه قوله في النعمان يرثيه:
ألا تسألان ماذا يحاول

أنحب فيقضي أم ضال وباطل
(1/293)
________________________________________
أرى الناس لا يدرون ما قدر أمرهم

بلى كل ذي لب إلى الله واسلُ

ألا كل شيء ما خلا الله باطل

وكل نعيم لا محالة زائل

وكل أناس سوف تدخل بينهم

دويهية تصفرّ منها الأنامل

وكل امرئٍ يوماً سيعلم غيبة

إذا كشفت عند الإله الحصائل

الرّواية _ الرّواة
قد علمنا مما تقدم أن عامة المروي من كلام العرب شعرها ونثرها وأخبارها معزو إلى أهل البدو الأميين، ولذلك لم يصل غلينا كتاب يجمع بين دفتيه الكثير منها، وما روي لنا من كلام فصحاء العرب ليس إلا النزر اليسير بوجوه مختلفة وبالطبع لا يحفظ هذه الوديعة إلاّ أهل الحفاظ عليها والاعتداد بها وهم الشعراء والمتأدبون، فقد كان امرؤ القيس رواية ربي دواد الإيادي، وزهير رواية أوس ن حجر والأعشى رواية المسيب بن علس.
واشتهر من قريش أربعة بأنهم رواة للأشعار وعلماؤهم بالأنساب وهم مخرمة بن نوفل، وأبو الجهم بن حذيفة، وحويطب بن عبد العزى وعقيل بن أبي طالب.
العصر الثاني عصر صدر الإسلام ويشمل بني أميّة
"حالة اللغة العربية وآدابها في ذلك العصر"
(1/294)
________________________________________
كانت العرب أمماً بدوية ليس لها وسائل العمران وأسباب الرخاء ما يحملها على تبحر في علم أو تبصر في دين، أو تفنن في تجارة، أو زراعة أو صنعة أو سياسة، وعلى وفق ذلك كانت اللغة العربية لا تعدوا أغراض المعيشة البدوية إا أن روحاً من الله تنسم بين أرجائها فأيقظها من ردتها، ونبهها لضرورة التعاون على الخير في معاشها ولغتها وجماعتها، فظهر ذلك بيناً في الأسواق التجارية اللغوية الاجتماعية، وفي الإذعان فيها إلى حكومة الأشراف من قريش وتميم وغيرهما،ة مما هيأهم لأن يجتمعوا تحت لواء واحد ويتفاهموا بلسان واحد، فكان ذلك إيذاناً من الله بإظهار الإسلام فيهم، وما ألفت نفوسهم هذا النمط ويتفاهموا بلسان واحد، فكان ذلك إيذاناً من الله بإظهار الإسلام فيهم، وما ألفت نفوسهم هذا النمط الجديد إلا ود جاء النبي الكريم لاما لشعثهم موحداً لكلمتهم، مهذباً لطباعهم مبيناً طريق الحق، وجادة الصواب، بشريعة عظيمة.
(1/295)
________________________________________
فكان من نتيجة ذلك أن أسست لهم جمعة قومية ملية وملك كبير، وبالتفاف العرب حول صاحب هذه الدعوة وأنصاره، وتفهمهم شرعته وكلامه ثم خضوعهم بعد لزعامة قومه وخلفائه وولاتهم وفتوحهم تحت ألويتهم ممالك الأكاسرة والقياصرة وغيرها ومخالطتهم أهلها بالجوار والمصاهرة.
الأول: شيوع اللغة القرشية ثم توحد لغات العرب، وتمثلها جميعها في لغة قريش واندماج سائر اللهجات العربي فيها، وبعض أسباب هذا يرجع إلى ما قبل بتأثير الأسواق والحج وحكومة قريش وأكثرها يرجع إلى نزول القرآن بلغتهم، وظهور ذلك الداعي العظيم منهم، وانتشار دينه وسلطانه على أيديهم.
وبحكم الضرورة تكون لغتهم هي اللغة الرسمية بين القبائل.
الثاني: انتشار اللغة العربية في ممالك الفرس والروم وغيرهما بالفتوح والمغازي وهجرة قبائل البدو إليها، واستيطانهم، واختلاطهم بأهلها.
الثالث: اتساع أغراض اللغة منهجاً دينياً، واتباعها خطة نظامية تقتضيها حال الملك وسكنى الحضر.
الرابع: ارتقاء المعاني والتصورات وتغير الألفاظ والأساليب.
الخامس: ظهور اللحن في الكلام بين المستعربين: من الموالي وأبناء العرب من الفتيات وبعض العرب المكثرين من معاشرة الأعاجم.
ولما كان معظم هذه التغيرات يرجع إلى القرآن الكريم والحديث النبوي ناسب وصفهما بقليل من مثير مما ينبغي أن يقال فيهما.
القرآن الكريم وأثره في اللغة
(1/296)
________________________________________
القرآن (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمّ فُصّلَتْ مِن لّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) [هود:1]، فيه آيات بينات، ودلائل واضحات، وأخبار صادقة، ومواعظ رائقة، وشرائع راقية، وآدا عالية، بعبارات تأخذ الألباب.
وأساليب ليس لأحدج من البشر بالغاً مما بلغ من الفصاحة والبلاغة أن يأتي بمثلها، أو يفكر في محاكاتها فهو آية الله الدائمة، وحجته الخالدة، (لاّ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) [فصلت: 42]، أنزل الله على رسوله ليبلغه قومنه وهم فحول البلاغة، وأمراء الكلام.
وأباه الضيم، وأربا الأنفة والحمية فيبهرهم بيانه، وأذهلهم افتتانه فاهتدى به من صح نظره واستحصف عقله، ولطف ذوقه، وصد عنه أهل العناد والمكارة واللجاج فتحداهم أن يأتوا بمثله فنكصوا ثم بعشر سور مثله فعجزوا، ثم بسورة من مثله فانقطعوا فحق عليهم إعجازه قال تعالى: (قُل لّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنّ عَلَىَ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هََذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً) [الإسراء: 88].
وللقرآن فضل على اللغة فقد أثر فيها ما لم يؤثره أي كتاب سماوياً كان أو غير سماوي في اللغة التي كان بها، إذا ضمن لها حياة طيبة وعمراً طويلاً، وصانها من كل ما يشوه خلقها ويذوي غضارتها فأصبحت وهي اللغة الحية الخالدة ومن بين اللغات القديمة التي انطمست آثارها، وصارت في عداد اللغات التاريخية الأثرية وأنه قد أحدث فيها علوماً جمة وفنوناً شتى لولاه لم تخطر على قلب، ولم يخطها قلم منها، والنحو، والصرف، والاشتقاق، والمعاني، والبديع، والبيان والأدب والرسم، والقراءات، والتفسير، والأصول، والتوحيد والفقه.
جمع القرآن وكتابته
(1/297)
________________________________________
قد نزل القرآن الكريم على رسول الله صل الله عليه وسلم منجماً تعلى حسب الوقائع ومقتضيات الأحوال في بضع وعشرين سنة، وكان عليه الصلاة والسلام يأمر كتابة وحيه بكتابة ما ينزل وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن كله مكتوب، وفي صدور الصحابة محفوظ، وفي مدة الإمام عثمان كثرت الفتوحات وانتشر القراء في الأمصار فأمر عثمان زيد بن ثابت وعد الله بن الزبير وسعيد بن العاص ونعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوا تلك الصحف في مصحف واحد مرتب السور واقتصر فيه من جميع اللغات على لغة قريش لنزوله بلغتهم.
الحديث النبوي
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فصح الناس وأبينهم وأحكمهم، وكانت حياته كلها هداية ونوراً وأفعاله وأقواله جميعها مدداً يستمد منه الخلق سدادهم وإرشادهم في معاشهم ومعادهم ولهذا حرص المسلمون على حفظ ذلك الأثر العظيم حرصاً لم توفق مثله أمة في حفظ آثار رسولها فجمعوا من كلامه ووف أفعاله وأحواله الأسفار الضخام ووعوا منها في صدورهم ما لا يدخل تحت حصر وكلامه صلى الله عليه وسلم منزه عن اللغو والباطل وإنما كان في توضيح قرآن أو تقرير حكم أو إرشاد إلى خيرا أو تنفير من شر أو في حكمة ينتفع الناس بها في دينهم ودنياهم عبارة هي في الفصاحة والبلاغة والإيجاز والبين بالدرجة الثانية بعد القرآن الكريم ولذلك كان تأثيرها في اللغة والأدب بالمنزلة التالية لكلام الله تعالى.
النثر لغة التخاطب الخطابة الكتابة
(1/298)
________________________________________
كانت لغة التخاطب في مبدأ الإسلام بين العرب الخلص والموالي النابتين فيهم هي العربية الفصيحة المعرة وكانت لغة الموالي الطارئين عليهم تقرب من الفصيحة أو تبتعد عنها على حسب طول لبثهم فيهم أو قصر مقامهم عندهم ولما فتح المسلمون الأمصار وكثر عندهم سبي الأعاجم وأسرى الحروب ودخل في الإسلام منهم ألوف الألوف وأصبحوا لهم إخواناً وشركاء في الدين وتم بينهم التزاوج والتناسل، نشأ للعرب ذرية اختلطت عليهم ملكة العربية وكذلك كان الشأن في المتعربين من الأعاجم أما العرب أنفسهم عد الفتوح فكانت لغتهم في جزيرتهم مثلما كانت عليه في جاهليتهم، أما سكان الأمصار منهم وأولادهم من الحرائر، فالعامة منهم المخالطون للأعاجم لم تخل لغتهم من لحن أو هجنة، والخاصة منهم تشددوا فالمحافظة على سلائقهم وتحاموا التزوج بالأعجميات وبالغوا في تربية أبنائهم فكانوا يرسلونهم إلى البادية ليرتاضوا على الفاصحة، أو يحضون لهم المؤدبين والمعلمين كذلك كان يفعل خلفاء بني أمية وأمراؤهم اقتداءً بكبيرهم معاوية بن أبي سفيان في تربية ابنه يزيد، ومن لحن منهم تعدوا ذلك عليه عاراً لا يمحى وسبة لا تزول، ومن هؤلاء اللحانين عبيد الله بن زياد والوليد بن عبد الملك وخالد القشري مع أن بعضهم كان من أبلغ الناس وأبينهم.
ومن هنا يعلم السر في تسرع القوم إلى وضع النحو وتدوينه والشكل والأعجام.
الخطابة في هذا العصر والخطباء
(1/299)
________________________________________
لا كان مبدأ كلا انقلاب عظيم في أي أمة: إما دعوة دينية وإما دعوة سياسية، وكانت تلك الدعوة تستدعي ألسنة قوالة من أهلها لتأييدها ونشرها وألسنة من أعدائها وخصومها لإدحاضها والصد عنها، و ذلك لا يكون إلا بمخاطية الجماعات: وكان ظهور الإسلام من أهم الحوادث التي أنشطت الألسن من عقلها وأثارت الخطابة من مكمنها فوق ما كانت عليه في جاهليتها فكان العمل الأكبر لصاحب الدعوة العظمى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بادئ أمره غير تبليغ القرآن وارداً من طريق الخطابة. ولأمر ما جعلها الشارع سعار كل الأمور ذوات البال، كان دعاة النبي صلى الله عليه وسلم ورسله إلى الملوك وأمراء جيوشه وسراياه ثم خلفاءه من بعده عمالهم كلهم خطباء مصاقع ولسنا مقاول وأن الشعر صرفهم عن اللهو والشعر الذي لا ينهض بأعباء الخطابة ولاسيما الدينية لشرحها الحقائق وقرعها الأسماع بالحجج العقلية والوجدانية وترغيبها في الثواب وترهيبها من العقاب بعبارات تفهمها الخاصة والعامة وكان لهم من القرآن أدلته وحجته والاقتباس منه مدد أيما مدد.
ولما حدثت الفتنة بن المسمين بعد مقتل عثمان، وافترقوا إلى عراقيين بزعامة علي وشاميين بزعامة معاوية ولكل منهم دعوة يؤيدها ورغبة يناضل عنها في تلك الحرب الشعواء التي لم ينكب الإسلام بمثلها، ظهر من كلتا الطائفتين خطباء لا يحصى عددهم ولا يشق غبارهم ، وعلى رأس العراقيين شيخ الخطباء علي بن أبي طالب وعلى رأس الشاميين معاوية بن أبي سفيان ولم يعدم كل طائفة خطباء يؤيدون دعوتها بما أتوا من البلاغة في الخطابة والفصاحة والبيان.
والخطابة وصلت في هذا العصر إلى أرقى ما وصلت إليه في اللسان العربي حتى ممن يعد عليهم اللحن ولم تسعد العربية بكثرة خطباء ووفرة خطب ومثل ما سعدت به في هذا الصدر الأول.
إذا كان القوم ورؤساؤهم عرباً خلصاً يسمعون القول فيتبعون أحسنه.
ولم يخرج الخطباء عن مألوفهم من اعتجار العمامة والاشتمال بالرداء
(1/300)
________________________________________
واختصار المخصرة والخبطة من قيام.
وليس في عصور أدب اللغة من عصر أحفل بالخطباء من هذا العصر: إذا كانت الخطابة فيه سلسة القياد على خلفائه وزعمائه: لفطرتهم العربية ومحلهم من الفصاحة والبيان وانطباعهم على أساليب القرآن واتساع مداركهم.
أبو بكر الصديق رضي الله عنه
هو أبو بكر عبد الله عتيق بن أبي قحافة عثمان صاحب رسول الله وأول الخلفاء الراشدين.
ويجتمع نسبه مع نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرة بن كعب، ولد بعد مولد رسول الله لسنتين وبضعة أشهر ونشأ من أكرم قريش خلقاً وأرجحهم حلماً وأشدهم عفة وكان أعلمهم بالأنساب وأيام العرب ومفاخرها، صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل النبوة وكان أول من آمن به من الرجال وصدقه في كل ما جاء به: ولذلك سمي بالصديق وهاجر معه إلى المدينة وشهد معه أكثر الغزوات وما زال ينفق ماله وقوته في معاضدته حتى انتقل صلى الله عيه وسلم إلى الرفيق الأعلى واختلفت العرب وارتدت عن الإسلام فجرد عليهم الجيوش حتى قمعهم وما مات إا وجيوشه تهزم جيوش الفرس والروم وتسولي على مدائنهم وحصونهم وكانت وفاته سنة 13ه? ومدة خلافته سنتين وثلاثة أشهر وعشر ليال.
وكان فصيحاً بليغاً خطيباً مفوهاً قوي الحجة شديد التأثير يشهد بذلك خطبته يوم السقيفة (وذلك أنه لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفت الصحابة فيمن يبايعونه خليفة عليهم: فابت الأنصار إلا أن يكون الخليفة منهم وأبى المهاجرون من ريش إلا أن يكون منهم واشتد النزاع حتى كادت تقع الفتنة فخطبهم خطبة لم يلبث الجمع بعدها أن بايعوه خليفة) وهي: حمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس نحن المهاجرون، وأول الناس إسلاماً، وأكرمهم أحساباً، وأوسطهم داراً، وأحسنهم وجوهاً، وأكثر الناس ولادة في العرب وأمسهم رحماً برسول الله صلى الله عليه وسلم، أسلمنا قبلكم وقدمنا في القرآن قال تبارك وتعالى: (وَالسّابِقُونَ الأوّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ
(1/301)
________________________________________
وَالأنْصَارِ وَالّذِينَ اتّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ) [التوبة: 100] فنح المهاجرون وأنتم الأنصار: إخواننا في الدين.
وشركاؤنا في الفيء وأنصارنا على العدو آويتم وواسيتم جزاكم الله خيراً نحن الأمراء وأنتم الوزراء لا تدين العرب إلا لهذا الحي من قريش فلا تنفسوا على إخوانكم المهاجرين ما منحهم الله من فضله.
وخطب أيضاً حين بايع الناس البيعة العامة.
حمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إني قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن رأيتموني على حق فأعينوني وإن رأيتموني على باطل فسددوني أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإذا عصيته فلا طاعة لي عليكم ألا أتن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ الحق له وأضعفكم عندي القوي حتى آخذ الحق منه أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم.
وخطب أيضاً الناس فقال: (بعد أن حمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم) أوصيكم بتقوى الله والاعتصام بأمر الله الذي شرع لكم وهداكم به فإن جوامع هدي الإسلام بعد كلمة الإخلاص السمع والطاعة لمن ولاه الله أمركم، فإنه من يطع لله وأولي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد أفلح، وأدى الذي عليه من الحق، وإياكم واتباع الهوى، افقد أفلح من حفظ من الهوى والطمع والغضب وإياكم والفخر! وما فخر من خلق من تراب ثم إلى التراب يعود، ثم يأكله الدود، ثم هو اليوم حي وغداً ميت؟ فاعلموا يوماً بيوم، وساعة ساعة، وتوقوا دعاء المظلوم، وعدوا أنفسكم في الموتى واصبروا، فإن العمل كله بالصبر، واحذروا، والحذر ينفع واعملوا، والعمل يقبل، واحذروا ما حذركم اله من عذابه، وسارعوا فيما وعدكم الله من رحمته وافهموا وتفهموا، واتقوا، وتوقوا فإن الله قد بيتن لكم ما أهلك به من كلن قبلكم، وما نجي به من نجى قبلكم، قد بين لكم في كتابه حلاله وحرامه، وما يجب من الأعمال، وما يكره، فإني لا ألومكم ونفسي، والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله، واعلموا أنكم ما أخلصتم لله من قبل أعمالكم فربكم
(1/302)
________________________________________
أطعتم وحظكم وحفظتم واعتبطتم، وما تطوعتم به لدينكم فاجعلوه نوافل بين أيديكم تستوفوا سلفكم وتعطوا جرايتكم حيث فقركم وحاجتكم إليها ثم تفكروا عباد الله في إخوانكم وصحابتكم الذين مضوا، قد ردوا على ما قدموا فأقاموا عليه وحلوا في الشقاء أو السعادة فيما بعد الموت، أن الله له شريك وليس بينه وبين أحد من خله نسب يعطيه به خيراً ولا يصرف عنه سوءاً إلا بطاعته اتباع أمره فلأنه لا خير في خير بعده النار ولا شر في شر بعده الجنة.
عمر بن الخطاب رضي الله عنه
(1/303)
________________________________________
هو أمير المؤمنين أبو حفص عمر بن الخطاب القرشي ثاني خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأول من تسمى من الخلفاء بأمير المؤمنين وأول من أرخ بالتاريخ الهجري ومصر الأمصار ودون الدواوين.
ولد رضي الله عنه بعد مولد النبي صلى اله عليه وسلم بثلاث عشرة سنة وحضر مع رسول الله الغزوات كلها، ثم لما قبض أعان أبا بكر على تولية الخلافة، ولما أحسن أبو بكر بالموت، عهد بها غليه، فقام بأعبائها خير قيام وأتم جميع ما شرع فيه أبو بكر: من فتح ممالك كسرى وقيصر.
وقتله أبو لؤلؤة عبد المغيرة بن شعبة: لأنه لم ينصفه على زعمه في تخفيض ما يدفعه لسيده من أجره عمله، وكان قتله سنة 23ه? ومدة خلافته عشر سنين وستة أشهر وثمانية أيام، وكان رحمه الله من أبين الناس منطقاً، وأبلغهم عبارة وأكثرهم صواباً وحكمة وأرواهم للشعر، وأنقدهم له.
ومن خطبه خطبته إذ ولي الخلافة.
صعد المنبر وحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا آيها الناس، إني داع فأمنوا اللهم إني غليظ فليني لأهل طاعتك بموافقة الحق، ابتغاء وجهك الدار الآخرة وارزقني الغلظة والشدة على أعدائك وأهل الدعارة والنفاق من غير ظلم مني ولا اعتداء عليهم، واتللهم إني شحيح فسخني في نوائب المعروف قصداً من غير سرف ولا تبذير ولا رياء ولا سمعة، واجعلني أبتغي بذلك وجهك والدار الآخرة، واللهم ارزقني خفض الجناح ولين الجانب للمؤمنين، اللهم إني كثير الغفلة والنسيان فألهمني ذكرك على كل حال وكذر الموت في كل حين، اللهم إني ضعيف عن العمل طاعتك فارزقني النشاط فيها، والقوة عليها بالنية الحسنة التي لا تكون إلا بعزتك وتوفيقك، اللهم ثبتني باليقين والبر والتقوى وذكر المقام بين يديك، والحياء منك وارزقني الخشوع فيما يرضيك عني، والمحاسبة لنفسي، وإصلاح الساعات والحذر من الشبهات، واللهم ارزقني التفكير والتدبر لما يتلوه لساني من كتابك، والفهم له والمعرفة وبمعانيه والنظر في عجائبه والعمل بذلك ما بقيت، إنك على
(1/304)
________________________________________
كل شيء قدير.
ومن خطبه في ذم الدنيا: إنما الدنيا أمل مخترم وأجل منتقض وبلاغ إلى دار غيرها، وسير إلى الموت ليس فيه تعريج فرحم الله امرأ فكر في أمره، ونصح لنفسه وراقب ربه واستقال ذنبه، بئس الجار الغني يأخذك بما لا يعطيك من نفسه فإن أبيت لم يعذرك، إياكم والبطنة فإنها مكسلة عن الصلاة ومفسدة للجسم، ومؤدية إلى السقم، وعليكم في قوتكم فهو أبعد من السرف، وأصح للبدن وأقوى على العبادة، وإن العبد لن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه.
عثمان بن عفان رضي الله عنه
هو أمير المؤمنين عثمان بن عفان القرشي الأموي، ثالث الخلفاء الراشدين وموجد نسخ القرآن المبين، ولد في السنة السادسة من مولد النبي صلى الله عليه وسلام وآمن في السابقين الأولين، وبذل ماله الكثير في تأييد الإسلام ومعونة المجاهدين وهد مغازي رسولا الله كلها إلا بدراً وقد كان عمر قبل وفاته عهد إلى ستة هو منهم تنتخب الأمة أحدهم خليفة، فانتبخوا عثمان فأكمل مغازي عمر ثم ثار عليه بعض الأعراب بحجة أنه يؤثر أقرباءه بولاية الأقاليم، فحاصروه في داره بالمدينة وقتلوه وهو يتلو القرآن الكريم سنة 33ه? ومدة خلافته اثنتا عشرة سنة إلا اثني عشر يوماً.
وكان رحمه الله من بلغاء الخلفاء وأوجزهم لفظاً وأجزلهم معنى وأسلسلهم عبارة ومن خطبه خطبته بعد أن بويع وهي بعد الحمد والثناء: أما بعد فإني قد حملت وقد قبلت، ألا ,اني متبع ولست بمتدع، ألا وأن لكم علي بعد كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ثلاثاً: اتباع من كان قبلي فيما اجتمعتم عليه وسننتم وسن سنة أهل الخير فيما لم تسنوا عن ملأ، والكف إا فيما استوجبتم، ألا وأن الدنيا خضرة وقد شهيت إلى الناس ومال إليها منهم فلا تركنوا إلى الدنيا ولا تثقوا بها فإنها ليست بثقة واعلموا أنها غير تاركة إلا من تركها.
ومن خطبه أيضاً وهي آخر خطبة خطبها:
(1/305)
________________________________________
أما بعد: فإن الله عز وجل إنما أعطاكم الدنيا لتطلبوا بها لآخرة ولم يعطكموها لتركنوا إليها، الدنيا تفنى والآخر ة تبقى فلا تبطرنكم الفانية ولا تشغلنكم عن الباقية فآثروا ما يبقى على ما يفنى فإن الدنيا منقطعة وأن المصير إلى الله، اتقوا الله عز وجل فإن تقواه جنة من بأسه ووسيلة عنده واحذروا من الله الغير، والزموا جماعتكم ولا تصيروا أحزاباً (وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً) [آل عمران: 103].
عليّ بن بي طالب رضي الله عنه
(1/306)
________________________________________
هو أمير المؤمنين أبو الحسن علي ن أبي طالب، وابن عم رسول وزوج ابنته ورابع الخلفاء الراشدين ولد رحمه الله بعد مولد النبي باثنتين وثلاثين سنة، وهو أول من آمن من الصبيان، وكان شجاعاً لا يشق له غبار، وشهد الغزوات كلها مع النبي إلا غزوة تبوك، وأبلى في نضرة رسول الله ما لم يبله أحد، ولما قتل عثمان بايعه الناس بالحجاز وامتنع من بيعته عاوية وأهل الشام شيعة بني أمية غضباً منهم لمقتل عثمان وقلة عناية علي بالبحث عن معرفة القتلة على حسب اعتقادهم، فحدث من جراء ذلك الفتنة العظمى بين المسلمين وافتراقهم إلى طائفتين فتحاربوا مجدة من غير أن يستتب الأمر لعلي أو معاوية حتى قتل أحد الخوارج علياً غيلة بمسجد الكوفة سنة 40ه?.
وكانت مدة خلافته خمس سنين إلا ثلاثة أشهر.
وكان رحمه الله أفصح الناس بعد رسول الله، وأكثرهم علماً وزهداً وشدة في الحق، وهو إمام الخطباء من العرب على الإطلاق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخطبه كثيرة: منها خطبته كرم الله وجهه بعد التحكيم وهي: الحمد لله وإن أتى الدهر بالخطب الفادح، والحدث الجلل وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ليس معه غله غيره، وإن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم (أما بعد) فإن معصية الناصح الشفيق العالم لمجرب تورث الحيرة وتعقب الندامة، وقد كنت أمرتكم في هذه الحكومة أمري، ونخلت لكم مخزون رأيي، ولو كان يطاع لقصير أمر فأبيتم عليّ إباء المخالفين الجفاة والمنابذين العصاة حتى ارتاب الناصح وضن الزند بقدحه، فكنت وإياكم كما قال أخو هوزان:
أمرتهم أمري بمنعرج اللّوى

فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد
(1/307)
________________________________________
ومن خطبه له حين خاطبه العباس وأبو سفيان وفي أن يبايعا له بالخلافة.
أيها الناس شقوا أمواج الفتن بسفن النجاة، وتعرجوا عن طريق المنافرة وضعوا عن تيجان المفاخرة، أفلح من نهض بجناح أو استسلم فأراح هذا ماء آجن ولقمة يغص بها آكلها، ومجتني الثمرة لغير وقت إيناعها كالزارع بغير أرضه فإن أقل يقولوا جزع من الموت، هيهات بعد اللتيا والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه، بل اندمجن على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوي البعيدة.
?سحبان أوائل
هو سحبان بن زفر بن إياد الوائلي، الخطيب المصقع، المضروب به المثل في البلاغة والبيان في الجاهلية ولما ظهر الإسلام أسلم وتقلبت به الأحوال حتى التحق بمعاوية فكان يعده لملمات، ويتوكأ عليه المفاخرة.
قدم على معاوية وفد فطل سحبان ليتكلم فقال: أحضروا لي عصاً قالوا وما تصنع بها وأنت بحضرة أمير المؤمنين؟ قال: ما كان يصنع بها موسى وهو يخاطب ربه فضحك معاوية وأمره بإحضارها ثم خطب من صلاة الظهر وإلى أن حانت صلاة العصر، ما تنحنح ولا سعل ولا توقف لا تلكأ وابتدأ في معنى وخرج منه وقد قي منه شيء حتى دهش منه الحاضرون فقال معاوية: أنت أخطب العرب: قال سحبان: والعجم والجن والأنس.
وكان سحبان إذا خطب يسيل عرقاً، ومات في خلافة معاوية سنة 54ه? ومما يؤثر من خطبه قوله: إن الدنيا دار بلاغ والآخرة دار قرار، أيها الناس فخذوا من دار ممركم لدار مقركم، ولا تهتكوا أستاركم عند من لا تخفي عليه أسراركم وأخرجوا من الدنيا قلوبكم قبل أن تخرج منها أبدانكم ففيها حييتم ولغيرها ما خلتهم إن الرجل إذا هلك قال الناس ما ترك؟ وقال الملائكة ما قدم؟ قدموا بعضاً يكون لكم ولا تخلفوا كلاً يكون عليكم.
?زياد بن أبيه
(1/308)
________________________________________
هو أحد دهاة العرب وساستها وخطاها وقادتها أمه سمية أمة الحارث بن كلدة الثقفي طبيب العرب وقد قرنها بعبد له رومي يدعى عبيداً فولدت سمية زياداً علت فراش عبيد هذا (في السنة الأولى من الهجرة) فنشأ غلاماً فصيحاً شجاعاً فما افتتحت العرب الممالك والأمصار حتى عرف منه ذلك فاستكتبه أبو موسى اشعري والي البصرة من قبل عمر.
ولما ولي أمير المؤمنين علي الخلافة اضطرب عليه فارس فسار إليها زياد بجمع وتمكن بخداعه من إيقاع الشقاق بين رؤساء المشاغبين، ومازال يضرب بعضهم ببعض حتى سكنت ثورتهم، وبقي يتولى لعلي الأعمال حتى قتل علي فخافه معاوية فأرسل إليه المغير بن شعبة يستقدمه فقدم عليه فادعاه أخاً له واستلحقه بنبس أبيه أبي سفيان وصار يسمى زياد بن أبي سفيان بدل زياد بن عبيد أو(ابن سمية أو ابن أبيه).
وولاه معاوية العراقين وهو أول من جمع له بينهما فسار في الناس سيرة لم بها الشعث وأقام بها المعوج وكبح الفتنة واشتط في العقوبة وأخذ بالظنة وعاقب على الشهة حتى شمل خوفه جميع الناس فأمن بعهم بعضاً وكان الشيء يسقط من يد الرجل أو المرأة فلا يعرض له أحد حتى يأبى صاحبه فيأخذه بل كان لا يغلق أحد بابه وكان زياد يقول: (لو ضاع حبل بيني وبين خراسان لعرفت آخذه) وكان مكتوباً في مجلس عنوان سياسته وهي (الشدة في غير عنف واللين في غير ضعف المحسن سيجازى بإحسانه والمسيء يعاقب بإساءته) وتوفي بالكوفة في رمضان سنة 53ه?.
ومن خطه البليغة خطبته حين قدم إلى البصرة وهي: أم بعد فإن الجهلاء والضلالة العمياء والغي والموفى بأهله على النار ما فيه سفهاؤكم ويشتمل عليه حلماؤكم: من الأمور التي بنيت فيها الصغير ولا يتحاشى عنها الكبير كأنكم لم تقرؤوا كتاب الله ولم تسمعوا ما أعد الله من الثواب الكريم لأهل طاعته والعذاب الأليم لأهل معصيته في الزمن السرمدي الذي لا يزول إنه ليس منكم إلا من طرفت عينه الدنيا وسدت مسامعه الشهوات، واختار الفانية على
(1/309)
________________________________________
الباقية، ولا تذكرون أنكم أحدثتم في الإسلام الحدث الذي لم تسبقوا إليه: من ترككم الضعيف يقهر والضعيفة المسلوبة في النهار تنصر، والعدد غير قليل، والجميع غير مفترق، ألم يكن منكم نهاة يمنعون الغواة عن دلج الليل وغارة النهار! قربتم القرابة! وباعدتم الدين، تعتذرون بغير لعذر، وتغضون على النكر، كل امرئ منكم يرد عن سفيهه، صنع من لا يخاف عقاباً ولا يرجو معتاداً، فلم يزل بهم ما ترون من قيامكن دونهم حتى انتهكوا حرم الإسلام ثم أطرقوا وراءكم كنوساً في مكانس الريب، حرام علي الطعام والشراب حتى أضع هذه المواخير بالأرض هداماً وإحراقاً إني رأيت اجر هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح به أوله: لينفي غير ضعيف، وشدة في غير عنف، وأني لأقسم بالله لآخذن الولي بالمولى، والمقيم بالظاعن، والمطبع بالمعاصي، وتى يلقى الرجل أخاه فيقول: "انج سعد فقد هلك سعيد" ا, تستقيم لي بيني وبين قوم إجن فجعلت ذلك دبر أذني وتحت قدمي، غني لو علمت ن أحدكم قد قتلاه السل من بغضي لم أكشف له قناعاً، ولن أهتك له سراً، حتى يبدي لي صفيحته، فإذا فعل ذلك لم أناظره، فاستأنفوا أموركم وأعينوا على أنفسكم فرب مبتئس بقدومنا سيسر، ومسرور بقدومنا سيبئس، أيها الناس أنا قد أصبحنا لكم ساسة وعنكم ذادة نسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا ونذود عنكم بفيء الله الذي حولنا، فلنا عليكم السمع والطاعة فيما أحببنا ولكم علينا العدل فيما ولينا فاستوجبوا عدلنا وفيئنا بمناصحتكم لنا.
الحجاج
هو أبو محمد الحجاج بن يوسف الثقفي أحد جبابرة العرب وساستها وموطد ملك بني أمية وأحد البلغاء والخطاء ولد سنة 41ه?.
وخدم الحجاج بولايته عبد الملك بن مروان، وابنيه الوليد وسليمان حتى كان ملكه ما بين الشام والصين ومات سنة 95ه? في عهد سليمان في مدينة واسط بالعراق.
(1/310)
________________________________________
وكان الحجاج آية في البلاغة وفصاحة اللسان وقوة الحجة، قال الأصمعي أربعة لم يلحنوا في جد ولا هزل، الشعبي وعبد الملك بن موان والحجاج بن يوسف وابن القرية: والحجاج أفصحهم ومن مآثره اهتمامه بوضع النقط والشكل للمصحف وغيره ونسخه عدة مصاحف من مصاحف عثمان وإرسالها إلى بقية الأمصار ومن خطبه المشهورة خطبته لما قدم أميراً على العراق فإنه دخل المسجد معتماً بعمامة قد غطى بها أكثر وجهه متقلداً سيفه متنكباً قوساً يؤم المنبر، فقام الناس نحوه حتى صعد المنبر فمكث ساعة لا يتكلم فقال الناس بعضهم لبعض قبح الله بني أمية حيث تستعمل مثل هذا على العراق فلما رأى عيون الناس إليه، حسر اللثام عن فيه ونهض ثم قال:
أنا ابن جلا وطلاّع الثنايا

متى أضع العمامة تعرفوني
ثم قال: يا أهل الكوفة إني لأرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها وإني لصاحبها وكأني ناظر إلى الدماء بين العمائم واللحى، ثم قال:
هذا أوان الشدّ فاشتدّي زيم

قد لفها الليل بسواقٍ حطم

ليس براعي إبل ولا غنم

ولا بجزار علي ظهر وضم
قد لفّها الليل بعصلبيّ

أروع خرّاج من الدوي

مهاجر ليس بأعرابي

قد شمرت عن ساقها فشدّوا

وجدّت الحربُ بكم فجدّوا

والقوس فيها وترٌ عرد

مثل ذراع البكر أو أشد

لابدّ مما ليس منه بدّ
(1/311)
________________________________________
إني والله يا أهل العراق ما يقعقع لي بالشنان ولا يغمز جانبي كتغماز التين ولقد فررت عن ذكاء وفتشت عن تجربة وإن أمير المؤمنين أطال الله بقاءه، نثر كنانته بين يديه فعجم عيدانها فوجدني أمرها عوداً وأصلبها مكسراً فرماكم ربي لأنكم طالما أوضعتم في الفتنة واضطجعتم في مراقد الضلال، والله لأحزمنكم حزم السلمة ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل فإنكم لكأهل (قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مّطْمَئِنّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مّن كُلّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ) [النحل: 112] وإني والله ما أقول إلا وفيت ولا أهم إلا أمضيت ولا أخلق إلا فريت.
وإن أمير المؤمنين أمرني بإعطائكم أعطياتكم وأن أوجهكم لمحاربة عدوكم مع المهلب بن أب صفرة، وأني أقسم بالله لا أجد رجلاً تخلف بعد أخذ عطائه بثلاثة أيام إلا ضربت عنقه.
طارق بن زياد
هو أحد قواد جيوش الوليد بن عبد الملك، كان خطيباً مصقعاً مقداماً، بعيد الهمة يعشق وتصبو نفسه إلى الفتوحات، خرج من المغرب سنة 92ه? باثني عشر ألف جندي من مواطنيه يقلهم أسول قوي قد جهز لذلك وعبر البحر إلى إسبانيا لفتحها، وفلما علم رودريك ملكها بقدوم المسلمين إلى بلاده قابلهم بجيش عظيم هالت طارقاً كثرة عدده وكمال عُدده، فبادر وأحرق أسطوله ليقطع أمل أصحابه في الروع وقال لهم (أيها الناس الخ) فاندفعوا على الإسبان اندفاع اليائس وهزموهم شر هزيمة، ثم والى طارق فتوحاته في إسبانيا حتى قبض على رودريك آخر ملوك الفيزيغوط بها وقتله سنة 94ه? وبعد ذلك بسنة استقدمه الوليد إلى دمشق إلى أن مات سنة 101 وها هي خطبته.
(1/312)
________________________________________
أيها الناس أين المفر، البحر من ورائكم والعدو من أمامكم، وليس لكم والله إلا الصدق والصبر، واعلموا أنكم في هذه الجزيرة أضيع من الأيتام في مأدبة اللئام، وقد استقبلكم عدوكم بجيشه، وأسلحته وأقواته موفورة، وأنتم لا وزر لكم إلا سيوفكم، ولا أقوات إلا ما تستخلصونه من أيدي عدوكم وإن امتدت بكم الأيام على افتقاركم، ولم تنجزوا لكم أمراً ذهب ريحكم، وتعوضت القلوب من رعبها عنكم الجرأة عليكم، فادفعوا عن أنفسكم خذلان هذه العاقبة من أمركم بمناجزة هذه الطاغية، فقد ألقت به إليكم مدينته الحصينة، وإن انتهاز الفرصة فيه لممكن إن سمحتم لأنفسكم بالموت وإني أحذركم أمراً أنا عنه بنجوة ولا حملتكم على خطة أرخص متاع فيها النفوس أبداً بنفسي، واعلموا أنكم إن صبرتكم على الأشق قليلاً استمتعتم بالأرفة الألذ طويلاً، فلا ترغبوا بأنفسكم عن نفسي فما حظكم فيه بأوفر من حظي وقد بلغكم ما أنشأت هذه الجزيرة من الخيرات العميمة وقد انتخبكم الوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين من الأبطال عرباناً ورضيكم لملوك هذه الجزيرة أصهاراً وأختاناً ثقة منه بارتياحكم للطعان واستماحكم بمجالدة الأبطال والفرسان ليكون مغنمها خالصة لكم من دونه ومن دون المؤمنين سواكم والله تعالى ولي إنجادكم على ما يكون لكم ذكراً في الدارين وعلموا أني أول مجيب إلى ما دعوتكم إليه وأني عند ملتقى الجمعين حامل بنفسي على طاغية القوم (لذريق) فقاتله إن شاء الله تعالى، فاحملوا معي فإن هلكت بعده فقد كفيتم أمره ولم يعوزكم بل عاقل تسندون أموركم إليه، وإن هلكت قبل وصولي إليه فأخلفوني في عزيمتي هذه واحملوا بأنفسكم عليه واكتفوا لهم من فتح هذه الجزيرة بقتله.
الكتابة خطية وإنشائية الكتابة الخطة كان الخط في مبدأ ظهور الإسلام هو الخط الأنباري الحيري، المسمى بعد انتقاله إلى الحجاز بالحجازي، وزهو أصل النسخ، وكان يكتب به النزر اليسير من العرب عامة وبضعة عشر من قريش خاصة، وفلما
(1/313)
________________________________________
انتصر النبي صلى الله عليه وسلم على قريش في يوم بدر وأسر منهم جماعة كان فيهم بعض الكتابة، فقبل الفداء من أمييهم وفادى الكاتب منهم بتعليمهم عشرة من صبيان المدينة، فانتشرت الكتابة بين المسلمين وحض النبي عل تعلمها ومن أشهر كتاب الصحابة زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، ولما فتح المسلمون المملك ونزلت جمهرة الكتاب منهم الكوفة عنوا بتجويد لخط العربي وهندسة أشكاله حتى صار خط أهل الكوفة ممتازاً بشكله عن الخط الحجازي واستحق أن يسمى باسم خاص وهو (الكوفي).
وكان الصحابة وتابعوهم من بني أمية يكتبون بلا إعجام ولا شكل إلا قليلاً اعتماداً منهم على معرفة المكتوب إليهم باللغة واكتفائهم بالرمز القليل في قراءة اللفظ فلما فسد اللسان باختلاط العرب بالعجم وظهر اللحم والتحريف في الألسنة أشفق المسلمون عل تحريف كلم الكتاب الكريم فوضع أبو الأسود الدؤلي علامات في المصاحف (بصبغ مخالف) فجعل علامة الفتحة نقطة فق الحرف والكسرة أسفله والضمة نقطة من الجهة اليسرى وجعل التوين نقطتين، وكان ذلك في خلافة معاوية.
ووضع نصر بن عاصم ويحيى بن يعمر بأمر الحجاج نقط الإحجام بنفس المداد الذي يكتب به الكلام وكان ذلك في خلافة عبد الملك بن مروان ثم شاع في الناس بعد.
?الكتابة الإنشائية قسمان كتابة رسائل ودواوين وكتابة وتدوين وتصنيف
(1) "كتابة الرسائل والدواوين"
(1/314)
________________________________________
كان زعمكاء العرب وفصحاؤهم كلهم كتاباً ينشئون بملكتهم ولو لم خطوا بيمينهم فكان النبي وأصحبه وخلفاؤه يملون كتبهم على كتابهم بعبارتهم وبعضهم يكتبها بيده، ولما اتسعت موارد الخلافة أصبحت في حاجة إلى إنشاء الدواوين لضبط ذلك، فكان عمر أول من دون الدواوين.
وكان كتاب الرسائل لخلفاء وعمالهم إما عرباً أو موالي يجيدون العربية، أما كتاب الخراج ونحوه فكانوا من كل إقليم من أهله يكتبون بلغتم، ولما نبغ من العرب من يحسن عملهم حولت هذه الدواوين إلى العربية زمن عبد الملك بن مروان والوليد ابنه وجرى الخلفاء بني أمية في كتابة الرسائل على ما كان عليه الأمر زمن الخلاء الراشدين.
ثم اتسعت رقعة المملكة وقرت أمور الدولة ازدادت الأعمال وشغل الخلفاء عن أن يولوا الكتابة بأنفسهم أو بخاصة عشيرتهم، عهدوا بها إلى كبار كتابهم، وكان كثير منهم يعرف اللغة الرومية أو الفارسية أو اليونانية أو السريانية وهي لغات أمم ذات حضارة وعلوم ونظام ورسوم.
ومن هؤلاء سالم مولى هشام بن عبد الملك أحد الواضعين لنظام الرسائل، وأستاذ عبد الحميد الكاتب الذي آلت إليه زعامة الكتابة الآخر الدولة الأموية.
(2) مميزات الكتابة الإنشائية
وتمتاز الكتابة في هذا العصر بالميزات الآتية: (1) الاقتصار في أغراضها على القدر الضروري، والاقتصار في معناها على الإلمام بالحقائق وتوضيحها بلا مبالغة ولا تهويل، واستعمال الألفاظ الفحلة والعبارات الجزلة، والأساليب البليغة إذا كان الكاتب والمكتوب إليه عرباً فصحاء.
(2) مراعاة الإيجاز غالباً إلا حيث يستدعي الحال الإسهاب، وبقي الأمر على ذلك حتى جاء عبد الحميد الكاتب آخر الدولة الأموية، فأسهب الرسائل وأطال التحميدات في أولها، وسلك طريقه من أتى بعده.
الكتاب
كتاب هذا العصر كثيرون، وقد كانت الخلفاء والأمراء والقواد كلهم كتاباً بلغاء، ولما صارت الكتابة صناعة، تداولها كثير من الأعاجم وغيرهم: واشتهر من بين هؤلاء.
(1/315)
________________________________________
عبد الحميد بن يحيى الكاتب
هو عبد الحميد بن يحيى بن سعيد العامري الشامي شيخ الكتاب الأوائل.
كان عبد الحميد في أول أمره معلم صبيان حتى فطن له مروان بن محمد أيام توليته أرمينية فكتب له مدة ولايته حتى إذا بلغه مبايعة أهل الشام له بالخلافة سجد مروان له شكراً وسجد أصحابه إلا عبد الحميد، فقال مروان لم لا تسجد؟ فقال ولم أسجد؟ أعلى أن كنت معنا فطرت عنا، قال إذا تطير معي قال الآن طاب لي السجود وسجد، فاتخذه مروان كاتب دولته.
لما دهمت مروان جيوش خراسان أنصار الدعوة العباسية وتوالت عليه الهزائم كان عبد الحميد يلازمه في كل هذه الشدة، فقال له مروان قد احتجت أن تصير مع عدوي وتظهر الغدر بي، فإن إعجابهم بأدبك وحاجتهم إلى كتابك يحوجهم إلى حسن الظن بك، فإن استطعت أن تنفعني في حياتي وإلا لم تعجز حفظ حرمي بعد وفاتي، فقال له: إن الذي أشرت به عليّ أنفع الأمرين لك وأقبحهما بي، وما عندي إلا الصبر حتى يفتح الله عليك أو أقتل معك وأنشد:
أسرُّ وفاء ثم أظهر غدرة

فمن لي بعذرٍ يوسع الناس ظاهره
وبقي معه حتى قتل مروان سنة 132 ه?، وأخذ عبد الحميد إلى السفاح فقتله سنة 132ه?.
منزلته في الكتابة
هو الأستاذ الأول لأهل صناعة كتابة الرسائل وذلك أنه أول من مهد سلبها، وميز فصولها، وأطالها في بعض الشؤون، وقصرها في بعضها الآخر وأطال التحميدات في صدرها وجعل لها صوراً خاصة ببدئها وختمها على حسب الأغراض التي تكتب فيها، ويقال إنه لما ظهر أبو مسلم الخراساني بدعوة بني العباس كتب إليه مروان كتاباً يستجلبه وضمنه ما لو قرئ لأدى إلى وقوع الخلاف والفشل، وقال لمروان: قد كتبت كتاباً متى قرأه بطل تدبيره فإن يك ذلك وإلا فالهلاك، وكان الكتاب لكبر حجمه يحمل على جمل، فلما وصلا الكتاب إلى داهية خراسان أبي مسلم أمر بإحراقه قبل أن يقرأه وكتب على جذاذة منه إلى مروان:
محا السيف أسطارَ البلاغة وانتحى
(1/316)
________________________________________
عليك ليوثُ الغاب من كلّ جانب

3 التدوين والتصنيف
انقضى زمن الخلفاء الراشدين ولم يدون فيه كتاب إلا ما كان من أمر المصحف، وكان مرجع الناس في أمر دينهم دنياهم كتاب الله تعالى وسنة رسوله، فإذا اشتبه عليهم أمر من أمور الدين رجعوا إلى الخلفاء وفقهاء الصحابة.
ثم لما انتشر الإسلام زمن بني أمية واختلطت العرب ففسدت فيهم ملكة اللسان العربي وفشا اللحن وأشفقوا على القرآن من التحريف وعلى اللغة من الفساد دونوا النحو وكان أول من كتب فيه أبو الأسود الدؤلي وقد تلقى مبادئه عن الإمام علي، وأخذ عنه فتيان البصرة وخصوصاً الموالي إذ كانوا أحوج الناس إلى النحو واشتغل أهل الكوفة به ب أن فشا بالبصرة ولم ينقض هذا العصر حتى استغل به طبقتان من البصريين وطبقة من الكوفيين، ثم لما حدثت الفتن وتعددن المذاهب والنحل وكثرت الفتاوى والرجوع فيها إلى رؤساء ومات أكثر الصحابة، خافوا أن يعتمد الناس على رؤسائهم ويتركوا سنة رسول الله فأذن أمي المؤمنين عمر بن عبد العزيز لأبي بكر محمد بن عمرو بن حزم في تدوين الحديث، انقضى هذا العصر ولم يدون فيه من علوم اللغة والدين غير النحو وبعض الحديث وبعض التفسير، وأما العوم الأخرى فيروى أن خالد بن يزيد بن معاوية حبب إليه مطالعة كتبا لأوائل من اليونان فترجمت له ونبغ فيها ووضع كتباً في الطب والكيمياء، وأن معاوية استقدم عبيد بن شربة من صنعاء فكتب له كتاب "الملوك وأخبار الماضين" وإن وهب بن منبه الزهري وموسى بن عقبة كتباً في ذلك أيضاً كتباً، وأن زياد بن أبيه وضع لابنه كتاباً في مثال قبائل العرب، وأن ماسرجويه متطبب البصرة تولي في الدولة المروانية ترجمة كتاب أهرون بن أعين من السريانية إلى العربية وأن يونس الكاتب بن سليمان ألف كتاباً في الأغاني ونسبتها إلى من غنى فيها ولم يلغ التصنيف شأواً يذكر.
الشعر والشعراء في هذا العصر
(1/317)
________________________________________
جاء النبي الكريم، والشعر ديون العرب، فأتاهم بالأمر العظيم والحادث الخطير، حاملاً بإحدى يديه القرآن يدعو الناس إلى توحيد الله والتمسك بالفضيلة وشاهراً بالأخرى سيف الحق لحماية هذه الدعوة وما كان أشد ذهولهم لخطبهما وانزعاجهم من وقعها، فهبوا يتحسسون الأول ويتمرسون أساليبه ومعانيه ويتفرسون ألفاظه ومغازيه، وما بين معاند تلمس مطعناً فيه، ومؤمن يستبينه ويهديه، وتأهبوا للثاني: ما بين ضال يناوئه، ومهند يعاضده، فصار لك صارفاً لهم عن التشاغل بالشعر محولاً مجرى أفكار المؤمنين منهم عن أكثر فنونه المتحرفة عن سنن الشرف والحق، وبغض إليهم تلك الفنون المرذولة إزراء القرآن على الشعر بقوله: (وَالشّعَرَآءُ يَتّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ {224} أَلَمْ تَرَ أَنّهُمْ فِي كُلّ وَادٍ يَهِيمُونَ {225} وَأَنّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ {226} إِلاّ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ وَذَكَرُواْ اللّهَ كَثِيراً وَانتَصَرُواْ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ وَسَيَعْلَمْ الّذِينَ ظَلَمُوَاْ أَيّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ) [الشعراء: 224 227] ولهذا لم يكف شعراء المسلمين عن قوله فيما يطابق روح القرآن.
ولبث الحال على ذلك مدة حياة النبي الكريم، حتى إذا ما ثاروا لإسكان فتن أهل الردة وفتح الممالك والأمصار، وأضافوا إلى ما ألفوه من أغراض الشعر الإكثار من التباهي بالنصر، ووصف المعارك، وأحوال الحصار وآلات القتال ولما آل الأمر إلى بني أمية وشغب عليهم كثير من فرق المسلمين أصبح الشعر لساناً يعبر عن مقاصد كل حزب، حتى أصبح حرفة عتيدة، وصناعة جديدة ومورد ثروة وأصبحت دراسته ونقده وروايته ودأب العلماء والأدباء حتى الخلفاء وأولياء عهودهم ويمكن وصف ما كان عليه الشعر في هذا العصر من حيث أغراضه ومعانيه وتصوراته وعبارته بما يأتي:
أغراض الشعر وفنونه
(1/318)
________________________________________
1 نشر عقائد الدين وحكمه ووصاياه والحث على اتباعه.
وخاص زمن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين.
2 التحريض على القتال ووصفه والترغيب في نيل الشهادة رفعاً لكلمة الله، وذلك في أزمان غزوات النبي وحصار المدن وفتحها.
3 الهجاء: وكان أولاً في سبيل الدفاع عن الإسلام بهجو مشركي العرب بما لا يخرج عن حد المروءة، وبما رضيه النبي حسان شاعره في هجاء قريش وعشيرة النبي من بني عبد مناف.
وكان يتحرج عنه المسلمون ولو التعريض زمن النبي وخلفائه: ولذل عاقب عمر أمير المؤمنين الحطيئة وهدده بقطه لسانه لنيله من بعض المسلمين: ثم صار يتساهل في خطبه حتى كان الهجاء غاية براعة الشاعر وإن لم يصل في الإقذاع والفحش إلى الحد الذي وصل إلي في العصر الآتي.
4 المدح: وقلما كان مبدأ الإسلام فير غير النبي من حيث الاهتداء بهديه ونشر الحق على يديه، وكان خلفاؤه يأنفون مدحهم بما تزهي به نفوسهم تواضعاً.
ثم استرسل الشعراء فيه وقبل ذلك منهم الخلفاء إلى أن كان المدح من أهم الدعائم التوطيد أركان الدولة وتفخيم مقام الخلفاء والولاة والإرشاد بعظمتهم.
معانيه وأخيلته وألفاظه وأساليبه وأوزانه
لم يخرج شعراء هذا العصر في جملة تصورهم وتخيلهم عما ألفوه زمن الجاهلية وإن فاقوهم كثيراً في ترتبي الفكر وتقريب المعنى إلى الأذهان والوجدان بما هذب نفوسهم ورقق طباعهم من دراسة كتاب الله وحديث رسول الله، وكذلك لم يخرجوا جملة في هيئة تأليف اللفظ ونسجه ومتانة أسلوبه عن نظائرهم في الجاهلية، وإنما آثروا جزالة اللفظ وفخامته ومؤالفته لسابقته ولاحقه دون غرابته كما آثروا جودة الأسلوب ومتانته وروعة تأثيره ولاسيما أهل النسيب: ولم يطرأ على أوزان الشعر العربي حدث غير ما عرف عنه في الجاهلية وإنما شاع في هذا العصر نظم الأراجيز والتطويل فيها، واستعمالا في جميع أغراض القصيد، حتى في افتتاحها بالنسيب والتخلص منه إلى المدح والذم ونحو ذلك.

الشعراء
(1/319)
________________________________________
شعراء ةهذا العصر ممن خلصت عربيتهم واستقامت ألسنتهم ولم يمتد إليهم اللحن، ولد زادتهم مدرسة القرآن الكريم فصاحة وبلاغة وإحكاماً وإتقاناً حتى فضلهم بعض الرواة على سابقيهم من الجاهلين، ومن أشهر شعراء هذا العصر كعب بن زهير، والخنساء، والحطيئة، وحسان ن ثابت، والنابغة الجعدي، وعمر بن أبي ربيعة، والأخطل، والفرزدق، وجرير، والكميت، وجميل، وكثير، ونصيب والراعي، وذو الرمة.
(1) كعب بن زهير
هو كعب بن زهير بن أبي سلمى أحد فحول المخضرمين ومادح النبي ولما ظهر الإسلام ذهب أخوه بجير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فغضب كعب لإسلامه وهجاه وهجا رسول الله وأصحابه، فتوعده النبي صلى الله عليه وسلم وأهدر دمه فحذره أخوه العاقبة إلا أن يجيء إلى النبي مسلماً تائباً، فهام كعب يترامى على القبائل أن تجيره فلم يجره أحد، فلما ضاقت الأرض في وجهه جاء أبا بكر رضي الله عنه بالمدينة وتوسل به إلى الرسول فأقبل هو عليه وآمن وأنشده قصيدته المشهورة:
بانت سعادُ فقلبي اليوم متبول

متيم إثرها لم يفد مكبول

فخلع عليه النبي بردته فبقيت في أهل بيته حتى باعوها لمعاوية بعشرين ألف درهم ثم بيعت للمنصور العباسي بأربعين ألفاً، ومات سنة 24ه?.
شعره: كان كعب من الشعراء المجيدين المشهورين بالسبق وعلو الكعب في الشعر، وكان خلف الأحمر أحد علماء الشعر يقول: لولا قصائد لزهير ما فضلته على ابنه كعب، وكفاه فضلاً أن الحطيئة مع ذائع شهرته رجاه أن ينوه به في شعره فقال:
فمن للقوافي شأنها من يحوكها

إذا ما مضى كعب وفوز جرول
ومن شعره قوله في قصيدته بانت سعاد:
وقاتل كل خليل كنت آمله

لا ألهينّك إني عنك مشغول

فقلت خلّوا سبيلي "لا أبالكم"

فكل ما قدر الرحمن مفعول

كل ابن أنثى وإن طالت سلامته

يوماً على آلة حدباء محمول

نبئت أن رسول الله أوعدني

والعفو عند رسول الله مأمول

مهلاً هداك الذي أعطاك نافلة ال
(1/320)
________________________________________
قرآن فيها مواعيظٌ وتفصيل

لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم

أذنبْ وقد كثرت فيَّ الأقاويل

ومن قوله:
لو كنت أعجب من شيء لأعجبني

سعيّ الفتى وهو مخبوء له القدر
يسعى الفتى لأمور ليس يدركها

والنفس واحدة والهمُّ منتشر

فالمرءُ ما عاش ممدود له أملٌ

لا ينتهي العمر حتى ينتهي الأثر

ومن قوله أيضاً:
إن كنت لا ترهب دمي لما

تعرف من صفحي عن الجاهل
فاخش إذ أنا منصت

فيك لمسوع خنا القائل

فالسّامع الدم شريك له

ومطعم المأكول كالآكل

مقاله السُّوء إلى أهلها

أسرع من منحدر سائل

ومن دعا الناس إلى ذمّه

ذموه بالحقّ وبالباطل

(2) الخنساء
(1/321)
________________________________________
هي السيدة تماضر الخنساء بنت عمرو بن الشريد السلمية، أرقى شواعر العرب، وأحزن من بكى وندب. كان أبوها عمرو، وأخواها معاوية وصخر، وكانت هي من أجمل نساء زمانها فخطبها دريد بن الصمة فارس جشم، فرغبت عنه، وآثرت التزوج من قومها فتزوجت منهم، وكانت تقول المقطعات من الشعر فلما قتل شقيقها معاوية ثم أخوها لأبيها صخر، جزعت عليهما جزعاً شديداً،وبكتهما بكاءً مراً، وكان أشد وجدها على صخر: لأنه شاطرها هي وزوجها أموالها مراراً ولما جاء الإسلام وفدت مع قومها على النبي صلى الله عليه وسلم، وأسلمت وكان يعجبه شعرها ويستنشدها ويقول هيه يا خناس، ويومئ بيده.
وما فتئت تبكي صخراً قبل الإسلام وبعده حتى عميت، وبقيت إلى أن شهدت حرب القادسية مع أولادها الأربعة، فأوصتهم وصيتها المسرة وحضتهم على الصبر عند الزحف فقتلوا جميعاً، فقال: الحمد الله الذي شرفني بقتلهم، ولم تحزن عليهم حزنها على أخويها، وتوفيت سنة 24ه?.
شعرها: أغلب علماء الشر على أنه لم تكن امرأة قبل الخ=نساء ولا بعدها أشعر منها، ومن فضل ليلى الأخيلية عليها لم ينكر أنها ارثى النساء وكان شار يقول لم تقل امرأة شعراً إلا ظهر العف فيه لقيل وكذلك الخنساء فقيل تلك التي غلبت الفحول، ولم يكن شأنها عند شعراء الجاهلية أقل منه عند شعراء الإسلام فذلك النابغة الذبياني يقول لها وقد أنشدته بسوق عكاظ قصيدتها التي مطلعها:
قذى بعينيك أم بالعين عوّار

أمة ذرَّفت إذ خلت من أهلها الدارُ
لولا أن أبا بصير (يعني الأعشى) أنشدني قبلك لقلت أنك اشعر من بالسوق، وسئل جرير من أشعر الناس قال أنا لولا الخنساء، قيل فبم فضلتك قال بقولها:
إن الزمان (وما يفنى له عجبُ)

أبقى لنا ذنباً واستوصل الراس
إن الجديدين في طول اختلافهما

لا يفسدان ولكن يفسد الناس

ومن جيد شعرها ترثي أخاها صخراً:
أعيني جودا ولا تجمدا

ألا تبكيان لصخر النَّدى

ألا تبكيان الجريء الجميل
(1/322)
________________________________________
ألا تبكيان الفتى السّيدا

رفيع العماد طويل النّجا

د ساد عشيرته أمردا

إذا القوم مدوا بأيديهم

إلى المجد مدّ إليه يدا

فنال الذي فوق أيديهم

من المجد ثم انتمى مصعدا
يحملّه القوم ما عالهم

وإن كان أصغرهم مولدا

وإذن ذكر المجد ألفيته

تأزّر بالمجد ثم ارتدى

ومن قولها ترثيه أيضاً:
ألا يا صخر إن أبكيت عيني

فقد أضحكتني زمناً طويلاً

دفعت بك الخطوب وأنت حيٌّ

فمن ذا يدفع الخط الجليلا

إذا قبح البكاء على قتيل

رأيتُ بكاءك الحسن الجميلا
ومن بديع قولها:
يذكرني طلوع الشمس صخراً

وأذكره لكل غروب شمس

فلولا كثرةُ الباكين حولي

على إخوانهم لقتلت نفسي

ولكن لا أزال أرى عجولاً

ونائحة تنوح ليوم نحس

هما كلتاهما تبكي أخاها

عشية رزئه أو غبّ أمس

وما يبكين مثل أخي ولكن

أسلي النفس عنه بالتأسيّ

فقد ودّعت يوم فراق صخر

أبي حسان لذاتي وأنسي

فيا لهفي عليه ولهف أمي

أيصبح في الضّريح وفيه يمسي
?(3) الخطيئة
هو أبو بكر جرول الحطيئة العبسي، نشأ كما قال الأصمعي جشعاً سؤولاً ملحفاً دنيء النفس كثير الشر قليل الخير بخيلاً قبيح المنظر رث الهيئة مغموز النسب فاسد الدين، وعاش الحطيئة مدة في الجاهلية وجاء الإسلام فأسلم ولم يكن له صحية برسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم عاش متنقلاً في القبائل يمدح تارة ويذم تلك أخرى، وينتسب إلى عس طوراً وطوراً إلى ذهل ويهجو اليوم من يمدحه بالأمس، وكل قبيلة تخطب وده وتنقي شر لسانه حتى أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب حبس الحطيئة فما زال يستشفع إليه الناس وقول الشعر حتى أطلقه وهدده بقطع لسانه إن هجا أحداً، واشترى منه أعراض المسلمين بثلاثة آلاف درهم، وكنه نكث وأوغل في الهجاء بعد موت عمر، وبقي كذلك حتى مات أوائل خلاف معاوية.
(1/323)
________________________________________
شعره: لولا ما وصم به الحطيئة من خسة النفس ودناءة الخلق وجهالة النسب لكان بإجادته في كل ضرب من ضروب الشعر شاعر المخضرمين على الإطلاق إلا أنه لم يقف ببراعته وفصاحته موقفاً لله ولا للشرف، وقلما يوجد في كلام الحطيئة مظنة ضعف أو مغمز لغامز من ركاكة لفظ أو غضاضة معنى أو اضطراب قافية ومن مدحه الذي لا يلحق فيه غبار قوله:
يسوسون أحلاماً بعيداً أناتها

وإن غضبوا جاء الحفيظة والجد

أقلوا عليهم (لا أبا لأبيكم)

من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا
أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا

وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا

وإن كانت النعماء فيهم جزوا بها

وإن أنعموا لا كدروها ولا كدروا

مطاعين في الهيجا مكاشيف للدجى

بنى لهم آباؤهم وبنى الجد

ويعذلني أبناء سعد عليهم

وما قلت إلا بالذي علمت سعد

ومن أبياته التي استعطف بها أمير المؤمنين عمر وهو في سجينه قوله: ط
ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ

زغب الحواصل لا ماءٌ ولا شجر
ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة

فاغفر عليك سلام الله يا عمر

أنت الأمين الذي من بعد صاحبه

ألقي إليك مقاليد النهى البشر

لم يؤثروك بها إذا قدموك لها

لكن لأنفسهم كانت بك الخير

(4) حسان بن ثابت
(1/324)
________________________________________
هو أبو الوليد حسان بن ثابت الأنصاري شاعر رسول اله صلى الله عليه وسلم وأشعر شعراء المخضرمين.
وهو من بني النجار من أهل المدينة، نشأ في الجاهلية ونبه شأنه فيها، ولما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وأسلم الأنصار، واسلم معهم ودافع عنه بلسانه كما دافع عنه قومه الأنصار بسيوفهم.
وعاش حسان بعد رسول الله محبباً إلى خلفائه مرضياً عنه وعمره قريباً من 120 سنة، وبقي أكثر حياته متمتعاً بحواسه وعقله، وحتى وهن جسمه في أواخر عمره وكف بصره، ومات في خلافة معاوية سنة 54ه?.
شعره: كان حسان شاعر أهل المدر في الجاهلية وشاعر اليمانية في الإسلام ولم يكن في أصحاب الرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في أعجائه عند عودته إلى الله أشعر منه، ولذلك رم مشركي قريش من لسانه بالداهية لم يكن قبل بها فأوجعهم وأخرسهم من غير فحش لا هجر، ولما أذن له النبي في هجائهم قال له كيف تهجوهم وأنا منهم، قال: اسلك منهم كما تسل الشعرة من العجين، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينصب له منبراً بالمسجد ويسمع هجاءه في أعدائه ويقول: (أجب عني اللهم أيده بروح القدس) وكان في شعر حسان زمن الجاهلية شدة وغرابة لفظ فلما أسلم وسمع القرآن ووعاه وكثر ارتجاله الشعر لأن شعره سهل وأسلوبه، ومن شعره في الجاهلية:
ولقد تقلدنا العشيرة أمرها

ونسود يوم النائبات ونعتلي

ويسود سيدنا حجاجح سادة

ويصيب قائلنا سواء المفصل

ونحاول الأمر المهمَّ خطاية

فيهم ونفصل كلَّ أمر معضل
وتزو أبواب الملوك ركابنا

ومتى نحكَّم في البرية نعدل

ومن شعره في الإسلام يفاخر وفد تميم بقوم رسول الله صلى الله عليه وسلم:
إن الذوائب من فهر وإخوتهم

قد بينوا سننا للناس تتّبع

يرضى بها كل من كانت سريرته

تقوى الإله وبالأمر الذي شرعوا

قومٌ إذا حاربوا ضرّوا عدّوهم

أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا
(1/325)
________________________________________
سجية تلك فيهم غير محدثة

إن الخلائق (فاعلم) شرُّها البدعُ

لا يرفع الناس ما أوهت أكفهم

عند الدفاع ولا يوهون ما رفعوا

إن كان في الناس سباقون بعدهم

فكل سبق لأدنى سبقهم تبعُ

وعفّة ذكرت في الوحي عفّتهم

لا يطمعون ولا يزري بهم طمعُ

لا يفخرون إذا نالوا عدّوهم

وإن أصيبوا فلا خورٌ ولا جزعُ

(5) النابغة الجعدي
هو أبو ليلى حسان بن تعبد الله الجعدي العامري أحد القدماء المعمرين ولشعراء المخضرمين، ووصاف الخيل المشهورين.
قال الشعر في الجاهلية ثم أجبل دهراً، ثم نبغ في الشعر عند ظهور الإسلام وبعده: ولذلك سمي النابغة، وهو ممن فكر في الجاهلية، وأنكر الخمر وما تفعل العقل، وهجر الأزلام والأوثان، وذكر دين إبراهيم، وصام واستغفر، ووفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعاش طويلاً في الإسلام، فأقام زمناً مهاجراً حتى أيام عثمان رضي الله عنه فأحس بضعف في نفسه، فاستأذن عثمان في الرجوع إلى البادية فأذن له، ثم كانت خلافة علي شهد معه وقائعه صفين، وظاهره بيده ولسانه، ونال من معاوية وبني أمية، ومكان بأصبهان سنة 58ه? عد أن عمّر مائة وثمانين سنة.
شعره: كان النابغة الجعدي شاعراً مطبوعاً في الجاهلية والإسلام، وهو أول من سبق إلى الكناية في الشعر عن اسم من يغني إلى غيرها وتبعه الناس بعد، قال:
أكنى بغير اسمها وقد علم لل

ه خفيات كلّ مكتتم

وكان ممن يصون الخيل فلا يلحق له في ذلك غبار، حتى ضرب به المثل قال الأصمعي: ثلاثة يصفون الخيل فلا يقاربهم أحد: طفيل الغنوي وأبو داود الإيادي، والنابغة الجعدي، وله في الفخر والهجا والمديح والرثاء شعر كثير ومن أشرفه قصيدته التي مدح بها الرسول الكريم وهي:
خليلي عوجا ساعةً وتهجّرا

ونوحا على ما أحدث الدهر أو ذرا
ولا تجزعا إن الحياة ذميمة

فخفَّات لروغعات الحوادث أوقرا

وإن جاء أمر لا تطيقان معه
(1/326)
________________________________________
فلا تجزعا مما قضى الله واصبرا

ألم تريا أن الملامة نفعها

قليل إذا ما الشيء ولّى وأدبر

تهيج البكاء والندامة ثم لا

تغير شيئاً غير ما كان قدرا

أتيت رسول الله إذا جاء بالهدى

ويتلو كتاباً كالمجرة نيرا

أقيم على التقوى وأرضي بفعلها

وكنت من النار المخوفة.. أحذرا

ومنها في الفخر:
وإنا لقوم ما تعوّد خيلنا

إذا ما التقيا أن تحيد وتنفرا

وتنكر يوم الرّوع ألوان خيلنا

من الطعن حتى نحسب الجون أشقرا
بلغنا السماء مجدنا وجدودنا

وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا

ولا خير في حلم مجدنا إذا لم تكن له

بوادر تحمي صفوة أن يكدرا

ولا خير في جهل إذا لم يكن له

حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا

ولما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم (بلغنا السماء البيت) قال فأين المظهر يا أبا ليلى ثقال الجنة، وقال إن شاء الله، ولما أتم قصيدته قال له الرسول أجدت لا يفضض اله فاك فأتت عليه مائة سنة أو نحواها وما انفضت من فيه سن.
?(6) عمر بن أبي ربيعة
(1/327)
________________________________________
هو أبو الخطاب عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة القرشي المخزومي اشعر قريش وأرثق أصحاب الغزل، وأوصف الشعراء لأحوال النساء.
ولد بالمدينة ليلة مات عمر بن الخطاب رضوان الله عليه، وكانت أمه نصرانية، وكان أبوه تاجراً موسراً وعاملاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولخلفا الثلاثة من بعده فشب في نعيم وترف، وقال الشعر صغيراًُ وسلك فيه طريق الغزل ووصف أحوال النساء وتزاورهن ومداعبة بعضهن لبعض وتعرض للمحصنات المتعففات من نساء قومه من غيرهن، فوقعن منه في بلاء عظيم وصرن يخفن الخروج إلى الحج لأنه كان يتلقاهن مكن ويترقب خروجهن للطوف والسعي ويصفهن وهن محرمات، وحلمت عليه رجالات قريش لمكانه نسبه منهم ولترقب توبته وإقلاعه، فلما تمادى في أمره وشبب ببنات السادات ولخلفاء غضب عمرو بن عبد العزيز ونفاه إلى جزيرة أمام المدينة مصوع، ثم رأى أن الكفر عن سيئاته بالتوبة والجهاد فغزا في البحر فاحترقت السفينة التي كان فيها واحترق هو أيضا سنة 93ه?.
شعره: رقيق بلفظ رشيق ومعنى أنيق حتى قال فيه جرير هذا والله الذي أرادته الشعراء فأخطأته وقد سلك الغزل طريقاً لم يسلكوه: ومن قوله المشهور:
ليت هنداً أنجزتنا ما تعد

وشفت أنفسنا مما تجد

واستبدت مرة واحدة

إنما العاجز من لا يستبد
(7) الأخطل
هو أبو مالك غياث الأخطل بن غوث التغلبي النصراني، شاعر الأمويين وأمدح ثلاثة شعرائهم المتقدمين والمتفرد بوصف الخمر دون الإسلاميين قال الشعر وهو صبي وما لبث أن زاحم شاعر تغلب وقتئذٍ (كعب بن جعيل) وهجاه وظهر عليه ولما طلب يزيد ن معاوية قبل أن يلي الخلافة من كعب هجاء الأنصار لتعرض حسان بن ثابت الأنصاري لأخته في شعره أبى عليه ذلك كعب، وقال أأهجو قوماً نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم وآووه: ولكني أدللك على الأخطل فبعث إليه وأمره بهجائهم فهجاهم بقصيدة منها:
ذهبت قريش بالسَّماحة والنّدى

واللؤم تخت عمائم الأنصار
(1/328)
________________________________________
فدعو المكارم لستم من أهلها

وخذوا مساحيكم بني النَّجار
وبلغ الشعر كبار الأنصار فغضبوا وشكوه إلى معاوية فوعدهم بقطع لسانه فاستجار بيزيد، فمازال بأبيه حتى عفا عنه ولما ول يزيد الخلافة قربه غليه وتابعه في ذلك خلفاء بني أمية، وبخاصة عبد الملك إذا كان يستعين ه على أعدائه فقربه إليه وأدناه وسمح له بالدخول عليه بلا إذن وأجزل له العطايا وسماه شاعر الخليفة.
ولما حدثت المهاجاة بين جرير والفرزدق وحكم فيهما أيهما اشعر عرض بتفضيل الفرزدق، فهجا جرير، فرد عليه الأخطل وكانت الشيخوخة قد بلغت منه فلم يلحق جريراً، وكان الأخطل يقيم أزماناً بدمشق وأحياناً ببلاده منم أرض الجزيرة ومات سنة 95ه? وقد نيف على السبعين.
شعره: كان الأخطل أحد الشعراء الثلاثة السابقين سواهم من فحول الإسلاميين وكان مطبوعاً على الشعر بعيداً عن التكلف والعمق فيه وامتاز بإجادته المديح والإبداع في معانيه، قال يمدح بني أمية ويخص بشر بن مروان:
إن يحلموا عناك فالأحلام شيمتهم

والموت ساعة يحمى منهم الغضب
كأنهم عند ذاكم ليس بينهم

وبين من حاربوا قربة ولا نسب

كانوا موالي حق يطلبون به

فأدركوه وما ملوا ولا لغبوا

إن يك للحق أسباب يمد بها

ففي أكفهم الأرسان والسبب

هم سعوا بابن عفان الإمام وهم

بعد الشماس مروها ثمت احتلبوا

ومنها:
إذا أتيتَ أبا مروان تسأله

وجدته حاضراه الجودُ والحسب

ترى إليه رفاقَ الناس سائلة

من كل أوبٍ على أبوابه عصبُ
يحتضرون سجالا من فواضله

والخيرُ محتضر أبوابه عصبُ

والمطعم الكوم لا ينفك يعقرها

إذا تلاقى رواق البيت واللهبُ

كأن حيرانها في كل منزلةٍ

قتلى مجردة الأوصال تستلبُ

ومن أفضل شعره قوله:
والناس همهم الحياة ولا أرى

طول الحياة يزيد غير خبال

وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد

ذخراً يكون كصالح الأعمال
(1/329)
________________________________________
(8) الفرزدق
هوب أبو فراس همام بن غالب التميمي الدارمي أفخر ثلاثة الشعراء الأمويين وأجزل المقدمين في الفخر والمدح والهجاء.
ولد سنة 15 ه ونشأ بالبصرة. وأتى بها أبوه يوماً إلى أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب كرم الله وجهه فسأله عنه. فقال ابني يوشك أن يكون شاعراً مجيداً. فقال له أقرئه القرآن فأقرأه وحفظه ثم رحل إلى خلفاء بني أمي بالشام ومدحهم ونال جوائزهم، وأخص من كان يمدحه منهم عبد الملك بن مروان ثم أولاده من بعده. وكان الفرزدق فوق إقذاعه في الهجو وفحشه في السباب وقذف المحصنات يرمى بالفجور وقلة التمسك بشعائر الدين ثم تاب في أواخر شيخوخته على يد حسن البصري. وكان فيه تشيّع يستره أيام اختلافه إلى بني أمية ثم كاشف به آخر حياته حتى أمام الخليفة هشام عندما رأى الناس تفسح طريق الطواف بالكعبة مهابة وإجلالاً لعلي بن الحسين فسأله عنه كالمتجاهل لأمره، فشق ذلك على الفرزدق وأنشد قصيدته الميمية الآتية يعرّف بعلي وينكر على هشام تجاهله، فحبسه هشام ثم أطلقه. وعاش الفرزدق قريباً من مائة سنة ومات بالبصرة سنة 110 ه.
شعره: يمتاز شعر الفرزدق بفخامة عبارته، وجزالة لفظه، وكثرة غريبه ومداخلة بعض ألفاظه في بعض، ولذلك يعجب به أهل اللغة والنحو وكان يقال (لولا شعر الفرزدق لذهب ثلث اللغة) ويعتبر الفرزدق من أفخر شعراء العرب وأشدهم ولوعاً بتعداد مآثر آبائه وأجداده.
ومن جيد شعره قوله يمدح علي بن الحسين:
هذا الذي تعرفُ البطحاء وطأته

والبيتُ يعرفه والحلُّ والحرمُ

هذا ابن خير عباد الله كلّهم

هذا التقي النقيُّ الطاهر العلمُ

وليس قولك من هذا بضائره

العربُ تعرفُ من أنكرتَ والعجمُ

إذا رأته قريشٌ قال قائلها

إلى مكارم هذا ينتهي الكرمُ

يغضي حياءً ويغضى من مهابته

فلا يكلّم إلا حين يبتسمُ

بكفه خيزرانٌ ريحها عبقٌ

من كف أروع في عرنينه شممُ
(1/330)
________________________________________
يكاد يمسكه عرفان راحته

ركن الحطيم إذا ما جاء يستلمُ

ينشقُّ ثوب الدّجى عن نور غرته

كالشمس تنجاب عن إشراقها الظلمُ
من معشر حبّهم دينٌ وبغضهم

كفرٌ وقربهم منجّى ومعتصمُ

إن عُدّ أهل التقى كانوا أئمتهم

أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم
(9) جرير
هو أبو حزرة بن عطية بن الخطفى التميمي اليربوعي: أحد فحول الشعراء الإسلاميين، وبلغاء المداحين الهجائين، وأنسب ثلاثتهم المفلقين، وهو من بني يربوع أحد أحياء تميم، ولد باليمامة سنة 42 ه ونشأ بالبادية وفيها قال الشعر ونبغ. وكان يختلف إلى البصرة في طلب الميرة ومدح الكبراء، فرأى الفرزدق وما كسبه الشعر من منزلة عند الأمراء والولاة وهو تميمي مثله وود لو يسبقه إلى ما ناله، وأغراه قومه به للتنويه بشأنهم فوقعت بينهما المهاجاة عشر سنين كان أكثر إقامة جرير أثناءها في البادية، وكان الفرزدق مقيماً بالبصرة يملأ عليه الدنيا هجاء وسبا. فما زال به بنو يربوع حتى أقدموه البصرة واتصل بالحجاج ومدحه فأكرمه ورفع منزلته عنده، فعظم أمره وشرق شعره وغرب حتى بلغ الخليفة عبد الملك فسد الحجاج عليه، فأوفده الحجاج مع ابنه محمد إلى الخليفة بدمشق ومات باليمامة سنة 110ه.
وكان في جرير على هجائه للناس عفة ودين وحسن خلق ورقة طبع.
شعره: اتفق علماء الأدب وأئمة نقد الشعر على أنه لم يوجد في الشعراء الذين نشأوا في ملك الإسلام أبلغ من جرير والفرزدق والأخطل وإنما اختلفوا في أيّهم أشعر ولكل هوى وميل في تقديم صاحبه: فمن كان هواه في رقة النسيب وجودة الغزل والتشبيه، وجمال اللفظ ولين الأسلوب والتصرف في أغراض شتى، فضل الفرزدق، ومن نظر بعد بلاغة اللفظ، وحسن الصوغ إلى أجادة المدح والإمعان في الهجاء واستهواه وصف الخمر واجتماع الندمان عليها، حكم للأخطل. وإن له في كل باب من الشعر أبياتاً سائرة هي الغاية التي يضرب بها المثل فيقال أن أغزل شعر قالته
(1/331)
________________________________________
العرب هو قوله:
إن العيون التي في طرفها حور

قتلننا ثم لم يحيين قتلانا

يصرعن ذا اللّب حتى لا حراك به

وهنّ أضعف خلق الله إنسانا

وإن أمدح بيت قوله:
ألستم خير من ركب المطايا

وأندى العالمين بطون راح
وإن أفخر بيت قوله:
إن غضبت عليك بنو تميم

حسبت الناس كلّهم غضابا
وإن أهجى بيت مع التصون عن الفحش قوله:
فغضّ الطرف إنك من نمير

فلا كعباً بلغت ولا كلابا

وإن أصدق بيت قوله:
إني لأرجو منك خيراً عاجلاً

والنفس مولعة بحبّ العاجل
وإن أشد بيت تهكماً قوله: زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاً=أبشر بطول سلامة يا مربعُ ومن جيد شعره قوله من قصيدة يرثي بها امرأته والتي هي ندبت بها نوار امرأة الفرزدق:
لولا الحياءُ لهاجني استعبار

ولزرت قبرك والحبيب يزار
ولهت قلبي إذا علتني كبرة

وذوو التمائم من بنيك صغار

لا يلبث القرناء أن يتفرقوا

ليل ويكرّ عليهم ونهار

صلّى الملائكة الذين تخيروا

والطيبون عليك والأبرار

فلقد أراك كسيت أحسن منظرٍ

ومع الجمال سكينة ووقارُ

(10) الكميت
(1/332)
________________________________________
هو الشاعر الخطيب الراوية النسابة أبو المستهل الكميت بن زيد الأسدي الكوفي أشعر شعراء الشيعة الهاشمية، ومثير عصبية العدنانية على القحطانية ولد سنة 60ه ونشأ بالكوفة بين قومه بني أسد إحدى قبائل العرب الفصحاء من مضر فلقن العربية، وعرف الأدب والرواية، وعلم أنساب العرب وأيامها ومثالبها بمدارسة العلم والأخذ عن الأعراب، وكان له جدتان أدركتا الجاهلية تقصان عليه أخبارها وأشعار أهلها، فخرج أعلم أهل زمانه في ذلك وأقر له حماد الراوية بالسبق عليه وقال الكميت الشعر وهو صغير وكان لا يذيعه ولا يتكسب به، ويكتفي بحرفته تعليم صبيان الكوفة بالمسجد، ولما حصف شعره وقوي أثره، ولا سيما قصائده التي أعلن فيها تشيعه لبني هاشم وآل علي، أنشده الفرزدق مستنصحاً له في أمر إذاعته إذا أعجبه، فأمره بإذاعته فقال قصائده البليغة المطولة المسماة "بالهاشميات" التي يقول فيها:
طربتُ وما شوقاً إلى البيض أطربُ

ولا لعباً مني وذو الشيب يلعبُ

ولم يلهني دارٌ ولا رسم منزل

ولم يتطربني بنانٌ مخضّبُ

ولا السانحات البارحات عشية

أمرَّ سليم القرن أم مر أعضب

ولكن إلى أهل الفضائل والنُّهى

وخير بني حواء والخير يطلب

بني هاشم رهط النبي فإنني

بهم ولهم أرضى مراراً وأغضب
خفضت لهم مني الجناح مودة

إلى كنف عطفاه أهل ومرحب

وما لي إلا آل أحمد شيعةٌ

وما لي إلا مذهب الحقّ مذهب

بأي كتاب أم بأيّة سنة

يرى حبّهم عاراً علي ويحسب

شعره: لشعره من التأثير السياسي والمذهبي أثر سيئ شتت شملة الوحدة العربية.
الرواية والرواة
(1/333)
________________________________________
ظهر العرب وعمدة العرب في ضبط علومهم وآدابهم على الحفظ والرواية: فجاءهم من كتاب الله وسنة رسوله بالأمر الخطير، والعلم الكثير فكانت عنايتهم بحفظها في الصدور أكثر من كتابتها في السطور. ولما اتسع علم المسلمين بما أضيف إليهما من تفسير الصحابة والتابعين ومن أقوالهم في الدين تعدد طوائف الرواة للقرآن والحديث وفنون الأدب.
وإذا كان الإنسان عرضة للنسيان، وأحوال الناس تختلف في الصدق والكذب تشدد الصحابة والتابعون وتابعوهم في تصحيح الرواية وشدة التوثق من صدق الرواة تحرجاً منهم أن يدخل في الدين ما ليس منه.
ولما خاف سيدنا عمر بن عبد العزيز أن تموت السنة الصحيحة بموت رواتها وبما وضعه الزنادقة والشيعة والخوارج ودسوه فيها، أمر العلماء بتدوين الحديث وبقي الأمر في الشعر والأدب كما كان في الجاهلية: لكل شاعر راو أو عدة رواة. ومن أشهر هؤلاء هدبة بن خشرم رواية الحطيئة، وجميل رواية هدبة، وكثير رواية جميل، وأبو شفقل وعبيد أخو ربيعة بن حنظلة رواية الفرزدق، ومربع رواية جرير والفرزدق معاً، ومحمد بن سهل راوية الكميت، وصالح بن سليمان راوية ذي الرومة وذو الرمة راوية الراعي.
وبقي الأمر كذلك حتى أواخر هذا العصر فاشتعل العلماء بالرواية وصار الراوي منهم يروي لمئات من الشعراء والشواعر وإن لم يكن هو شاعراً وأكثر هؤلاء العلماء من الرواة أدرك عصر بني العباس فيذكر فيه. ومع تشدد الناس في تصحيح الرواية سنة وأدباً حدث في الشعر والخطب كثير من التصحيف والتحريف والنقص والزيادة ونحو ذلك.
العصر الثالث عصر الدولة العباسية من 132 656 ه "أحوال اللغة العربية وآدابها في ذلك العصر"
(1/334)
________________________________________
كان بنو أمية شديدي التعصب للعرب والعربية، فكان كل شيء في دولتهم عربي الصبغة، وكانت جمهرة العرب منتشرة في كل مكان امتد إليه سلطانها فلما قامت الدولة العباسية بدعوتها، لم تجد لها من العرب أنصاراً وأعواناً مثل من وجدت من الفرس وأمم الأعاجم، فاكتسحت بهم دولة بني أمية وأسست دولة قوية كان أكثر النفوذ فيها للموالي. فاستخدمهم الخلفاء والأمراء في كل شيء من سقاية الماء إلى قيادة الجيوش والوزارة، وابتدأ شأن العرب السياسي يتضاءل من ذلك الحين شيئاً فشيئاً واختلطوا بالأعاجم وكان من المجموع شعب ممتزج لغة وعادة وخلقاً فأثر ذلك في اللغة لفظاً ومعنى، وشعراً ونثراً كتابةً وتأليف ولم يظهر ذلك بالطبع في جميع الممالك بنسبة واحدة بل كان في أواسط آسيا أظهر منه في مصر الشام. أما حال ممالك الغرب والأندلس صدر في هذا العصر فلم يبعد كثيراً عما كان عليه في العصر الماضي ثم سرت إليها عدوى تقليدها للمشارقة في أكثر الأمور.
ويمكن إرجاع جميع هذه التغيرات إلى ثلاثة أمور "الأول" ما يتعلق بالأغراض التي تؤديها اللغة "الثاني" ما يتعلق بالمعاني والأفكار "الثالث" ما يتعلق بالألفاظ والأساليب.
أغراض اللغة
لما قامت الدولة العباسية وتشبّه الخلفاء بملوك الفرس في أكثر أمور السياسة والمعيشة، وحاكتهم العامة في ذلك بتقليد أمثالهم من طبقات الأعاجم، تناولت اللغة في المشرق أغراضاً لم تعهد فيها من قبل بنقل علوم تلك الأمم وآدابها وعاداتها وطرق معيشتها. ثم تناولت هذه الأغراض في الغرب بعدئذٍ بفرق يسير فكان من تلك الأغراض ما يأتي:
(1) تدوين العلوم الشرعية واللسانية والعقلية ولم يدون في صدر الإسلام من ذلك إلا نذر يسير، وكذا الترجمة من اللغات الأجنبية إلى العربية.
(2) تأدية مقاصد الصناعات المختلفة، وخاصة بعد دخول العرب في غمار الصناع وبعد تغرب الأعاجم.
(1/335)
________________________________________
(3) تأدية المقاصد التي استدعاها الانغماس في الترف بلذائد الحضارة التي جرت فيها الأمم عصر الدولة العباسية إلى أمد بعيد، أو اقتضاها نظام الملك والدفاع عنه. كالإمعان في وصف الأشياء النفسية مما لم يعرف للعرب في صدر الإسلام أو عرف وكان قليلاً ممقوتاً صاحبه، وكوصف البحر والأساطيل الحربية والمعارك البحرية. وامتاز بأكثر من ذلك المغرب والأندلس كما امتازت الأندلس بالإجادة في وصف مناظر الطبيعة ومحاسن الوجود لملائمة بيئتها لذلك، وكادت تلحق بها في الوصف صقلية وأفريقية إبان ازدهائهما.
(4) تأدية مقاصد أنواع الخلاعة والسخرية مما قل نظيره في صدر الإسلام.
(5) المحاضرة والمناظرة والبحث والجدل وتدريس العلوم.
المعاني والأفكار
إن ما حدث في مشارق الممالك الإسلامية ومغاربها أثناء العصر العباسي من الانقلابات السياسية والاجتماعية كان له نتيجة ظاهرة في الحركة الفكرية للمتكلمين بالعربية ظهر ذلك في عباراتهم وأشعارهم بصور مختلفة. فمنها:
(1) ازدياد شيوع المعاني الدقيقة، والتصورات الجميلة، والأخيلة البديعة.
(2) التعويل على القياس والتعليل في الأحكام الفردية: بالإكثار من الحجج والبراهين العقلية وانتحاء مذاهب الفلسفة في الشعر والكتابة والتدريس ولا سيما بعد عصر الترجمة وأكثر ما كان ذلك بالمشرق وقلما عني به أهل المغرب.
(3) التهويل والغلو في التفخيم المقتبس في المشرق من اللغة الفارسية والساري بعضه بالعدوى إلى أهل المغرب والأندلس.
الألفاظ والأساليب
غلب على عبارة اللغة العربية في هذه المدة أمران عظيمان: السهولة والمحسنات البديعية. ويشمل ذلك على ما يأتي:
(1/336)
________________________________________
(1) انتقاء الألفاظ الرشيقة السهلة وقلة الحاجة إلى الارتجال.
(2) ازدياد الميل إلى استعمال ألفاظ القرآن والاقتباس منه والاستشهاد به.
(3) الإكثار من ألفاظ المجاز والتشبيه والتمثيل والكناية والمحسنات اللفظية.
(4) التوسع في إدخال ألقاب التعظيم على أسماء الخلفاء والأمراء والعظماء.
(5) تفاقم الخطب في استعمال الكلمات الأعجمية في كثير من الأشياء.
(6) وضع اصطلاحات العلوم والفنون والصناعات ودار الحكومة وغيرها.
(7) التأنق في صوغ العبارات وتوثيق الربط بينهما والميل إلى استعمال السجع.
(8) التطرف إلى غاية حدي الأطناب والإيجاز ولكل منهما مقام.
(9) حدوث لغة تأليفية لتعليم العلوم تقاس بمعيار المنطق لا بمعيار البلاغة. وإذا كانت اللغة إما نثراً وإما شعراً والنثر محادثة، وخطابة، وكتابة، فاحفظ ما يتلى عليك.
النثر المحادثة أو (لغة التخاطب)
(1/337)
________________________________________
إن لغة التخاطب بين الخاصة من العرب في أواخر العصر الماضي كانت العربية الفصيحة الخالية من اللحن إلا من آحاد عيروا به، وأن لغة العامة والسوقة من العرب المختلطين بالعجم هي العربية المشوبة بشيء من اللحن، ولغة المتعربين من العجم تقل عن هذه في الفصاحة، وتزيد عليها في اللحن بمراتب مختلفة.
فلما تم امتزاج العرب بالعجم عصر الدولة العباسية، تكونت بين العامة في البلاد التي تكثر فيها جمهرة العرب لغات تخاطب علمية، إلا بين أهل جزيرة العرب، فلم يزل تخاطبهم باللسان العربي الفصيح إلى أواسط القرن الرابع. وبقيت لغات التخاطب في البلاد التي تقل فيها جاليتهم هي اللغات الوطنية الأعجمية ممزوجة ببعض الألفاظ العربية التي أدخلها عليها الإسلام.
وخاف الخلفاء والخاصة من هول تغلب العامية على الفصيحة فيستغلق على المسلمين فهم الكتاب والسنة وهما كل الدين، فحرضوا العلماء على تدوين اللغة والإكثار من العناية بضبط النحو وفنون البلاغة، ولكن ذلك كله لم يوقف تيار العامية الزاخر، واستمر في طغيانه إلى أن غلب في النصف الأخير من عصر هذه الدولة على جميع لغات التخاطب، حتى لغة الخلفاء وعلماء العربية أنفسهم وأصبح لكل بلاد عربية لغة تخاطب عامية خاصة بها، ولكن لم تصبح العامية لغة علم وأدب، كما وأن ذلك لم يكن طويل الأمد.
الخطابة والخطباء
(1/338)
________________________________________
لما كان قيام الدولة العباسية في المشرق والإدريسية في المغرب الأقصى والأموية الثانية في الأندلس، من الأمور التي ينشأ عنها كثير من الانقلابات السياسية والمذهبية والاجتماعية. وكان ذلك يستدعي تأليف العصابات ودعوة الناس إلى التشيع لأصحاب الأحزاب كانت دواعي الخطابة متوافرة لتوافر أسبابها. فكان بين قواد هذه الدول ودعاتها وخلفائها ورؤساء وفودها خطباء مصاقع، ثم لما فترت هذه الدواعي باستقرار الدول. واشتد اختلاط العرب بالأعاجم. وتولى كثير من الموالي قيادة الجيوش وعمالة الولايات والمواسم، ضعف شأن الخطابة لضعف قدرتهم عليها، فلم يمض قرن ونصف من قيام تلك الدول حتى بطل شأن الخطابة إلا قليلاً في المغرب أيام الحفل وقدوم الوفود وبقيت الخطابة قاصرة على خطب الجمعة والعيدين والمواسم وخطب الزواج ونحو ذلك. وقل فيها الارتجال أو عدم جملةً، وحل محل الخطابة في الأمور السياسية نشر المنشورات، وفي الأمور الدينية مجالس الوعظ والتدريس في المساجد والمدارس، واشتهر في صدر الدولة العباسية خطباء أشهرهم داود بن علي، وشيب بن شيبة.
داود بن علي
(1/339)
________________________________________
هو داود بن علي بن عبد الله بن عباس خطيب بني العباس، وأحد مؤسسي دولتهم، نشأ هو وأخوته (وكانوا اثنين وعشرين رجلاً) في قرية الحميمة من أعمال عمّان، وكان الوليد بن عبد الملك أجلى علي بن عبد الله بن عباس وأهل بيته إليها سنة 95 ه غضباً عليه.
وكان داود أحد النابغين من إخوانه، وكان بليغهم ولسانهم وأخطبهم في وقته. وعاجلته منيته قبل أن يستطير سلطانه في الدولة. ولاه أبو العباس عقب بيعته بالكوفة ولاية الكوفة وسوادها، ثم ولاه إمارة الحج في هذه السنة وولاه معها ولاية الحجاز واليمن واليمامة، فقتل من ظفر به من بني أمية في مكة والمدينة سنة 132ه وهو أول موسم ملكه بنو العباس وخطبهم الخطبة الآتية وهي (شكراً شكراً، إنا والله ما خرجنا لنحفر فيكم نهراً ولا لنبني فيكم قصراً أظن عدو الله أن لن نقدر عليه إن روخى له من خطامه، حتى عثر في فضل زمامه، فالآن حيث أخذ القوس باريها وعاد القوس إلى النزعة، ورجع الملك في نصابه، في أهل بيت النبوة والرحمة، (والله قد كنا نتوجع لكم ونحن في فرشنا) أمن الأسود والأحمر لكم ذمة الله، لكم ذمة رسول الله ( ، لكم ذمة العباس، لا ورب هذه البنية وأومأ بيده إلى الكعبة لا نهيج منكم أحداً).
شبيب بن شيبة
هو شبيب بن شيبة بن عبد الله المنقري التميمي خطيب البصرة ونشأ بها وامتاز بنبالة نفس وسخاء كف. وحسن تواضع ونزاهة لسان كما امتاز بخطبه القصيرة البليغة القريبة من حد الإعجاز. قال الجاحظ: يقال أنهم لم يروا خطيباً كشبيب بن شيبة. فما ابتدأ بحلاوة ورشاقة وسهولة وعذوبة. فلم يزل يزداد منها حتى صار في كل موقف يبلغ بقليل الكلام ما لا يبلغه الخطباء المصاقع بكثيره وقد يطول حتى يقول فيه الراجز:
إن غدت سعد على شبيبها

على فتاها وعلى خطيبها

من مطلع الشمس إلى مغيبها

عجبت من كثرتها وطيبها
(1/340)
________________________________________
وعرف شبيب أبا جعفر المنصور قبل خلافته ثم اتصل به بعدها. فجعله في حاشية ولي عهده المهدي. وبقي كذلك حتى ولي المهدي الخلافة فصار من خيرة سماره وجلسائه إلى أن مات في خلافته سنة 165ه.
ومن خطبه القصار ما عزى به المهدي يوم ماتت ابنته البانوقة وجزع عليها جزعاً شديداً: "أعطاك الله يا أمير المؤمنين على ما رزئت أجراً. وأعقبك صبراً ولا أجهد الله بلاءك بنقمه ولا نزع منك نعمه، ثواب الله خير لك منها ورحمة الله خير لها منك، وأحق ما صبر عليه ما لا سبيل إلى رده".

الكتابة خطية وإنشائية
(1/341)
________________________________________
الخط: تنوع في هذا العصر الخط الكوفي إلى أنواع أربت على خمسين نوعاً ومن أشهرها المحرر والمشجر والمربع والمدور والمتداخل. وبقي مستعملاً في المباني والسكة إلى حدود الألف. ثم نسي جملة وقد جددت منه أنواع في عصرنا أما تاريخ خطنا المستعمل الآن فحدث في آخر الدولة الأموية أن استنبط "قطبة المحرر" من الخط الكوفي والحجازي خطاً هو أساس الخط الذي يكتب به الآن واخترع القلم الجليل الذي يكتب به على المباني ونحوها. وقلم الطومار (الورقة الكبيرة) وهو أصغر أنواع الجليل وحسن عمله غيره من كتاب صدر الدولة العباسية حتى ظهر إبراهيم الشخري وأخوه يوسف من كتاب أواخر القرن الثاني: فولد إبراهيم من الجليل قلم الثلثين وولد يوسف من الجليل القلم الرياسي وهو قلم التوقيع.
وعن إبراهيم أخذ الأحوال المحرر من (صنائع البرامكة) واخترع قلم النصف. هذه هي أشهر الخطوط وقد تولد منها نحو من 20 خطاً يختص كل منها بغرض خاص. واتفقوا على أن طول الألف يعتبر معياراً لارتفاع بقية الحروف. وأن يكون طول الألف مربع مقدار قطعة القلم.
وعن الأحول: أخذ منهدس الخط الأعظم الوزير "أبو علي محمد بن مقلة" وأخوه أبو عبد الله الحسن المتوفى سنة 338ه وهما اللذان تم على أيديهما هندسة خط النسخ والجليل وفروعه على الأشكال التي نعرفها الآن وأتما العمل الذي بدأ به "قطبة" فهندسا الحروف وقدرا مقاييسهما وأبعادهما وضبطاها ضبطاً محكماً واخترعا له القواعد وعن الوزير ابن مقلة أخذ أبو عبد الله محمد بن أسد القارئ المتوفى سنة 410ه. وعنه أخذ أبو الحسن علي بن هلال البغدادي المعروف بابن البواب المتوفى سنة 413ه وهو الذي أكمل قواعد الخط واخترع عدة أقلام وإليه انتهت الغاية. وكل من جاء بعده فهو تابع لطريقته: كأمين الدين ياقوت الملكي المتوفى سنة 618ه كاتب السلطان ملكشاه السلجوقي. أم الأندلسيون والمغاربة فلم يعبئوا بهذا الإصلاح وبقوا يكتبون على طريقة الخط الحجازي إلى
(1/342)
________________________________________
الآن بنوع من التعديل. واخترع الخليل الشكل المستعمل الآن بان كتب الضمة واواً صغيرة تكتب فوق الحرف والفتحة ألفاً والكسرة ياءً والشدة رأس شين والسكون رأس خاء وهمزة القطع رأس عين ثم اختزل شكلها وزيد عليها حتى آلت إلى الشكل المعروف الآن.
وهاك ترجمة الخطاط المتفنن المشهور.
ابن مقلة
هو الوزير أبو علي محمد بن علي بن الحسن بن مقلة إمام الخطاطين وأحد كبار الكتاب البارعين، أخذ الخط عن الأحوال المحرر صنيعه البرامكة وتم على يديه ويدي أخيه الحسن نقل الخط من الكوفي إلى الشكل المعروف في زماننا. وكان ابن مقلة يتولى في أول أمره بعض أعمال فارس ويجبي خراجها وتنقلت به الأحوال إلى استوزره الإمام المقتدر بالله سنة 316 ثم كاد له أعداؤه عنده، فقبض عليه سنة 318ه ونفاه إلى فارس. ثم وزر للراضي فوشى به أعداؤه عنده فقبض عليه وعزل ثم أطمعه نحسه أن يكيد لابن رائق أمير الأمراء ببغداد سنة 328ه ومن قوله في تلك الحوادث:
إذا مات بعضك فابك بعضاً

فإن البعض من بعض قريب
وقوله:
ما سئمت الحياة لكن توثّق

ت بأيمانهم فبانت يميني

بعت ديني لهم بدنياي حتى

حرموني دنياهمو بعد ديني

ولقد حطت ما استطعت بجهدي

حفظ أرواحهم فما حفظوني

ليس بعد اليمين لذة عيش

يا حياتي بانت يميني فبيني

الكتابة الإنشائية في الرسائل الديوانية والإخوانية
(1/343)
________________________________________
كانت كتابة الرسائل في أوائل حكم بني العباس جارية على نظام كتابتها في أواخر عهد بني أمية، سالكة الطريق التي سلكها عبد الحميد وابن المقفع والقاسم بن صبيح وعمارة بن حمزة ونظراؤهم: من العناية بجمل عبارتها جزلة بليغة متناسقة الوضوع والأسلوب، وبقيت كذلك بل زادت حسناً وجمالاً ومراعاة لمقتضى الحال إلى أوائل القرن الرابع. ثم أخذت الصناعات اللفظية تغلب عليها تدريجياً بتضاؤل ملكة البلاغة في الكتاب وتقاصر هممهم عن استيفاء أداتها: لتغلب الأعاجم من الديلم البويهيين والترك السلجوقيين على سلطان الخلفاء في الشرق، وتغلب البربر على شمالي أفريقية والأندلس في الغرب، فلم يعد في الملوك والأمراء من يعينهم أمر العربية وبلاغتها. ومازالت كذلك حتى سقطت الدولة العباسية على أيدي الأعاجم من التتار فكان ذلك ابتداء اضمحلال الكتابة واللغة.
الكتّاب كان أكثر كتاب المشرق في هذا العصر من سلائل فارسية أو سوادية وقد بلغوا بحذقهم سياسة الملك ونبوغهم في البلاغة أن ارتقوا عند خلفاء العباسيين إلى مرتبة الوزارة. وأول كاتب منهم ارتقى إليها هو أبو سلمة الخلال. وأشهر من بلغ نفوذه وسلطانه مبلغاً زاحم فيه الخليفة يحيى بن خالد بن برمك وابناه جعفر والفضل، ثم محمد بن الزيات في زمن المعتصم والواثق. وكان كتاب الأندلس والمغرب أكثرهم من سلائل عربية. ومن أشهر كتاب هذا العصر في الشرق ابن المقفع، ويحيى بن خالد بن برمك. وابناه: جعفر والفضل، وإسماعيل بن صبيح، وعمرو بن مسعدة، وأحمد بن يوسف، وابن الزيات. والحسن بن وهب وعلي بن الفرات، وابن مقلة، وابن العميد، والصاحب بن عباد، وأبو بكر الخوارزمي، والبديع، والصابي، والعماد الكاتب، والقاضي الفاضل.
ومن أشهر كتابه في الأندلس ابن شهيد، وأبو المطرف بن عميرة، ولسان الدين بن الخطيب.
ابن المقفع
(1/344)
________________________________________
هو أبو محمد عبد الله بن المقفع أحد فحول البلاغة وثاني اثنين مهدا للناس طريق الترسل. ورفعا لهم معالم صناعة الإنشاء أولهما "عبد الحميد".
نشأ ابن المقفع بين أحياء العرب. فكان أبوه داذويه المقفع الفارسي يعمل في جباية الخراج لولاة العراق من قبل بني أمية، وهو على دين المجوسية وولد له ابنه هذا حوالي سنة 106ه وسماه (روزبة) فنشأ بالبصرة. وهي يومئذ حلبة العرب ومنتدى البلغاء والخطباء والشعراء. فكان لكل ذلك (فوق ذكائه المفرط تأديب أبيه له) أعظم أثر في تربيته وتهيئته لأن يصير من أكبر كتاب العربية وعلمائها وأدبائها والمترجمين إليها. وقد أسلم بمحضر من الناس وتسمّى (عبد الله) وتكنى بأبي محمد، وكان نادرة في الذكاء غاية في جمع علوم اللغة والحكمة وتاريخ الفرس متأدباً متعففاً قليل الاختلاط إلا بمن على شاكلته كثير الوفاء لأصحابه.
وكان أمة في البلاغة ورصانة القول وشرف المعاني إلى بيان غرض وسهولة لفظ ورشاقة أسلوب. ولا توصف بلاغته بأحسن مما وصف هو البلاغة حيث يقول: (البلاغة هي التي إذا سمعها الجاهل ظن أنه يحسن مثلها).
ومن رسائله أنه عزى بعضهم فقال: أما بعد: فإن أمر الآخرة والدنيا بيد الله هو يدبرهما ويقضي فيهما ما يشاء لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه فإن الله خلق الخلق بقدرته. ثم كتب عليهم الموت بعد الحياة لئلا يطمع أحد من خلقه في خلد الدنيا ووقت لكل شيء ميقات أجل لا يستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون فليس أحد من خلقه إلا وهو مستيقن بالموت لا يرجو أن يخلصه من ذلك أحد. نسأل الله تعالى خير المنقلب وبلغني وفاة فلان فكانت وفاته من المصائب العظام التي يحتسب ثوابها من ربنا الذي إليه منقلبنا ومعادنا وعليه ثوابنا.
فعليك بتقوى الله والصبر وحسن الظن بالله فإنه جعل لأهل الصبر صلوات منه ورحمة وجعلهم من المهتدين.
وقد ترجم كتباً عديدة من أشهرها كتاب كليلة ودمنة وقيل إن هذا الكتاب من وضع ابن المقفع وهو قول مقبول لا
(1/345)
________________________________________
بأس به: وله كتاب الأدب الكبير والأدب الصغير والدرة اليتيمة. وقتله والي البصرة سفيان بن معاوية سنة 142ه لاتهامه بالزندقة والكيد للإسلام بترجمة كتب الزندقة.
إبراهيم الصولي
هو أبو إسحاق إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول كاتب العراق وأشعر أصحاب المقطعات. نشأ ببغداد فتلقى العلم والأدب عن أئمة زمانه، واشتغل بالشعر في حدثاته، فبرع فيه، وتكسب به. ورحل إلى العمال والأمراء يمدحهم ويستميح جدواهم. ثم قصد الفضل بن سهل وزير المأمون أيام مقامه معه بخراسان ومدحه فوهب له ولي العهد عشرة آلاف درهم. وجعله الفضل كاتباً لأحد قواده وبقي يتنقل في أعمال النواحي والدواوين حتى كان زمن الواثق عاملاً على الأهواز فتحامل عليه وزيره ابن الزيات فعزله وسجنه بها. فكتب إليه يستعطفه، فلم يزدد بذلك إلا جفاء وغلظة، ثم اطلع الواثق على ذلك فأطلقه. وتولى ديوان الضياع والنفقات في خلافة المتوكل ومات سنة 242ه ومن رسائل تعزية عن لسان المنتصر بالله إلى طاهر بن عبد الله مولى أمير المؤمنين "أما بعد" تولى الله توفيقك وحياطتك. وما يرتضيه منك ويرضاه عنك إن أفضل النعم نعمة تلقيت بحق الله فيها من الشكر وأوفر حادثة ثواباً حادثة أدي حق الله فيها من الرضا والتسليم والصبر ومثلك من قدم ما يجب الله عليه في نعمة فشكرها وفي مصيبة فأطاعه فيها وقد قضى الله سبحانه وتعالى في محمد ابن إسحاق مولى أمير المؤمنين "عفا الله عنه" قضاءه السابق والموقع. وفي ثواب الله ورضا أمير المؤمنين "أدام الله عزه" وتقديم ما يعدم مثله أهل الحجا والفهم ما اعتاضه معتاض وقدمه موفق فليكن الله "عز وجل" وما أطعته به وقدمت حقة فيه أولى بك في الأمور كلها فإنك تتقرب إليه في المكروه بطاعته يحسن ولايتك في توفيقك لشكر نعمه عندك.
ابن العميد
(1/346)
________________________________________
هو الأستاذ الرئيس الوزير أبو الفضل محمد بن الحسين العميد كاتب المشرق وعماد ملك آل بويه وصدر وزراهم: نشأ شغوفاً بمعرفة العلوم العقلية واللسانية فبرع في علوم الحكمة والنجوم ونبغ في الأدب والكتابة حتى قيل فيه. (بدئت الكتابة بعبد الحميد وختمت بابن العميد) ثم رحل عن أبيه إلى آل بويه وتقلد شريف الأعمال في دولتهم إلى أن تولى وزارة ركن الدولة سنة 328 فساس دولته ووطد أركانها وتشبه بالبرامكة ففتح بابه للعلماء والفلاسفة والشعراء والأدباء وكان يشاركهم في كل ما يعملون إلا الفقه وما زال في وزارته محط الرحال وكعبة الآمال حتى توفي سنة 360ه.
ومن رسائله: كتابي إليك وأنا بحال لو لم ينغصها الشوق إليك ولم يرنق صفوها النزوع نحوك لعددتها من الأحوال الجميلة، وأعددت حظي منها في النعم الجليلة. فقد جمعت فيها بين سلامة عامة. ونعمة تامة. وحظيت منها في جسمي بصلاح وفي سعيي بنجاح، لكن ما بقي أن يصفو لي عيش مع بعدي عنك ويخلو ذرعي مع خلوي منك، ويسوغ لي مطعم ومشرب مع انفرادي دونك وكيف أطمع في ذلك وأنت جزء من نفسي وناظم لشمل أنسي وقد حرمت رؤيتك وعدمت مشاهدتك وهل تسكن نفس متشعبة ذات انقسام وينفع أنس بيت بلا نظام، وقد قرأت كتابك جعلني الله فداك فامتلأت سروراً بملاحظة خطك وتأمل تصرفك في لفظك وما أقرظهما فكل خصالك مقرظ عندي. وما أمدحهما فكل أمر ممدوح في ضميري وعقلي.
وأرجو أن تكون حقيقة أمرك موافقة لتقديري فيك فإن كان كذلك وإلا فقد غطى هواك وما ألقي على بصري.
الصاحب بن عباد
(1/347)
________________________________________
هو كافي الكفاة أبو القاسم إسماعيل بن عباد وزير آل بويه.
ولد سنة 326ه بطالقان قزوين. وتعلم العلم والأدب من أبيه، ثم اتصل بابن العميد، فلزم صحبته وأخذ عنه الأدب، وتولى له كتابة خاصته ثم تنقلت به الأحوال في خدمة ملوك بني بويه، فكان وزيراً لمؤيد الدولة ثم لأخيه فخر الدولة، وله في ملكهما اليد المطلقة والأمر النافذ حتى مات سنة 385ه. ويعد ابن عباد في الكتابة ثاني ابن العميد في حلبته وأبلغ من سلك طريقته، غير أنه أولع بالسجع والجناس، ولا يعرف بعدهما من بلغ بشرف العلم والأدب مبلغهما، ولا حل من شرف الملك والسلطان بمهنة الكتابة منزلتهما، ومن رسائله ما كتب به إلى بعض السادة وقد أهدى إلى ابن عباد مصحفاً.
البر "أدام الله السيد" أنواع، تطول به أبواع، وتقصر عنه أبواع فإن لم يكن فيما هو أكرم منصباً وأشرف منسباً فتحفة السيد إذا أهدى ما لا تشاكله النعم ولا تعادله القيم: كتاب الله وبيانه وكلامه وفرقانه ووحيه وتنزيله وهداه وسبيله ومعجز رسول الله ( ودليله طبع دون معارضة على الشفاه وختم على الخواطر والأفواه فقصر عنه الثقلان وبقي ما بقي الملوان. لائح سراجه. واضح منهاجه. منير دليله. عميق تأويله يقصم كل شيطان مريد ويذل كل جبار عنيد، وفضائل القرآن لا تحصى في مطولات الأسفار فأصف الخط الذي بهر الطرف وفاق الوصف وجمع صحة الأقسام وزاد في نخوة الأقلام بل أصفه بترك الوصف فأخباره آثاره وعينه فراره وحقاً أقول إني لا أحسب أحداً ما خلا الملوك جمع من المصاحف ما جمعت وابتدع في استكتابها ما ابتدعت، وإن هذا المصحف لزائد عن جميعها زيادة الفرع على الغرة بل زيادة الحج على العمرة.
أبو بكر الخوارزمي
(1/348)
________________________________________
هو أبو بكر محمد بن العباس الخوارزمي الكاتب الشاعر اللغوي الأديب الرحالة ولد بخوارزم سنة 323ه ونشأ بها وكان ضليعاً في كل فن من فنون العربية وخاصة الكتابة والشعر.
جاب الأقطار ودخل الأمصار من الشام إلى أقصى خراسان في استفادة العلم والأدب وإفادتهما: وكان كثير الحفظ للشعر غزير المادة من اللغة.
وتقلب الخوارزمي في خدمة كثير من الملوك والأمراء والوزراء حتى ألقى عصا التسيار بمدينة نيسابور وطاب عيشه بها إلى أن مني في آخر أيامه بمساجلة بديع الزمان الهمذاني ومناظرته ومناضلته وأعانه عليه قوم من أعيان البلدة ووجوهها فانخذل الخوارزمي انخذالاً شديداً وكسف باله ولم يحل عليه الحول حتى مات سنة 383ه.
وكان الخوارزمي ممن يجري على طريقة ابن العميد في الكتابة متوخياً جزالة الألفاظ محتفلاً بصحة المعاني مع ميل فيه إلى الغريب، وتقدم له كثير من الرسائل.
بديع الزمان الهمذاني
هو أبو الفضل أحمد بن الحسين الكاتب المترسل والشاعر المبدع: حافظ عصره. نشأ بهمذان ودرس العربية والأدب ونبغ فيهما وضرب في الأرض يتكسب بأدبه ثم أقام بنيسابور مدة أملى بها أربعمائة مقامة بلفظ رشيق وسجع رقيق، وعلى منوالها نسج الحريري. ثم شجر بينه وبين الخوارزمي ما كان سبباً في هبوب ريحه وبعد صيته إذ لم يكن في الحسبان أن أحداً يجترئ على الخوارزمي.
وبموت الخوارزمي خلا له الجو عند الملوك والأمراء، فتجول في حواضرهم، ثم استوطن هراة وصاهر أحد أعيانها العلماء، فحسنت حاله، ونعم باله، وبكن المنية عاجلته وهو في سن الأربعين سنة 398ه وتقدم له كثير من الرسائل والمقدمات.
ابن زيدون
(1/349)
________________________________________
هو الكاتب الشاعر ذو الوزارتين أبو الوليد أحمد بن عبد الله المشهور بابن زيدون المخزومي الأندلسي. نشأ في مدينة قرطبة وتأدب على كبار أئمتها وقال الشعر وأجاده، ولما نبه شأنه بين شعراء قرطبة اتصل بأبي وليد بن جهور أحد ملوك الطوائف، فحظي عنده ومدحه حتى أصبح لسان دولته الناطق، وحسامها المسلول. فأفسد أعداؤه ما بينه وبين ابن جهور، فاعتقله ومكث في محسبه مدة استشفع فيها بقصائد أبدعها، ورسائل استنفذ فيها جهده، فما ألانت له قلباً فأعمل الحيلة في فراره من سجنه، وخلص إلى المعتضد بن عباد ملك إشبيلية إذ كان أشد ملوك الطوائف رغبة فيه وأكثرهم تمسكاً بالأدباء، فألقى إليه مقاليد وزارته، وأصبح صاحب أمره ونهيه، ولما مات المعتضد وخلفه ابنه المعتمد كان له كما كان أبوه. وأغدق عليه بره ونعمته.
ومكث ابن زيدون على هذه الحال حتى مات بإشبيلية سنة 463ه (راجع رسالة الجدية في فن المكاتبات إذا شئت).
القاضي الفاضل
هو أبو علي عبد الرحيم البيساني اللخمي ولد بمدينة عسقلان سنة 529 وتعلم على أبيه وغيره. قدم مصر وهو شاب أواخر الدولة الفاطمية وتعلم في ديوان ابن حديد قاضي الإسكندرية. وظهر فضله فيما كان يرسله إلى القاهرة من الرسائل فاستقدم أيام الظافر إليها، وكان من كتاب ديوانه، ولازم خدمة أكابر القضاة والكتاب في الديوان، وأخذ عنهم، وحاكاهم بل فاقهم فصاحة وبلاغة لسعة اطلاعه وغزارة مادته وسرعة بديهته وصفاء خاطره.
(1/350)
________________________________________
ولما سقطت الدولة الفاطمية تولى وزارة صلاح الدين بن أيوب، وكان يتردد بين مصر والشام في الحروب الصليبية، ودبر المملكة أحسن تدبير وبقي في الوزارة حتى مات صلاح الدين فوزره لابنه العزيز على مصر. ثم وزر من بعده لأخيه ومات سنة 569 ه .
ومن رسائله القصيرة رسالة كتبها على يد خطيب عيذاب إلى صلاح الدين يتشفع له في توليه خطابة الكرك وهي: أدام الله السلطان الملك الناصر وثبته، وتقبل عمله بقبول صالح وأثبته وأخذ عدوه قائلاً أو بيته، وأرغم أنفه بسيفه وكبته.
خدمة المملوك هذه واردة على يد خطيب عيذاب. ولما نبا بن المنزل عنها وقل عليه المرفق منها. وسمع هذه الفتوحات التي طبق الأرض ذكرها. ووجب على أهلها شكرها، هاجر من هجير عيذاب وملحها. سارياً في ليلة أمل كلها نهار فلا يسأل عن صبحها قد رغب في خطابة الكرك وهو خطيب، وتوسل بالمملوك في هذا المتلمس وهو قريب، ونزع من مصر إلى الشام وعن عيذاب إلى الكرك وهذا عجيب والفقر سائق عنيف، والمذكور عائل ضعيف ولطف الله بالخلق بوجود مولانا لطيف والسلام.
التدوين والتصنيف
كانت الحاجة إلى التدوين قد اشتدت في مبدأ الدولة العباسية لاتساع ممالك الإسلام فهب العلماء إلى تهذيب ما كتب في الصحف المتفرقة وما حفظوه في الصدور ورتبوه وبوبوه وصنفوه كتباً، وكان من أقوى الأسباب لإقبال العلماء على التصنيف حث الخليفة أبي جعفر المنصور عليه وحمله الأئمة والفقهاء على جمع الحديث والفقه ولم يقتصر على معاضدة العلوم الإسلامية بل أوعز إلى العلماء والمترجمين أن ينقلوا إلى العربية من الفارسية واليونانية فنون الطب والسياسة والحكمة والفلك والتنجيم والآداب، وتابعه في ذلك أولاده وأحفاده حتى زخرت بحور العلم واخترعت الفنون وتفرعت المسائل ودونت الكتب في كل فن.

كتابة التصنيف والتدوين
(1/351)
________________________________________
وكانت كتابة التصنيف والتدوين في القرن الأول وبعض الثاني من النهضة عبارة عن سلسلة من الروايات المسندة إلى رواتها، وبعضها يروى بلفظ أصحابها غالباً: كما في الشعر والخطب والرسائل، وبعضها بلفظ الراوي كما في أخبار الفتوح والتاريخ والقصص، ثم ظهرت بعد ذلك في العلوم الشرعية واللسانية طبقات الاستنباط والتعليل والتفريع والشرح والاختصار وجمع الفروع تحت كليات عامة فلم يكن للمؤلفين بد من حذف أسانيد الروايات وترك المحافظة على نقلها بلفظها إلا في الحديث ونحوه.
أما كتب العلوم المترجمة فكانت عبارتها هي تفسير ألفاظها الأعجمية بالعربية، ولم تكن ترجمتها جيدة في عصر المنصور، ثم صححت ترجمتها في زمن الرشيد والمأمون. ثم لما أتقن كثير من فلاسفة المسلمين هذه العلوم كتبوا فيها بعبارتهم، وكانت أول أمرها بليغة مفهومة ثم عموها على بعض الفقهاء المفكرين لهم والمغرين الأمراء والسلاطين بقتلهم، حتى أصبحت عبارة كتب الفلسفة والتوحيد أصعب ما يقرأ باللسان العربي.
العلوم اللسانية ونشأتها
(1/352)
________________________________________
العلوم اللسانية هي الأدب، والتاريخ، والعروض، والنحو، واللغة، والبلاغة.
علم الأدب: كانت كتبه في أول هذا العصر رسائل يبحث كل منها في ضرب خاص من ضروبه، كرسائل ابن المقفع ورسائل سهل بن هارون في الأخلاق وكتاب النوادر، وكتاب الأراجيز، وكتاب الشعر للأصمعي، وكتاب الشعر والشعراء لأبي عبيدة، وإذا تابعنا من يقول إن ابن المقفع هو الذي ابتدع كتاب كليلة ودمنة ونحلة الهند والفرس كان هذا الكتاب أول كتاب ظهر في الأدب العربي الخاص بموضوع واحد: وأول كتاب ظهر فيه جامع لفنون كثيرة منه كتاب البيان والتبيين. وكتاب الحيوان للجاحظ، واقتفى أثره أحمد بن طيفور في كتابه العظيم المنظوم والمنثور في أربعة عشر جزءاً.
ثم أبو العباس محمد المبرد، في الكامل والروضة، ثم أبو حنيفة الدينوري. وأبو بكر محمد الصولي. وابن قتيبة صاحب أدب الكاتب. وابن عبد ربه صاحب العقد الفريد، وأبو علي القالي صاحب الأمالي، وأبو الفرج الأصفهاني صاحب الأغاني وغيرهم، ومن أشهر المؤلفين في الأدب الجاحظ، وأحمد بن عبد ربه، والحريري: وهاهي ترجمتهم.
الجاحظ
(1/353)
________________________________________
هو إمام الأدب أبو عثمان عمرو بن الجاحظ بن بحر بن محبوب الكناني البصري. ولد حوالي سنة 160 بمدينة البصرة. ونشأ بها فتناول كل فن ومارس كل علم عرف في زمانه مما وضع في الإسلام أو نقل عن الأمم الأوائل فاصبح له مشاركة في علم كل ما يقع عليه الحس أو يخطر بالبال فهو راوية متكلم فيلسوف كاتب مصنف مترسل شاعر مؤرخ عالم بالحيوان والنبات والموات، واصف لأحوال الناس ووجوه معايشهم واضطرابهم وأخلاقهم وحيلهم إلا أنه غلب عليه أمران: الكلام على طريقة المعتزلة: والأدب الممزوج بالفلسفة والفكاهة: وكان غاية في الذكاء ودقة الحس وحسن الفراسة: وكان سمحاً جواداً كثير المواساة لأخوانه: وكان على دمامة خلقه وتناقض خلقه خفيف الروح فكه المجلس غاية في الظرف وطيب الفكاهة وحلاوة الكلام، وهو على الجملة أحد أفذاذ العالم وإحدى حجج اللسان العربي، وأقام الجاحظ أكثر عمره بالبصرة يعيش معيشة الأدباء والعلماء محسوباً لولاتها وأعيانها محبواً منهم بالعطايا والمنح بما يصنفه لهم من الكتب المتفقه مع أهوائهم المختلفة، وكان كثير الانتجاع للخلفاء ببغداد وسر من رأى حتى فلج بالبصرة وبقي مفلوجاً بها مدة إلى أن انتقل إلى بغداد فمات بها ودفن بمقبرة الخيزران (أم الرشيد) سنة 255 ه، وله أكثر من مائتي كتاب.

أحمد بن عبد ربه
(1/354)
________________________________________
هو أديب الأندلس وشاعرها أبو عمر أحمد بن محمد به عبد ربه القرطبي ولد سنة 246 ه ونشأ بمدينة قرطبة ودرس علوم العربية فنبغ في جميعها. وحفظ منها ما لم يحفظه أحد من علماء زمانه وقرأ رسائل المحدثين من المشارقة وما ترجم من كتب الأوائل في أكثر العلوم، وأودع زبدة ذلك في كتابه "العقد الفريد" وكان يشتغل في حداثته بالشعر ويجري في مضمار اللهو والطرب ونظم في ذلك من القصائد والمقطعات الرقيقة الجميلة ما جعل المتنبي على صلفه وكبره حين سمع شعره يسميه (مليح الأندلس) ثم أقلع في كبرته عن صبوته وأخلص لله في توبته: فاعتد أشعاره التي قالها في الغزل واللهو عملاً باطلاً: وعمل على أعاريضها وقوافيها قصائد في الزهد يعارضها بها، وسماها الممحصات، ونال من خلفاء بني أمية بالأندلس قبولاً وحل عندهم في المكان الأسمى، وبقي بقرطبة رئيساً مسوداً حتى فلج وعاش كذلك عدة سنين ثم مات بها سنة 328 ه.
الحريري
هو أبو محمد القاسم بن علي بن محمد بن عثمان الحريري البصري الكاتب الشاعر اللغوي النحوي صاحب البدائع المأثورة في مقاماته المشهورة التي نسجها على منوال مقامات بديع الزمان الهمذاني وأنشأ خمسين مقامة أتى فيها على كثير من مواد اللغة وفنون الأدب وأمثال العرب وحكمها بعبارة مسجعة مزينة بأنواع البديع، ولا سيما الجناس ترغيباً للطلاب في حفظ اللغة وأدبها وتفكيهاً لهم بمطالعتها وتحل وقائعها أبا زيد السروجي وهو أعربي فصيح من سروج كان قد قدم البصرة وأعجب به علماؤها، وسمى راويها عنها لحارث بن همام (يريد نفسه) وأهداها إلى الوزير جمال الدين بن صدفة وزير المسترشد العباسي، وله غير المقامات شعر كثير ورسائل بديعة وكتب في النحو واللغة منها كتابه: درة الغواص في أوهام الخواص، وملحة الإعراب في النحو، وتوفي بالبصرة سنة 515 ه.
فن التاريخ
(1/355)
________________________________________
أول ما وضع في التاريخ باللغة العربية الكتاب الذي وضعه عبيد بن شرية لمعاوية وفي صدر الدولة العباسية وضع كثير من العلماء كتباً في التاريخ بأقسامه التي من أشهرها: (1) فن السيرة والمغازي: وأشهر من ألف فيه من الأوائل محمد بن إسحاق.
(2) فن الفتوح: وأشهر من ألف فيه منهم الواقدي والمدائني وأوب مخنف.
(3) فن طبقات الرجال: وأشهر علمائه ابن سعد كاتب الواقدي والبخاري.
(4) فن النسب: وأشهر قدماء علمائه الكلي وابنه.
(5) فن أخبار العرب وأيامها: وأشهر علمائه أبو عبيدة والأصمعي.
(6) قصص الأنبياء: وكتب فيه كثيرون.
(7) تاريخ الملوك: ومن أقدم من كتب فيه ابن قتيبة والهيثم ابن عدي وابن واضح اليعقوبي، ثم شيخ المؤرخين وعمدتهم محمد بن جرير الطبري الجامع كتابه هذه الفنون السابقة مرتباً على حسب السنين الهجرية.
وحاكاه بعده ابن الأثير في تاريخه الكامل.
العروض والقافية
أول من اخترع علم العروض الخليل بن أحمد من غير سابقة تعلم على أستاذ أو تدرج في وضع بل ابتدعه وحصر فيه أوزان العرب في خمسة عشر بحراً وزاد عليها تلميذ تلميذه الأخفش بحراً آخر ثم لم يزد عليها أحد شيئاً يعتد به.
أم القافية فقد كان العلماء قبل الخليل يتكلمون فيها، ولكن الخليل هو أول من فصل الكلام فيها وجعلها علماً مدوناً.
النحو
جاءت الدولة العباسية والنحو علم يدرس في المعاهد ولكن البصريين سبقوا الكوفيين في الاشتغال به كما سبقهم الكوفيون في الاشتغال بالشعر وعلم الصرف.
ومن أكثر الأئمة الذين اشتغلوا بالنحو وهذبوه من البصريين أبو عمرو بن العلاء وتلميذه الخليل وتلميذ الخليل سيبويه الواضع لأول كتاب جامع في النحو ثم بعده الأخفش شارح كتابه.
ومن الكوفيين معاذ الهراء والرواسي وتلميذهما الكسائي وتلميذه الفراء.
علم اللغة
(1/356)
________________________________________
ويسمى متن اللغة، ونعني به معرفة معاني ألفاظهم المفردة. وأول ما وضع الأئمة في رسائل وكتب صغيرة في موضوعات خاصة، فلما ظهر الخليل أحصى ألفاظ اللغة بطريقة حسابية في كتاب، ورتبه على حروف المعجم مقدماً حروف الحلق ومبتدئاً منها بالعين ولذلك سمى معجمه "كتاب العين" ثم ألف أبو بكر بن دريد معجمه العظيم الذي سماه (الجمهرة) مرتباً له على حروف المعجم بترتيبها المعروف الآن. وأدرك عصره الأزهري فألف كتاب (التهذيب) على ترتيب الخليل ثم وضع الجوهري في كتابه المسمى ب(الصحاح) على ترتيب الجمهرة وابن سيده الأندلسي كتابه (المحكم) على ترتيب الخليل وابن فارس كتابه (المجمل) والصاحب بن عباد كتابه (المحيط) وهذه هي أصول كتب اللغة وما بعدها من ("العباب" و"مجمع البحرين") للصاغاني، و"النهاية" لابن الأثير و"لسان العرب" لابن مكرم، و"المصباح" للفيومي و "القاموس" للفيروزابادي، فهو جمع لها أو اختصار منها.

علوم البلاغة المعاني والبيان والبديع
أول كتاب دون في علم البيان كتاب (مجاز القرآن) لأبي عبيدة تلميذ الخليل ثم تبعه العلماء: ولا يعلم أول من ألف في المعاني بالضبط، وإنما أثر فيها كلام عن البلغاء وأشهرهم الجاحظ في إعجاز القرآن وغيره. وأول من دون كتبا في علم البديع ابن المعتز وقدامة بن جعفر. وقبل ذلك كان البديع يستعمل في الشعر عملاً، وبقيت هذه العلوم تتكامل ويزيد فيها العلماء حتى جاء فحل البلاغة عبد القاهر الجرجاني فألف في المعاني كتابه دلائل الإعجاز وفي البيان كتابه أسرار البلاغة وجاء بعده السكاكي فألف كتابه العظيم مفتاح العلوم.
الخليل بن أحمد
(1/357)
________________________________________
هو أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي الأزدي البصري مخترع العروض، ومبتكر المعجمات، وواضع الشكل العربي المستعمل الآن.
ولد سنة 100 بالبصرة ونشأ بها وأخذ العربية والحديث والقراءة عن أئمة زمانه وأكثر الخروج إلى البوادي، وسمع الأعراب الفصحاء، فنبغ في العربية نبوغاً لم يكن لأحد ممن تقدمه أو تأخر عنه، وكان غاية في تصحيح القياس واستخراج مسائل النحو وتعليله ولقن ذلك تلميذه سيبويه.
ومما يشهد له بحدة الفكر وبعد النظر اختراعه العروض علماً كاملاً لم يحتج إلى تهذيب بعد، وابتكاره طريقة تدوين المعجمات بتأليف كتاب "العين" وتدوينه كتاباً دقيقاً في الموسيقى على غير معرفة بلغة أجنبية واشتغال بلهو، وزاد في الشطرنج قطعة سماها جملاً لعب بها الناس زمناً، وبقي الخليل مقيماً بالبصرة طول حياته زاهداً متعففاً مكباً على العلم والتعليم حتى مات في أوائل خلافه الرشيد سنة 174 ه? بصدمة في دعامة مسجد ارتج منها دماغه.

????سيبويه
هو أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر: إمام البصريين وحجة النحويين.
ولد بالبيضاء من سلالة فارسية ونشأ بالبصرة وكان يطلب أول أمره الحديث والفقه فعيبت عليه لحنة لحنها في مجلس شيخه فخجل، وطلب النحو ولازم الخليل وأخذ عن غيره أيضاً وكان الخليل يؤثره على أصحابه، فدون جميع ما أخذه عنه ونقله عن غيره في كتابه الذي لم يجمع قبله مثله ولولا هذا (الكتاب) الذي رواه عنه وشرحه تلميذه الأخفش ما كان لسيبويه خبر يشهر لوفاته كهلاً ولقلة من أخذ عنه هذا الكتاب ولأنه لا يعرف له كتاب غيره وبحسبك هو، ومات ببلدته البيضاء بفارس سنة 177 ه?
الكسائي
(1/358)
________________________________________
هو أبو الحسن علي بن حمزة: أحد القراء السبعة وإمام الكوفيين في النحو واللغة: نشأ بالكوفة وتعلم على الكبر بعد لحنة لحنها أمام جمع من طلبة العلم فلازم أئمة الكوفة حتى أنفذ ما عندهم، ثم خرج إلى الخليل بالبصرة وجلس في حلقته، وأعجبه علمه. فقال له: من أين علمك هذا قال من بوادي الحجاز ونجد وتهامة فخرج إليها، وأنفد خمس عشرة قنينة حبر في الكتابة عن العرب سوى ما حفظ عنهم. ولما رجع من البادية وجه إليه المهدي فخرج إلى بغداد فحظي عنده وضمه إلى حاشية ابنه الرشيد، ثم جعله الرشيد مؤدب ولده الأمين، فكان يجلسه هو والقاضي محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة على كرسيين متميزين بحضرته، وما زالا على هذه الكرامة حتى خرج الرشيد إلى الري وهما في صحبته فماتا في يوم واحد فبكاهما وقال دفنت الفقه والعربية بالري وذلك سنة 189 ه? وقد انتهت إليه إمامة القراءة والعربية بالكوفة وبغداد، وكان يروي الشعر وليس له فيه جيد نظر.

العلوم الشرعية
التفسير: لم يدون في كتب جامعة تجمع سور القرآن الكريم كلها إلا في عصر الدولة العباسية. وكان التفسير عبارة عن نقل روايات عن النبي ( وأصحابه تبين المراد من آياته، وأول طبقة من المفسرين أدركت الدولة العباسية أو نشأت في صدرها طبقة سفيان بن عيينة ووكيع بن الجراح وشعبة بن الحجاج وإسحاق بن راهويه ومقاتل بن وسليمان والفراء.
الحديث
(1/359)
________________________________________
أول كتاب جمع في الحديث الكتاب الذي أمر الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز بتدوينه ولم يعرف له خبر بعد: ثم أخذ العلماء يدونون فيه بحض الخليفة أبي جعفر وأولاده، فدون الإمام مالك موطأه. ولما اشتدت رغبة الناس في طلب الحديث وضع كثير من الزنادقة واليهود المتظاهرين بالإسلام كثيراً من الأحاديث فتجرد لها الأئمة الأعلام وبينوا صحيحها من فاسدها كإسحاق بن راهويه وتلميذه محمد بن إسماعيل البخاري الذي دون كتابه في الأحاديث الصحاح فقط، وتبعه تلميذه مسلم بن الحجاج، والإمام أحمد بن حنبل وأصحاب كتب السنة الصحاح وهم: الترمذي وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة. هذه هي أصول الكتب في الحديث
الإمام البخاري
هو أبو عبد الله محمد بنم إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة، إمام المحدثين وصاحب الجامع الصحيح أجل كتب الإسلام بعد كتاب الله العزيز.
ولد ببخارى من سلالة فارسية سنة 194 ه? ونشأ بها يتيماً فحفظ القرآن وألم بالعربية وهو صبي وحبب إليه سماع الحديث فكان أول سماعه من علماء بخارى وهو لم يناهز البلوغ حتى حفظ عشرات الألوف من الأحاديث ودخل من أجله أكثر ممالك المشرق وأخذ عنه علماؤها وأئمتها ومنهم أحمد بن حنبل. وتفقه على مذهب الشافعي واستخرج كتابه "الجامع الصحيح" من ستمائة ألف حديث في ست عشرة سنة جمع فيه تسعة آلاف حديث مكرر بعضها بتكرر وجوهها وقال إني جعلته بيني وبين الله فأجمع علماء السنة على أنه لم يكن فيها أصح منه ومات سنة 256 ه?.
علم الفقه
(1/360)
________________________________________
لما كان المروي عن رسول الله وظاهر نص القرآن لا يستوعبان كل أحكام الوقائع المختلفة المتجددة بتجدد الزمان والمكان كان الاجتهاد ضرورياً في الدين وجاءت الدولة العباسية وأهل الحجاز يرجحون جانب الأخذ بالحديث لكثرة رواته بينهم، وإمامهم في مذهبهم مالك بن أنس، وأهل العراق يرجحون جانب الأخذ بالقياس، وإمامهم في مذهبهم أبو حنيفة لكثرة ما وضعه متزندقة العراق في الحديث ثم لما دخل أهل الحجاز العراق وتساوى الفريقان في معرفة الأحاديث عملوا بهما، ونشأ من ذلك عدة مذاهب أشهرها مذهب أبي حنيفة، ومذهب مالك، ومذهب الشافعي، ومذهب أحمد بن حنبل، وهذه المذاهب الأربعة هي التي ارتضاها معظم الأمة في أمر دينها ودنياها ثم كان لكل مذهب أئمة مجتهدون فيه:
الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان
هو الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان بن ثابت فقيه العراق. ولد سنة 80 ه? من سلالة فارسية ونشأ بالكوفة بعض الصاحبة وأخذ كل علمه عمن شافه الصحابة ونقل عنهم، وكان من أعبد الناس وأكثرهم تهجداً وقراءة للقرآن الكريم وأكثرهم ورعاً وتوخياً للكسب من وجه حل، رضي أن يعيش تاجر خز ورغب عن وظائف الملوك والخلفاء، وعرض عليه القضاء من قبل أمراء بني أمية ثم المنصور فأبى فسجنه وآذاه حتى قيل أنه مات في سجنه وكان يعتذر بأنه لا يأمن نفسه أن تزل وقرأ عليه الكوفة وبغداد وتخرج عليه منها الأئمة من أصحاب كمحمد بن الحسن وأبي يوسف وزفر، ومات ببغداد سنة 150 ه? واستنباط فقهه من القرآن والحديث مع استعمال الرأي والقياس.
الإمام مالك
(1/361)
________________________________________
هو أبو عبد الله مالك بن أنس أمام دار الهجرة وسيد فقهاء الحجاز من سلالة عربية ولد سنة 95 ه? بالمدينة المنورة ونشأ بها وأدرك خيار التابعين ومن الفقهاء والعباد ورحل إليهم وأخذ عنهم وما زال يدأب في التحصيل وجمع السنة حتى صار حجة من حجج الله في أرضه وضرب به المثل فقيل: (لا يفتى ومالك بالمدينة) وعرف الخلفاء قدره فأجلوه، حتى أن الرشيد رحل هو وأولاده إليه بالحجاز ليسمع موطأه فسمعه وأغدق عليه. وكان مالك أول أمره فقيراً فلما كثرت منح الخلفاء له حسن حالة فالظهر نعمة الله عليه ووصل أهل العلم وأشركهم في ماله ومنهم الشافعي. وأخلاقه: من الكرم والطلاقة والوقار والنبل والتواضع والحب لرسول الله عليه الصلاة والسلام تجل عن الوصف حتى أنه كان لا يركب دابة في المدينة إجلالاً لأرض ضمت جسد رسول الله وتوفي سنة 179 بالمدينة ودفن بالبقيع.
الإمام الشافعي
هو أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع. عالم قريش وفجرها وإمام الشريعة وحبرها، وهو من ولد المطلب بن عبد مناف ولد بمدينة غزة سنة 150 ه? وحمل إلى مكة وهو ابن سنتين ونشأ بها فقيراً تربيه أمه ويواسيه ذوو قرابته من قريش، حفظ القرآن وهو ابن تسع سنين وأولع بالنحو والشعر واللغة ورحل إلى البادية في تطلبها ولم يناهز سن البلوغ حتى حفظ منها شيئاً كثيراً، ثم تفقه وحفظ موطأ مالك وأفتى وهو ابن خمس عشرة سنة. ثم رحل في هذه السن إلى مالك وقرا عليه الموطأ من حفظه فقال مالك: إن يكن أحد يفلح فهذا الغلام. وأضافه وخدمه بنفسه. ثم رجع إلى مكة، وعلم بها العربية والفقه، وصحح عليه الأصمعي شعر الهذليين ثم دخل بغداد سنة 195 فاجتمع عليه علماؤها وأخذوا عنه. وفي سنة 199 أو سنة 200 ه? خرج إلى مصر وسكن الفسطاط فكانت دار هجرته، وبها أملى مذهبه بجامع عمرو، وتوفي سنة 204ه?.
??الإمام أحمد بن حنبل
(1/362)
________________________________________
هو الإمام الصابر المحتسب أبو عبد الله أحمد بن حنبل الشيباني ولد ببغداد من سلالة عربية سنة 164 فتعلم العلم وطلب الحديث وسمع من أئمة وقته حتى حفظ مئات الألوف من الأحاديث وأختار منها نيفاً وأربعين ألف حديث ضمنها كتابه المسند، واستنبط مذهبه من السنة مشوباً بشيء من القياس والرأي وظهرت في مدته فتنة خلق القرآن، فامتحن بها في مجلس المعتصم ليجيبهم إلى القول بخلق القرآن فلم يفعل، فضرب حتى أغمي عليه، ثم عوفي واشتغل بالعلم والتعليم ببغداد حتى مات سنة 241 ه?.
علم الكلام
كان السلف الصالح من الصحابة والتابعين يستدلون على عقائدهم بظاهر الكتاب والسنة. وما وقع فيهما من المتشابه أو أوهم التشبيه المنافي لتنزيه المعبود توقفوا فيه خوف أن يحيد بهم فهمهم في التأويل عن القصد. غير أن ذلك لم يقنع من دخل في الإسلام فكثر جدلهم واضطر العلماء أن يعارضوهم وساعدهم الخلفاء وأولهم المهدي الذي حرضهم على تدوين علم الكلام "التوحيد" فافترق المرضي عن مذهبهم من علماء الكلام فرقتين، فرقة اعتقدت ما يقرب من مذهب السلف وسموا الجماعية أو أصحاب الحديث، وفرقة اعتزلها وخالفتها في بعض المسائل وسموا المعتزلة أو أصحاب العدل، وجرى رجال الحكومة العباسية على هذا المذهب ونصروه، حتى ظهر أبو الحسن الأشعري فألف مذهبه الكلامي الذي سمي بعد بمذهب الأشاعرة وغلب على كل مذهب شواء إلا بعض مذاهب قليلة كمذهب الشيعة "وبقي كثير منها إلى الآن" ومذاهب الخوارج وبقي منهم إلى عصرنا بقية في الجبل الأخضر من برقة، وفي جزيرة جربة على ساحل تونس وببلاد البحرين.
أبو الحسن الأشعري
(1/363)
________________________________________
هو أبو الحسن علي بن إسماعيل شيخ طريقة أهل السنة والجماعة وإمام المتكلمين ولد بالبصرة سنة 260 ه?، ونشأ علم الكلام عن أبي علي الجبائي شيخ المعتزلة وتبعه في الاعتزال، واحتج له حتى صار لسان المعتزلة أكثر من ثلاثين عاماً، ثم هداه البحث. فرأى أن كلا الفريقين من هؤلاء ومن المعتزلة غال في نظره، فتوسط وتغيب عن الناس مدة ألف فيها كتبه في نصرة أهل السنة والرد على أكثر عقائد المعتزلة؛ وكان شافعي المذهب، توفي سنة 324 ه? وممن نصر مذهبه الفجر الرازي والغزالي وقاربه في مذهبه القاضي أبو منصور الماتريدي.
الإمام الغزالي
هو أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي الشافعي حجة الإسلام ولذ سنة 450 ه?? ونشأ بطوس وتعلم بها مبادئ العلوم ثم رحل إلى نيسابور، ولازم إمام الحرمين الجويني وهو يومئذ عالم الشافعية في الشرق فما زال يتلقى عنه العلم حتى صار من أكابر متكلمي الأشاعرة وفقهاء الشافعية. ولما مات الجويني ذهب إلى بغداد ولقي الوزير نظام الملك صاحب المدرسة النظامية الشهيرة وناظر بحضرته العلماء فظهر عليهم وأقر له فحول العراق بالفضل فتولى التدريس بالمدرسة النظامية أربع سنوات، ثم حج وذهب إلى الشام يدرس ويسيح لزيارة بعض مشاهد أنبيائها ثم دخل مصر وأقام بالإسكندرية مدة ثم عاد إلى موطنه طوس واشتغل بتأليف الكتب الجليلة التي في مقدمتها كتاب "إحياء علوم الدين" ثم لزم التدريس بنيسابور ثم عاد إلى موطنه حيث مضى بقية عمره بين التدريس ووعظ الصوفية وعمل البر حتى مات بطوس سنة 505 ه?.

نشأة العلوم الكونية المنقولة وترجمتها وأشهر المترجمين والمشتغلين بها
(1/364)
________________________________________
وكانت تسمى علوم الفلسفة والحكمة وتشمل أربعة علوم: المنطق، والطبيعيات، والرياضيات، والإليهات، وتشمل الطبيعيات علم الطبيعة والكيمياء وفن المواليد الثلاثة والطب والصيدلة والفلاحة.
وتشمل الرياضيات علم الحساب وعلم الجبر وعلم الهندسة وعلم الآلات والحيل (الميكانيكا) وعلم الفلك الشامل للهيئة والتنجيم، ومن متعلقاته علم الجغرافيا الرياضية. ويلحق بهذه العلوم علم السياسة وتدبير المنزل والمال وعلم الأخلاق والموسيقى: وتشمل الإلهيات علم ما وراء الطبيعة من الروحانيات والمدركات العقلية كالبحث عن صفات الخالق والقوى النفسية والجن والملائكة ونحو ذلك.
وهذه العلوم فطرية في الإنسان من حيث أنه متفكر متمدين لا تختص بها أمة دون أخرى فكان الاشتغال بها ضرورياً لكل أمة أصبحت ذات حضارة ولذلك ترجم المسلمون يعضها في عصر بني أمية، واستقدم المنصور العباسي كثيراً من الأطباء والمترجمين، فترجموا له كتب اليونان والفرس والهنود في الطب والفلك والسياسة، ولما مات المنصور فتر أمر الترجمة إلى زمن الرشيد والبرامكة فحثوا العلماء على ترجمة الكتب اليونانية وصححوا بعض ما ترجم زمن المنصور، ثم جاء عصر المأمون فزخرت بحور الترجمة الترجمة، وبعث إلى بلاد الروم جماعة من المترجمين كابن البطريق، وسلم صاحب بيت الحكمة والحجاج بن مطر وحنين بن إسحاق فاختاروا كتباً حملوها إلى بغداد وترجمت وتعلمها الناس وصححوا أغلاطها واستدركوا عليها ولم يمض قرن من تأسيس الدولة العباسية حتى برع المسلمون في هذا العلوم كلها، وظهر منهم من الحكماء والفلاسفة من كاد يلحق فلاسفة اليونان. ومن هؤلاء فيلسوف الإسلام والعرب أبو يوسف يعقوب بن إسحاق بن الصباح الكندي وتلميذه أحمد بن الطيب السرخسي وبنو موسى بن شاكر محمد وأحمد والحسن أشهر رياضي هذا العصر، وأول المخترعين من المسلمين في الحيل والهندسة، ومحمد بن موسى الخوارزمي مخترع علم الجبر والمقابلة. ومذيع الحساب
(1/365)
________________________________________
الهندي بين العرب.
ثم ذهب طور الترجمة والتصحيح. وتلاه طور التأليف والتكميل والاختراع فأتى فيه بالعجب العجاب أبو نصر محمد بن محمد طرخان الفارابي الحكيم الكبير مخترع آلة الطرب المسماة بالقانون، والتي استنبط الإفرنج بمحاكاتها آلة المعزف (البيانو) المتوفى سنة 339 ه? وأبو بكر محمد بن زكريا الرازي الطبيب الكيميائي الشهير المتوفى سنة 313 ه? والشيخ الرئيس حكيم المشرق أبو علي الحسين بن سينا المتوفى سنة 428 ه? وأبو الريحان احمد بن محمد البيروني الفلكي الرياضي المقوم المتوفى سنة 430 ه?.
وكان لدولة الفواطم في مصر اشتغال بهذه العلوم فاشتهر في دولتهم في الفلك والرياضيات ابن يونس، وفي الطب ابن رضوان وغيرهما، ولم يعن أهل الأندلس بهذه العلوم عناية أهل المشرق، وأشهر من نبع منهم فيها أبو الوليد القاضي أحمد بن رشد وأبو القاسم الزهراوي، ومن كتب هؤلاء الأئمة وأمثالهم اقتبس أهل (أوربا) كثيراً من أصول مدينتهم الحاضرة.
الشعر والشعراء
قد كان للشعر عند الخلفاء والوزراء والقواد سوق نافقة حتى عند رؤساء الأعاجم من الديلم والترك، ودام كذلك إلى انتهاء الدولة العباسية. وبهذه العناية العظيمة بل وكثرة قائليه ومنتحليه تفنن الناس وأدخلوا عليه فنوناً لم تعهد فيه واستعملوه في كل غرض حتى التعبد به، وتشكل أسلوبه وتنوعت معانيه بما يطابق أغراض استعماله.
ولم يقصر الشعر على الموالي في صدر الدولة العباسية كالكتابة، بل اشتركوا فيه هم وغيرهم من أعراب البادية أحياناً ومن سلائل العرب بالأمصار أخرى، غير أن بضعة من فحول صدر الدولة كانوا موالي مثل بشار، وأبي نواس، ومسلم، وأبي العتاهية، وابن الرومي.
ومن أشهر شعراء الأمصار من العرب أبو تمام، والبحتري، وابن المعتز، والمتنبي، وأبو فراس، وأبو العلاء المعري، وابن هانئ الأندلسي، والشريف الرضي.

(1) بشار بن برد
(1/366)
________________________________________
هو أبو معاذ بشار المرعث بن برد: اشعر مخضومي الدولتين ورأس الشعراء المحدثين، وممهد طريق الاختراع والبديع للمتفننين، وأحد البلغاء المكفوفين. وأصله من فرس طخارستان من سبي المهلب بن أبي صفرة فنشأ بشار فيهم وأختلف إلى الأعراب الضاربين بالبصرة حتى خرج نابغة زمانه في الفصاحة والشعر، وكان أكمه مجدور الوجه قبيح المنظر، مفرط الطول، ضخم الجثة، متوقد الذكاء، لا يسلم من لسانه خليفة ولا سوقة، لا يألف ولا يؤلف.
شعره: قد أجمع رواة الشعر ونقدته على أن بشاراً هو رأس المحدثين وأسبقهم إلى معاطاة البديع وطرق أبواب المجون والخلاعة والغزل والهجاء وأنه أول من جمع في شعره بين جزالة العرب ورقة وفتق عن المعاني الدقيقة والأخيلة اللطيفة حتى عد شعره برزخاً بين الشعر القديم والحديث ومجازاً يعبر عليه الشعر من مرابع البدواة إلى مقاصير الحضارة، ومات سنة 167 ه?.
ومن شعره في المشورة والحكم والنصائح:
إذا بلغ الرأيُ المشورةَ فاستعن

برأي نصيحٍ أو نصيحةِ حازم

ولا تجعل الشُّورى عليك غضاضةً

فإن الخوافي قوةٌ للقوادم

وما خيرُ كفّ أمسك الغلُّ أختها

وما خيرُ سيفٍ لم يؤيّد بقائم

وخلّ الهوينى للضعيف ولا تكن

نؤوماً فإنّ الحرِّ ليس بنائم

وقوله:
إذا كنتَ في كلّ الأمور معاتباً

صديقك لم تلقَ الذي لا تعاتبهْ

فعش واحداً أو صلْ أخاك فإنه

مقارفُ ذنب مرَّةً ومجانبهْ

إذا أنت لم تشربْ مراراً على القذى

ظمئتَ وأي الناس تصفو مشاربه

وقوله:
خليليَّ إن المالَ ليس بنافع

إذا لم ينلْ منه أخٌ وصديقُ

وكنتُ إذا ضاقت عليَّ محلة

تيمّمت أخرى ما عليَّ مضيقُ

وما خاب بين الله والناس عاملٌ

له في التقى أو في المحامد سوق
وما ضاق فضلُ الله عن متعفِّف

ولكنَّ أخلاقَ الرجال تضيق

(2) أبو نواس
(1/367)
________________________________________
هو أبو علي الحسن بن هانئ، الشاعر المتفنن الجاد الماجن، صاحب الصيت الطائر، والشعر السائر، ورأس المحدثين بعد بشار، وهو فارسي الأصل.
ولد بقرية من كورة خوذستان سنة 146 ه? ونشأ يتيماً فقدمت به أمه البصرة بعد سنتين من مولده فتعلم العربية ورغب في الأدب فلم تعبأ أمه بحاله وأسلمته إلى عطار بالبصرة، فمكث عنده لا يفتر عن معاناة الشعر إلى أن صادفه عند العطار "والبة بن الحباب" الشاعر الماجن الكوفي في إحدى قدماته إلى البصرة فأعجب كل منهما بالآخر، فأخرجه والبة معه إلى الكوفة فبقي معه ومع ندمائه من خلعاء الكوفة، وتخرج عليهم في الشعر وفاقهم جميعاً، وبلغ خبره الرشيد فأذن له في مدحه فمدحه بقصائد طنانة، ثم انقطع إلى مدح محمد الأمين وثبت عنده بعض ما يوجب تعزيره فسجنه ولم يلبث بعد خروجه من السجن أن مات ببغداد سنة 198 ه?.
وكان أبو نواس جميل الصورة فكه المحضر، كثير الدعابة، حاضر البديهة، متيناً في اللغة والشعر والأدب.
شعره: أكثر علماء الشعر ونقدته وفحول الشعراء على أن أبا نواس أشعر المحدثين بعد بشار وأكثرهم تفنناً وأبدعهم خيالاً مع دقة لفظ وبديع معنى وأنه شاعر مطبوع برزفي كل فن من فنون الشعر، وامتاز من كل الشعراء بقصائد الخمريات ومقطعاته المجونيات. وكان شعره لقاح الفساد والقدوة السيئة لنقله الغزل من أوصاف المؤنث إلى المذكر.
ومن قوله لما حضرته الوفاة:
يا ربّ إن عظمت ذنوبي كثرةً

فلقد علمتُ بأن عفوك أعظمُ

إن كان لا يرجوك إلاَّ محسنٌ

فبمن يلوذُ ويستجير المجرمُ

أدعوك ربّ كما أمرت تضرُّعا

فإذا رددتَ يدي فمن ذا يرحمُ؟
مالي إليك وسيلة إلاّ الرّجا

وجميلُ عفوك ثم إني مسلمُ

(3) مسلم بن الوليد
(1/368)
________________________________________
هو صريع الغواني أبو الوليد مسلم بن الوليد الأنصاري، أحد الشعراء المفلقين. قال الشعر في صباه ولم يتجاوز به الأمراء والرؤساء مكتفياً بما يناله من قليل العطاء، ثم انقطع إلى يزيد بن مزيد الشيباني قائد الرشيد، ثم اتصل بالخليفة هارون الرشيد ومدحه ومدح البرامكة وحسن رأيهم فيه ولما أصبح الحل والعقد بيد ذي الرياستين: الفضل بن سهل وزير المأمون في أول خلافته، قربه وأدناه وولاه أعمالاً بجرجان، ثم الضياع بأصبهان. ولما قتل الفضل لزم منزلة ونسك ولم يمدح أحداً حتى مات بجرجان سنة 208 ه?.
شعره: قد تكلف البديع في شعره واستكثر منه في قوله، ومزج كلام البدويين بكلام الحضريين فضمنه المعاني اللطيفة وكساه الألفاظ الظريفة. فله جزالة البدويتين ورقة الحضريين.
ومن جيد قوله:
تجودُ بالنَّفس إن ضنَّ الجوادُ بها

والجودُ بالنفس أقصى غايةِ الجود
(4) أبو العتاهية هو أبو إسحاق إسماعيل بن القاسم بن سويد، أطبع أهل زمانه شعراً وأكثرهم قولاً وأسهلهم لفظاً وأسرعهم بديهة وارتجالاً وأول من فتح للشعراء باب الوعظ والتزهيد في الدنيا والنهي عن الاغترار بها وأكثر من الحكمة.
ولد بالكوفة سنة 130 ه? ونسا في عمل أهله وكانوا باعة جرار إلا أنه ربا بنفسه عن عملهم. وقال الشعر في صباه وامتزج بلحمه ودمه فذاع صيته وسلك طريق خلعاء الكوفة ثم قدم بغداد ومدح المهدي. ثم عرضت له حال امتنع فيها عن قول الشعر حتى حبسه الرشيد لعدم تلبيته ما اقترحه علي من القول فيه ثم أطلقه بعد أن أجاب طلبته وعاد إلى قول الشعر على عادته فيه، وترك الغزل والهجاء وبقي على ذلك مدة الرشيد والأمين وأكثر أيام المأمون حتى مات سنة 211 ه? ببغداد ومن شعره يمدح المهدي:
أتته الخلافةُ منقادةً

إليه تجررُ أذيالها

فلم تك تصلح إلاَّ له

ولم يكُ يصلح إلاَّ لها

ولو رامها أحدٌ غيره

لزلزلتِ الأرضُ زلزالها
ولو لم تطعهُ بناتُ القلو
(1/369)
________________________________________
ب لما قبلَ الله أعمالها

وأن الخليفة من بغضِ لا

إليه ليبغضُ من قالها

وكتب على البديهة في ظهر كتاب:
ألا إنّنا كلّنا بائدُ

وأيُّ بني آدمِ خالدُ

وبدؤهم كان من ربهمْ

وكلٌّ إلى ربّه عائدُ

فيا عجباً كيف يعصي الإل
ه أم كيف يجحده الجاحدُ

ولله في كلّ تحريكة

وفي كلّ تسكينةٍ شاهدُ

وفي كلّ شيءٍ له آيةٌ

تدلُّ على أنهُ واحدُ

(5) أبو تمام
هو أبو تمام حبيب بن أوس الطائي أسبق ثلاثة الشعراء الذين سارت بذكرهم الركبان. وخلد شعرهم الزمان. ثانيهم البحتري، وثالثهم المتنبيء ولد سنة 190 ه? بقرية جاسم من أعمال دمشق ونقل صغيراً إلى مصر فنشأ بها فقيراً وكان يسقي الماء بالجرة في جامع عمرو. وتعلم العربية وحفظ ما لا يحصى من شعر العرب ونبغ في قوله، ثم خرج إلى مقر الخلافة فمدح المعتصم وحظي عنده ومدح وزيره محمد بن الزيات والحسن بن وهب الذي ولاه بريد المصل فأقام بها إلى أن مات سنة 231 ه?.
شعره: يعد أبو تمام رأس الطبقة الثالثة من المحدثين، انتهت إليه معاني المتقدمين والمتأخرين وظهر والدنيا قد ملئت بترجمة علوم والأوائل وحكمتها فحصف عقله ولطف خياله بالاطلاع عليها. وهو الذي مهد طريق الحكم والأمثال للمتنبي وأبي العلاء وغيرهما، ولذلك كان يقال إن أبا تمام والمتنبي حكيمان والشاعر البحتري.
وأجاد أبو تمام في كل فن من فنون الشعر، أما مراثيه فلم يعلق بها أحد جاش صدره بشعر، وأشهرها القصيدة التي رثي بها محمد بن الطائي ومنها:
كذا فخليلَّ الخطبُ وليفدحِ الأمرُ

فليسَ لعينٍ لم يفض ماؤها عذرُ

توفيتِ الآمالُ بعد محمد

وأصبح في شغلٍ عن السَّفر السفرُ

وما كان إلاَّ مالَ من قلّ ماله

وذخراً لمن أمس وليس له ذخر

وما كان يدري مجتدى جودٍ كفه

إذا ما استهلّتْ أنهُ خلق العسرُ

ألا في سبيل الله من عطّلت له
(1/370)
________________________________________
فجاجُ سبيل الله وانثغرَ الثغرُ

فتى كلّما فاضت عيون قبيلة

دماً ضحكت عنهُ الأحاديث والذكر

فتى دهره شطران فيما ينوبه

ففي بأسه شطر وفي جوده شطر

فتى مات بين الطَّعن والضرب ميتة

تقوم مقامَ النصر إنْ فاته النصرُ

وما مات حتى مات مضربُ سيفه

من الضرب واعتلّت عليه القنا السُّمر
وقد كان فوتُ الموت سهلاً فرّده

إليه الحفاظ المرُّ والخلقُ الوعرُ

ونفسٌ تعاف العارَ حتى كأنما

هو الكفر يوم الرّوع أو دونه الكفر

فأثبتَ في مستنقع الموت رجله

وقال لها من تحت أخمصك الحشر

غدا غدوة والحمد نسج ردائه

فلم ينصرف إلا وأكفانهُ الأجر

(6) البحتري
(1/371)
________________________________________
هو أبو عبادة الوليد بن عبيد الطائي أشعر الشعراء بعد أبي نواس ولد سنة 206 ه? بناحية منبج في قبائل طي وغيرها من البدو الضاربين في شواطئ الفرات ونشأ بينهم فغلبت عليه فصاحة العرب وخرج إلى العراف وأقام في خدمة المتوكل والفتح بن خاقان محترماً عندهما إلى قتلا في مجلس كان هو حاضرة فرجع إلى منبج، وبقي يختلف أحياناً إلى رؤساء بغداد وسر من رأى حتى مات سنة 284 ه?: وكان على فضله وفصاحته من أبخل خلق الله وأوسخهم ثوباً وأكثرهم فخراً بشعره حتى كان يقول إذا أعجبه شعره أحسنت والله، ويقول للمستمعين: ما لكم لا تقولون أحسنت. والكثير على أنه لم يأت بعد أبي نواس من هو أشعر من البحتري، ولا بعد البحتري من هو أطبع منه على الشعر ولا أبدع منه في الخيال الشعري.
شعره: كله بديع المعنى حسن الديباجة صقيل اللفظ، سلس الأسلوب كأنه سيل ينحدر إلى الأسماع مجوداً في كل غرض سوى الهجاء ولذلك اعتبره كثير من أهل الأدب هو الشاعر الحقيقي واعتبروا أمثال أبي تمام والمتنبي والمعري حكماء، ولسهولة شعره ورقته كان أكثر الأصوات التي يتغنى بها في زمنه من شعره المطبوع في ديوان حافل. ومن قوله يمدح الخليفة المتوكل ويصف موكب خروجه لصلاة عيد الفطر وخطبته في الناس:
بالبرِّ صمتَ وأنتَ أفضل صائم

وبسنَّة الله الرَّضيَّة تفطر

فانعمْ بيوم الفطر عيدا إنهُ

يوم أغرُّ من الزمان مشهَّرُ

أظهرتَ عز الملك فيه بجحفل

لجبِ يحاطُ الدّينُ فيه وينصرُ

خلنا الجبالَ تسير فيه وقد غدتْ

عدداً يسير بها العديدُ الأكثرُ

فالخيلُ تصهلُ والفوارسُ تدّعي

والبيض تلمع والأسنّةُ تزهرُ

والأرضُ خاشعةٌ تميد بثقلها

والجوُّ معتكرُ الجوانب أغبرُ

والشمس طالعة توقّدُ في الضحى

طوراً ويطفئها العجاجُ الأكدرُ

حتى طلعتَ بضوء وجهك فانجلى

ذاك الدُّجى وإنجاب ذاك العثيرُ

فافتنّ فيك الناظرون فإصبعٌ
(1/372)
________________________________________
يوماً إليك بها وعينٌ تنظرُ

يجدون رؤيتك التي فازوا بها

من أنعمِ الله الَّتي لا تكفرُ

ذكروا بطلعتك النبيّ فهلّلوا

لما طلعتَ من الصفوف وكبّروا
حتى انتهيتَ إلى المصلّى لابساً

نورَ الهدى يبدو عليكَ ويظهرُ

ومشيتَ مشية خاشع متواضعِ

لله لا يزهى ولا يتكبَّرُ

فلوَ أن مشتاقاً تكلّف فوق ما

في وسعه لسعى إليك المنبرُ

أبديتَ من فصل الخطاب بحكمة

تنبي عن الحق المبين وتخبرُ

ووقفتَ في براد النبيّ مذكّراً

بالله تنذر تارة وتبشِّرُ

(7) ابن الرومي
هو أبو الحسن علي بن العباس بن جريج الرومي مولى بني العباس الشاعر المكثر المطبوع، صاحب النظم العجيب، والتوليد الغريب، والمعاني المخترعة والأهاجي المقذعة.
ولد ببغداد سنة 221 ه? ونشأ بها، وأقام كل حياته، وكان كثير التطير جداً وكان القاسم بن عبيد الله وزير المعتز يخاف هجوه وفلتات لسانه فسلط عليه من دس له السم في الدسم إلى أن مات سنة 283 ه? ببغداد ه? وآثاره في أبواب هذا الكتاب.
شعره: قاله في كل غرض ولا سيما الوصف والهجاء، ونبغ في الشعر نبوغاً لم يقصر به كثيراً عن درجة البحتري، وربما فاقه في اختراع المعاني النادرة أو توليدها من معاني من سبقه بشكل جديد، ووضعها في أحسن قالب، وله ديوان كبير.

(8) ابن المعتز
(1/373)
________________________________________
هو أمير المؤمنين أبو العباس عبد الله بن أمير المؤمنين محمد المعتز بالله أشعر بني هاشم، وأبرع الناس في الأوصاف والتشبيهات.
ولد سنة 249 ه? في بيت الخلافة، وتربى تربية الملوك وأخذ عن المبرد وثعلب ومهر في كل علم يعرفه أئمة عصره وفلاسفة دهره حتى هابه وزراء الدولة وشيخ كتابها وعملوا على أن لا يقلدوه الخلافة خشية أن يكف أيديهم عن الاستبداد بالملك، وولوا المقتدر صبياً، ثم حدثت فتن عظيمة فتسرع محمد بن داود بن الجراح وجمع العلماء وخلعوا المقتدر، وبايعوا ابن المعتز بالخلافة على غير طلب منه. فلما رأى غلمان المقتدر أن الأمر سيخرج من أيديهم تآمروا على قتله وخنق من ليلته سنة 296 ه?، وآثاره متفرقة في هذا الكتاب.
(9) أبو الطيب المتنبي
(1/374)
________________________________________
هو أبو الطيب أحمد بن الحسين الجعفي الكندي الكوفي المتنبي الشاعر الحكيم، وخاتم ثلاثة الشعراء، وآخر من بلغ شعره غاية الارتقاء.
وهو من سلالة عربية من قبيلة جعفي بن سعد العشيرة إحدى قبائل اليمانية. ولد بالكوفة سنة 303 ه? في محلة كندة ونشأ بها وأولع بتعلم العربية من صباه وكان أبوه سقاء فخرج به إلى الشام ورأى أبو الطيب أن استتمام علمه باللغة والشعر لا يكون إلا بالمعيشة في البادية فخرج إلى بادية بني كلب فأقام بينهم مدة ينشدهم من شعره وبأخذ عنهم اللغة فعظم شأنه بينهم. وكانت الأعراب الضاربون بمشارف الشام شديدي الشغف على ولاتها فوشى بعضهم إلى لؤلؤ أمير حمص من قبل الأخشيدية بأن أبا الطيب ادعى النبوة في بني كلب وتبعه منهم خلق كثير ويخشى على ملك الشام منه. فخرج لؤلؤ إلى بني كلب وحاربهم وقبض على المتنبي وسجنه طويلاً ثم استتابه وأطلقه.
فخرج من السجن وقد لصق به اسم المتنبي مع كراهته له. ثم تكسب بالشعر مدة انتهت بلحاقه بسيف الدولة بن حمدان فمدحه بما خلد اسمه أبد الدهر. وتعلم منه الفروسية وحضر معه وقائعه العظيمة مع الروم حتى عد من أبطال القتال رجاء أن يكون صاحب دولة.
ثم قصد كافوراً الأخشيدي أمير مصر ومدحه ووعده كافور أن يقلده أمارة أو ولاية، ولكنه لما رأى تغاليه في شعره وفخر بنفسه عدل أن يوليه. وعاتبه بعضهم في ذلك فقال: يل قوم، من ادعى النبوة بعد محمد ( أما يدعي المملكة بعد كافور، فحسبكم فعاتبه أبو الطيب واستأذن في الخروج من مصر فأبى. فتغفله في ليلة عيد النحر وخرج منها يريد الكوفة ومنها قصد عضد الدولة بن بويه بفارس ماراً ببغداد فمدحه ومدح وزيره ابن العميد فأجزل صلته وعاد إلى بغداد. وخرج إلى الكوفة فخرج عليه إعراب بني ضبة وفيهم فاتك بن أبي جهل، وكان المتنبي قد هجاه هجاء مقذعاً فقاتلهم قتالاً شديداً حتى قتل المتنبي وابنه وغلامه سنة 354 ه???.
شعره: لا خلاف عند أهل الأدب في أنه لم ينبغ بعد
(1/375)
________________________________________
المتنبي في الشعر من بلغ شأوه أو داناه. والمعري على بعد غوره وفرط ذكائه وتوقد خاطره وشدة تعمقه في المعاني والتصورات الفلسفية يعترف بأبي الطيب ويقدمه على نفسه وغيره. ومن قوله:
إذا رأيتَ نيوبَ الليث بارزةً

فلا تظنَّنَّ أن الليثَ يبتسمُ

أعيذها نظراتٍ منك صادقةَ

أن تحسبَ الشحم فيمن شحمهُ ورم
وما انتفاعُ أخي الدنيا بناظرةٍ

إذا استوت عنده الأنوار والظلم

يا من يعز علينا أن نفارقهم

وجداننا كلَّ شيءٍ بعدكم عدمُ

إن كانَ سرَّكم ما قال حاسدنا

فما لجرحٍ إذا أرضاكمُ ألمُ

وبيننا لو رعيتمْ ذاك معرفة

أن المعارفَ في أهل النّهى ذممُ
كم تطلبون لنا عيباً فيعجزكم

ويكره الله ما تأتون والكرمُ

إذا ترحلتَ عن قوم وقد قدروا

ألا تفارقهمْ فالراحلون همُ

ومن قوله:
ذو العقلِ يشقى في النّعيم بعقله

وأخو الجهالةِ في الشقّاوة ينعمُ

لا يخدعنكَ من عدوًّ دمعهُ

وارحمْ شبابك من عدوًّ ترحمُ

لا يسلم الشرفُ الرفيعُ من الأذى

حتى يراقَ على جوانبه الدّمُ

والظلمُ من شيمِ النفوس فإن تجدْ

ذا عفَّة فلعلَّة لا يظلم

ومن البليّة عذلُ من لا يرعوي

عن غيّة وخطابُ من لا يفهم

ومن العداوة ما ينالك نفعة

ومن الصّداقة ما يضرُّ ويؤلم

ومن قوله:
ما كنت أحسبُ قبل دفنك في الثَّرى

أن الكواكبَ في التراب تموزُ

ما كنت آملُ قبل نعيك أن أرى

رضوى على أيدي الرجال يسير

خرجوا به ولكلّ باكٍ حوله

صعقاتُ موسى يومَ دكَّ الطُّور

حتى أتوا جدثاً كأن ضريحه

في كل قلب موجدٍ محفور

كفلَ الثناءُ له بردّ حياتهِ

لمَّا انطوى فكأنه منشور

(10) ابن هانئ الأندلسي
(1/376)
________________________________________
هو أبو القاسم محمد بن هانئ الأزدي الأندلسي شاعر الغرب ومتنبيه والمؤثر فخامة ألفاظه على رقة معانيه، وأحد المفرطين في غلو المدح واستعمال الاستعارة والتشبيه.
ولد بأشبيلية 326 ه? ولما نبه شأنه اتصل بعامل أشبيلية زمن المستنصر الأموي، ومدحه بغرر القصائد فأحله منه منزلة سنية وأغدق عليه العطايا فأكب على اللهو والطرب والاستهتار، واتهم بالزندقة والكفر لاشتغاله بالفلسفة.
ولما شاع ذلك عنه نقمة أهل أشبيلية وأشركوا عاملها في التهمة وكادوا يهمون به فأشار عليه بالهجرة متن أشبيلية فاختار البحر إلى عدوة المغرب ومدح ولاته من قبل المعز الفاطمي، ثم نمي خبره إلى المعز فوجه في طلبه فوفد عليه بأفريقية ومدحه فاصطفاه واتخذ شاعر دولته.
ولما فتح جوهر مصر وبنى القاهرة ورحل إليها المعز ليتخذها دار ملكه شيعه ابن هانئ، ورجع لأخذ عياله والالتحاق به، فتجهز وتبعه، فلما وصل إلى برقة مات بها سنة 362 ه?، وعمره 36 سنة.
شعره: لم ينبغ في شعراء جزيرة الأندلس ولا بر المغرب جميعهما من يفوق ابن هانئ في صناعة الشعر أو يساويه فقد كان عندهم في الشهرة والإجادة وشرف الشعر بمنزلة المتنبي عند المشارقة ويسميه كثير من الأدباء بمتنبي المغرب.
ومن قوله في وصف الخيل:
وصواهلٍ لا الهضبُ يوم مغارها

هضبٌ ولا البيدُ الحزون حزون

عرفتْ بساعة سبقها لا أنها

علقتْ بها يومَ الرّهان عيون

وأجلُّ علم البرق فيها أنها

مرّت بجانحتيهِ وهي ظنون

ومن قوله الموهم الكفر في مطلع قصيدة يمدح بها المعز:
ما شئتَ لا ما شاءتِ الأقدارُ

فاحكم فأنت الواحدُ القهّار

(11) أبو العلاء المعري
(1/377)
________________________________________
هو أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري التنوخي الشاعر الفيلسوف المتفنن: وهو عربي النسب منى قبيلة تنوخ من بطون قضاعة من بيت علم وقضاء.
ولد بمعرة النعمان سنة 363 ه? وجدر في الثالثة من عمره فكف بصره وتعلم على أبيه وغيره من أئمة زمانه، وكان يحفظ كل ما يسمعه من مرة: وقال الشعر وعمره إحدى عشرة سنة، ودخل بغداد، وأقبل عليه السيد المرتضى إقبالاً عظيماً ثم جفاه. ولما رجع إلى المعرة أقام ولم يبرح منزلة، ونسك وسمى نفسه رهن المحبسين: محبس العمى ومحبس المنزل وبقي فيه مكباً على التدريس والتأليف ونظم الشعر مقتنعاً بعشرات من الدنانير في العام يستغلها من عقار له، مجتنباً أكل الحيوان وما يخرج منه مدة 45 سنة، مكتفياً بالنبات متعللاً بأنه فقير وأنه يرحم الحيوان. وعاش عزبا إلى أن مات سنة 449 ه? بالمعرة. وأوصى أن يكتب على قبره:
هذا جناه أبي عل

يّ وما جنيتُ على أحد
شعره: وله كثير من الشعر يناقض بعضه في حقيقة العالم والشرائع والمعبود وللناس في اعتقاده أقوال كثيرة والظاهر أنه كان شاكاً متحيراً وهو أحكم الشعراء بعد المتنبي ويفضل عليه في الطبيعيات والاجتماعيات والأخلاق والقوانين والفلسفة والشرائع والأديان. ومن مراثيه قوله:
غير مجدٍ في ملتي واعتقادي

نوحُ باك ولا ترنُّم شادِ

وشبيهٌ صوتُ النَّعي إذا قي?

??س بصوت البشير في كل ناد
أبكتْ تلكمُ الحمامة أم غنّ

?تْ على فرع غصنها المياد

صاح هذي قبرونا تملأ الرُّح

بَ فأين القبورُ من عهد عاد

خفِّف الوطء ما أظنّ أديم أل

أرض إلاّ من هذه الأجساد

وقبيحٌ بنا وإن قدم العه

د هوانُ الآباءِ والأجداد

سر إن استطعتَ في الهواء رويداً

لا اختيالاً على رفاتِ العباد

ربّ لحدٍ قد صار لحداً مراراً

ضاحك من تزاحمُ الأضداد

ودفينِ على بقايا وفين
(1/378)
________________________________________
في طويل الأزمان والآباد

فاسأل الفرقدين عمن أحسّا

من قبيل وآنساً من بلاد

كمْ أقاما على زوال نهار

وأنارا لمدلجِ في سواد

تعبٌ كلها الحياةُ فما أع

جبُ إلاّ من راغبٍ في ازياد

إنّ حزناً في ساعة الموت إضعا

فُ سرورٍ في ساعة الميلاد

خلق الناس للبقاءِ فضلّت

أمةٌ يحسبونهم للنفادِ

إنما ينقلون من دار أعما

لٍ إلى دار شقوةٍ أو رشاد

ومنها:
بانَ أمرُ الإله واختلف النا

س فداعٍ إلى ضلالَ وهاد

والذي حارت البريةُ فيه

حيوان مستحدثٌ من جماد

فاللبيبُ اللبيبُ من ليس يغت

رُ بكونٍ مصيره للفساد

ومن قوله:
ضحكنا وكان الضحكُ منا سفاهةً

وحقّ لسكَّان البسيطة أن يبكوا

تحطّمنا الأيام حتى كأننا

زجاجٍ ولكن لا يعاد لنا سبك

?(12) ابن خفاجة الأندلسي
هو أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله خفاجة شاعر شرقي الأندلس واشهر وصاف الطبيعة: ولد بجزيرة شقر من أعمال بلنسية سنة 450 فتعلم ونظم الشعر وكتب الرسائل الإخوانية البليغة، الحوداث الجوية ومناظر الطبيعة: وله غزل رقيق ومدح بارع ورثاء بليغ.
شعره: يمتاز بالجزالة وكثرة المعاني وازدحامها في اللفظ حتى يحتاج في فهمها إلى التأمل على خلاف مذهب الأندلسيين في ذلك: توفي سنة 533 ه?: ومن قوله يصف زهرة:
ومائسة تزهى وقد خلع الحيا

عليها حلّي حمراً وأودية خضراً
يذوب لها ريقُ الغمائمُ فضّةً

ويجمدُ في أعطافها ذهباً نضراً

وقوله:
يأهل أندلسٍ لله دركمُ

ماءٌ وظلٌّ وأنهارٌ وأشجارٌ

ما جنةُ الخلد إلاّ في دياركم

ولو تخيّرتُ هذي كنتُ أختارُ

لا تخشوا بعدَ ذا أنْ تدخلوا سقراً

فليس تدخلُ بعد الجنة النّارُ

الرواية والرواة
(1/379)
________________________________________
جاءت الدولة العباسية وقد اتسع نطاق الرواية واختص كل فريق من الناس برواية شيء: فلما دونت الكتب في عصر الدولة العباسية أفرغ الرواة ما حفظوه فيها وأخذ أمر الرواية يضمحل شيئاً فشيئاً في أكثر العلوم ولا شيما الأدب ثم اقتصر في الرواية على تصحيح النطق والأداء: ولكل علم رواة مشهورون وقد سبق الكلام على رواة العلوم والفنون في تاريخ وضعها.
وأما رواة الأدب والشعر خاصة فأشهرهم حماد الرواية الكوفي، وخلف الأحمر البصري، وأبو عمرو الشيباني الكوفي، والسكري البغدادي.
ومن رواة الأدب بجميع فنونه لغة وشعراً وأخباراً أبو عمرو بن العلاء وأبو عبيدة معمر بن المثنى، والأصمعي، وأبو زيد الأنصاري، وأبو عبيد القاسم بن سلام، ومحمد بن سلام الجمجمي، وغيرهم. وهاك ترجمة أشهرهم في الرواية.
الأصمعي
هو شيخ رواة الأدب الإمام الثبت الحجة الثقة التقي أبو سعيد عبد الملك بن قريب بن عبد الملك بن علي أصمع الباهلي البصري. ولد سنة 123 ه? ونشأ بالبصرة فأخذ العربية والحديث والقراءة عن أئمة البصرة وأخذ عن فصحاء الأعراب وأكثر الخروج إلى البادية وشافه الأعراب وساكنهم وتعلم من خلف الأحمر نقد الشعر ومعانيه وكان أحفظ أهل زمانه حتى قال مرة إني أحفظ اثني عشر ألف أرجوزة فقال له رجل: منها البيت والبيتان. فقال: ومنها المائة والمائتان. وعمر حتى أدرك زمن المأمون. وأراد المأمون أن يقدمه إليه فاعتذر بكبر السن. ومات سنة 216 ه? وله مؤلفات كثيرة.
?العصر الرابع عصر المماليك التركية 656 1330 ه?
حالة اللغة العربية وادابها في ذلك العصر
(1/380)
________________________________________
لما اكتسح التتار ممالك الدولة العباسية افترقوا إلى ممالك متعددة بآسيا وشرقي أوروبا، ولم يلبثوا أكثر من نصف قرن حتى أسلموا وشرعوا يخدمون الإسلام: بتقريب العلماء إليهم وترغيبهم في التأليف، ففاد ذلك في إدامة الحركة العلمية في الجملة، وإن لم يفد اللغة العربية فائدة تذكر لمكان العجمة منهم، أما علوم العرب وأدبها فلم يكن لها مباءة ترجع إليها إلا البلاد العربية كالشام ومصر غير أنه أصبحت اللغة التركية العثمانية هي اللغة الرسمية للأعمال الديوانية والسياسية في جميع الممالك العثمانية، فزاحمت اللغة العربية مزاحمة ظهر أثرها بيناً في تحرير الرسائل الديوانية والمعاهدات السياسية، ودخل في اللغة أثناء دولتي المماليك والعثمانيين كثير من الألفاظ التركية والفارسية:
النثر لغة التخاطب
كادت تحل محل اللغة العامية العربية (في أعالي الجزيرة وشرقي العراق) اللغة الفارسية والتركية والكردية ممزوجة بشيء من الألفاظ العربية.
أما في بقية الجزيرة والعراق ومصر والشام فقد بقيت العامية العربية لسان الجميع فيها حتى الملوك والسلاطين لغلبة العناصر العربية فيها. بل دون بها بعض العلماء ونظم بها الشعراء ثم أخذت العناية بها في الانحطاط.
الخطابة
لم تتغير الخطابة هما كانت عليه أواخر الدولة العباسية من حيث قصورها على خطب الجمع والأعياد وتلاوة بعض المرسومات والمنشورات وبقيت لغة الخطابة العربية وحدها أو مع الترجمة إلى الأعجمية.
الكتابة الكتابة الخطية
درج الخط في هذا العصر في الطريق التي مهدها ابن مقلة وابن البواب وياقوت الملكي وياقوت المستعصمي، واستعملت فيه أكثر أنواعه وما زال الخط يجري في مضماره حتى قبض على عنانه مكتبو الترك العثمانيين فأبدعوا في تحسينه بما جعل جميع العالم يعترف لهم بالسبق: ومن أشهرهم الشيخ حمد الله الأماسي إمام الخطاطين العثمانيين، وجلال الدين، والحافظ عثمان.
الكتابة الإنشائية كتابة الرسائل
(1/381)
________________________________________
اتبعت في كتابة الرسائل أثناء هذا العصر طريقة القاضي الفاضل التي أساسها المعاني الخيالية والتزام السجع والمحسنات البديعة وعضد هذه الطريقة من كتاب هذا العصر شهاب الدين محمود الحلبي المتوفى سنة 755 ه?. ومحيي الدين بن عبد الظاهر، وابن فضل الله العمري وأولاده، وبقيت هذه الطريقة مرعية في مصر والشام حتى نهاية دولة المماليك وصدر حكومة العثمانيين. ولما غلبت اللغة التركية العثمانية على كتابة الدواوين وأصبحت رسمية في الحواضر والأمصار، أخذ شأن الكتابة العربية في الاضمحلال.

الكتاب
(1) القاضي محيي الدين عبد الظاهر
(1/382)
________________________________________
هو الكاتب الشاعر عبد الله بن عبد الظاهر الجذامي المصري ولد سنة 620 ه? ورباه والده، وبرع في كتابة الرسائل سالكاً طريقة القاضي الفاضل وخدم في ديوان الإنشاء مدة الملك الظاهر بيبرس وولديه، وبعض أيام المنصور قلاوون ويعتبر محيي الدين وابنه محمد فتح الدين من واضعي اصطلاح الإنشاء ونظام ديوانه الذي ظل مرعياً في مصر والشام حتى نسخة النظام التركي العثماني، وتوفي سنة 692 ه? وله تأليف ومكاتبات سلطانية كثيرة، وله من رسالة كتبها على لسان الملك المنصور قلاوون يرد على صاحب اليمن في تعزيته على موت ابنه: "ولنا (والشكر لله) صبر جميل، لا نأسف معه على فائت ولا نأسى على مفقود، وإذ علم الله (سبحانه) حسن الإستنابة إلى قضائه، والاستكانة إلى عطائه، عوض كل يوم ما يقول المبشر به: هذا مولى مولود، وليست الإبل بأغلظ أكباداً ممن له قلب لا يبالي بالصدمات كثرت أو قلت، ولا بالتباريح حقرت أو جلت، ولا بالأزمات إن هي توالت أو تولت ولا بالجفون إن ألقت ما فيها من الدموع والهجوع وتخلت ويخاف من الدهر من لا حلب أشطره، ويأسف على الفائت من لا بات بنبإ الخطوب على أن الفادح بموت الولد الملك الصالح (رضي الله عنه) وان كان منكياً والنافح بشجوه وإن كان مبكياً. والنائح بذلك الأسف وإن لنار الأسف مذكياً. فإن وراء ذلك من تثبيت الله عز وجل ما ينسفه نسفاً، ومن إلهامه الصبر ما يجدد لتمزيق القلوب أحق ما به ترفى. وبكتاب الله (تعالى) وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم) عندنا حسن اقتداء يضرب عن كل رثاء صفحاً".
(2) شهاب الدين بن فضل الله العمري
(1/383)
________________________________________
هو الشاعر الكاتب المصنف القاضي أبو العباس شهاب الدين أحمد بن يحيى بن فضل الله العمري سليل عمر بن الخطاب، وصاحب كتاب مسالك الأبصار ولد بمدينة دمشق سنة 700 وتفقه وتأدب على أبيه وغيره، وكان أعلم أهل القطرين بتاريخ الملوك، وطبقات العلماء، والأدباء، وعلم وصف الأرض، فوق الفقه الذي نال فيه مرتبة الإفتاء وتوفي سنة 749 ه?، ومن إنشائه في وصف قط زباد من رسالة طويلة (وقط الزباد الذي لا تحكيه الأسود في صورها: ولا تسمح غزلان المسك بما يخزنه من عرفه الطيب في سررها كم تنقل في بيوت طابت موطناً، ومشى من دار أصحابه فقالوا: (رَبّنَا عَجّل لّنَا قِطّنَا) [ص: 16]).
ومن فصول رسائله فصل كتبه من رسالة عن لسان سلطانه إلى الشام مع طيور صيد جوارح أرسلها إليه: صدرت هذه المكاتبة إلى الجناب العالي بسلام جميل الافتتاح، وثناء يطير إليه وكيف لا تطير قادمة بجناح، ونعلمه أن مكاتبته المتقدمة الورود تضمنت التذكار من الجوارح بما بقي من رسمه وجرت عادة صدقاتنا الشريفة أن تحسب في قسمه وقد جهزنا له الآن منها ثلاثة طيور لا يبعد عليها مطار، ولا يوقد للقرى في غير حماليقها جذوة نار: ولا تؤم طيراً إلا وترش الأرض بدمه فلا يلحق لها وهي طائركم لها من فتك أخذ الطير من مأمنه، وسلب ما تحلى به من رياش الريش ثم تزيا بأحسنه.
(3) لسان الدين بن الخطيب
(1/384)
________________________________________
هو ذو الوزارتين الكاتب الشاعر. أبو عبد الله لسان الدين محمد بن عبد الله المعروف بابن الخطيب تأدب وتفقه واجتمع له من الحكمة والأدب ملكة يلذ بها أدباء الأندلس كتابة وشعراً وتصنيفاً وسياسة ومات سنة 776 ه?.
ومن قصار رسائله رسالة في الشوق كتبها إلى ابن خلدون وهي بعد الديباجة (أما الشوق فحدث عن البحر ولا حرج، وأما الصبر فسل به أية درج، بعد أن تجاوز اللوى والمنعرج، لكن الشدة تعشق الفرج، والمؤمن ينشق من روح الله الأرج، وأني بالصبر، على إبر الدبر. بل الضرب الهبر. ومطاولة اليوم والشهر حتى حكم القهر، وهل للعين أن تسلو سلو المقصر. عن إنسانها المبصر، أو تذهل ذهول الزاهد. عن سرها الرائي والمشاهد. وفي الجسد مضغة يصلح إذا صلحت فكيف حاله إن رحلت عنه ونزحت، وإذا كان الفراق هو الحمام الأول. فعلام المعول، أعيت مراوضة الفراق على الراق، وكادت لوعة الاشتياق، أن تفضي إلى السياق.
تركتموني بعد تشييعكم

أوسعُ أمرَ الصبر عصيانا
أقرعُ سنّي ندماً تارةً

وأستميحُ الدمعَ أحياناً

التدوين
ألف علماء هذا العصر تأليف جمة أخلفت على العربية بعض ما أباده التتار والصليبيون: من الكتب النفسية. ويرجع أكثر الفضل في ذلك إلى علماء مصر والشام وجالية الأندلس. أما أعاجم المشرق وإن ألفوا في العلوم الإسلامية والفلسفية فإن تأثير بيئتهم الأعجمية جعل كتبهم صعبة التناول ضعيفة الأثر في تقدم اللسان العربي مما ستعرفه من أحوال العلوم ومؤلفيها.
الأدب
قد كان لأدباء القاهرة من الكتاب السبق في وضع الكتب الجامعة التي تبحث في عدة علوم أدبية أو ملحقة بها. ومن هؤلاء:
(1/385)
________________________________________
شهاب الدين النويري صاحب "نهاية الأرب"، وابن فضل الله العمري صاحب مسالك الأبصار، وشهاب الدين القلقشندي صاحب صبح الأعشى. وممن ألف في الأدب بمناح مختلفة: جمال الدين الوطواط صاحب الغرر والعرر، وشهاب الدين الحلبي صاحب منازل الأحباب، وحسن التوسل إلى صناعة الترسل، وشهاب الدين أحمد الأبشيهي صاحب المستطرف، والنواجي صاحب حلبة الكميت.

بقية العلوم الإسلامية
لما أباد التتار بقية العلماء والنحاة في الشرق، كاد أفق المشرق والشام ومصر يصفر من النحاة وأهل اللغة، لولا أن تداركها الله بدخول التتار في السلام ومعاضدتهم هم والدول التي خلفتهم للعلم والعلماء، وبجلاء بعض كبار النحاة واللغويين من الأندلس والغرب قبيل حادث التتار وبعده. كابن مالك، والشاطبي، وأبي حيان، وابن منظور الأفريقي، فجددوا والنحو واللغة بمصر والشام، وتخرج عليهم تلاميذ أفاضل كانوا كواكب العصور المتأخرة، فدونوا العلم وحفظوه لمن أتى بعدهم ممن نشؤوا في العصور المظلمة.
كتابة التدوين والتصنيف
أما كتابة التدوين فكانت في المتون ونحوها موجز جداً. وكانت في الشروح والمطولات مبسوطة: ومن أشهر المؤلفين في هذا العصر ابن خلكان: وابن خلدون والسيوطي: وابن مكرم:والفيروز أبادي: وعز اليدين بن عبد السلام المتوفى سنة 660 ه?، وابن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852 ه?، وابن هشاالجرجاني، المتوفى سنة 816، والشهاب الخفاجي. م النحوي المتوفى سنة 761 ه?، ولسان الدين بن الخطيب المتوفى 776 ه?، وسعد الدين التفتازاني المتوفى سنة 791، والسيد
????ابن خلكان
(1/386)
________________________________________
هو قاضي القضاة شمس الدين أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن أبي بكر خلكان الإربلي ولد سنة 608 ه? بمدينة أربل وأقام بها إلى سنة 621 ه? فرحل إلى حلب ومكث بها سنين ثم إلى دمشق وأقام مدة، ثم أقام بمصر وتولى القضاء بها وفيها ألف أكثر تاريخه العظيم "وفيات الأعيان" ثم تقلبت ب الأحوال بين مصر والشام إلى أن مات بدمشق سنة 681: وكان كاتباً بليغاً، وشاعراً مجيداً، حسن المحاضرة، لطيف المعاشرة، وساع الاطلاع، شديد التحري والضبط ("وتاريخه" "وفيات الأعيان" "وأنباء أبناء الزمان") أفضل بأيدي الناس ممن كتب التاريخ لشدة عنايته بضبط الأعلام وأسماء البقاع والبلدان وتحقيق الحوادث بحسب الإمكان.
ابن خلدون
هو حكيم المؤرخين، وعلم المحققين، الفقيه القاضي الكاتب الشاعر المصنف عبد الرحمن ابن محمد المعروف بابن خلدون ولد بتونس سنة 732 ه?، وتلقى العلم والأدب من أبيه ومن كبار العلماء، وقرأ العلوم العقلية والفلسفية على بعض حكماء المغرب، واحترف بصناعة الكتابة وهو شاب لم يطر شاربه، ثم وصل بعد ذلك إلى ملوك بني الأحمر فحظي عندهم حتى حسده على ذلك صديقه لسان الدين بن الخطيب فأقلع عنها،وذهب إلى صاخب بجاية بالمغرب الأوسط فوزر له، وبقي يتردد بين المغرب الأوسط والأقصى وأفريقية والأندلس حتى حسن في عينه التخلي عن السياسة والانقطاع إلى العلم، فنزل إلى بعض قبائل العرب على حدود الصحراء أربعة أعوام ألف فيها تاريخه ومقدمته التي لم ينسج أحد من المتقدمين ولا المتأخرين على منوالها، ثم عزم على الحج فدخل مص زمن سلطانها برقوق. ثم استقدم أهله وولده من المغرب فغرقت بهم السفينة فأقام بمصر حزيناً، وجلس للتدريس بالجامع الأزهر، وتولى قضاء المالكية سنة 786 ه? إلى أن مات سنة 808 ه?.
??جلال الدين السيوطي
(1/387)
________________________________________
هو عبد الرحمن جلال الدين بن الإمام كمال الدين الخضيري السيوطي العالم المحدث المفسر صاحب التصانيف المشهورة: واد سنة 849 ه? ونشأ يتيماً وحفظ القرآن وعمره دون الثمان، ثم حفظ متون الفقه والنحو، وأخذ العلم عن مشايخ وقته وابتدأ في التصنيف وسنه 17 سنة، ثم لازم الأشياخ وطلب العلم في بقاع الأرض فدخل الشام والحجاز واليمن والهند والمغرب والتكرور ونبغ في كثير من العلوم، ورزق التبحر في التفسير والحديث والفقه والنحو والمعان والبيان والبديع وتولى التدريس والإفتاء ولم يكن أشهر منه في زمنه. ويعد السيوطي من الأئمة الذين حفظوا العلم للخلف وسهلوا سبيله للمتأخرين، وقد ترك للناس أكثر من ثلاثمائة مصنف، وتوفي ستة 911 ه? بالقاهرة.
?الشعر
لما كان أكثر الملوك والأمراء في هذا العصر أعاجم بالفطرة، كان نيلهم إلى الشعر العربي غير طبيعي، ولذلك انقرض الشعر العربي من أواسط آسيا وبقيت صبابة منه بالعراق والجزيرة: وبقي على كل شيء من الرونق في الشام ومصر والأندلس والمغرب، غير أنه قل التكسب به فيها، فمال أكثر الشعراء إلى انتحال الكتابة والدواوين صناعة واستعملوا الشعر في تملق الملوك والرؤساء وفي إظهار التفصح والتسلية فهجر قوله في الأغراض الهامة وعدل به إلى أغراض أخرى.
الشعراء
ظهر في هذا العصر شعراء كثيرون، من أشهرهم، شرف الدين الأنصاري المتوفى سنة 662 ه?، وجمال الدين بن نباتة المصري المتوفى سنة 768 ه?، وشهاب الدين التلغفري المتوفى سنة 675 ه?، وأبو بكر بن حجة المتوفى سنة 837 ه?، وصفي الدين الحلي المتوفى سنة 1111 ه?، وهاك ترجمة بعضهم: 1 البوصيري هو شرف الدين محمد بن سعيد بن حماد الصنهاجي البوصيري، صاحب البردة والهمزية، ولد بدلاص ونشأ ببوصير ثم انتقل إلى القاهرة، وتعلم علوم العربية والأدب فقال الشعر البليغ في جده وهزله ومن أشهر شعره قصيدة البردة الشهير التي أولها:
أمن تذكُّرِ جيرانٍ بذي سلمِ
(1/388)
________________________________________
مزجتَ دمعاً جرى من مقلةٍ بدم

أم هبّتِ الريحُ من تلقاءِ كاظمةٍ

وأومضَ البرقُ في الظّلماء من إضم
فما لعينيك إن قلتَ اكففاهمتا

وما لقلبك إن قلتَ استفق يهمِ

أيحسب الصبُّ أن الحبّ منكتم

ما بيَن منسجم منه ومضطرمِ

ومن حكمها البديعة المشوبة بمحاسن البديع قوله:
والنّفس كالطّفل إن تهمله شبّ على

حب الرّضاع وإن تفطمه ينفطم

فاصرفْ هواها وحاذرْ أن تولّيه

إن الهوى ما تولَّى يصمِ أو يصمِ

وراعها وهي في الأعمال سائمةٌ

وإن هي استحلت المرعى فلا تسمِ
كم حسنتْ لذةً للمرء قاتلةً

من حيث لم يدر أن السُّم في الدَّسم

واخشَ الدسائس من جوع ومن شبع

فربّ مخمصةٍ شرٌّ من التُّخمِ

واستفرغ الدمعَ من عين قد امتلأتْ

من المحارمِ والزمْ حميةَ النَّدمِ

وقصيدته الهمزية في مدحه محمد صلى الله عليه وسلم لا تقل عن البردة في فصاحتها، وأولها:
كيف ترقى رقيك الأنبياء

يا سماء ما طاولتها سماء

لم يساووك في علاك وقد حا

ل سنا منك دونهم وسناء

وتوفي البوصيري سنة 696 ه? بالإسكندرية وقبره بها مشهور يزار.
??2 صفي الدين الحلي
هو عبد العزيز الملك المنصور بن علي الشهير بابن سرايا الطائي الحلي شاعر الجزيرة ولد سنة 677 ه?، ونشأ بمدينة الحلة من مدن الفرات فتأدب ونظم الشعر وأجاده وأصبح فيه أشهر شعراء عصره، وخدم به نجم الدين غازي بن قره أرسلان: أحد ملوك الدولة الأرتقية (ديار بكر).
واتصل بعده بابنه الملك الصالح شمس الدين، ثم ذهب إلى الحج وعرج منصرفه منه إلى مصر فمدح الملك الناصر بن قلاوون وتوفي سنة 750 ه?.
ويعتبر صفي الدين من أئمة البديع المبتدعين في أنواعه المغالين في استعماله في شعرهم بلا كثير تكلف، وهو أول من نظم القصائد النبوية الجامعة لأنواع البديع المسماة بالبديعيات على مثال بردة البوصيري. ومن وقوله في الأدب:
(1/389)
________________________________________
اسمعْ مخاطبةَ الجليس ولا تكنْ

عجلاً بنطقك قبلما تتفهَّمُ

لم تعطَ مع أذنيك نطقاً واحداً

إلا لتسمع ضعفَ ما تتكلمُ

?3 ابن نباتة المصري
هو جمال الدين محمد بن محمد المعروف بابن بناتة، أشعر شعراء المصريين زمن المماليك. ولد سنة 686 ه? ونشأ بالقاهرة، وتلقى العلم والأدب وانكب على قراءة شعر القاضي الفاضل ورسائله، فرسخت في طريقته من الولوع بالتورية والتلميح والطباق، لم يأت بعده من شعراء مصر والشام من بلغ غايته في لطف التصور ورقة اللفظ وانسجام العبارة ومات سنة 768 ه? ومن شعره قوله:
يا مشتكي الهم دعه وانتظر فرجاً

ودار وقتك من حين إلى حين

ولا تعاند إذا أصبحت في كدر

فإنما أنت من ماء ومن طين

?4 ابن معتوق الموسوي
هو شهاب الدين بن معتوق الموسوي شاعر العراق في عصره وسابق حلبته في رقة شعره. ولد سنة 1025 ونشأ بالبصرة وبها تعلم وتأدب وقال الشعر وأجاده، وكان في نشأته فقيراً فاتصل بالسيد على خان أحد أمراء البصرة من قبل لدولة الصفوية الإيرانية وكانت وقتئذ تملك العراق والبحرين، ومدحه مدحاً رقيقة، وأكثر شعره مقصور عليه وعلى آل بيته فغمره بإحسانه. وابن معتوق من كبار شعراء الشيعة فمدح علياً والشهيدين بما يرج عن حد الشرع والعقل، ومات سنة 1111 ه?، ويمتاز شعره بالرقة وكثرة المجازات.
??"العصر الخامس عصر النهضة الأخيرة من 1330 إلى الوقت الحاضر"
(1/390)
________________________________________
حالة اللغة العربية وآدابها في هذا العصر كانت حالة البلاد العربية في أوائل القرن الثالث عشر غاية ما وصلت إليه من الفساد والاضمحلال، فلما استولى ساكن الجنان محمد علي باشا على مصر رأى بحكمته أن يربي من يكون خير واسطة لنقل معارف الأوروبيين إليها. فبعث إلى أوروبا ثلاثة بعوث علمية في أزمنة مختلفة كونت بعد ثلاث طبقات من العلماء، والأطباء، والمهندسين، والضباط. فنقلوا إلى اللغة العربية عشرات الكتب الجليلة في العلوم المختلفة فأحدث ذلك في اللغة العربية انقلاباً عظيماً، واكتسبت من سعة الأغراض والمعاني والألفاظ العلمية والأساليب الأجنبية وطرق البرهنة والاستنباط وترتيب الفكر ثروة طائلة، ورأى العلماء والأدباء أنه صارت لهم دولة منظمة متحضرة تقبل منهم بقبول حسن كل كما يحسنونه من نتيجة كدهم وثمرة أفكارهم فالتفوا حولها وصارت للدولة كتاب وشعراء ومنشؤون في جريدتها "الوقائع" أول جريدة عربية، واقتدى بمصر أهل الشام، بل ركدت ريها زمن عباس باشا الأول وزمن سعيد باشا، ثم تنسمت في عصر اسماعيل، وما لبثت أن صارت رخاء طيبة فأعاد سيرة في نشر العلم، وظهرت ثمرة أعماله في حياته وكادت مصر توشك أن تكون قطعة من أوروبا.
النثر المحادثة أو لغة التخاطب
كانت العامية في أوائل هذه العصور غاية في الانحطاط، ثم لما انتشر التعليم بين طبقات المصريين دخل عباراتهم كثير من الفصيح، وانتقل ذلك لمعاشريهم من الأميين وبعض النساء، ومما ساعد على ذلك أيضاً جعل التقاضي باللغة الفصيحة وكثرة الصحف والمجلات والروايات.

الخطابة
(1/391)
________________________________________
كان المصريون والسوريون أوائل هذا العصر لا يستعملون الخطابة في غير الأغراض الدينية، ثم اتسعت ائرة الأفكار في عصر إسماعيل باشا، وصادف ذلك مجيء السيد جمال الدين الأفغاني إلى مصر، والتف خوله لفيف من أدباء المصريين والسوريين، فأدخلهم في عداد جمعيته وألف منهم أندية كانوا ينتابون الخطابة فيها في الأمور الدينية السياسية والاجتماعية، وانتشرت الخطابة بين شبان مصر وفشت بعد عصر إسماعيل في زمن توفيق باشا وصاحب السمو الخديوي عباس باشا الثاني: ومن أشهر خطبائهم السيد عبد الله النديم، والشيخ محمد عبده، ومصفى باشا كامل، ومحمد بك فريد، وسعد باشا غلول، والشيخ عبد العزيز جاويش وغيرهم، حتى بلغت الخطابة في عصرنا هذا مبلغاً عظيماً.
الكتابة الخطية
وقف الخط في سبيل تقدمه عند الحد الذي رسمته له الطبقة الناشئة والحادي والثاني عشر من خطاطي الترك، وكل ما نشأ بعدهم فإنما هو متبع طريقهم. وأشهرهم عبد الله الزهدي، وهو الذي خط بالقلم الجليل جدران المسجد النبوي وجدران سبيل والدة عباس باشا بالصليبية بالقاهرة، ومحمد مؤنس أفندي، وتخرج عليه وعلى تلميذه محمد جعفر بك جميع خطاطي قطرنا المصري.
الكتابة الإنشائية
(1/392)
________________________________________
مضى العصر المتقدم وليس لكتابة الدواوين في أواخره شيء يذكر لجعل التركية هي اللغة الرسمية، وأقبل العصر الحاضر والحال لم تتغير في المماليك العثمانية إلا قليلاً وشرعت تتغير في مصر، ثم لما أنشئت المدارس النظامية نشأت طبقة من كتاب الدواوين رقوا كتابتها. وقد هجر السجع الذي أكثر منه الأقدمون إلا أن عبد الله باشا الفكري أشهر المصلحين للكتابة الديوانية الفصيحة ألم به في كثير من مكاتبته الرسمية، كما سبق ذلك في المكاتبات.
أما كتابة التأليف والصحف فأخذت تنحو منحى كتابة ابن خلدون في "مقدمته". ولما ولت الحكومة الشيخ محمد عبده تحرير الوقائع الرسمية والإشراف على تحرير الجرائد، ترقت كتابتها كثيراً ودرجت في سبيل التقدم إلى الآن:
كتابة التدوين
(1/393)
________________________________________
كان أكثر الكتب التي ألفت أو ترجمت في مصر علمية، لشدة احتياجها إليها. أما سورية فكانت حالة الأدب فيها في لنصف الأول من العصر الحاضر خيراً منها في مصر، ولكن مصر نهضت في النصف الثاني واسترجعت حياتها الأدبية وأدخلت دراسة أدب اللغة في مدارسها وألف فيها عدة كتب. وانح شأن سورية في العربية فلم ينبغ في اللغة من السوريين في السنوات الأخيرة من يضارع سابقيهم. ومن أشهر العلماء الأزهريين في هذا العصر الشيخ الجبرتي، الشيخ حسن العطار، والشيخ العروسي، والشيخ التميمي، والشيخ الباجوري، والشيخ عليش، والشيخ الأبياري، والشيخ السقا، والشيخ الأنبابي، والشيخ محمد الأشموني، والشيخ الشربيني، والشيخ سليم البشري، والشيخ محمد البحيري، ووالد مؤلف هذا الكتاب وغيرهم: ومن غير الأزهريين من غير النهضة الحديثة رفاعه بك شيخ المترجمين والمؤلفين المصريين، والنطاسي الشهير محمد علي باشا، والسيد صالح مجدي بك ومحمود باشا الفلكي، وأحمد ندا بك، وعبد الله باشا فكري، وقدري باشا، ودري باشا، والشيخ ناصيف اليازجي، والشيخ إبراهيم اليازجي، وأحمد فارس، والشيخ علي يوسف، وأديب أسحاق وغيرهم. وهاك ترجمة النهضة الخديثة.
1 رفاعة بك رافع الطهطاوي
(1/394)
________________________________________
هو الكاتب الشاعر السيد رفاعة بك الحسيني الطهطاوي شيخ الترجمة إمام النهضة الحديثة، ول بطهطا من أسرة شريفة، وتأدب وتعلم في الجامع الأزهر ثم انتخب إماماً لبعض فرق الجيش، ولم يلبث أن اختاره المرحوم محمد علي باشا إماماً ومعلماً لأول بعث علمي أرسل إلى فرنسا سنة 1241 ه? فراقته علوم أوروبا وعظمتها أكب بنفسه على تعلم اللغة الفرنسية، فلما عاد إلى مصر سنة 1247 اختار محمد علي باشا رئيساً للترجمة بمدرسة أبي زعبل، واشترك هو وأستاذه الشيخ حسن العطار في إنشاء جريدة "الوقائع المصرية" وتحريرها ثم نقل إلى مدرسة المدفعية (الطبجية) ثم صار مديراً لمدرسة الألسن والترجمة، ثم انتخب عضوا بلجنة المدارس وتولى "إدارة مجلة روضة المدارس المصرية" وعكف على الترجمة والتأليف حتى توفي سنة 1290 ه? تاركاً لمصر كتباً ورجالاً هم أركان النهضة الحديثة، وآخر ما ألفه "نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز".
2 عبد الله فكري باشا
(1/395)
________________________________________
هو عبد الله فكري بن محمد بليغ الضابط بن الشيخ عبد الله: هو أحد أركان النهضة الأدبية في الديار المصرية. ولد سنة 1250 ه? وأكب على تعلم علومه بالأزهر مشتغلاً أيضاً باللغة التركية واستخدم من أجلها مترجماً للعربية والتركية في عدة مناصب آلت إلى نقله إلى حاشية سعيد باشا ثم إسماعيل باشا، فعهد إلي بتأديب بنية لكرام وغيرهم من أمراء بيت الملكز ثم تقلب في جملة مناصب آخرها نظارة المعارف سنة 1299 ه?، وبقي بها حتى زمن الثورة العرابية فسقط مع الوزارة، واتهم في الثورة فقبض عليه ثم اتضحت برا ءته فأطلق ورد إليه معاشه بعد أن استعطف الخديوي توفيقاً بقصيدة طويلة وتوفي سنة 1307 ه?، وكان فكري باشا كاتباً بليغاً سلك في كتابته طريقة كتاب القرن الرابع كالبديع الهمذاني والخوارزمي من التزام السجع القصير القليل التكلف، ولذل يقول فيه المرحوم الشيخ حسين المرصفي مدرس دار العلوم (لو تقدم به الزمان، لكان فيه بديعان، ولم ينفرد بهذا اللقب علامة همذان).

??3 علي مبارك باشا
هو أبو المعارف المصرية، العالم المؤرخ، المؤلف المترجم، المربي العظيم علي بن مبارك بن سليمان بن ابراهيم، مصلخ العلم والإدارة بالديار المصرية ومؤسس دار العلوم، ودار الكتب العربية: ولد سنة 1239 ه? وكان والده يرسله إلى معلم قاس يتعلم عليه القرآن الكريم فحفظه، وهرب من المعلم لقسوته وضربه، وأخذ يتعلم الكتابة على بعض الكتاب حتى عثر في بعض خرجاته بتلاميذ ذاهبين إلى مدرسة أبي زعبل فصحبهم ودخل المدرسة.
(1/396)
________________________________________
ثم اختير في جملة من تلاميذها إلى مدرسة قصر العيني وسنه 12 سنة ودرس الرياضة فبرع فيها فاختير طالباً بمدرسة الهندسة فأكمل في خمس سنوات درس فن الهندسة وأرسل إلى أوروبا سنة 1260 ليتمم دراسته بها، فمكث نحو أربع سنوات درس فيها فن الهندسة والحرب، ثم عاد إلى مصر ضابطاً بالجيش، ثم قدم لعباس باشا الأول مشروعاً بنظام المدارس المصرية فأعجبه وعهد إليه رياسة ديوانها فقام به خير قيام، وألف بعض الكتب الدراسية فكان أول من نظم المدارس المصرية، وتزاحمت عليه المناصب فكان مديراً للسكك الحديدية، وناظراً للمعارف وللأشغال وللأوقاف والقناطر الخيرية، فقام بذلك جميعاً خير قيام. ومن أعماله العظيمة إنشاء دار للكتب وإنشاء مدرس دار العلوم ليوفق بين طلبة العلم القديم وطلبة العلم الحديث ويحسن تعليم العربية، فجاءت هذه المدرسة بأحسن ما يطلب منها وتجديد مدينة القاهرة وأمهات مدن القطر إلى أن وافته المنية سنة 1311 ه??.

??4 الشيخ محمد عبده
(1/397)
________________________________________
هو المصلح الكبير، والمجتهد الخطير، والكاتب البليغ، والخطيب المصقع، الأستاذ الإمام الحكيم الشيخ محمد عبده،أحد أركان النهضة العربية ومؤسسي الحركة الفكرية، ولد سنة 1266 بإحدى قرى مدرية الغربية ونشأ بين أسرته بمحلة نصر من مدرية البحيرة، وترك بلا تعليم حتى ناهزت سنه العاشرة، ثم رغب بالتعلم فحفظ القرآن الكريم، وطلب العلم بالجامع الأحمدي، ثم انتقل إلى الأزهر ونبغ في علومه. ولما قدم مصر السيد جمال الدين الأفغاني سنة 1286 وأعاد إلى مصر دراسة الفلسفة وعلوم الحكمة والكلام لزمه الشيخ محمد عبده وكان أنبغ تلاميذه،و أحرصهم إلى الإستفادة منه، ونال درجة العالمية سنة 1294، واختير سنة 1295 مدرساً للأدب والتاريخ العربي بدار العلوم ومدرسة الألسن، ثم اختير لإصلاح لغة الوقائع المصرية، ثم صار رئيس تحريرها وفي هذه المدة جعله رياض باشا مراقباً على كتابة الجرائد وتحريرها: وحدثت عقب ذلك الثورة العرابية ونفي من مصر إلى سورية وتولى التدريس بمدارسها، ثم انتقل إلى أوروبا فالتقى بالسيد جمال الدين بباريس فأنشأ جريدة العروة الوثقى، ثم عفا عنه الخديوي وعاد إلى مصر قاضياً بالمحاكم الأهلية، ثم مفتياً للديار المصرية وتولى التدريس بالأزهر، وما زال كذلك حتى توفي سنة 1323 ه?.
????5 مصطفى باشا كامل
(1/398)
________________________________________
هو الوطني الكبير. مصطفى بن علي أفندي محمد المهندس المولود بالقاهرة في 14 أغسطس سنة 1874. ولما بلغ السادسة من عمره أدخله والده المكاتب الأولية، ثم انتقل إلى مدرسة والدة عباس باش الأول، وفي أثناء وجوده في هذه المدرسة توفي والده فانتقل إلى مدرسة القربية فأتم فيها الدراسة الابتدائية سنة 1887، ثم تحول إلى المدارس الثانوية ونال في نهايتها شهادة البكالوريا بتفوق باهر وذكاء نادر ألفت إليه نظر المرحوم علي باشا مبارك وزير المعارف فاختصه بمرتب شهري يصرف إليه مساعدة له، وكان منظوراً إليه بعين الإجلال والاحترام من إخوانه ومعلميه ورؤسائه لما امتاز به من حسن الإلقاء وفصاحة اللسان وصراحة القول واستقلال الفكر ومناقشته في المسائل العلمية والاجتماعية والكل يعجبون به ويتوقعون له مستقبلاً مجيداً. ثم دخل مدرسة الحقوق الخديوية نهاراً ومدرسة الحقوق الفرنسية ليلاً فكان يتلقى دروسهما حتى نال الكفاية منها فذهب إلى طولون بفرنسا وأدى فيها الامتحان ونال الشهادة النهائية. وفي أثناء دراسته للحقوق تنبه خاطره للمسائل السياسية وأصبح همه إنقاذ مصر من الاحتلال. وكان يتردد على الجرائد الوطنية ليكتب فيها آيات الوطنية. وأنشأ المجلة المدرسية، وألف كتاب المسألة الشرقية ورواية فتح الأندلس وكتاباً في حياة الأمم والرق عند الرومان. كلها ترمي إلى تحبيب الاستقلال وإحياء الشعور الوطني في أفكار المصريين. واجتمع مصطفى بالمرحوم عبد الله النديم الخطيب المفوه والكاتب البليغ ومشعل نار الوطنية من قبل فاقتبس مصطفى منه الأساليب والتعليمات العظيمة وأضاف إلى معلوماته الماضية. ونهض نهضة الأسد إلى فريسته وأذكى أوار الوطنية في عقول الشباب الناهض وتطورت مصر الفتاة إلى يومنا هذا في مراقي التقدم والنجاح. وقد صار صيته في الآفاق وأصبح اسمه مرادفاً للشمس في رائعة النهار. وحدث عن شجاعته وفصاحته وقوة معارضته مما لا يمكن لقلم وصفه. وقد أنشأ
(1/399)
________________________________________
جرائد اللواء العرب والفرنسي والإنكليزي لهذا الغرض. وتوفي يوم الأربعاء 10 فبراير سنة 1908، وشيعت جنازته باحتفال كبير لم يسبق له مثيل، واشترك فيه عشرات الألوف من جميع طبقات القطر المصري، وعم الخزن الشديد على جميع المصريين. ورثاه الكتاب والشعراء وجميع جرائد العالم. وطيرت نعيه الشركات البرقية الأجنبية في الممالك الأوروبية. وخطبه الظنانة كثيرة لا نطيل بذكرها.
6 محمد بك فريد
هو المخلص الأمين. محمد بن أحمد باشا فريد ووالدته أميرة من فضليات سيدات الخلفاء العباسيين. وكان ميلاده في 27 رمضان سنة 1284 ه? وعاش 52 سنة، ولما كان عمره 7 سنوات أدخله المرحوم والده مدرسة خليل آغا فدرس الدروس الابتدائية، ثم دخل المدرسة الثانوية فجد واجتهد حتى فاق أقرانه وأحرز شهادة البكالوريا، ثم انتقل إلى مدرسة الإدارة والألسن، ومنها دخل مدرسة الحقوق الخديوية حتى نال الشهادة النهائية في شهر مايو سنة 1887 م، وعقب ذلك عينته الحكومة المصرية بقلم قضايا الدائرة السنية الذي لم يلبث فيه إلا قليلاً حتى أصبح رئيسه. وقد أنعم عليه سمو الخديوي بالرتبة الثانية، ثم تدرج في وظائف القضاء إلى أن صار أحد رؤساء النيابة العمومية. وفي خلال ذلك كان يكاتب أمهات الصحف العربية والإفرنجية حتى استقال من خدمة الحكومة في 21 نوفمبر سنة 1896 م، واشتغل بالمحاماة وانضم بكل قواه إلى الحزب الوطني لتحرير مصر والسودان. ولازم صاحبه الزعيم الأكبر المرحوم مصطفى باشا كامل. وقد ألف كتاب البهجة التوفيقية في تاريخ العائلة الخديوية وتاريخ الدولة العثمانية وتاريخ الرومان، وأشنأ مجلة الموسوعات وكتب آلاف المقالات في المؤيد واللواء والصحف الأوروبية، والق مئات من الخطب في الشرق والغرب. وتعرق بكثير من كبار ساسة جميع العالم.
(1/400)
________________________________________
ولما شعر المرحوم مصطفى باشا كامل بدنو الأجل جمع الحزب الوطني وأوصاهم بانتخاب فريد بعده رئيساً فقام برياسته خير قيام وقد ضحى نفسه وأولاده وأهله وماله ومناصبه حباً في الوطن حتى مات غريباً في برلين يوم الإثنين 15 يونيه سنة 1920م. وشيعت احتفال مهيب في اسكندرية ومصر لم تر العيون مثله اشتركت فيه العلماء والأمراء والوزراء وجميع الأعيان والوجهاء. ورثته الكتاب والشعراء وجرائد ومجلات الشرق والغرب فممن رثاه حافظ بك ابراهيم قال من قصيدة طويلة:
من ليومٍ نحنُ فيه من لغدْ

مات ذو العزمةِ والرأيِ الأسدّ

أيُّها النيل لقد جلّ الأسى

كن مدداً لي إذا الدّمع نفدْ

فلقد ولّى فريدٌ وانطوى

ركنُ مصر وفتاها والسَّند

خالدَ الآثار لا تخشى البلى

ليس يبلى من به ذكرٌ خلدْ

قل لصب النيل إن لاقيته

في جوارِ الدائم الفرد الصمدْ

إن مصراً لا تني عن قصدها

رغمَ ما تلقى وإن طال الأمدْ

فاسترحْ واهناً ونمْ في غبطةٍ

قد بذرتَ الحبَّ والشعبُ حصدْ
?معالي الرئيس المحبوب سعد باشا زغلول
(1/401)
________________________________________
هو روح مصر الزعيم الأكبر. سعد ين الشيخ إبراهيم زغلول المولود ببلدة إبيانا التابعة لمديرية الغريبة سنة 1277 ه?، قرأ القرآن الكريم ودرس العلوم الابتدائية في بلده. ثم رحل إلى مصر ودرس الأزهر الشريف وحضر علوم اللغة والأدب والنحو والمنطق والتوحيد وعلوم التشريع وغيرها على فطاحل العلماء كالشيخ المهدي العباسي. والشيخ أبو النجا الشرقاوي، والشيخ أحمد الرفاعي، والشيخ محمد عبده وخلافهم من كبار الأئمة. ثم تعين محرراً لجريدة الوقائع المصرية الرسمية بالداخلية. ثم انتقل معاوناً بنظارة الداخلية في مدة وزارة محمود سامي باشا البارودي. ثم تعين مديراً لقلم قضايا مديرية الجيزة وذلك في مدة اشتداد الثورة العرابية. ثم استقال واشتغل بالمحاماة وقد انتخبته الجمعية عضواً في لجنة تنقيح قانون الجنايات بالاستئناف.ثم اختاره اللورد كرومر أن يكون وزيراً لوزارة المعارف، ثم وكيلاً للجمعية التشريعية إلى أن تطورت الحالة الوطنية في القطر المصري فانتخبته الأمة وكيلاً عنها في مطالبة انكلترا بالجلاء عن مصر والسودان إلى يومنا هذا.
ومن كلماته المأثورة في الوطنية: (1) لا استعباد.؟ لا استعمار. لا حماية. لا رقابة. لا تداخل لأحد في شأن من شؤوننا. هذا ما نريد وهذا ما لا بد أن نحصل عليه.
(2) أقسم بالوطنية وعزتها لو كنت أعرف أني أقود أمة بلهاء تنقاد لكل زعيم بدون تصور ولا إدراك كما يصفها أعداؤها ما رضيت أن أكون قائداً لها.
(3) إن قوتنا ليست مستمدة من الخارج بل هي في نفوسنا فلتكن نفوسنا قوية نصل إلى غايتنا.
(4) الإدارة متى تمكنت من النفوس وأصبحت ميراثاً يتوارثه الأبناء عن الآباء ذللت كل صعب ومحت كل عقبة وقهرت كل مانع مهما كان قوياً ووصلت عاجلاً أو آجلاً إلى الغاية المطلوبة.
(5) لا يمكن أن نعتبر للحكوميين مذهباً لأن المذهب يقتضي مبادئ وقواعد أما هم فقاعدتهم القوة. وما يعتمد على القوة لا يصح أن يسمى مذهباً.
(1/402)
________________________________________
ومن كلماته المأثورة في الحرية وحدودها
كل أمر يقف في طريق حريتنا لا يصح أن نقبله مطلقاً مهما كانة مصدره عالياً ومهما كان الآمر به.
(2) كل تقييد للحرية لا بد أن يكون له مبرر من قواعد الحرية نفسها وإلا كان ظلماً.
(3) الصحافة الحرة تقول في حدود القانون ما تشاء وتنتقد ما تريد فليبس من الرأي أن نسألها لم تنتقدها بل من الواجب أن نسأل أنفسنا لم نفعل ما تنتقدنا عليه.
(4) نحن نحب الحرية ولكنا نحب أكثر منها أن تستعمل في موضعها.
(5) جميل جداً أن يقال لا تحجروا على الناس ولا تقيدوا حريتهم وإنها لنغمة لذيذة يحسن وقعها في الأسماع والقلوب. ولكنا لا نريد الحجر على الناس ولا تقييد حريتهم بل نريد حماية الحق وصيانته من أن يتمتع به غير صاحبه من حيث يحرم منه صاحبه.
ومن آرائه في التشريع: (1) كل شريعة تؤسس على فساد الأخلاق فهي شريعة باطلة.
(2) لا تصدقوا أن هناك قاعدة يرجع إليها القاضي في تقدير العقوبة، أو أن هناك ميزاناً توزن الجزاءات، وإنما هي أمور اجتهادية يلهم بها القاضي إلهاماً.
(1/403)
________________________________________
(3) الحق فوق القوة والأمة فوق الحكومة.
(4) إننا إذا احترمنا أمراً للحكومة نحترمه لأنه نافع للأمة لا لأنه صادر من تلك القوة المسيطرة.
(5) يجب أن ننقاد للقانون وألا نعتبر الانقياد إليه مهانة ومذلة بل عزاً وشرفاً.
(6) إن كانت الحكومة تريد أن نكون في صفها مدافعين عنها فما عليها إلا أن تتبع الحق والعدل وتحترم القانون.
(7) يعجبني الصدق في القول والإخلاص في العمل وأن تقوم المحبة بين الناس مقام القانون.
(8) الذي يلزمنا أن تفاخر به هو أعمالنا في الحياة لا الشهادات التي في أيدينا.
(9) أعاهدكم عهداً لا أحيد عنه. على أن أموت في السعي إلى استقلالكم فإن فزت فذاك، وإلا تركت لكم تتميم ما بدأت به.
هذا قليل من كثير لا نحيط به جمعاً خصوصاً خطبه المطولة الممتعة التي تكاد أن تكون في درجة الإعجاز ولا غرابة في ذلك، فمعالي الرئيس معروف بالشجاعة والصراحة، ويمتلك في يده أعنة الألفاظ يتصرف فيها كيف يشار، حتى إنه ليعبر عن أقسى المعاني وأخشنها بأرق الألفاظ وأعذبها وأخفها وقعاً على النفوس والأسماع خصوصاً وأنه لقدير على التأثير على نفس السامع وامتلاكه أزمة الأهواء وتلاعبه بالعواطف والقلوب واقتداره على إسناد كل جزئية من جزئيات المسائل الاجتماعية أو القانونية أو الأخلاقية أو السياسية إلى قاعدتها العامة التي توضح طريقها وتكشف الغامض منها.
وبالجملة فمعالي الرئيس متشرع يبحث النظامات ويدققها. وسياسي يبارز خصمه مبارزة الرجل الذي يحسن تقليب الحسام بين يديه، فلا كلماته تخرق حجب الآداب ولا تتجاوز حد اللياقة، ولقد كان كلامه ينزل على السامعين نزول الندى على أكام الزهر فلا يرتفع صوت ولا تبدو حركة مع طول خطابته نحو ساعتين، نسأله سبحانه وتعالى أن يمن على مصر والسودان بالاستقلال التام وأن يمنحها الحرية على يد بطلها العظيم وزعيمها الجليل ورئيسها المحبوب "سعد باشا زغلول" حفظه الله آمين.
8 الغازي مصطفى باشا كمال
(1/404)
________________________________________
أشهر حماة الشرق وداهية أقطاب الساسة البطل الغازي مصطفى كمال باشا المولود في سلانيك سنة 1298 ه? 1880 م، ولما بلغ السنة السادسة من عمره أدخله والده مدرسة تدرس فيها العلوم الابتدائية على الطراز الحديث. وما لبث أن ترك المدرسة على أثر وفاة المرحوم والده. ثم انتقل إلى قرية مع والدته إلى خاله الذي كفله وعهد إليه القيام بحراسة الحقول والاشتغال بالزراعة مدة ليست بالقصيرة فأوجست والدته خفية من ضياع أيامه الدراسية بدون جدوى، وصحت عزيمته على إرساله إلى دار جدته في (سلانيك) فسافر أليها ودخل في المدرسة الملكية الإعدادية. غير أنه لم يوفق للتعلم بها وذلك لشغفه بحب المدرسة الرشدية العسكرية الابتدائية رغم إرادة والدته التي كانت لا توافقه على الالتحاق بها. وما زال بها حتى استطاع التأثير عليها وتمكن من التغلب على فكرها وأدى الامتحان المؤهل لدخول المدرسة العسكرية بتفوق باهر وكان أحد التلاميذ وأشدهم حباً في الرياضيات. وقد حصل في زمن يسير بجده واجتهاده على معلومات جمة في هذا العلم بدرجة تساوي درجة أستاذه المدعو مصطفى بك القائل له أن بين اسمي واسمك اشتباه فيجدر أن أضيف إلى اسمك يا ولدي لفظة "كمال" للتمييز بيننا.
(1/405)
________________________________________
وقد أتم الدراسة في المدرسة العسكرية الابتدائية وفاق زملائه في العلوم الرياضية بحيث لم يصادف أية صعوبة في المدرسة الإعدادية العسكرية الثانوية في (مناستر) غير أنه كان ضعيفاً في اللغة الفرنسية، فتحين فرصة العطلة المدرسية ودخل مدرسة الفرير وتزود بقسط وافر من اللغة الفرنساوية. وفي خلال ذلك كان يجتمع بالمرحوم الشاعر التركي المشهور (عمر ناجي بك) فارتشف من منهله العذب وتأدب بأدبه ودرس عليه آداب اللغة وضرب بسهم فيها حتى صار الشعر هو المادة التي تنجذب نفسه إليه وترتاح به رغم النصائح التي كانت لقيها عليه بعض معلميه العسكريين بقولهم "إذا أردت أن تكون جندياً حقيقياً فاترك الأدب وخيال الشعراء" وبعد إتمامه الدراسة في تلك المدرسة سافر إلى الأستانة سنة 1319 ه? والتحق بالمدرسة الحربية وكان شغفه العظيم بالرياضيات ولا يزال حياً ونامياً نمو اشتغاله بعلوم الأدب ومزاولة الخطابة وأساليبها فتولد من ذلك توقه واسترعاء نظره حب الاشتغال السياسة وخصوصاً وقد وقعت في يده كتب الوطني العظيم "نامق بك كمال" فطالعها مراراً ووقف على ما فيها وأدرك مراميها فرسخت في عقيدته الوطنية وكان ذلك في عهد المرحوم السلطان عبد الحميد الداهية العظيم، ومع ذلك تخرج من هذه المدرسة برتبة "ملازم ثان". ولما انتقل إلى مدرسة أركان الحرب بدأ يتعرف مع بعض إخوانه من الطلبة ما يكشف إدارة البلاد وسياستها من السوء والفساد. فكان أول ما فكر فيه أن يفهم زملاءه البالغ عددهم 5000 طالب موقف البلاد الإداري والسياسي. وقد فكروا جميعاً في تأسيس جريدة تكون لسان حالهم. وقد أخذ على عاتقه تحرير الكثير من مقالاتها وأبحاثها غي أن "اسماعيل باشا" مفتش المدارس وقف على حركتهم وسلط الجواسيس عليهم، ثم وشى بهم إلى المرحوم السلطان الغازي عبد الحميد الثاني وقال لجلالته إن ناظر المدرسة رضا باشا وهو المسؤول عن حركة الطلبة وواجب إدانته فاستدعاه جلالة السلطان فأقنعه
(1/406)
________________________________________
بعدم وجود حركة سياسية، واستمر مع ورفاقه على إصدار جريدتهم حتى آخر سنتي مدرسة أركان الحرب. وبعدها خرج من المدرسة برتبة "يوزباشي" في أركان الحرب العامة، واستأجر لنفسه مكاناً خاصاً في "بك أوغلي" رغبة في استئناف العمل وعقد الاجتماعات وإصدار القرارات لصالح الوطن، ولكن لم تمض مدة وجيزة حتى عرف الجواسيس عمله وألقوا القبض عليه واعتقلوه بضعة اشهر ثم أطلق سراحه بواسطة سعي رضا باشا ناظره السابق في المدرسة وأصر على اشتغاله بالسياسة حتى نفته الحكومة إلى ولاية الشام للخدمة في الجيش، وقد أسس هناك "جمعية الحرية" واتخذ بعض التدابير لتوسيع نطاق هذه الجمعية.
فأسس لها فروعاً في بيروت ويافا والقدس وفي كل مدينة حل فيها ونزل بها. ولما كان انتشار مبادئ الجمعية غير ممكن في تلك المدن عزم على السفر إلى "مقدونيا" حيث هناك الأرض صالحة لبذر تلك المبادئ والعمل على إنمائها وإنباتها حسناً وأطلع جمعيته على رأيه وعلى ذلك سعى أفرادها وتمكن من إصدار إذن يستطيع به السفر في بادئ الأمر إلى "أزمير" وعلى أثر ذلك أرسل رسالة خاصة إلى (شكري باشا) المعروف هناك بوطنيته الحارة وطلب منه مساعدته.
ولما شد الرحال إلى مقدونيا وركب البحر غير وجهته إلى مصر ومنها إلى بلاد اليونان ثم إلى سلانيك رغبة في إخفاء أغراضه عن أعين الجواسيس. وقد أسس في مدينة سلانيك فرعاً عاماً للجمعية، وما كادت حكومة الآستانة تتلقى تقرير الجواسيس عن أعماله وأخذت في البحث عنه حتى سافر على وجه السرعة إلى (يافا) وعلى أثر ذلك ظهرت مسألة العقبة. فاستصدرت جمعية الحرية أمراً بتعينه على الحدود المصرية. وما كاد يصل أمر البحث عنه إلى ولاية الشام حتى كان متولياً شؤون وظيفته الجديدة على حدود مصر.
وقد مكث في سوريا ثلاثة أعوام ثم طلب من الحكومة نقله إلى مقدونيا فقوبل طلبه بالقبول وعلم بعد وصوله إلى سلانيك إن جمعية الحرية غيرت اسمها باسم جمعية الاتحاد والترقي وما وافى
(1/407)
________________________________________
إعلان الدستور حتى برز إلى ميادين السياسة بفضل إعلانه جميع الأحرار وقد اقترح على الجمعية انسحاب الجيش في ميادينه فقوبل بالارتياح غير أن الجمعية لم تتمكن من تنفيذه في ذلك الحين.
ولما نشبت الثورة الرجعية في الأستانة سنة 1909: أخمدها واستتب الأمن ثم تعين بمهمة الإصلاح على ولاية طرابلس. ثم شرعت الحكومة التركية في الأنظمة الجديدة لضباط الجيش وهي تقضي بتنزيل درجاتهم ورتبهم، وألحق حسب النظام الجديد برتبة ضابط صغير "قول أغاصي" بهيئة أركان حرب في فرقة "سلانيك" فأخذ يبذل جهده في تعليم الجيش وتدريبه على الأصول الحربية الحديثة والأنظمة الجديدة.
وكان كثيراً ما يكتب من الاقتراحات النافعة والانتقادات المفيدة لإصلاح شأن الجيش فكان ذلك من الأسباب الجوهرية التي بعثت بعض القواد القدماء على حقدهم عليه وكان جزاؤه تعيينه قائداً للآلاي الثلاثين فجاء هذا التعيين على عكس غرضهم الأساسي إذا أفسح له مجالاً واسعاً لإلقاء بعض المحاضرات الفنية وشرح أساليب الخطط الحربية وتوضيح المواقف الهامة وغير ذلك مما يحتاج إليه الضباط والقواد. ثم بعد ذلك دعته حكومة الأستانة وعينته ضمن أركان الحرب العامة فيها وقام بصحبة المرحوم شوكت باشا بالحركات الحربية لإخماد الثورة في بلاد ألبانيا.
وقد ذهب مع جماعة من إخوانه متنكراً إلى مصر على أثر إعلان الحرب الإيطالية سنة 1911 وسافر منها إلى بنغاري. ثم عاد إلى الأستامة بعد نشوب الحرب بين الترك والبلغار وتع ين رئيساً لأركان الحرب، ثم عاد إلى الأستانة وتعين ملحقاً عسكرياً في سفارة "صوفيا" عاصمة بلغاريا ومكث هناك مدة سنة كاملة.
ولما نشبت الحرب العامة سنة 1914 تعين قائداً للفرقة السادسة عشر في (تكفورطاغ)، ثم تعين لفيلق ديار بكر وبعدها تولى قيادة الجيوش. وعين بعد ذلك قائداً للقوات الحجازية فتوجه إلى الشام وتفاوض مع جمال باشا وأركان حربه وأنور باشا وأركان حربه وبعد أخذ ورد أقنع الجميع
(1/408)
________________________________________
بضرورة الجلاء عن الحجاز ثم عاد إلى ديار بكر ومنها عاد إلى الأستانة وأخذ القيادة على عاتقه وحصل بينه وبين كبار القواد الألمانيين مناقشات أدت إلى استقالته وسافر من الأستانة مع ولي العهد (جلالة الخليفة الأعظم الحالي) إلى ألمانيا، وفيها تقابل مع القائدين العظيمين (هندنبورج ولوندرف) وبعد ذلك عاد فرأى ما حل بالبلاد من المصائب فاقترح على الحكومة إسقاط الوزارة وتشكيل وزارة أخرى حسب برنامج قرره لها.
وكان نظره متجهاً نحو نقطتين هامتين: (1) التوسل بالأسباب الناجحة في الحصول على ما تمس الحاجة إليه.
(2) إنشاء قوة قوية للدفاع عن مصالح الوطن.
وقد صحت عزيمته على ترك الأستانة والتوغل في داخلية البلاد وبسط موقف البلاد المحفوف بالمخاطر. ولأجل هذا بذل جهده في العمل على إنقاذ الوطن خاصة والشرق عامة. وبينما كان مشتغلاً بتهيئة الأسباب لذلك إذ تلقى أمراً بتعيينه قائداً ومفتشاً لجيش الصاعقة مع ضرورة ذهابه به الأناضول فتقبل ذلك بالسرور العظيم. وقام إلى الأناضول وهو حاصل على رتبة القائد والمفتش معاً لذلك الجيش، وكان ذلك من أهم العوامل الفعالة للوصول إلى تحقيق إنقاذ الوطن (حاجة في نفس يعقوب قضاها) ولما شعرت الحكومة بخطئها استدعته في الحال إلى الأستانة فرفض واستقال وسعى في جمع نواب الأمة وتأليف المجلس الوطني الكبير في الأناضول وقد افتتح المجلس الوطني يوم 23 فبراير سنة 1920، وأخذ في مباشرة الأعمال والقيام بواجب البلاد وكان شغله الشاغل. (كيف تمثل إرادة الأمة أحسن تمثيل) فاهتدى بعد أبحاث طويلة أنه لا يتم ذلك إلا باجتماع نوابها العظام. وهذا ما دعاه إلى وضع مستقبل الأمة من حريتها واستقلالها في يد وزارة كبيرة تمثل البلاد، وقد تم له ما أراد ففاز بالنصر والسداد وفقه الله إلى ما فيه صلاح العباد.
والغازي على جانب عظيم من الفضيلة ومكارم الأخلاق بعيداً عن الزهو وحب النفس متواضعاً محبوباً محترماً صريحاً في قوله
(1/409)
________________________________________
وعمله. فصيحاً بليغاً. من كبار الكتاب ومن فحول الشعراء ينادي المعالي ويناجي الحرية والإخاء والمساواة وقد اجتمع بين يديه إمارة السيف والقلم: وخطبه أشهر من أن تذكر من أقواله: في الوطن: إن وطننا العزيز لايموت ولن يموت. وإذا فرضنا المحال وسلمنا بموته (لا قدر الله) فكاهل الكرة الأرضية لن يستطيع حمل تابوته الجسيم. نعم يسقط مهمشاً مقطع الأوصال مادام فرد منا يتنسم نسيم الحياة.
ومن آرائه في تعليم المرأة:
تعليم المرأة "أم الوطن" وتثقيف عقلها بالعلوم الدينية والمعارف الأهلية من أهم ما ترمي إليها نهضتنا العلمية الوطنية.
ومن وصفه للفلاح: سيد تركيا بل سيد العالم الحقيقي (الفلاح) لأنه هو العنصر الأول في تكوين عناصر الأمة وكيانها. والوطن بدونه لاشيء بل الوطن هو فيتعين أن نعتني به عناية خاصة، وأن نضع قبل كل شيء سعادته نصب أعيننا.
الشعر
(1/410)
________________________________________
كانت حالة الشعر في النصف الأول من هذا العصر لاتزيد شيئاً مذكوراً على ما كنت عليه في العصر الماضي، إذ كانت حكومة محمد علي باشا في أول أمرها تركية الصبغة، وكان هو أمياً، ولكن الشعر أخذ بعد ذلك في الترقي خصوصاً في عصر اسماعيل باشا، فتقدم خطوات تمثلت في شعر السيد علي أبي النصر المتوفي سنة 1298، والشيخ علي الليثي المتوفي سنة 1309، وعظيم الشعراء البارودي.
ولم يزل العلم والعلماء مع ذلك لهم المقام الأول في مصر حتى كان العصر الحاضر، ونالت مصر بعض حاجاتها من العلم وكتبه فهب أهله يتفكهون بالأدب وكتابته والتأليف فيه ويستمعون الشعر ويحرضون المجامع العظيمة لإنشاده فأقبل الشعراء على نظمه في كل أغراضه القديمة والحديثة ونحوا به نحو الشعر الإفرنجي من وصف المناظر الطبيعية، وأحوال الوجدان والعواطف النفسية ومن وصف القطار والكهرباء والمسرة والبرق وغير ذلك.
ومما يمتاز به شعر هذا الوقت خلوه من تكلف البديع والجناس. والرجوع له إلى حالته القديمة الطبيعية حتى صار شعر فحوله يشبه شعر أهل القرن الرابع والخامس.
الشعراء
شعراء هذا العصر كثيرون وأشهرهم محمود باشا سامي البارودي، وأحمد بك شوقي، ومحمد حافظ بك ابراهيم، واسماعيل باشات صبري،ة وخليل بك مطران وغيرهم.
البارودي
(1/411)
________________________________________
هو رب السيف والقلم أمير الشعراء وشاعر الأمراء، محمود سامي باشا بن حسن حسني بك البارودي، أحد زعماء الثورة العرابية وأشعر الشعراء المتأخرين بالديار المصرية: ولد سنة 1255ه? وتأدب وأدخل المدرسة الحربية ومازال يترقى حتى ولاه المرحوم الخديوي توفيق باشا نظارتي الحربية والأوقاف. ثم ولي رياسة النظار قبيل الثورة العرابية. فلما اضطرمت نيران الثورة أرغمه زعماؤها على اصطلاء نارها فخب فيها ووضع. وحكم عليه بعد انقضائها بالنفي إلى جزيرة (سيلان) حتى عمي، وشفع فيه فأذن له بالقدوم إلى مصر بعد مضي 17 سنة من منفاه، وبقي في منزله كفيفاً يشتغل بالأدب إلى أن مات سنة 1322ه?. ومن قوله:
والدهر كالبحر لاينفكّ ذا كدر

وإنما صفوه بين الورى لمعُ

لو كان للمرء فكر في عواقبه

ما شأن أخلاقه حرص ولا طمع

وكيف يدرك ما ف الغيب من حدث

من لم يزل بغرور العيش ينخدع

دهرٌ يغرّ وآمال تسرّ وأع

مار تمرّ وأيام لها خدع

يسعى الفتى لأمور قد تضرُّ به

وليس يعلم ما يأتي وما يدع

يأيها السادر المزورُّ من صلف

مهلاً فإنك بالأيام منخدع

دع ما يريب وخذ فيما خلقت لهُ

لعلّ قلبك بالإيمان ينتفع

إن الحياة لثوب سوف تخلعهُ

وكل ثوب إذا مارثَّ ينخلع

ومن قوله في الحماسة والفخر:
أنا مصدرُ الكلمِ البوادي

بين المحاضر والنّوادي

أنا فارسٌ أنا شاعر

في كلّ ملحمة ونادي

فإذا ركبت فإنني

زيدُ الفةوارس في الجلاد
وإذا نطقتُ فغنني

قسُّ بنُ ساعدة الإيادي

وقال يصف هرمي الجيزة وأبا الهول:
سل الجيزةَ الفيحاء عن هرميْ مصر

لعلّكَ تدري غيب ما لم تكنْ تدري

بناءان ردّا صولةَ الدَّهرِ عنهما،

ومنْ عجبٍ أن يغلبا صولةَ الدَّهرَ

أقاما على رغمِ الخطوبِ ليشهدا

لبانيهما بين البريّة بالفخرِ
(1/412)
________________________________________
فكمْ أمم في الدهر بادتْ وأعصرِ

خلّتْ وهما أعجوبةُ العينِ والفكرِ

تلوحُ لآثارِ العقولِ عليهما

أساطيرُ لاتنفك تتلى إلى الحشرِ

رموزٌ لو استطلعتَ مكنونَ سرّها

لأبصرتَ مجموعَ الخلائق في سطر
فما منْ بناءٍ كانَ أو هو كائنٌ،

يدانيهما عندَ التأمُّلِ والخبرِ

يقصِّرُ حسناً عنهما صرحُ بابلِ،

ويعترفُ الإيوان بالعجزِ والبهرِ

كأنهما ثديانِ فاضا بدرَّةٍ

من النيلِ تروي غلَّةَ الأرض إذ تجري
وبينهما بلهيبُ في زيّ رابضٍ

أكبَّ على الكفَّينِ منه إلى الصدر

يقلّبُ نحوَ الشرقِ نظرة وامقٍ،

كأنَّ له شوقاً إلى مطلعِ الفجرِ

مصانعُ فيها للعلومِ غوامضٌ

تدلُّ على أنَّ ابن آدم ذو قدرِ

رسا أصلها، وامتدَّ في الجوّ فرعها،

فأصبحَ وكراً للسِّماكين والنَّسرِ

?أحمد شوقي بك
هو رب القلم محيي دولة الشعر بعد العدم شاعر النيل أحمد بن علي شوقي بك المولود سنة 1285ه??.
شعره، ينظم بين أصحابه فيكون معهم وليس معهم، وينظم حين يشاء، وحيث يشاء، لا يجهد فكره ولايكده في معنى أو في مبنى، فأما المعنى فيجيئه على مرامه أو على أبعد من مرامه ولاينضب عنده لأنه يستخلصه من عقل فوار الذكاء ومعارف جامعة إلى أفانين الآداب في لغات الإفرنج والأعراب، فلسفة الحقوق وحقائق وحقائق التاريخ، وغرائب السير التي يحفظ منها غير يسير إلى مشاركات علمية وتنبيهات فنية استفادها من مطالعته في صنوف الكتب، واتخذها عن ملحوظاته ومسموعاته في جولاته بين بلاد الشرق والغرب. وأما المبني فله فيه اذواق متعددة مقامات القول: ترى فيه من نسج البحتري ومن صياغة أبي تمام ومن ثبات المتنبي، ومن مفاجآت الشريف، ومن مسلسلات مهيار.
ومن قوله: يصف هيكل أنس الوجود:
أيُّها المنتحي "بأسوانَ" داراً

كالثريَّا تريدُ أن تنقضا
(1/413)
________________________________________
اخلع النَّعلَ واخفض الطرف واخشعْ

لا تحاولْ من آيةِ الدَّهرِ غمضا

قفْ بتلكَ القصور في اليمّ غرقى

ممسكاً بعضها في الذُّعرِ بعضا

كعذارى أخفينَ في الماءِ بضّاً

سابحاتِ به، وأبدين بضّاً

مشرفاتٍ على الزوال. وكانتْ

مشرقاتٍ على الكواكب نهضا

شابَ من حولها الزمانُ. وشابت

وشباب الفنونِ ما زالَ غضّاً

ربّ نقشٍ كأنما نفضَ الصّا

نعُ منهُ اليدينِ بالأمس نفضاً

ودهانٍ كلامعِ الزّيت مرّت

أعصر بالسّراج والزّيتُ وضّا

وخطوط كأنها هدبُ ريمٍ

حسنتْ صنعة وطولا وعرضا

وضحايا تكادُ تمشي وترعى

لو أصابت من قدرة الله نبضا

ومحاريبَ كالبروجِ بنتها

عزماتٌ من عزمةِ الجنّ أمضى

شيَّدت بعضها الفراعينُ زلفى

ولني البعضَ أجنب يترضّى

ومقاصيرَ أبدلتْ بفتاتِ ال?

?مسك ترباً. وباليواقيتِ قضاً

حظُّها اليومَ هدّةٌ، وقديماً

صرفت في الحظوظ رفعاً وخفضاً
سقتِ العالمينَ بالسعدِ والنَّح?

?سِ إلى أن تعاطتِ النحسَ محضاً

صنعةٌ تدهشُ العقولَ وفنٌّ

كان إتقانهُ على القومِ فرضا

***
ياقصوراً نظرتها وهي تقضى

فسكبتُ الدموعَ، والحقُّ يقضى

أنت طغرا، ومجدُ مصرَ كتابٌ

كيفَ سامَ البلى كتابكِ فضّاً؟

وأنا المحتفي بتاريخِ مصر

من يصنْ مجدّ قومهِ صانَ عرضا

لم تمت أمَّةٌ، ولا بادَ شعبٌ

أقرضوا الذِّكرَ والأحاديث قرضا

ربّ سرِّ بجانبيكِ مزالٍ

كان حتى على الفراعينِ غمضا

قلْ لها في الدُّعاء لو كان يجدي

يا سماءَ الجلالِ لا صرتِ أرضا

حار فيك المهندسون عقولاً

وتولَّتْ عزائمُ العلمَ مرضى

أينَ ملْكٌ حيالها وفريدٌ

من نظامِ النعيمِ أصبحَ فضاً؟

أين فرعونُ في المواكبِ تترى
(1/414)
________________________________________
يركضُ المالكينَ كالخيلِ ركضا?

ساقَ للفتح في الممالكِ عرضاً

وجلا للفخارِ في السلمِ عرضا

أين "إبزيسُ" تحتها النيلُ يجري

حكمتْ فيهِ شاطئينِ وعرضا!

أسدلَ الطّرف كاهنٌ ومليكٌ

في ثراها وأرسلَ الرأسَ خفضا

يعرضُ المالكون أسرى عليها

في قيود الهوان عانينَ جرضى

ما لها أصبحتْ بغير مجير

تشتكي من نوائب الدّهر عضّا

هي في الأسرِ بين صخرٍ وبحرٍ

ملكة في السّجون فوقَ حضوضى
أين (هوروسُ) بين سيفٍ ونطع

أبهذا في شرعهم كان يقضى!

ليت شعري! قضى شهيدَ غرامٍ

أم رماهُ الوشاة حقداً وبغضا

ربُّ ضرب من سوطِ فرعون مضِّ

دون فعل الفراقِ بالنفسِ مضّا

وهلاكٍ بسيفهِ وهو قانٍ

دونَ سيفٍ من الّلواحظِ ينضى

قتلوهُ فهل لذاك حديثٌ

أين راوي الحديثِ نثراً وقرضا

شيمةُ النيل أن يفي، وعجيب

أحرجوهُ فضيَّعَ العهدَ نقضاً

حاشهُ الماءُ فهو صيدٌ كريمٌ

ليتَ بالنيلِ يومَ يسقط غيضا

شيّدوا المالَ، والعلومُ قليلٌ

أنقذوهُ بالمالِ والعلمِ نقضا

محمد حافظ بك ابراهيم
(1/415)
________________________________________
هو الشاعر الكبير محمد حافظ بن ابراهيم أفندي فهمي المولود سنة 1288ه?. يقول الشعر، في كل مكان يتفق له فيه أن يخلو بنفسه، ويتعب في قرض قريضه تعب النحات الماهر في استخراج مثال جميل من حجره.
يؤثر الجزالة على الرقة، وله فيها آيات، يطرق الموضوع في الغالب من جوهره وربما نظم أكثر الأبيات قبل المطلع شان الصانع القدير الذي يبدأ بأصعب ما بين يديه آمناً أن تهن عزيمته دون الإجادة بعد ذلك عالماً أن الكلام لابد لأن يأتيه في أي مقام طيعاً ولو بعد حين.
حاضر المحفوظ من أفصح أساليب العرب ينسج على منوالها ويتخير نفائس مفرداتها وأعلاق حلاها. له غرام باللفظ لايقل عن الغرام بالمعنى. وفي أقصى ضميره يؤثر البيت المجاد لفظاً على المجاد معنى. فإذا فاته الابتكار حيناً في التصوير، أولع بالاجتماعيات فقال فيها وأجاد ما شاء، فهو على الجملة أحد الثلاثة الذين هم نجوم الأدب العربي في مصر لهذا العصر، ولكل من تلك النجوم منزلة وإضاءته وأثره الخالد.
أما شعره فشعر البيان وإن من البيان لسحراً. ومن شعره الاجتماعي، قوله:
كم ذا يكابد عاشقٌ ويلاقي

في حبِّ مصرَ كثيرةِ العشَّاق

إني لأحملُ في هواكِ صبابة

يامصرُ، قد خرجت عن الأطواقِ
لهفي عليكِ? متى أراك طليقةً

يحمي كريمَ حماكِ شعبٌ راقٍ

كلفٌ بمحمود الخلالِ، متيمٌ

بالبذلِ بين يديكِ والإنفاقِ

إني لتطربني الخلالُ كريمةٌ

طربَ الغريبِ بأوبةٍ وتلاقِ

ويهزُّني ذكرُ المروءةِ والنَّدى

بين الشّمائلِ هزّةَ المشتاقِ

ما البابليَّةُ في صفاءِ مزاجها

والشربُ بين تنافس وسباقِ

والشمس تبدو في الكؤوسِ وتختفي

والبدرُ يشرق من جبين السّاقي

بألذ من خلقٍ كريم طاهرٍ

قد مازجتهُ سلامةُ الأذواقِ

فإذا رزقتَ خليقة محمودة

فقدِ اصطفاكَ مقسّمُ الأرزاقِ

فالناسُ هذا حظهُ مالٌ، وذا
(1/416)
________________________________________
علمٌ وذاك مكارمُ الأخلاقِ

والمالُ إن لم تدَّخرهُ محصناً

بالعلم كان نهاية الإملاقِ

والعلمُ إن لم تكتنفهُ شمائلٌ

تعليهِ كان مطية الإخفاق

لا تحسبنَّ العلم ينفعُ وحدهُ

مالم يتوَّج ربُّهُ بخلاقِ

منْ لي بتربية النساءِ فإنَّها

في الشرق علَّةُ ذلك الإخفاق

الأم مدرسةٌ إذا أعددتها

أعددت شعباً طيّب الأعراقِ

الأم روضٌ تعهّدهُ الحيا

بالريّ، أورقَ إيّما إبراق

الأمُّ أستاذُ الأساتذةِ الألى

شغلت مآثرهم مدى الآفاق

أنا لا أقولُ: دعوا النساءَ سوافراً

بين الرجال يجلنَ في الأسواق

يدرجنَ حيث أردنَ، لا من وازعٍ

يحذرن رقبتهُ، ولا من واق

يفعلن أفعال الرجال لواهيا

عن واجبات نواعس الأحداق

في دورهنّ شؤونهنّ كثيرة

كشؤون ربّ السيفِ والمزراق

كلاّ، ولا أدعوكم أن تسرفوا

في الحجبِ والتضييق والإرهاق

ليست نساؤكمُ حلىّ وجواهراً

خوفَ الضياع تصانُ في الأحقاقِ
ليست نساؤكمُ أثاثاً يقتنى

في الدُّور بين مخادع وطباق

تتشكَّلُ الأزمانُ في أدوارها

دولاً، وهنَّ على الجمود بواق

فتوسَّطوا في الحالتين، وأنصفوا

فالشرُّ في التقييد والإطلاقِ

ربُّوا البنات على الفضيلةِ، أنّها

في الموقفين لهنَّ خير وثاق

وعليكمُ أن تستبينَ بناتكم

نورَ الهدى وعلى الحياءِ الباقي

إسماعيل صبري باشا
أكثر ما ينظم فلخطرة تخطر على باله من مثل حادثة يشهدها أو خبر ذي بال يسمعه أو كتاب يطالعه، ينظم المعنى الذي يعرض له في بيتين عادة إلى أربعة إلى ستة، وقلما يزيد على هذا القدر إلا حيث يقصد قصيدة، شديد النقد لشعره كثير التبديل والتحويل فيه حتى إذا استقام على ما يريده ذوقه من رقة اللفظ وفصاحة الأسلوب أهمله ثم نسيه، ومن قوله يصف الأهرام:
(1/417)
________________________________________
لا القومُ قومي ولا الأعوان أعواني

إذا ونى يوم تحصيل العلى وانِ

ولستُ أنْ لم يؤيدني فراعنة

منكم بفرعونَ عالي العرش والشانِ
ولستُ جبّار ذا الوادي إذا سلمتِ

جبالهُ تلك من غاراتِ أعواني

لا تقربوا النَّيلَ إن لم تعلموا عملاً

فماؤهُ العذبُ لم يخلقْ لكسلانِ

ردوا المجرّة كذّاً دون موردهِ

أو فاطلبوا غيرهُ رياً لظمآنِ

وابنوا كما بنت الأجيالُ قبلكمُ

لا تتركوا بعدكم فخراً لإنسان

أمرتكم، فأطيعوا أمرَ ربّكم

لا يئنِ مستمعاً عن طاعةٍ ثانِ

فالملك أمرٌ وطاعاتٌ تسابقهُ

جنباً لجنب إلى غايات إحسانٍ

لا تتركوا مستحيلاً في استحالته

حتى يميطَ لكم عن وجه إمكانِ

مقالةً قد هوت من عرش قائلها

على مناكب أبطال وشجعان

مادتْ لها الأرضُ من ذعرٍ ودان لها

ما في المقطَّم من صخر وصوَّانِ

لو غير فرعونَ ألقاها على ملأِ

في غير مصرِ لعدَّت حلم يقظان

لكنّ فرعونَ إن نادى جبلاً

لبَّت حجارتهُ في قبضةِ الباني

وآزرتهُ جماهير تسيلُ بها

بطاحُ واد بماضي القوم ملآنِ

يبنون ما تقف الأجيالُ حائرة

أمامهُ بين إعجاب وإذعانٍ

من كل ما لم يد فكر ولا فتحت

على نظائره في الكون عينانِ

ويشبهونَ إذا طاروا إلى عمل

جنّاً تطير أمرٍ من سليمانِ

برّاً بذي الأمر لا خوفاً ولا طمعاً

لكنّهم خلقوا طلابَ إتقانِ

أهرامهم تلك، حيّ الفنَّ متخذاً

من الصُّخورِ بروجاً فوق كيوانِ

قد مرَّ دهر عليها، وهي ساخرة

بما يضعضعُ من صرحٍ وإيوانِ

لم يأخذِ الّليلُ منها والنهارُ سوى

ما يأخذُ النملُ من أركان تهلانِ

كأنها والعواد، في جوانبها

صرعى بناءُ شياطين لشيطانٍ

جاءت إليها وفود الأرض قاطبة
(1/418)
________________________________________
تسعى اشتياقاً إلى ما خلَّدَ الفاني

فصغَّرت كل موجود ضخامتها

وغضَّ بنيانها من كلّ بنيانِ

وعادَ منكرُ فضل القوم معترفاً

يثني على القوم في سرَّ وإعلانِ

تلك الهياكل في الأمصار شاهدةٌ

بأنهم أهلُ سبقٍ، أهلُ إمعانٍ

وأن فرعونَ في حول ومقدرة

وقومَ فرعونَ في أقدام كفؤانٍ

إذا أقام عليهم شاهداً حجرٌ

في هيكل قامتْ الأخرى ببرهانٍ

كأنما هي والأقوام خاشعةٌ

أمامها صحفُ من عالمٍ ثانِ

تستقبلُ العينَ في أثنائها صورٌ

فصحة الرمز دارت حولَ جدرانِ

لو أنها أعطيتْ صوتاً لكانَ لهُ

صدّى يروّع الإنس والجان

أين الألى سجَّلوا في الصّخر سيرتهم

وصغّروا كلَّ ذي ملك وسلطانِ

بادوا، وبادت على آثارهم دولٌ

وأدرجوا طيَّ أخبار وأكفانِ

خليل بك مطران
هو شاعر الشعور والخيال، وشاعر بعلبك والأهرام، ولد سنة 1871 ببعلبك وتعلم بها قدم مصر سنة 1893 م واشتغل بمكاتبة الصحف وانشأ باسمه "المجلة المصرية" سنة 1899 م وأنشأ أيضاً (جريدة الجوانب المصرية) وله ديوانه المسمى (ديوان الخليل).
شعره: مجمع الصور وملعب الخيال، ونفسه كالصحيفة الحساسة ينطبع عليها كل ما يمر بها، بل الغصن الرطب يميل به كل نسيم بل وجه البحيرة الصافي يحركه كل ريح، من قصيدة له يصف ضرب الأسطول الإيطالي سواحل الشام ويستنهض الهمم:
بلادي لا يزالُ هواكِ منّي

كما كان الهوى قبل الفطام

أقبّل منك حيثُ رمى الأعادي

رغاماً طاهراً دون الرّغام

وافدي كل جلمود فتيت

وهي بقنابل القوم اللّئام

لحى الله المطامعَ حيث حلّت

فتلك أشدّ آفات السلام

تشوبُ الماَء وهو أغرّ صاف

وتمشي في المشارب بالسّقام

أقول وقد أفاق الشّرق ذعراً

من الحال الشّبيهة بالمنام

على صخب المدافع في حماه

ورقص الموت بينَ طلّيً وهامِ
(1/419)
________________________________________
أقول بصوته لحماة دار

رماها من بغاة الغرب رام

أباةَ الضيَّم من عرب وترك

نسورَ الشّمّ آسادَ الموامي

قرومَ العصر فرساناً ورجلاً

نجوم الكرّ من خلف اللثام

بنا مرض النَّعيم فنسمونا

وغّى يشفي من الصفّو العقام

بنا برد المكوث فأدفئونا

بحمَّى الوثب حيث الخطب حام
بنا عطلُ السّماع فشنَّفونا

بقعقعة الحديد لدى الصّدام

على هذا الرّجاء ونحن في

نسيرُ موفقين إلى الأمام

وقال في نابليون وهو يراقب السماء في آخر أيامه
قالوا لنابليون ذات عشيّة

إذ كان يرقب في السّماء الأنجما
هل بعد فتح الأرض من أمنيَّة

فأجاب انظر كيف أفتتح السّما

أبواب الشعر العربي
الباب الأول في المديح
"قال أمية بن أبي الصلت المتوفى سنة 9 ه? في العزة الإلهية".
لكَ الحمدُ والنّعماء والملك ربُّنا

فلا شيء أعلى منك مجداً وامجداُ
مليك على عرض السّماءِ مهيمنٌ

لعزّته تعنوا الوجوه وتسجدُ

فسبحان من لا يعرفُ الخلقُ قدره

ومنْ هو فوقَ العرش فردٌ موحّدُ

هو الله باري الخلقِ والخلقُ كلّهم

إماءٌ له طوعاً جميعاً وأعبدُ

مليكُ السَّموات الشّداد وأرضها

يدومُ ويبقى والخليقةُ تنفدُ

وقال أيضاً
إلهُ العالمينَ وكلَّ أرض

ورب الرَّاسيات من الجبال

بناها وابتنى سبعا شداداً

بلا عمدٍ يربنَ ولا رجالِ

وسوَّاها وزينها بنور

من الشمس المضيئةِ والهلالِ

ومن شهب تلألأ في دجاها

مراميها أشدُّ من النَّصالِ

وشقّ الأرض فانبجستْ عيونا

وأنهاراً من العذب الزُّلالِ

وبارك في نواحيها وزكّى

بها ما كان من حرثٍ ومعالٍ

فكلُّ معمّر لا بدّ يوماً

وذي دنيا يصيرُ إلى زوالٍ

ويفني بعد جدته ويبلى

سوى الباقي المقدّس ذي الجلالِ
(1/420)
________________________________________
وسيقَ المجرمون وهم عراة

إلى ذات المقامع والنَّكالِ

فنادوا ويلنا ويلاً طويلاً

وعجُّوا في سلاسلها الطّوالِ

فليسوا ميتين فيستريحوا

وكلهمُ بحرّ النّار صالي

وحلّ المتّقون بدار صدق

وعيش ناعمٍ تحت الظّلال

لهم ما يشتهون وما تممنا

من الأفراح فيها والكمالِ

وقال محمود سامي البارودي باشا مادحاً سيد الأمة من كشف الغمة
"محمدٌ" خاتم الرُّسل الّذي خضعت

له البرية من عرب ومن عجم

سميرُ وحي ومجنى حكمةٍ وندى

سماحة وقرى عافٍ وريُّ ظم

قد ابلغ الوحيُ عنه قبل بعثته

مسامعَ الرُّسل قولاً غير منكتم

فذاك دعوةُ إبراهيم خالقه

وسرَّ ما قاله عيسى من القدمِ

أكرم به وبآباء محجّلة

جاءت به غرّة في الأعصر الدُّهم
قد كان في ملكوت الله مدّخراً

لدعوة كان فيها صاحبَ العلم

نورٌ تنقل في الأكوان ساطعة

تنقلَ البدرِ من صلب إلى رحم

وقال أحمد بك شوقي مادحاً أفضل الخلق على الإطلاق من نهج البردة
محمدُ" صفوة الباري وحمته

وبغيةُ الله من خلقٍ ومن نسيم

وصاحبُ الحوضِ يوم الرُّسلُ سائلةٌ

متى الورود وجبريلُ الأمينُ ظمي
سناؤه وسناه الشمس طالعةٌ

فالجرمُ في فلكٍ والضّوءُ في علم

قد أخطأ النجمُ ما نالت أبوته

من سؤددٍ باذخٍ في مظهرٍ سنم

نموا إليه فزادوا في الورى شرفاً

وربّ أصلٍ لفرعِ في الفخار نمي
حواه في سبحات الطُّهر قبلهمُ

نورانِ قاما مقامَ الصُّلب والرَّحم

لما رآه بحيراً قال نعرفهُ

بما حفظنا من الأسماء والسَّيمِ

وقال أبو تمام مادحاً المعتضد بالله
إلى قطب الدُّنيا الذي لو بفضله

مدحت بني الدُّنيا كفتهم فضائله
من البأس والمعروف والجود والتُّقى

عيالٌ عليه رزقهنَّ شمائله

هو البحرُ من أيّ النواحي أتيته
(1/421)
________________________________________
فلجتهُ المعروفُ والجودُ ساحله

تعود بسط الكف حتّى لو أنَّه

ثغاها لقبضٍ لم تعطهُ أنامله

ولو لم يكن في كفه غيرُ روحه

لجاد بها فليتَّقِ الله سائله

وقال فيه أيضاً
السيف اصدقُ إنباءٌ من الكتبِ

في حده الحدّ بين الجدّ والّلعبِ

بيضُ الصفائح لا سود الصحائف في

متونهنّ جلاء، الشّكَّ والرّيبِ

فتحٌ تفتحُ أبواب السّماء له

وتبرزُ الأرضُ في أثوابها القشبِ

غادرت فيهم بهيمَ الليل وهو ضحى

يقلهُ وسطها صبحٌ من الّلهبِ

حتى كأن جلابيبَ الدُّجى رغبت

عن لونها وكأنَّ الشمس لم تغبِ

أجبتهُ معلناً بالسّيف متصلتا

ولو أجبت بغير السّيف لم تجب

خليفةَ الله جازى سعيك عن

جرثومة الدّين والإسلام والحسب

فبين أيامك اللاتي نصرت بها

وبين أيام بدر أقربُ النّسب

وقال أبو العلاء المعري
إليك تناهي كلُّ فخرٍ وسؤدد

فأبلِ الّليالي والأنام وجدد

لجدَّك كلن المجدُ ثم حويته

ولابنك يبنى منه أشرف مقعدِ

ثلاثة أيامٍ هيَ الدّهرُ كله

وما هنّ غير الأمسِ واليومِ والغدِ
وما البدرُ إلا واحدٌ غير أنه

يغيبُ ويأتي بالضيّاءِ المجدّدِ

فلا تحسب الأقمار خلقاً كثيرة

فجعلتها من نيَّر مترددٍ

وللحسنِ لحسنى وإن جاد غيره

فذلك جودٌ ليس بالمعتمّد

وقال أبو الطيب المتنبي مادحاً سيف الدولة
ضاق الزمانُ ووجهُ الأرض عن ملك

ملء الزمان وملء السّهل والجبل

فنحن في جذل والرُّوم في وجل

والبرُّ في شغل والبحرُ في خجل

ليتَ المدائح تستوفي مناقبه

فما كليبٌ وأهل الأعصر الأول

خذ ما تراه ودع شيئاً سمعت به

في طلعة البدرِ ما يغنيك عن زحل

وقد وجدت مكانَ القول ذا سعةٍ

فإن وجدتَ لساناً قائلاً فقل

إن الإمام الذي فخرُ الأنام به
(1/422)
________________________________________
خيرُ السُّيوف بكفي خيرةِ الدُّول

تمسي الأماني صرعى دون مبلغهِ

فما يقول لشيءٍ ليتَ ذلك لي

وقال أيضاً يمدح أبا شجاع
لا خيل عندك تهديها ولا مالُ

فليسعد النُّطق إن لم تسعد الحال

واجز الأميرَ الذي نغماه فاجئةٌ

بغير قولٍ ونعمى النَّاس أقوالُ

فربما جرت الإحسانَ موليه

جريدةٌ من عذارى الحيّ مكسالُ
وإن تكن محكمات الشّكل تمنعني

ظهور جري فلي فيهن تصهالُ

وما شكرتُ لأن المالَ فرحني

سيّان عنديَ إكثارٌ وإقلالُ

لكن رأيت قبيحاً أن يجاد لما

وإننا بقضاء الحقَّ بخالُ

فكنتُ منبتَ روضِ الحزن باكره

غيثٌ بغيرِ سباخ الأرض هطالُ
غيثٌ يبيّن للنُّظار موقعه

أن الغيوث بما تأتيه جهّالُ

لا يدرك المجدَ إلا سيّدق فطنٌ

لما يشقٌ على السادات فعّال

لا وارثٌ جهلتْ يمناهُ ما وهبتْ

ولا كسوبٌ بغير السّيف سئّال

قال الزمانُ له قولاً فأفهم

أن الزّمان على الإمساك عذال

تدري القناةُ إذا اهتزت براحته

أن الشّقيّ بها خيلٌ وأبطالُ

كفاتكِ ودخول الكاف منقصةٌ

كالشمس قلتُ وما للشمس أمثال
القائدُ الأسدَ غدتها براثنهُ

بمثلها عداهُ وهي أشبالُ

وقال أيضاً يمدح سيف الدولة
ويذكر بناءه قلعة الحدث سنة 343 ه?
على قدر أهل العزم تأتي العزائم

وتأتي على قدر الكرام المكارم

وتعظم في عين الصغير صغارها

وتصغر في عين العظيم العظائم

يكلف سيف الدّولة الجيش همّهُ

وقد عجزت منه الجيوش الخضارم
ويطلب عند الناس ما عند نفسه

وذلك ما لا تدّعيه الضراغم

يفدَّي أتمُّ الطَّير عمراً سلاحهُ

نسورُ الفلا أحداثها والقشاعم

وما ضرّها خلقٌ بغير مخالب

وقد خلقتْ أسيافه والقوائم

هل الحدث الحمراء تعرف لونها

وتعلم أيُّ الساقيين الغمائم
(1/423)
________________________________________
سقتها الغمام الغرُّ قبل نزوله

فلما دنا منها سقتها الجماجم

بناها فأعلى والقنا تقرع القنا

وموج المنايا حولها متلاطم

وكان بها مثل الجنون فأصبحت

ومن جثث القتلى عليها تمائم

طريدة الّليالي كلّ شيءٍ أخذته

وهنَّ لما يأخذن منك غوارم

وكيف ترجّى الرُّوم والرُّوس هدمها

وذا الطعن آساس لها ودعائم

?وقال جرير المتوفى سنة 110 ه? يمدح عبد الملك بن مروان:
تعزّت أمُّ حزرة ثمَّ قالتْ

رأيتُ الموردين ذوي لقاحِ

ثقي بالله ليسَ له شريك

ومنْ عندِ الخليفة بالنّجاحِ

سأشكر غنْ رددت إليّ ريشي

وأنبتَّ القوادمَ في جناحي

ألستمْ خيرَ منْ ركبَ المطايا

وأندى العالمينَ بطون راحِ

?وقال أيضاً يمدح عمر بن عبد العزيز ويستعطفه
إكمْ باليمامةِ منْ شعثاءَ أرملةَ

ومنْ يتيم ضعيف الصّوت والنّظرِ

ممّن يعدُّكَ تكفي فقد والدهِ

كالفرخ في العشّ لم ينهض ولم يطرِ
يدعوك دعوة ملهوف كانّ بهِ

خبلاً من الجنّ أو مسّاً من النُّسرِ

إنّا لنرجو إذا ما الغيثُ اخلفنا

منَ الخليفةِ ما نرجو منَ المطرِ

أنى الخلافةَ أو كانتْ لهُ قدراً

كما أتى ربهُ موسى على قدر

هذي الأراملُ قد قضيتَ حاجتها

فمنْ لحاجةِ هذا الأرمل الذّكرِ

?وقال أيضاً يمدحه
يعودُ الفضلُ منكَ على قريشٍ

وتفرجُ عنهمُ الكربَ الشدادا

وقد أمنتَ وحشهم برفق

ويعيي النَّاسَ وحشك أن يصادا
وتدعو الله مجتهداً ليرضى

وتذكر في رعيتكَ المعادا

وما كعبُ بنُ مامة وابنُ سعدى

بأجود منك يا عمرُ الجوادا

?وقال الثعالبي المتوفى سنة 429 ه? مادحاً الأمير أبا الفضل الميكالي
لك في المفاخر معجزاتٌ جمّة

أبداً لغيرك في الورى لم تجمع

بحران بحرٌ في البلاغة شابهُ

شعر الوليدِ وحسن لفظ الأصعمي
(1/424)
________________________________________
وترسُّلُ الصّابي بزين علوهُ

خط ابن مقلةَ ذو المحل الأرفع

كالنّور أو كالسّحر أو كالبدر أو

كالوشي في بردٍ عليه موشّع

شكراً فكم من فقرةٍ لك كالغني

وافي الكريم بعيدَ فقر مدقع

وإذا تفتّق نورُ شعرك ناضراً

فالحسن بين مرصَّع ومصرَّع

أرجلتَ فرسان الكلام ورضتَ أف

راس البديع وأنت أمجد مبدعِ

ونقشتَ في فضّ الزمان بدائعاً

ترزى بآثار الربيع الممرع

?وقال أبو محمد اليمني المتوفى سنة 569 ه?
يمدح الملك الفائز ووزيره الصالح
أقسمت بالفائز المعصومِ معتقداً

فوز النّجاةِ واجرَ البرّ في القسمِ

لقد حمى الدَّينَ والدنيا وأهلها

وزيرهُ الصّالح الفرَّاجُ للغمم

الّلابسُ المجد لم تنسج غلائلهُ

إلا يدُ الصانعين السّيفِ والقلم

قد ملكتهُ العوالي رق مملكةٍ

تعيرُ أنفَ الثُّريا عزّة الشّمم

أرى مقاما عظيمَ الشان أوهمني

في يقظتي انّه من جملةِ الحلم

ليتَ الكواكب تدنو لي فأنظمها

عقودَ مدحِ فما أرضى لكمْ كلمي
خليفة ووزيرٌ فرَّ عدلهما

ظلاَّ على مفرق الإسلام والأمم

زيادة النّيل نقصٌ عندَ قيضهما

فما عسى يتعاطى هاطل الدَّيم

?وقال حافظ إبراهيم يمدح أستاذنا
الشيخ محمد عبده ويهنئه
رأيتك والأبصار حولك خشَّعٌ

فقلت أبو حفص ببرديك أم علي

وخفضتَ من حزني على مجد أمة

تداركتها والخطبُ للخطب يعتلي

طلعت بها باليمن من خير مطلع

وكنت لها في الفوز قدحُ ابنُ مقبل
وجرّدت للفتيا حسام عزيمة

بحدَّيه آياتُ الكتاب المنزل

محوتَ به في الدّين كلّ ضلالة

وأثبتَ ما أثبتَّ غيرَ مضلَّل

لئن ظفر الأفتاءُ منك بفاضل

لقد ظفر الإسلامُ منك بأفضل

??الباب الثاني في الفخر والحماسة
?قال السموءل بن عادياء المتوفى سنة 62 قبل الهجرة
(1/425)
________________________________________
إذ المرءُ لمْ يدنسْ من الُّلؤمِ عرضهُ

فكلُّ رداء يرتديهِ جميلٌ

وإن هوَ لمْ يحمل على النَّفسِ ضيمها

فليسَ إلى حسنِ الثناءِ سبيلُ

يعيرنا أنا قليلٌ عديدنا

فقلت لها إنّ الكرامَ قليلُ

وما قلَّ من كانتْ بقاياهُ مثلنا

شابٌ نتسامى للعلا وكهولُ

وما ضرَّنا أنا قليلٌ وجارنا

عزيزٌ وجارُ الأكثرين ذليلُ

لنا جبلٌ يحتلهُ منْ نجيره

منيعٌ يردُّ الطَّرفَ وهو كليلُ

رسا أصلهُ تحتَ الثرى وسما بهِ

إلى النجمِ فرعٌ لا ينالُ طويلُ

هوَ الأبلقُ الفردُ الذي شاعَ ذكره

يعزُّ على منْ رامهُ ويطولُ

وإنا لقومٌ لا نرى القتلَ سبّةٌ

إذا ما رأتهُ عامرٌ وسلولُ

يقربُ حبُّ الموتِ آجالنا لن

وتكرمهُ آجالهمْ فتطولُ

وما ماتَ منّا سيّدُ حتفَ انفهِ

ولا ظلّ منا حيثُ كان قتيلُ

تسيلُ على حدّ الظُّبات نفوسنا

وليستْ على غيرِ الظَّباتِ تسيلُ

صفونا فلم نكدرْ وأخلصَ سّرنا

إناثٌ أطابتْ حملنا وفحولُ

علونا إلى خيرِ الظُّهور وحظنا

لوقت إلى خيرِ البطونِ نزول

فنحن كماءِ المزنِ ما في نصابنا

كهامٌ ولا فينا يعدُّ بخيلُ

وننكر إن شئنا على الناس قولهم

ولا ينكرون القولَ حين نقول

إذا سيدٌ منّا خلا قام سيدٌ

قوولٌ لما قال الكرامُ فعول

وما أخمدتْ نارٌ لنا دون طارقٍ

ولا ذمّنا في النازلينَ نزيلُ

وأيامنا مشهورةٌ في عدّنا

لها غررٌ معلومةٌ وحجول

وأسيافنا في كلَ شرقٍ ومغرب

بها من قراعِ الدَّارعينَ فلول

معوَّدةٌ ألا تسلَّ نصالها

فتغمد حتى يستباحَ قبيلُ

سلي إن جهلتِ النّاس عنّا وعنهم

فليسَ سواءٌ عالمٌ وجهولُ

فإن بنى الدَّيَّانِ قطبٌ لقومهمُ
(1/426)
________________________________________
تدورُ رحاهم حولهمْ وتجولُ

وقال عنترة العبسي
لعمرك إن المجد والفخر والعلاَ

ونيلَ الأماني وارتفاعَ المراتب

لمنْ يلتقي أبطالها وسراتها

بقلبٍ صبور عند وقع المضارب

ويبني بحدّ السَّيف مجداً مشيداً

على فلك العلياء فوق الكواكب

ومنْ لم يرو رمحه من دم العدا

إذا اشتبكتْ سمرُ القنا بالقواضب

ويعطي القنا الخطيّ في الحرب حقَّه

ويبري بحدّ السّيف عرض المناكب

يعيشُ كما عاش الذليل بغصة

وإن مات لا يجري دموع النوادب

فضائلُ عزمٍ لا تباع لضارع

وأسرارُ حزمٍ لا تذاع لعائب

برزت بها دهراً على كل حادث

ولا كحل إلا من غبار الكتائب

إذا كذب البرق اللموعُ لشائمِ

فبرقُ حسامي صادقٌ غيرُ كاذب

وقال أيضاً في الحماسة والفخر
سكت فغرَّ أعدائي السكوتُ

وظنوني لأهلي قد نسيتُ

وكيف أنامُ عن ساداتِ قوم

أنا في فضلِ نعمتهم ربيتُ

وإن دارت بهم خيلُ الأعادي

ونادوني أجبتُ متى دعيت

بسيف حدُّهُ موجُ المنايا

ورمحِ صدرهُ الحتفُ المميتُ

خلقتُ من الحديد أشدُّ قلباً

وقد بلى الحديدُ وما بليتْ

وإني قد شربتُ دم الأعادي

بأقحاف الرُّؤوس وما رويتُ

وفي الحرب العوان ولدت طفلاً

ومن لبن المعامع قد سقيتُ

فما للرَّمح في جسمي نصيبٌ

ولا للسّيف في أعضاي قوتُ

ولي بيت علا فلك الثُّريَّا

تخر لعظم هيبته البيوت

وقال أيضاً في الحماسة والفخر يوم المصانع
إذا كشف الزّمانُ لك القناعا

ومدّ إليك صرفُ الدّهر باعا

فلا تخش المنية والتقيها

ودافع ما استطعت لها دفاعا

ولا تختر فراشاً من حريرس

ولا تبكِ المنازلَ والبقاعا

وحولك نسوة يندبن حزناً

ويهتكن البراقعَ واللفاعا

يقول لك الطّبيبُ دواك عندي

إذا ما جسَّ كفّك والذّراعا
(1/427)
________________________________________
ولو عرف الطّبيبُ دواء داءٍ

يردَّ الموتَ ما قاسى النّزاعا

وفي يوم المصانع قد تركنا

لنا بفعالنا خبراً مشاعا

أقمنا بالذّوابل سوقَ حرب

وصيرنا النفوس لها متاعا

حصاني كان دلاّل المنايا

فخاضَ غبارها وشرى وباعا
وسيفي كان في الهيجا طبيباً

يداوي رأس من يشكو الصُّداعا
أنا العبدُ الذي خبّرت عنه

وقد عاينتني فدع السماعا

ولو أرسلتُ رمحي مع جبان

لكان بهيبتي يلقى السّباعا

ملأتُ الأرضَ خوفاً من حسامي

وخصمي لم يجدْ فيها اتّساعا

إذا الأبطال فرَّتْ خوفَ بأسي

ترى الأقطار باعاً أو ذراعا

وقال أيضاً في الفخر والحماسة
أعادي صرفَ دهر لا يعادى

وأحتملُ القطيعةَ والبعادا

وأظهرُ نصح قوم ضيعوني

وإن خانت قلوبهم الودادا

أعلّلُ بالمنى قلباً عليلاً

وبالصبر الجميل وإن تمادى

تعيّرني العدا بسواد جلدي

وبيضُ خصائلي تمحو السّوادا

وردت الحربَ والأبطالُ حولي

تهزّ اكفُّها السُّمرَ الصّعادا

وخضتُ بمهجتي بحر المنايا

ونار الحرب تتَّقدُ الصعادا

وعدت مخضّبا بدم الأعادي

وكربُ الرّكض قد خضب الجوادا
وسيفي مرهفُ الحدّين ماض

تقدُّ شفارهُ الصَّحرَ الجمادا

ورمحي ما طعنت به طعيناً

فعاد بعينه نظرَ الرّشادا

ولولا صارمي وسنان رمحي

لما رفعت بنو عبس عمادا

وقال يتوعد النعمان بن المنذر ملك العرب ويفتخر بقومه
لا يحملُ الحقدَ من تعلوبه الرُّتبُ

ولا ينال العلى من طبعه الغضبُ

لله درُّ بني عبس لقد نسلوا

من الأكارم ما قد تنسلُ العرب

قد كنت فيما مضى أرعى جمالهمُ

واليومَ احمي حماهم كلّما نكبوا

لئن يعيبوا سوادي فهو لي نسبٌ

يومَ النّزال إذا ما فاتني النّسب
(1/428)
________________________________________
إن كنت تعلم يا نعمان أنّ يدي

قصيرةٌ عنك فالأيام تنقلب

إنّ الأفاعي وإن لانت ملامسها

عند التقلّب في أنيابها العطب

اليومَ تعلم يا نعمان أيُّ فتى

يلقى أخاك الذي قد غرّهُ العصب

فتى يخوض غبار الحرب مبتسماً

وينثني وسنان الرَّمح مختضب

إن سلّ صارمهُ سالت مضاربهُ

وأشرق الجوُّ وانشقت له الحجب

والخيل تشهد لي أني أكفكفها

والطّعنُ مثل شرار النَّار يلتهب

إذا التقيتُ الأعادي يومض معركةٍ

تركت جمعهم المغرور ينتهب

ليّ النُّفوس وللطّير اللّحومُ ولل

وحشِ العظامُ وللخيّالة السلب

لا أبعد الله عن عيني غطارفة

إنساً إذا نزلوا جنَّا إذا ركبوا

أسودُ غابٍ ولمن لا نيوبَ لهم

إلاّ الأسنّة والهنديّة القضب

تعدو بهم أعوجيّاتٌ مضمَّرة

مثل السّراحين في أعناقها القببُ

ما زلت ألقى صدور الخيل مندفقاً

بالطّعن حتى يضجَّ السّرجُ واللّبب

فالعمي لو كان في أجفانهم نظروا

والخرس لو كان في أفواههم خطبوا
والنقع يوم طراد الخيل يشهدُ لي

والضّرب والطّعن والأقلام والكتب

وقال أيضاً في إغارته على بني حريقة
حكّم سيوفك في رقاب العذّلِ

وإذا نزلتَ بدار ذلّ فارحلِ

وإذا الجبانُ نهاك يومض كريهةٍ

خوفاً عليك من ازدحام الجحفل

فاعص مقالته ولا تجفل بها

واقدم إذا حق اللذقا في الأوّل

واختر لنفسك منزلاً تعلو به

أو مت كريماً تحت ظلّ القسطل

إن كنتُ في عدد العبيد فهمَّتي

فوق الثُّريَّا والسّماك الأعزل

أو أنكرت فرسانُ عبس نسبتي

فسنانُ رمحي والحسام يقرُّ لي

وبذا بلى ومهنَّدي نلتُ العلى

لا بالقرابة والعديد الأجزل

ورميت رمحي في العجاج فخاضه

والنار تقدحُ من شفار النصل

خاض العجاجَ محجَّلاً حتى إذا
(1/429)
________________________________________
شهد الوقيعةَ عاد غير محجّل

ولقد نكبت بني حريقة نكبة

لما طعنت صميم قلبِ الأخيل

وقتلت فارسهم ربيعة عنوةً

والهيذبان وجابر بنَ مهلهل

لا تستقني ماءَ الحياة بذلّة

بل فاسقني بالعزّ كأس الحنظل

ماءُ الحياة بذلّةٍ كجهنّمٍ

وجهنّمٌٌ بالعزّ أطيب منزلِ

وقال هبة الله بن سناء الملك المتوفى سنة 235 ه?
سوايَ يهابُ الموت أو يرهب الرّدى

وغيريَ يهوى أن يعيشَ مخلَّدا

ولكنَّني لا أرهب الدَّهر إن سطا

ولا أحذرُ الموتَ الزؤامَ إذا عدا

ولو مدَّ نحوي حادثُ الدَّهر كفّي

لحدّثت نفسي أن أمدّ له يدا

توقدُّ عزمي يترك الماءَ جمرةً

وحلية حلمي تتركُ السَّيف مبردا

وفرط احتقاري للأنام لأنني

أرى كلّ عار من حلى سؤددي سدى
ويأبى إبائي أنْ يراني قاعداً

وإني أرى كلّ البريّة مقعداً

وأظمأ إن أبدى ليَ الماءُ منَّة

ولو كان لي نهرُ المجرة موردا

ولو كان إدراك الهدى بتذلُّل

رأيت الهدى إلا أميلَ إلى الهدى

وقدماً بغيري اصبح الدهر أشيبا

وبي وبفضلي اصبح الدَّهر امردا

وإنك عبدي يا زمان وإنني

على الرَّغم منّي أن أرى لك سيّدا

وما أنا راض أنني واطئ الثّرى

ولي همةٌ لا ترتضي الأفقَ مقعداً

ولو علمت زهو النجُّوم مكانتي

لخرَّت جميعاً نحو وجهيَ سجّدا

أرى الخلق دوني إذ أراني فوقهم

ذكاءً وعلماً واعتلاءً وسؤددا

وبذل نوالي زاد حتى لقد غدا

من الغيظ منهُ ساكنُ البحر مزبدا

ولي يقلم في أنملي إنْ هززته

فما ضرّني إلاّ أهزّ المهنَّدا

إذا صال فوق الطّرسِ وقع صريره

فإنّ صليلَ المشرفيّ له صدى

"وقال حسان بن ثابت الأنصاري المتوفى سنة 54 ه?"
لعمرك أبيك الخير يا سعثُ ما نبا

عليَّ لساني في الخطوب ولا يدي
(1/430)
________________________________________
لساني وسيفي صارمان كلاهما

ويبلغُ ما لا يبلغ السّيف مذودي

وإنْ أذاك ذا مال كثير أحدْ بهِ

وإن يعتصر عودي على الجهد يحمد
فلا المال ينسيني حياتي وعفَّتي

ولا واقعات الدّهر يفللن مبردي

أكثّر أهلي من عيالٍ سواهم

وأطوي على الماءِ القراح المبرّد

وإني لمعط ما وجدت وقائلٌ

لموقد ناري ليلة الرّيح أوقد

وإني لقَّوالٌ لدى البثّ مرحباً

وأهلاً إذا ما جاء من غير مرصد

وإني ليدعوني النّدى فأحيبه

وأضرب بيض العارضِ المتوقّد

وإني لحلوٌ تعتريني مرارةٌ

وإني لترّاكُ لما لم أعوّد

وإني لمزجٍ للمطيّ على الوجى

وإني لترّاك الفراشِ الممهّد

وقال الفرزدق
لنا العزّة القعساء والعدد الذي

عليه إذا عدَّ الحصى يتخلفُ

ومنّا الذي لا ينطق النّاس عندهُ

ولكن هو المستأذنُ المتصرف

تراهمْ قعودا حوله وعيونهم

مكسرةٌ أبصارها ما تصرفُ

ترى الناس إن سرنا يسيرون خلفنا

وإن نحن أومأنا إلى النّاس وقَّفوا
ولا عزّ إلاّ عزُّنا قاهرٌ لهُ

ويسألنا النّصف الذَّليلُ فننصف

وما قام منّا قائمٌ في نديّنا

فينطق إلاَّ بالّتي هي أعرفُ

وقال وقد نزل في بادية وأوقد ناراً فرآها ذئب فأتاه فأطعمه من زاده وأنشده
وأطلس عسّال وما كان صاحباً

دعوت بناري موهناً فأتاني

فلمَّا أتى قلتُ بيني وبينه

على ضوءِ نارٍ مرَّةً ودخان

وقلت لهث لمَّا تكشّر ضاحكاً

وقائمُ سيفي في يدي بمكان

تعشَ فإن عاهدتني لا تخونني

نكن مثل منْ يا ذئبُ يصطحبان
وأنت امرؤٌ يا ذئب والغدرُ كنتما

أخيينِ كانا أرضعا بلبان

ولوْ غيرنا نبهتَ تلتمسُ القرى

رماك بسهم أو شباةِ سنان

وقال الشريف الرضي "وقيل لعنترة العبسي"
لغير العلى منّي القلى والتَّجنَّب
(1/431)
________________________________________
ولولا العلى ما كنت في الحبّ أرغب
إذا الله لم يعذرك فيما ترومه

فما النّاس إلاّ عاذل أو مؤنب

ملكت بسيفي فرصة ما استرقّها

من الدّهر مفتول الذّراعين أغلب

لئن تك كفّى ما تطاول باعها

فلي من وراء الكفّ قلبٌ مدرَّب

فحسبي أني في الأعادي مبغّض

وأني إلى عزّ المعالي محبّب

وللحلم أوقات وللجهل مثلها

ولكنَّ أوقاتي إلى الحلم أقربُ

يصولُ عليَّ الجاهلون وأعتلي

ويعجمُ فيَّ القائلون وأعرب

يرونَ احتمالي غصّة ويزيدهم

لواعج ضغن أنني لستُ اغضب

واعرض عن كاس النّديم كأنها

وميض غمام غائر المزن خلّب

وقور فلا الألحان تأسر عزمتي

ولا تمكر الصّهباء بي حين أشرب

ولا أعرف الفحشاء إلا بوصفها

ولا انطق العواء والقلب مغضب

تحلم عن كرّ القوارض شيمتي

كان معيد المدح بالذمّ مطنب

لساني حصاة يقرع الجهل بالحجا

إذا نال منّي العاضه المتوثب

ولست براض أن تمسّ عزائمي

فضالاتُ ما يعطي الزّمان ويسلب

غرائبُ آدابٍ حباني بحفظها

زماني وصرفُ الدّهر نعم المؤدب

تريّشنا الأيام ثم تهيضنا

ألا نعم ذا البادي وبئس المعقّب

نهيتك عن طبع اللّئام فإنّني

أرى البخلَ يأتي والمكارم تطلب

تعلّم فإن الجود في النّاس فطنة

تقومُ بها الأحرار والطبع أغلب

"وقال العميد مؤيد الدين الطغرائي المتوفى سنة 513 ه?"
أبى الله أن أسمو بغير فضائلي

إذا ما سما بالمال كلّ مسوّد
(1/432)
________________________________________
وإن كرمت قبلي أوائل أسرتي

فإنّي بحمد الله مبدأ سؤددي

وما منصبٌ إلا وقدري فوقه

ولو حطّ رحلي بين نسر وفرقد

إذا شرفت نفسُ الفتى زاد قدره

على كل أسنى منه ذكراً وأمجدَ

كذاك حديد السّيف إن يصفُ جوهراً

فقيمتهُ أضعافهُ وزن عسجد

وما المال إلا عارةٌ مستردةٌ

فهلاّ بفضلي كاثروني ومحتدي

إذا لم يكن لي في الولاية بسطةٌ

يطول بها باعي وتسطو بها يدي

ولا كان لي حكمٌ مطاعٌ أجيزه

فأرغمُ أعدائي وأكبت حسّدي

فاعذر إن قصَّرتُ في حقّ مجند

وآمنُ أن يعتدني كيدُ معتد

ولولا تكاليف العلى ومغارمٌ

ثقال وأعقاب الأحاديث في غد

لأعطيتُ نفسي في التخلّي مرادها

فذاك مرادي مذ نشأت ومقصدي

وقال الفضل بن العباس عتبة بن أبي لهب
مهلا بني عمنا مهلاً موالينا

لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا

لا تطعموا أن تهينونا ونكرمكم

وأن نكفَّ الأذى عنكم وتؤذونا

مهلاً بني عمّنا من نحتِ أثلتنا

سيروا رويداً كما كنتم تسيرونا
الله يعلم أنا لا نحبكم

ولا نلومكم إن لم تحبَّونا

كلَّ له نيةٌ في بغض صاحبه

بنعمة الله نقليكم وتقلونا

وقال محمد بن عبد الله الأزدي
لا أدفع ابن العم يمشي على شفا

وإن بلغتني من أذاه الجنادعُ

ولن أواسيه وأنسى ذنوبه

لترجعه يوماً إليّ الرَّواجعُ

وحسبُ من ذلّ وسوءِ صنيعةٍ

مناواة ذي القربى وإن قيل قاطع
وقال حطان بن المعلى
أنزلني الدّهر على حكمه

من شامخ عالٍ إلى خفض

وغالني الدهر بوفر الغنى
(1/433)
________________________________________
فليس لي مالٌ سوى عرضي

أبكانيَ الدّهر ويا ربّما

أضحكني الدّهر بما يرضي

لولا بنياتٌ كزغب القطا

رددنَ من بعض إلى بعض

لكان لي مضطربٌ واسعٌ

في الأرض ذات الطُّول والعرض
وإنما أولادنا بيننا

أكبادنا تمشي على الأرض

لو هبّت الريحُ على بعضهم

لامتنعت عيني من الغمض

وقال أوس بن حبناء
إذا المرءُ أولاكَ الهوان فأوله

هواناً وإن كانت قريباً أواصراه
فإن أنت لم تقدر على أن تهينه

فذرهُ إلى اليوم الذي أنت قادره

وقاربْ إذا لم تكن لك حيلة

وصمّم إذا أيقنتَ انك عاقره

وقال سعد بن ناشب
تفنّدني فيما ترى من شراستي

وشدّةِ نفسي أم سعدٍ وما تدري

فقلت لها إن الكريم وإن خلا

ليلفى على حال أمرّ من الصبر

وفي اللّين ضعف والشراسة هيبةٌ

ومن لم يهبْ يحمل على مركب وعر
وما بي على من لان لي من فظاظة

ولكنّني فظَّ أبيَّ على القسر

وقال إبراهيم بن كنيف النبهاني
تعز فإنَّ الصّبر بالحرّ أجمل

وليس على ريب الزّمان معوَّل

فلو كان يغني أن يرى المرء جازعاً

لحادثة أو كان يغني التذلل

لكانَ التّعزّي عندَ كل مصيبة

ونائبة بالحرّ أولى وأجمل

فكيف وكلَّ ليس يعدوا حمامه

وما لامرئٍ عما قضى الله مرحلُ

فإن تكن الأيام فينا تبدّلت

ببؤسى ونعمى والحوادث تفعلُ

فما ليَّنت منَّا قناة صليبةً

ولا ذللتنا للتي ليس تجملُ

ولكن رحلناها نفوسناً كريمةً

تحمَّلُ ما لا يستطاع فتحمل

وقينا بحسن الصّبر منّا نفوسنا

فصحت لنا الأعراضُ والناسُ هزَّلُ
وقال آخر
إن يحسدوني فإنّي غيرُ لائمهم

قبلي من الناس أهلُ الفضل قد حسدوا
فدام لي ولهم ما بي وما بهمُ

ومات أكثرنا غيظاً بما يجدُ
(1/434)
________________________________________
أنا الذي يجدوني في صدورهم

ولا أرتقي صدراً منها ولا أرد

وقال سالم بن وابصة
عليك بالقصدِ فيما أنتَ فاعله

إن التَّخلُّقَ يأتي دونه الخلقُ

وموقف مثل حدّ السيف قمتُ به

أحمي الذّمار وترميني به الحدقُ
فما زلقت ولا أبديت فاحشةً

إذ الرجال على أمثالها زلقوا

وقال تابط شرا
إذا المرُ لم يحتلْ وقد جدَّ جدُّهُ

أضاعَ وقاسى أمرهُ وهو مدبرُ

ولكن أخو الحزم الذي ليس نازلاً

به الخطبُ ألا وهو للقصد مبصرُ
وقال حبيب بن أوس أبو تمام الطائي
أنا ابن الذي استرضعَ الجودُ فيهمُ

وقد ساد فيهم وهو كهلٌ ويافعُ

نجومٌ طواليعٌ جبالٌ فوارعٌ

غيوثٌ هواميعٌ سيولٌ دوافعُ

مضوا وأنّ المكرمات لديهمُ

لكثرة ما أوصوا بهنّ شرائعُ

فأيُّ يد في المحل مدَّت فلم يكن

لها راحةٌ من جودهم وأصابع

هم استودعوا المعروف محفوظ ما لنا

فضاع وما ضاعتْ لدينا الودائع

بها ليلُ لو عاينت فيض أكفهم

لأيقنتَ أن الرّزق في الأرض واسع
إذا خفقت بالبذل أرواحُ جودهم

حداها النَّدى واستنشقتها المدامع

رياحٌ كريح العنبر الغضّ في الندى

ولكنها يوم اللّقاء زعازع

هي السَّمُّ ما تنفك في كلّ بلدةٍ

تسيلُ به أرماحهم وهو ناقعُ

أصارت لهم أرض العدوّ قطائعاً

نفوسٌ لحدّ المرهفات قطائع

بكلّ فتّى ما شاب من روع وقعةٍ

ولكنه قد شبنَ منه الوقائع

إذا ما أغاروا فاحتووا مال معشر

أغارت عليهم فاحتوتهُ الصّنائع

فتعطي الذي تعطيهم الخيل والقنا

أكف الإرث المكرمات موانع

وقال أبو فراس الحمداني
ووالله ما قصرّت في طلب العلى

ولكن كأن الدّهر عني غافل

مواعيد آمال متى ما انتجعتها

حلبتُ بكيّاتٍ وهنّ حوافل

تدافعني الأيامُ عمّا أريدهُ
(1/435)
________________________________________
كما دفع الذيّن الغريم المماطل

فمثلي من نال الأعادي بسيفه

ويا ربما غالته عنها الغوائل

وما لي لا تمسي وتصبح في يدي

كرام أموالِ الرّجال العقائل

أحكّمُ في الأعداء عنها صوارماً

أحكمها فيها إذا ضاق نازل

وما زال محميُّ الحمائل عنوةً

سوى ما أقلت في الجفون الحمائل
ينالُ اختيارُ الصفح عن كل مذنب

له عندنا ما لا تنال الوسائل

لنا عتب الأمر الذي في صدوره

تطاولُ أعناق العدىَ والكواهل

أصاغرنا في المكرمات أكابرٌ

وآخرنا في المأثرات أوائل

إذا صلتُ صولاً لم أجد لي مصاولاً

وإن قلت قولاً لم أجد من يقاول

وقال أيضاً
أنا إذا اشتد الزّما

ن ونابَ خطبٌ وادلهمْ

ألفيت حولَ بيوتنا

عددَ الشجاعة والكرمْ

للقا العدا بيضٌ السُّيو

فِ وللنّدى وحمر النّعم
هذا وهذا دأينا

يودى دمٌ ويراقُ دمْ

وقال أيضاً
وغني لنزَّالٌ بكلّ مخوفةٍ

كثيرٌ إلى نزّالها النَّظر الشّزرُ

وإني لجرّارٌ لالكل كتيبة

معوَّدةٍ ألا يحل بها النّصر

ولا راحَ يطغيني بأثوابه الغنى

ولا بات يثنيني عن الكرم الفقرُ

ما حاجتي في المال أبغي وفوره

إذا لم أفرْ عرضي فلا وفر الوفرُ

أسرتُ وما صحبي بعزلٍ لدى الوغى

ولا فرسي مهرٌ ولا ربُّه عمرُ

ولكن إذا حمّ القضاءُ على امرئٍ

فليس له برٌّ يقيه ولا بحر

وقال أصيحابي الفرار أو الرّدى

فقلتُ هما أمران أحلاهما مرُّ

ولكنّني أمضي لما لا يعيبني

وحسبك من أمرين خيرهما الأسرُ
ومنها
يمنَّون أن خلوا ثيابي وإنّما

علي ثيابٌ من دمائهم حمرُ

وقائم سيفٍ فيهم دقَّ نضله

وأعقاب رمحِ فيهم حطم الصدر

سيذكرني قومي إذ جدّ جدهم

وفي الليلة الظلماء يفتقدُ البدرُ
(1/436)
________________________________________
ولو سدَّ غيري ما سددتُ اكتفوا به

وما كان يغني التّبر ولو نفق الصُّفر
ونحن أناسٌ لا توسط بيننا

لنا الصدرُ دون العالمين أو القبر

أعزُّ بني الدنيا وأعلى ذوي العلا

وأكرم من فوق التُّراب ولا فخر

وقال أيضاً
عيري يغيّره الفعالُ الجافي

ويحولُ عن شيم الكريم الوافي

لا أرتضي ودّا إذا هو لم يدمْ

عند الجفاء وقلّة الإنصاف

إنّ الغني هو الغني بنفسه

ولو أنه عاري المناكب حافٍ

ما كلُّ ما فوق البسيطة كافياً

وإذا قنعت فبعض شيء كافِ

وتعافُ لي طمع الحريص فتوتي

ومروءتي وقناعتي وعفافي

ومكارمي عددُ النجومِ ومنزلي

مأوى الكرامِ ومنزلِ الأضياف

وقال أيضاً
أتدعو كريماً ومن يجود بمالهُ

ومن جادَ بالنّفس النّفيسة أكرمُ

إذا لم يكن ينجي الفرار من الرّدى

على حالةٍ فالصّبر أرجي وأحزمُ
لعمري لقد أعذرت لو أن مسعداً

وأقدمت لو أن الكتائب تقدمُ

وما عابك ابن السَّابقين إلى العلا

تأخر أقوامٍ وأنت مقدِّم

وما لك لا تلقى بمهجتك الفنا

وأنتَ ن القومِ الذين همُ هم

وقال أبو الطيب المتنبي
أطاعنُ من فوارسها الدّهر

وحيداً وما قولي كذا ومعي الصبر

وأشجعُ مني كلّ يومٍ سلامتي

وما ثبتت إلا وفي فسها أمر

تمرّست بالآفات وحتى تركتها

تقول أمات الموتُ أم ذعرَ الذعرُ

وأقدمت إقدامَ الأبي كأن لي

سوى مهجتي أو كان لي عندها وترُ
ذر النّفس تأخذ وسعها قبل بينها

فمفترق جاران دارهما العمر

ولا تحسبنّ المجدَ زقّا وقينة

فما المجد إلا السّيف والفتكة البكر

وتضربت أعناق الملوك وأن ترى

لك الهبوات السُّودُ والعسكر المجرْ

وترككُ في الدُّنيا دوياً كأنما

تداول سمعَ المرءِ أنملة العشر

إذا الفضل لم يرفعك عن شكر ناقص
(1/437)
________________________________________
على هبة فالفضل فيمن له الشكر

ومن ينفق السَّاعات في جمع مالهِ

مخافة فقرِ فالذي فعل الفقر

وقال صفيّ الدّين الحليّ
سلِ الرماح العوالي عن معالينا

واستشهد البيض هل خاب الرّجال فينا
وسائل العرب والأتراك ما فعلتْ

في أ{ضِ فير عبيد الله أيدينا

لقد سعينا فلم تضعف عزائمنا

عما تروم ولا خابت مساعينا

يا يوْم وقعة زوراء العراقِ وقد

دنّا الأعادي كما كانوا يدينونا

بضمرِ ما ريطناها مسوَّمة

إلا لتغزو بها من بات يغزونا

وفتية إن نقل أصغوا مسامعهم

لقولنا أو دعوناهم أجابونا

قومٌ إذا استخصموا كانوا فراعنة

يوماً وإن حكموا كانوا موازينا

تدَّرعوا العقل جلاباً فإن حميت

نار الوغى خلتهم فيها مجانينا

إذا ادعوا جاءت الدنيا مصدقة

وإن دعوا قالت الأيام آمينا

إن الزّرازير لما قام قائهما

توهمت أنها صارت شواهينا

ظنت تأتي البُزاةِ الشُّهب عن جزع

وما درت أنه قد كان تهوينا

ذلّوا بأسيافنا طول الزمان فمذ

تحكموا وأظهروا أحقادهم فينا

لم يغنم مالنا عن نهب أنفسنا

كأنهم في أمانٍ من تقاصينا

أخلوا المساجد من أشياخنا وبغوا

حتى حملنا فأخلينا الدواوينا

ثم أثنينا وقد ظلت صوارمنا

تميس عجباً وتهنز القنا لينا

والدّماء على أثوابنا علقٌ

ينشره عن عبير المسك يغنينا

إنا لقومٌ أبت أخلاقنا شرفاً

أن نبتدي بالأذى من ليس يؤذينا

بيضٌ صنائعنا سودُ وقائعنا

خضٌ مرابعنا حمرُ مواضينا

لا يظهر العجزُ منا دون نيل منى

ولو رأينا المنايا في أمانينا

وقال أبو العلاء المعري
ألا في سبيل المجدِ ما أنا فاعل

عفافٌ وإقدامُ وحزمٌ ونائلٌ
(1/438)
________________________________________
أعندي وقد مارست كلَّ خفيةِ

يصدق واشٍ أو يخيّب سائل

تعدٌّ ذنوبي عند قومٍ كثيرةٌ

ولا ذنب لي إلا العلا والفضائل

كأن إذا كلت الزّمان أهله

رجعت وعندي للأنام طوائلُ

وقد سار ذكري في البلاد فمن لهم

بإخفاء شمسٍ ضوءها متكامل

يهمُّ الليالي بع ما أنا مضمر

ويثقل رضوى دون ما أنا حامل

وإني إن كنتُ الأخيرَ زمانهُ

لآتٍ بما لم تستطعه الأوائل

وأغدو ولو أ، الصباح صوارمٌ

وأسري ولو أن الظلامَ حجافل

وإني جوادٌ لم يحلَّ لجامه

ونصل يمانٍ أغفلته الصيَّافل

فإن كان في لبس الفتى شرفٌ له

فما السَّيف إلا غمده والحمائل

ولي منطقٌ لم يرض لي كنه منزلي

على أنّني بين السماكين نازلٌ

لدي مواطن يشتاقه كل سيّدٍ

ويقصر عن إدراكه المتناول

ولما رأيت الجهلَ في الناس فاشياً

تجاهلتُ حتى ظنَّ أني جاهلٌ

فوا عجباً كم يدَّعي الفضل ناقصٌ

ووا أسفاكم يظهر النقص فاضل

وكيف تنامُ الطّير في وكناتها

وقد نصبت للفرقدين الحبائل

ينافسُ يومي في أمس تشرّفاً

وتحسد أساري عليّ الأصائل

وطال اعترافي بالزمان وصرفهِ

فلستُ أبالي من تغولُ الغوائلِ

فلو بان عنقي ما تأسف منكبي

ولو مات زندي ما بكته الأنامل

إذا وصف الطّائي بالبخل مادرٌ

وعيّر قساً بالفهاهة باقلُ

وقال السُّهى للشمس أنت ضئيلةٌ

وقال الدُّجى للصُّبح لونك حائل

وطاولتِ الأرض السَّماء سفاهةً

وفاخرت الشُّهب الحصى والجنادل
فياموت زُر أن الحياة ذميمةٌ

ويا نفس جدّي أن دهرك هازل

وقال المرحوم محمود باشا سامي البارودي
ولي شيمةٌ تأبى الدَّنايا وعزمةٌ

تردّ لهامَ الجيش وهو سمورُ

إذا سرتُ فالأرض التي نحن فوقها

مرادٌ لمهري والمعاقل دور
(1/439)
________________________________________
فلا عجب إن لم يصرني منزل

فليس لعقبان الهواء وكور

همامة نفس ليس ينفي ركابها

رواحٌ على طول المدى وبكور

معوَّدةٌ ألا تكف عنانها

عن الحدِّ إلا أن تتم أمور

لها من راء الغيب أذنٌ سميعة

وعينٌ ترى ما لا يراه بصير

وفيت بما ظنَّ الكرام ُفراسةً

بأمري ومثلي بالوفاء جدير

وأصبحت محسود الخلال كأنّني

على كل نفسٍ في الزَّمان أمير

إذا صلت كفَّ الدَّهر من غلوائه

وإن قلت غصّت بالقلوب صدور

ملكت مقاليد الكلام وحكمةً

لها كوكبٌ لفخم الضياء منير

وإني امرؤٌ صعبُ الشَّكيمة بالغ

بنفسي شأواً ليس فيه نكير

وقال أيضاً
سواي بتحنان الأغاريد يطربُ

وغيري باللّذات يلهو ويلعب

وما أنا ممن تأسر الخمر لبّه

ويملك سمعيه اليراعُ المثقلَّب

ولكن أخو همّ إذا ما ترجحتْ

به سورةٌ نحو العلا راح يدأب
نفى النومَ عن عينيه نفسٌ أبيَّةٌ

لها بين أطرافِ الأسنةِ مطلب

لبانةُ نفس أصغرت زكلَّ مأرب

فلا عزني خالٌ ولا ضمني أب

ومن تكن العلياءُ همةِ نفسهِ

فكلُّ الذي يلقاه فيها محببّ

وقالت السيدة عائشة هانم التيمورية المتوفاة سنة 1320ه?
بيدِ العفافِ أصونُ عزَّ حجابي

وبعصمتي أسمو على أترابي

وبفكرةِ وقادةٍ وقريحةٍ

نقادة قد كلمت زهرة الألباب

ما عاقني خجلي عن العليا ولا

سدّل الخمار بلمتي ونقابي

عن طيّ مضمار الرّهان إذا اشتكت

صعبَ السّباق مطامحٌ الرُّكابِ

بل صولتي في راحتي وتفرُّسي

ف حسن ما أسعى لخير مآب

الباب الثالث في شكوى الزمان والحال
قال الشنفرى المتوقة سنة 510م
?أقيموا بني أمي صدود مطيّكم=فإني إلى قوم سواكم لأميل
فقد حمّت الحاداتُ والليل مقمرٌ

وشدت الطيات مطايا وأرحل

وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى
(1/440)
________________________________________
وفيها لمن خاف القلى متعزَّل

لعمرك ما في الأرض ضيقٌ على امرئٍ

سرى راغباً أو راهباً وهو يعقل

ولي دونكم أهلون سيدُ علَّمسٌ

وأرقط زهلولٌ وعرفاءُ جيأل

هم الأهل لا مستودع السرَّ ذائعٌ

ليهم ولا الجاني بما جرّ يخذل

وكلَّ أبي باسلٌ غير أنني

إذا عرضت أولى الطرائد أبسل

وإن مدّت الأيدي إلى الزاد لم أكن

بأعجلهم إذا أجشع القوم أعجل

وما ذاك إلا بسطة عن تفضل

عليهم وكان الأفضل المتفضل

وإني كفاني فقد من ليس جازياً

بحسني ولا في قربه متعلل

ثلاثةُ أصحابٍ فؤاد مشيِّعٌ

وأبيض إصليت وصفراء عطّلِ

هتوفٌ من الملس المتون يزينها

رصائع قد نيطت إليها ومحمل

إذا زلَ عنها السّهم حنت كأنها

مرزأة ثكلى ترن وتعول

ولست بمهياف يعشّى سوامه

مجذّعة سقبانها وهي بهَّل

ولا جبَّا أكهى مرّ بعرسه

يطالعها في شأنه كيف يفعل

ولا خرقٍ هيق كان فؤاده

يظلّ به المكاء يعلو ويسفل

ولا خالف دارية متعزّل

يروح ويغدو داهناً يتكحل

ولست بعلّ شرُّه دون خيره

ألفُّ إذا ما رعته أهتاج أعزل

ولست بمحيار الظلام إذا انتحت

هدى الهواجل العسف يهماء هوجل

إذا الأمعز الصّوان لاقى مناسمي

تطاير منه قادحٌ ومفلل

أديم مطال الجوع حتى أميته

وأضرب عنه الذكر صفحتً فأذهل

وأستفُّ رب الأرض كي لا يرى له

على من الطول امرؤٌ متطول

ولولا اجتناب الذّام لم يلف مشربٌ

يعاش به إلا لدي ومأكل

ولكنّ نفساً حرّةٌ لا تقيم بي

على الضيم إلا ريثما أتحوّل

وأطوي على الخمص كما انطوت

خيوطة ماري تغار وتفتل
(1/441)
________________________________________
وأغدو على القوتِ الزّهيد كما غدا

أزلُّ تهاداه التنائف أطحل

غدا طاوياً يعرض الرّيح هافياً

يخوت بأذناب الشّعاب ويعسل

فلمّا لواه القوت من حيث أمّه

دعا فأجابته نظائر تحّل

مهللّة شيب الوجوه كأنها

قداحٌ بكفّني باسرٍ تتقلقل

أو الخشرم المبعوث حثحث دبره

محابيض أرساهن سام معسل

مهرّتةٌ فوهٌ كان شدوتها

شقوق العصي كالحاث وبسّل

فضجّ وضجّت بالبراج كأنها

وإيّاه نوحٌ فوق علياء ثكّل

وأغضي وأغضت وأتسي واتست به

مراميل عزّاها وعزّته مرمل

شكل وشكت ثم ارعوي بعد وارعوت

وللصّبر إن يم ينفع الشكو أجمل

وفاءَ وفاءت بادراتٍ وكلّها

علىنكظٍ ممّا يكاتم مجمل

وتشرب أسآر القطا الكدر بعد ما

سرتْ رباً أحشاؤها تتصلصل

هممت وهمّت وابتدرنا وأسدلت

وشمّر مني فارطٌ متمهل

فوليت عنها وهي تكبو لعقره

يباشره منها ذقونٌ وحوصل

كأنّ وغاها حجرتيه وحوله

أضاميم من سفر القبائل تزَّل

توافين من شتى إليه فضمّها

كما ضمَّ ركبٌ من أحاظةُ مجفل

وآلف وجهَ الأرض ند افتراشها

بأهدأ تنبيه سناسن قحّل

وأعدل منحوضاً كأنّ فصوصه

كعابٌ دحاها لاعبٌ فهي مثّل

فإن تبتئسْ بالشَّنفرى أم قسطل

لما اغتبطت بالشنفرى قبلُ أطول

طريد جناياتِ تياسرن لحمه

عقيرته لأيّها حمّ أوّل

تنام إذا ما نام يقظي عيونها

حثاثاً إلى مكروهه تتغلغل

وإلفُ همومٍ ما تزال تعوده

عياداً حمى الربّع أو عي أثقل

إذا وردت أصدرتها ثم إنها

تؤوب فتأتي من تحيث ومن علُ

فأمّا تراني كابنة الرّمل ضاحياً
(1/442)
________________________________________
على رقة أحفى ولا أتنعل

فإنّى لمولى الصَّبر أجتاب بزّه

على مثل قلب السّمع والحزم أفعل

وأعدم أحياناً وأغنى وإنما

ينال الغنى ذو البعدة المتبذّل

فلا جزعٌ من خلَّة متكشف

ولا مرحٌ تخت الغنى أتخيّل

ولا تزدهي الأجهال حلمي ولا أرى

سؤولاً بأعقاب الأقاويل أنمل

وليلة نحسٍ يصطلي القوس ربُّها

وأقطعه اللاتي بها يتنبل

دعست على غطش وبغش وصحبتي

سعارٌ وإيزيزٌ وواجرٌ وأفكل

فأيَّت نسواناً وأيتمت ولدةً

وعدت كما أبدأت والليل أليل

وأصبح عني لابالغميضاء جالساً

فريقان مسؤول وآخر يسأل

فقالوا القد هرت بليلٍ كلابنا

فقلنا الذئبٌ عسَ أم عسَّ فرعل

فلم يكُ إلا نبأةٌ ثم هومت

فقلنا قطاة ريع أو ريعَ أجدل

فإن يك من جنّ لأبرح طارقاً

وإن يك إنساً ماكها الإنس يفعل

ويومٍ من الشِّعري يذوب لعابه

أفاعيه في رمضائه تتململ

نصبت له وجهي ولكن دونه

ولا ستر إلا الأتحمي المرعبل

وضاف إذا هبّت له الريح طيّرت

لبائد عن أعطافه ما ترجل

بعيدٌ بمسّ الدُّهن والفلي عهده

له عبسٌ عافٍ من الغسل محول

وخرق كظهر الترس قفرٍ قطعته

بغاملتين ظهره ليس يعمل

فألحقت أولاه بأخراه موفياً

على قنة أقعى مراراً وأمثل

ترود الأرواي الضخم حولي كأنها

عذارى عليهن الملاءِ المذّيل

ويركدن بالآصال حولي كأنني

من العصم أدفى ينتحي الكبح أعقل
وقال الطغرائي يواسي معين الملك في نكبته المتوفى سنة 10ه?
فصبراً معين الملك إن عنَّ حادثٌ

فعاقبة الصبر الجميل جميلٌ

ألم تر أن الليل بعد ظلامه

عليه لإسفار الصباح دليلٌ

ألم ترَ أنّ الشمس بعد كسوفها

لها صفحة تغشى العيون صقيل
(1/443)
________________________________________
وأن الهلال النَّضو يقمر بعدما

بدا وهو شخت الجانين ضئيل

فقد يعطف الدّهر قياده

فيشفى عليلٌ أو يبلّ غليل

ويرتاش مقصوصُ الجناحين بعد ما

تساقط ريشٌ واستطار نسيل

أسأت إلى الأيام حتى وترتها

فعندك أضعان لها وتبول

وصارمتها فيما أرادت صورفها

ولولاك كانت تنتحي وتصول

وما أنت إلا السيف يسكن غمده

ليشقى به يوم النزال قتيل

أمالك بالصّديق يوسفَ أسوة

فتحمل وطء الدهر وهو ثقيل

وما غضَّ منك الحبسُ والذكر سائر

طليقٌ له في الخافقين ذميل

?وقال محمود باشا سامي البارودي وهو في منفاه
محا البين ما أبقت عيون المها مني

فشبت ويم أقض اللبانة من سنيّ

عناءٌ ويأس واشتياق وغربة

ألا شد ما ألقاه في الدهر من غبن

فإن أك فارقت الدّيار فلي بها

فؤادٌ أضلّته عيون المها عنيّ

بعثت به يوم النوى إثر لحظة

فأوقعه المقدار في شرك الحسن

فهل من فتى في الدهر يجمع بيننا

فليس كلانا عن أخيه بمستغني

ولما وقفهنا للوداع وأسبلت

مدامعنا فوق الترائب كالمزن

أهبتُ بصبري أن يعود فبزني

وناديتُ حلمي ن يثوب فلم يغن

وما هي إلا خطرةٌ ثم أقلعت

بنا عن شطوط الحيّ أجنحة السُّفن

فكم من مهجة من زفرة الوجد في لظى

وكم مقلة عن غزرة الدمع في دجن

وما كنت جربت النوى قبل هذه

فلما دهتني كدت أقضي من الحزن

ولكنّني راجعت حلمي وردني

إلى الحزم رأيٌّ لا يحوم على أفن

ولولا بنيّات وشيبٌ عواطلٌ

لما قرعت نفسي على فائت سنّي

فيا قلب صبراً إن جزعت فربما

جرت سنحا طيرُ الحوادث باليمن

فقد تورق الأغصان بعد ذنوبها

ويبدو ضياءُ البدر في ظلمة الوهن

وأيُّ حسام لم تصبه كهامة
(1/444)
________________________________________
ولهذم رمح لا يفل من الطعن

ومن شاغب الأيام لان مريره

وأسلمه طولُ المراس إلى الوهن

وما المرء في دنياه إلاكسالك

مناهج لا تخلو من السهل والحزن

فإن تكن الدنيا تولَّت بخيرها

فأهون بدنيا لا تدوم على فن

إذا عرف المرء القلوب وما انطوت

عليه من البغضاء عاش على ضعن

يرى بصري من لا أود لقاءه

وتسمع أني ما تعاف من المن

تحملت خوف المن كل زريئة

وحمل زرايا الدهر أحلى من اللحن

وعاشرت أخداناً فلما بلوتهم

تمنَّيت أن أبقى وحيداً بلا خدن

وقال محمد حافظ بك إبراهيم
لم يبقَ شيءٌ من الدُّنيا بأيدينا

إلا بقية دمع في مآقينا

كنا قلادة جيد الدهر وانفرطت

وفي يمن العلا كنّا رياحينا

كانت منازلنا في العزّ شامخة

لا تشرق الشمس إلا في مغانينا
وكان أقصى منى نهر المجرة لو

من مائه مزجت أقداح ساقينا

والشهب لو أنها كانت مسخرة

لرجم من كان يبدو من أغادينا

فلم نزل وصروف الدهر ترمقنا

شزراً وتخدعنا الدنيا وتلهينا

حتى غدونا ولا جاه ولا نشبٌ

ولا صديقٌ ولا خلٌ يواسنا

وقال أيضاً في شكوى الزمان
سميتُ إلى أن كدت أنتعل الدما

وعدت وما أعقبت إلا التندُّما

سلامٌ على الدُّنيا مودّع

رأى في ظلام القبر أنساً ومغنماً

تبلغ بالصَّبر الجميل وبالأسى

زماناً وجادته المنى فتأدما

أضرَّت به الأول فهام بأختها

وإن ساءت الأخرى فويلاه منهما

فهبى رياحَ الموت نكباء واطفئي

سراج حياتي قبل أن يتحطما

فما عصمتني من زماني فضائلي
(1/445)
________________________________________
ولكن رأيت الموت للحر أعصما

فيا قلب لا تجزع إذا عضك الأسى

فإنك بعد اليوم لن تتألما

ويا عين قد آن الجمود لمدمعي

فلا سيل دمع تسكبين ولا دما

ويا يدُّ ما كلفتك المبسط مرة

لذي منة أولى الجميل وأنعما

فللّه ما أحلاك في أنمل البلى وإن كنت حلى في الطروس وأكرما
ويا قدمي ما سرت بي لمذلة

ولم ترتق إلا إلى العزّ سلّما

فلا تبطئي سيراً إلى الموت واعلمي

بأنّ كريم القوم من مات مكرما

وقال فقيد الأدب حنفي بك ناصف
أتقضى معي إن جان حيني تجاربي

وما نلتها إلاّ بطول عناء

وأبذلُ جهدي في اكتساب معارف

ويفنى الذي حصلته بفنائي

ويحزنني ألا أرى لي حيلة

لإعطائها من يستحق عطائي

إذا ورَّث الجهال أبناءهم غنّى

وجاهاً فما أشقى بني الحكماء

الباب الرابع في الوصف
قال علي بن محمد القاضي التنوخي المتوفى سنة 343ه? واصفاً مكتوباً
وصحيفة ألفاها

في النظم كالدرُّ النّثير

جاءت إليّ كأنها الت

وفيق في كل الأمور

بأرقّ من شكوى وأحس

ن من حياةِ في سرور

لو قابلت أعمى لأصب

ح وهو ذو زطرف بصير
وكأنها أملٌ تحق

ق بعد يأس في الصُّدور

أو كالفقيد إذ أتت

بقدومه بشرى البشير

أو كالمنام لساهر

أو كالغني عند الفقير

أو كالشفاء لمدنف

أو كالأمان لمستجير

وكأنما هي من وصا

ل أو شباب أو نشور

لفظٌ كأسر معاند

أو مثل إطلاق الأسير

وكأنه إذ لاح من

فوق المهارق والسطور

وردً الخدود إذا انتقل

ت به على راح الثغور

غررٌ غدت وكأنها

من طلعة الظَّبي الغرير
(1/446)
________________________________________
من كل معنى كالسلا

مة أو كتيسير العسير

كتبت بحبر كالنّوى

أو كفر عمي من كفور

في مثل أيام التوا

صل أو كأعتاب الدُّهور

أهدتها يا خير من

يختار من كرم وخير

وقال أيضاً واصفاً الخط والكتابة والبلاغة
خطٌّ وقرطاس كأن

هما السَّوالف والشُّعور

وبدائع تدعُ القلو

ب تكاد من طرب تطيرُ

في كلّ معنى كالغنى

يحويه محتاجٌ فقير

أو كالفكاك يناله

من بعد ما يأس أسير

وكأنها الإقبال جا

ء أو الشقاء أو النُّشور

وكأنها شرخ الشبا

ب وعيشة الخضل النضير
وقال البحتري في الموضوع نفسه
وإذا دجتْ أقلامه ثم انتحت

برقت مصابيح الدُّجى في كتبه
فاللفظ يقربً فهمه في بعده

منّا ويبعدُ نيله في قربه

فكأنهما والسمع معقودٌ بها

شخص الحبيب بدا لعين محبه

وقال الوزير المهلبي المتوفى سنة 352ه? في الموضوع نفسه
وردَ الكتاب مبشراً

نفسي بأنواع السُّرورِ

وفضضته فوجدته

ليلاً على صفحات نور

مثل السَّوالف والخدو

د البيض زينت بالشعور
أنزلته منّي بمنز

لة القلوب من الصدور
الموز، وقال النجم بن إسرائيل يصفه
أنعتهُ موزاً شهيّ المنظر،

مستحكم النُّضج، لذيذَ المخبرَ
كأنَّ تحت جلده المزعفر

لفاتِ زبد، عجنت بسكر

وقال البهاء زهير
في ريحه، ولونه وطعمه

كالمسك، أو كالتبرأ وكالضَّرب
وافت به أطباقه منضدَّاً

كأنه مكاحهل من ذهب

وقال آخر
تحكي إذا قشرّته

أنياب أفيال صغار

ذو باطن مثل الإقا

ح، وظاهر مثل البهار
الكمثرى
وكمثراء بستان

شهيّ الطعم والمنظر

له طعم إذا ذيق

كماء الورد والسكرْ

كأنه في شكله، ولونه،

وطعمه: قوالب من سكر
التفاح قال ابن المعتز
كأنما التفاح لما بدا
(1/447)
________________________________________
يرفل في أثوابه الحمر

شهدٌ بماء الورد، مستودعَ

في أكر من جامد الخمر
كأننا حين نحيّا به

نستنشق النّدمن الجمر

الخوخ
كأنما الخوخ على دوحه

وقد بدا أحمره العنْدمي

بنادٌ من ذهب على دوحه

قد خضبت أنصافها بالدم

وخوخة بستان ذكي نسيمها

من المسك والكافور وقد كسبت نشرا
ملبَّسة ثوباً، من التبر نصفه

مصوغٌ، وباقيه كياقوتة حمرا

المشمش
ومشمشٍ جاءنا من أعجب العجب

أشهى إليّ من اللّذات ولطربِ

كأنَّه وهبوبُ الريح ينثره

بنادقٌ خرطت من خالص الذهب
وكأنما الأفلاك من طرب به

نثرت كواكبها على الأغصان

وقال محيي الدين بن عبد الظاهر
حبذا مشمش على الدَّوح أضحى

ذا شعاع يستوقف الأبصارا

شجرٌ أخضر لنا جعل اللّ

ه "تعالى" منه كما قال نارا

الرمان
رمانة صبغ الزمان أديمها

فتبسَّمت في ناضر الأغصان

فكأنما هي حقة من عجسد

قد أودعت خرزاً من المرجان

كأنها حقة، فإن فتحت

فصرّة من فصوص ياقوت

حقاق كأمثال العقيق تضمَّنت

فصوص بلخش، في غشاء حرير

إذا فضَّ عنه قشره فكأنه

فصوص عقيق، في حقاق من الدرُّ
فدرٌّ، ولكن لم يدنسه عارض

وماء، ولكن في مخازن من جمر

النخيل والبلح
كأن النخيل الباسقات وقد بدت

لناظرها حسناً قبابُ زبرجد

وقد علقت من حولها زينةً لها

قناديلُ ياقوتٍ بأمراس عسجد
وقال السّري الرفاء
فالنخل من باسق فيه وباسقة

يضاحك الطلعُ في قنواته الرُّطبا

أضحت شماريخه في النحر مطلعة

إما ثرّيا، وإما معصما خضبا

تريك في الظل عقياناً، إن نظرت

شمسُ النهار إليها خلتها لهبا

وقال آخر في البلح الأخضر
أما ترى النخل قد نثرت بلحاً

جاء بشيراً بدولة الرطب

مكاحلا من زمرد خرطت،
(1/448)
________________________________________
مقمَّعات الرؤوس بالذَّهب

وفي البلح الأحمر
أنظر إلى البسر إذ تبدّى

ولونه قد حكى الشَّقيقا
كأنما خوصه عليه

زبرجد مثمرٌ عقيقا

البطيخ
رأيتها في كف جلاّبها

وقد بدت في غاية الحُسن

كسلّة خضراء مختومة

عل الفصوص الحمر في القطن
وقال أبو طالب المأموني
ومبيضة فيها طرائق خضرة

كما اخضرّ مجرى السيل من صيب المزن
كحقة عاج ضببّت بزبرجد

حوتْ قطعه الياقوت في عصب القطن

وقال في بطيخة صفراء
وبطيخة مسكيّة عسلية

لها ثوب ديباج وعرف مدام

وإذا فصّلت للأكل كانت أهلّة،

وإن لم تفصل فهي بدر تمام

وقال ابن التعاويذي
ربّ صفراء أتتنا

وهي في أحسن حلّة
تعتريها صفرةً في

لونها، من غير علة

حلوةُ الريق، حلال

دمها في كل مله

نصفها بدر، وإن

قسمهتها فهي أهلَّه

وقال آخر
ألا فانظروا البطيخ وهو مشققٌّ

وفد حاز في التشقيق كل أنيق
تروه كبلّور في زمرد

مركبة فيه فصوص عقيق

العنب قال ابن المعتزر
كأن عناقيد الكروم وظلَّها

كواكب در، في سماء زبرجد
وقال السري الرفاء
والكرم مستبك الأفنان، توسعنا

أجناسه في تساوي شربها عجباً

فكرمة قطرت أغصانها سبجاً،

وكرمة قطرت أغصانها ذهباً

كأنما الورق المخضر دونهما

غيران، يكسوهما من سندس حجباً
وقال آخر
كأنما عنقودها

زنجٌ، جنوا سرقهْ

فأصبحت رؤوسهم

على الذرى معلَّقة
قصب السكر
تحكيه سمر القنا ولكن

تراه في جسمه طلاوه
وكلمّا زدته عذاباً

زادك من ريقه حلاوه

النبق
وسدرة كل يوم

من حسنها في فنون

كأنما النبقْ فيها

وقد بدا للعيون

جلاجلٌ من نضار

قد علقت في الغصون
الجزر قال ابن المعتز
أنظر إلى الجزر الذي

يحكي لنا لهب الحريق
كمذبة من سندس
(1/449)
________________________________________
ولها نصابٌ من عقيق

وقال ابن رافع القيرواني
انظر إلى الجور البديع كأنه

في حسنه قضبُ من المرجان
أوراقه كزبرجد في لونها،

وقلوبه صيغت من العيقان

اللوز الأخضر قال ظافر الحداد
كأنما قلوبه

من توأم ومفرد

جواهر لكنما ال

أصداف من زبرجد
التين قال ابن المعتز
أنعم بتين طاب طعما، واكتسى

حسناً، وقارب منظراتً من مخبر
في برد ثلج، في نقابير، وفي

ريح العبير، وطيب طعم السكر

يحكي إذا ما صغّ أطباقه

خيما، ضربن من الحرير الأحمر

الفستق
والقلب ما بين قشريه يلوح لنا

كألسن الطير من بين المناقير

زبرجدة خضراء وسط حريرة

بحقة عاج في غلاف أديم

زبرجدة ملفوفة في حريرة،

مضمَّنة درا مغشى بياقوت

النارنج قال ابن المعتز
وكأنما النارنج في أغصانه

من خالص الذهب الذي لم يخلط
كر رماها الصولجان إلى الهوا

فتعلّقت في جوه لم تسقط

وأشجار نارنج كأن ثمارها

حقاق عقيق قد ملئن من الدر

وقال آخر
انظر إلى منظر تلهيك بهجته

بمثله في البرايا يضرب المثلُ

نار تلوح على الأغصان في شجر

لا النار تطفا، ولا الأغصان تشتعل
وقال أبو الحسن الصقلي
إذا ميَّلتها الريح مالت كأكرة

بجت ذهباً في صولجان زبرجد
الليمون قال ابن المعتز
يا حبذا ليمونةً

تحدثُ للنفس الطرب
كأنها كافورة

لها غشاء من ذهب

القلم: قال "ابن المعتز": القلم مجهز لجيوش الكلام، يخدم الإرادة، ولا يمل استزادة، يسكت واقفاً، وينطلق سائراً، على أرض بياضها مظلم، وسوادها مضيء، وكأنه يقبل بساط سلطان، أو يفتح نوَّار بستان.
(1/450)
________________________________________
وقال "علي بن عبيد" أصم سمع النحوي، أعيا من باقل، وأبلغ من سحبان وائل، يجهل الشاهد، ويخبر الغائب، ويجعل الكتب بين الإخوان ألسنا ناطقة، وأعيناً لاحظة، وربما ضمنها ودائع القلوب ما لا تبوح به الألسن عند المشاهدة.
ومن كلام "أبي حفص بن برد الأندلسي": ما أعجب شأن القلم يشرب ظلمة، ويلفظ نوراً! قد يكون قلم الكاتب أمضى من شباة المحارب القلم سهم ينقذ المقاتل، وشفرة تطيح بها المفاصل.
وقال "محمود بن أحمد الأصبهاني"
أخرسُ ينبيك بإطرقه

عن كل ما شئت من الأمر

يذري على قرطاسه دمعة

يبدي بها السرُّ وما يدري

كعاشق أخفى هواه وقد

نمَّت عليه عبرةٌ تجري

تبصره في كل أحواله

عريان يكسو الناس أو يعري
يرى أسيراً، في دواة وقد

أطلق أقواماً من الأسر

أخرقُ، لو لم تبرهِ لم يكن

يرشق أقواماً وما يبري

كالبحر إذ يجري، وكالليل إذ

يغشى، وكالصارم إذ يفري

وقال "أحمد بن عبد ربه"
يخاطب الغائب البعيد مما

يخاطب الشاهد الذي حضرا
شختُ ضئيلٌ، لفعله خطر

أعظم به من ملمة خطرا

تمجّ فكَّاه ريقةً صغُرت

وخطبها في القلوب قد كبرا
يواقع النفسَ منه ما حذرت

وربما جنبت به الحذرا

مهفهفٌ تزدهي به صحفٌ

كأنما خليت به دررا

و"لابن المعتز" في قلم الوزير "القاسم بن عبيد الله"
قلمٌ ما أراه، أم فلك يجر

ي بما شاء "قاسم" ويسير؟

خاشع في يديه يلئم قرطا

سا كما قبَّل البساط شكور

ولطيف المعنى، جليل، نحيف،

وكبير الأفعال وهو صغير!

كم منايا، وكم عطايا، وكم حت

ف وعيش تضم تلك السطور
نقشت بالدُّجا نهاراً، فما أدر

ي أخط فيهن أم تصوير

وقال "أبو تمام" في قلم "محمد بن عبد الملك الزيات"
لك القلم الأعلى الذي بشباتِهِ

تصابُ من الأمر الكلى والمفاصل

لعابُ الأفاعي القاتلات لعابُه
(1/451)
________________________________________
وأري الجنى اشتارته أيد عوامل

له ريقة طلٌّ، ولكن وقعها

باثاره في الشرق والغرب وابل

فصيح إذا استنطقه وهو راكب،

وأعجم إن خاطبته وهو راجل

إذا ما امتطى الخمس اللّطاف وأفرغت

عليه شعابٌ الفكر وهي حوافل

أطاعته أطراف القنا، وتقوضت

لنجواه تقويض الخيام الجحافل

إذا استغزر الذهن الجليَّ وأقبلت

أعاليه في القرطاس وهي أسافل

رأيتَ جليلاً شأنهُ "وهو مرهف

ضنا" وسميناً خطبهُ "وهو ناحل"

وقال "ابن الرومي"
إن يخدم القلم السيف الذي خضعت

له الرقاب، دانت خوفه الأممُ

فالموت والموت لا شيء يغالبه

مازال يتبعُ ما يجري به القلم

كذا قضى الله للأقلام مذ بريت

أن السيوف لها مذ أرهفت خدم

وقال "المتنبي"
نحيف الشوى يعدو على أمّ رأسه

ويحفى فيقوى عدوه حين يقطع
يمجّ ظلاماً في نهار لسانه

ويفهم عمن قال ما ليس يسمع

وقال "ابن نباته السعدي":
يرنو إلى الأفكار غير ملاحظ

ويخاطب القرطاس غير محابي
ويعلم الآداب أفهام الورى

وفؤاده صفر من الآداب

وقال "مهيار الديلمي" في وصف الدواة والأقلام:
وأمَ بنين استنبطتهم، فصدرها

غصيصٌ بهم عند الحضانَ كظيم

يعقونها بالضغط، وهي عليهم

عطوفٌ بدرات الرضاع رؤوم

يخال الأفاعي الرقش ما ضم منهم

حشاها، وهم فيها أخ وحميم

فمن ذي لسان مفصح وهو أخرس،

ومن بائح بالسرّ وهو كتوم

وقال "أبو الفتح البستي"
إذا أقسم الأبطال يوماً بسيفهم

وعدوه مما يكسب المجد ولكرمْ
كفى قلم الكتاب عزاً ورفعة

مدى الجهر أن الله أقسم بالقلم

وقال أعرابي من بني الحرث بن كعب يصف الشمس
مخبأةٌ: أما إذا الليل جنّها

فتخفى، وأما بالنهار فتظهر

إذا انشق عنها ساطع الفجر، وانجلى

دجا الليل، وانجاب الحجاب المستتر
(1/452)
________________________________________
وألبس عرض الأرض لوناً كأنه

على الأفق الشرقي ثوبٌ معصفر

تحلّت، وفيها حين يبدو شعاعها

ولم يجل للعين البصيرة منظر

بلونٍ، كدرع الزعفران يشوبه

شعاع تلألأ، فهو أبيض أصفر

إلى أن علت وابيضّ منها اصفرارها

وجالت كما جال المهيج المسَّهر

وجللت الآفاق ضوءاً ينيرها

فخرَّ لها صدر الضحا يتسعر

ترى الظل يطوى حين يعلو، وتارة

تراه إا مالت إلى الأرض ينشر

وتدنف حتى ما يكاد شعاعها

يبين إذا غابت لمن يتبصر

كما بدأت إذا أشرقت في مغيبها

تعود، كما عاد الكبير المعمَّر

فأفنت قروناً، وهي في ذاك لم تزل

تموت وتحيا كل يوم وتنشر

وقال الطغرائي يصف طلوع الشمس
وغروب البدر:
وكأنما الشمس المنرة إذ بدت

والبدر يجنح للغروب وما غرّب
متحاربان: لذ مجنٌّ صاغه

من فضة، ولذا مجنٌّ من ذهب

وقال ابن خفاجه الأندلسي يصف غروبها في نهر
قد ولَّت الشمس محتثة

إلى الغرب ترنو بطرف كخيل
كأن سناها على نهره

بقايا نجيع بسيف صقيل

وقال ابن طاهر الكرخي:
أما تر الأفق كيف قد ضرب ال

غيم عليه من مزنة قببا

وحاجبُ الشمس من رفافها

يضرم فيها بوره لهبا

كأنه فضة مطرَّقة

أطرافها قد تطوَّست ذهبا
وقال ابن مكي
كأن الشمس إذ غربت غريق

هوى في البحر، أو وافى مغاصا
فأتبعها الهلال على غروب

بزورقه، يريد لها خلاصا

وقال عبد العزيز القرطبي:
إني أرى شمس الأصيل عليلةً

ترتاد من نحو المغارب مغربا
مالت لتحجب شخصها فكأنها

مدَّت على الدنيا بساطاً مذهبا

وقال ابن الرومي
وقد طفلت شمس الأصيل ونفضت

على الجانب الغربي ورساً مذعذعاً

ولاحظت النّوار وهي ميضة

وقد وضعت خداً على الأرض أضرعا
كما لحظت عوداه عين مدنف
(1/453)
________________________________________
توجع من أوصابه ما توجعا

وقال ابن أفلح من قصيدة
والشمس خافضة الجناح مسفةٌ

في الغرب تنساب انسياب الأرقط
أو كالعروس بدت فأسدل دونها

جنبات ستر كالجساد مخطط

وأتى الظلام على الضياء ما أتى

أجلٌ على أمل، فلم يتأبط

وقال معروف الرصافي
نزلت ةتجر إلى الغروب ذيولاً

صفراء تشبه عاشقاً متبولاً

تهتز بين يد المغيب، كأنها

صبٌ تململ في الفراش عليلا

ضحكت مشارقها بوجهك بكرة

وبكت مغاربها الدماء أصيلا

وغدت بأقصى الأفق مثل عرارة

عطشت فأبدت صفرة وذبولا

غربت فأبقت كالشواظ عقيبها

شفقاً بحاشية السماء طويلاً

شفق يروع القلب شاحبُ لونه

كالسيف ضمَّخ بالدما مسلولا

رقت أعليه وأسفله الذي

في الأفق أشبع عصفراً محلولاً
قال ابن المعتز يصف الهلال
انظر إليه كزو رق من فضة

قد أثقلته حمولة من عنبر

وكأن الهلال نصف سوار

والثريا كف تشير إليه

فخ بوسط السماء ملقى

ينتظر الصيَّد للنجوم

انظر إلى حسن هلال بدا

يهتك من أنواره الحندسا

كمنجل قد صيغ من فضة

يحصد من زهر الدجا نرجسا
يتلو الثريا كفاغر شره

يفتح فاه لأكل عنقود

في ليلة أكل المحاق هلالها

حتى تبدي مثل وقف العاج

وقال شاعر
قلت لما هوت لمغربها الشم

س ولاح الهلال للنُّظَّار

أقرض الشرق ضده الغرب ودينا

راً فأعطاه الرهن نصف سوار

وقال ابن طباطبا
وكأن الهلال لما تبدي

شطر طوق المرآة ذي التذهيب
أو كقوس قد أحنيت أو كنؤي

أو كنون في مهرق مكتوب

وقال أبو عاصم البصري في الهلال والثريا والزهرة
رأيت الهلال وقد حلَّقت

نجومُ الثريا لبكي تلحقه

فشيهته وهو في إثرها

وبينهما الزهرة المشرقة
بقوسٍ لرامٍ: رمى طائراً

فأرسل في إثره بندقه

وقال في اقتران الثريا بالهلال
(1/454)
________________________________________
فإذا ما تقارنا قلن طوق

من لجين قد علقت فيه درَّه
وقال إبراهيم بن خفاجة في ذلك أيضاً
وابن الغزالة فوق النجم منعطف

كما تأود عرجون بعنقود

وقال الطغرائي
فكأنه وكأنها في جنبه

عنقودة في زرق في عسجد
وقال أبو الفضل الميكالي
كأكرة من فضة مجلوة

أوفى عليها صولجان من ذهب
وقال شاعر
وكأنّ الهلال تحت الثريا

ملك فوق رأسه إكليل

كأنما النجم صيغ من ورق

معلَّقٌ من هلال الأفق في أذن
وقال في شرف الدين الحسين
كأنّ الهلال نزيل السماء

وقد قارن الزهرة النيرة

سوارٌ لحسناء من عسجد

على قفله وضعت جوهره
وقال لبدر البشتكي في الهلال والنجوم حوله
ذيالة سمع عوج الريح ضوءها

فطار لها بالقرب بعضُ شرار
وقال علي بن محمد الكاتب
بدا مستدَّق كأنه

على الأفق الغربي مخلبُ طائر

ولاح لمسرّى ليلتين كأنما

تفرق منه الغيم عن إثر حافر

وشمَّر عنه الغيم ذيلاً كأنما

تكشَّف منه عن جناح محلّق

قال: والبدر كالملك الأعلى وأنجمه

جنوده، ومباني قصره الفلك

وقال ابن المعتز
وكأن البدر لما

لاح من تحت الثريا
ملك أقبل في التّا

ج يفدي ويحيا

وقال في البدر مع الشمس
حتى رأي الشمس تتل

و البدر في أفق السماء

فكأنها وكأنه

قد حان من خمر وماء

والبدر في أفق السماء كدرهم

ملقى على ديباجة زرقا

وقال السلامي
والبدر في أفق السما

ء كروضة فيها غدير
وقال الشريف العقيلي
والبدر في كبد السماء كوردة

بيضاء تضحك في رياض بنفسج
وقد برز البدر المنير ووجهه

كجام لجين فيع آثار عنبر

سوادك من حيث تمسي هلا

لاً إلى حيث تكملُ بدراً منيراً

نقاب لنركية أسودُ

تنزل منه يسيراً يسيراً

وقال سهل بن المرزيان
شبهت بدر سمائها لما دنت
(1/455)
________________________________________
منه الثريا في قميص سندسي

ملكاً فكأنما هو خوذة من فضة

قد ركبت في هامة من عنبر
وقال أحمد شوقي بك يصف أبا الهول ويناجيه
أبا الهول طال عليك العصر

وبلغت في الأرض أقصى العمر
فيالدة الدَّهر لا الدهر شب

ب ولا أنت جاوزت حد الصغر

إلام ركوبك متن الرّما

ل لطيّ الأصيل وجوب السَّحر

تسافر منتقلاً في القرو

ن فأيان تلقى غبار السَّفر

أبينك عهدٌ وبين الجبا

ل تولان في الموعد المنتظر

ابا الهول ماذا وراء البقا

ء إذا ما تطاول غير الضَّجر

عجبت للقمانَ في حرصه

على لبد والنُّسور الأخر

وشكوى لبيد لطول الحيّا

ة ولو لم تطل لتشكى القصر

ولو وجدت فيك يا ابن الصَّفا

ة لحقت بصانعكَ المُقتدر

فإن الحياة تفل الحدي

د إذا لبسته وتبلى الجر

أبا الهول ما أنت في المعضلا

ت لقد صلت السبل فيك الفكر

تحيزت البدو ماذا تكو

ن وضلّت بوادي الظنون الحضر

فمكنت لهم صورة العنفوا

ن وكنت مثال الحجي والبصر

وسرُّك في حجبه كلما

أطلّت عليه الظنون استتر

وما راعهم غير رأس الرجا

ل على هيكل من ذوات الظفر

ولو صوروا من نواحي الطّبا

ع توالوا عليك سباع الصُّور

فيا ربَّ وجهٍ كصافي النّمي

ر تشابه حامله والنّمر

أبا الهول ويحك لا يستقل

ل مع الدهر شيءٌ ولا يحتقر

تهزأت دهراً بديك الصّبا

ح فنقر عينيك فيما نقر

اسأل البياض وسلّ السوا

د وأوغل منقاره في الحفر

فعدت كأنك ذو المحبسي

ن قطيعَ القيام سليبَ البصر

كأن الرمال على جانبي

ك وبين يديك ذنوب البشر

كأنك فيها لواء القضا

ء على الأرض أو ديدبان القدر

كأنك صاحب رمل يرى
(1/456)
________________________________________
خبايا الغيوب خلال السطر

أيا الهول أنت نديمُ الزّما

ن نحي الأوان سميرٌ العصر

بسطت ذراعيك من آدم

ووليت وجهك شطر الزّمر

تطل على عالم يستهل_لُ وتوفى على عالم يحتضر
فعينٌ إلى من بدار للوجو

د وأخرى مشيعة من عبر

فحدث فقد يهتدى بالحدي

ث وخبر فد يؤتى بالخبر

ألم تبل فرعون في عزه

إلى الشمس وخبر فقد يؤتى بالخبر
ألم تبل فرعون في عوة

إلى الشّمس معتزياً والقمر

طليل الحضارة في الأوّلي

ن رفيع البناء جليل الأثر

يؤسس في الأرض للغابري

ن ويغرس للآخرين الثمر

وراعك ما راع من خيل قمب

يز ترمي سنابكها بالشرَّر

جوارف بالنار تغزو في البلا

د وآونةً بالقنا المشتجر

وأبصرت اسكندراً في الملا

قشيب العلا في الشباب النضر

تبلج في مصر إكليله

فلم يعد في الملك عمر الزهر

وشاهدت قيصر كيف استبد

د وكيف أذلَّ بمصرَ القصر

وكيفغ تجبر أعوانه

وساقوا الخلائقَ سوقِ الحُمر

وكيف ابتلوا بقليل العدي

د من الفاتحين كريم النّفر

رمى تاج قيصر رميَّ الزّجا

ج وفلّ الجموع وثلَّ السرر

فدع كل طاغية للزما

ن فإن الزمان يقيم الصّعر

رأيت الدّيانات في نظمها

وحين وهي لكها وانتثر

تشاد البيوت لها كالبرو

ج إذا أخذ الطّرف فيها انحسر

تلاقى أساساً وشمّ الجبا

ل كما تتلاقى أصولُ الشَّجر

(وإيزيس) خلف مقاصيرها

تخطى الملوك إليها الستر

تضيء عل صفحات السّما

ء وتشرق في الأرض منها الحجر
وآبيس في نيره العالمو

ن وبعض العقائد نير عسر

تساس به معضلات الأمو

ر ويرجى النعيم وتخشى سقر

ولا يشعر القوم إلا به
(1/457)
________________________________________
ولو أخذته المدى ما شعر

يقلّ أبو المسك عبداً له

وإن صاغ أحمدُ فيه الدُّرر

وآنست (موسى) وتابوته

ونورُ العصا والوصايا الغرر

وعيسى يلّم رداء الحيا

ء ومريم تجمع ذيلَ الخفر

وعمرو يسوق بمصر الصحا

ب ويزجي الكتاب ويحددوا السور

فكيف رأيت الهدى والضلا

ل ودنيا الملوك وأخرى عمر

ونبذ المقوقس عهد الفجو

ر وأخذ المقوقس عهد الفجر

وتبديله ظلمات الضّلا

ل يصبح الهداية لما سفر

وتأليفه القبط والمسلمي

ن كما ألفت بالولاء الأسر

أبا الهول لو لم تكن آية

لكان وفاؤك إحدى العبر

أطلت على الهرمين الوقو

ف كثاكلة لا تريم الحفر

ترجى لبانيهما عودةٌ

وكيف يعودُ الرَّميم النَّخر

تجوس بعين خلال الدّيا

ر وترمي بأخرى فضاء النهر

تروم (بمنفيس) بيض الظُّبى

وسمر القنا والخميس الدثر

ومهد العلوم الخطير الجلا

ل وعهد الفنون الجليل الخطر

فلا تستبين سوى قرية

أجد محاسنها ما اندثر

تكاد لإغراقها في الجمو

د إذا الأرض دار بها لم تدر

فهل من يبلغ عنا الأصو

ل بأن الفروع اقتدت بالسير

وأنّا خطبنا حسان العلى

وسقنا لها الغالي المدَّخر

وأنا ركينا غمار الأمو

ر وأنا نزلنا إلى المؤتمر

بكل مبين شديد اللّدا

د وكل أريب بعيد وانتشر

نطالب بالحق في أمة

جرى دمها دونه وانتشر

ولم تفتخر بأساطيلها

ولكت بدستورها تفتخر

فلم يبق غيرك من لم يخفْ

ولم يبق غيرك من لم يطر

تحرك أبا الهول هذا الزمان

ن تحرّك ما فيه حتى الحجر

وقال أيضاً يصف مصر قديمها وحديثها
(1/458)
________________________________________
قفي يا أخت (يوشع) خبرينا

أحاديث القرون الغابرينا

وقصي من مصارعهم علينا

ومن دولاتهم ما تعلمين

فمثلك من روى الأخبار طراً

ومن نسب القبائل أجمعينا

نرى لك في السماء خضيب قرن

ولا نحصي على الأرض الطَّعينا

مشيت على الشباب شواظ نار

ودرت على المشيب رحى طحونا
تعينين المواد والمنايا

وتبنن الحياة وتهدمينا

فيا لك هرة أكلت بنيها

وما ولدوا وتنتظر الجنينا

أأمَّ المالكين بنى (أمون)

ليهنك أنهم نزعوا (أمونا)

ولدت له (المآمين) الدواهي

ولم تلدي له قط (الأمينا)

فكانوا الشهب حين الأرض ليلٌ

وحين الناس جد مضللينا

مشت بمنارهم الدهر بالوادي أقاموا

على (وادي الملوك) محجبينا

فربّ مصفد منهم وكانت

تساق له الملوك مصفدينا

تقيد في التراب بغير قيد

وحلّ على جوانبه رهينا

تعالى الله كان السَّحر فيهم

أليسوا للحجارة منطقينا

غدوا يبنون ما يبقى وراحوا

وراء الآبدات مخلدينا

إذا عمدوا لمآثرة أعدوا

لها الإتقان والخلق المتينا

وليس الخلد مرتبة تلقى

وتؤخذ من شفاه الجاهلينا

ولكن منتهى همم كبار

إذا ذهبت مصادرها بقينا

وسرُّ العبقرية حين يسري

فينتظم الصَّنائع والفنونا

وآثار الرّجال إذا تناهت

إلى التاريخ خير الحاكمينا

وأخذك من فم الدُّنيا ثناءً

وتركك في مسامعها طنينا

***
فغالي في بنيك الصيّد غالي

فقد حبّ الغلوّ إلى بنيا

فشيبٌ قنعٌ لا خير فيهم

وبورك في الشباب الطامحينا
فناجيهم بعرش كان صنواً

لعرشك في شبيبته سنينا

وكان العزُّ حليته وكانت

قوائمه الكتائب والسفينا

تاج من فرائده (ابن سيتي)
(1/459)
________________________________________
ومن خرزاته (خوفو) (ومينا)

على خداً به صعرٌ وجاروا

على الأجراء أو جلدوا القطينا
فإنا لم نوق النقص حتى

نطالب بالكمال الأولينا

وما (البستيل) إلا بنت أمسٍ

وكم أكل الحديد بها سجينا

وربة بيعةٍ عزت وطالت

بناها الناس أمس مسخرينا

مشيّدة لشافي العمي (عيسى)

وكم سمل القسوس بها عيونا

***
أخا (اللُّوردات) مثلك من تحلّى

بحلية آله المتطولينا

لك الأصل الذي نبتت عليه

فروع المجد من (كرنارافونا)
ومالك لا يعد وكل مالٍ

سيفني أو سيفني المالكينا

وجدت مذاق كل تليد مجد

فكيف وجدت مجدَ الكاسبينا

نشرت صفائحاً فجزتك (مصرٌ)

صحائف سؤودد لا نطوينا

فإن تك قد فتحت لها كنوزاً

لقد فتحت لك الفتح المبينا

فلا (قارون) فوق الأرض إلا

تمنى لو رضيت به قرينا

سبيل الخلد كان عليك سهلاً

وعادته يكد السالكينا

رأيت تنكراً وسمعت عتباً

فعذراً للغضاب المحنقنا

أبوتنا وأعظمهم تراثٌ

نحاذر أن يؤول لآخرينا

ونأبى أن يحل عليه ضيم

ويذهب نهبة للناهبنا

سكت فحام حولك كل ظن

ولو سرحت لم تثر الظنونا

يقول الناس في سرِّ وجهر

وما لك حيلة في المرجفينا

أمن سرق الخليفة وهو حيٌّ

يعفّ عن الملوك مكفنينا

***
خليلي اهبطا الوادي ميلا

إلى غرف الشموس الغار بينا

وسيراً في محاجرهم رويدا

وطوفا بالمضاجع خاشعينا

وخصا بالعمار وبالتحايا

رفات المجد من توتنخمينا

وقبراً كاد من حسن وطيب

يضيء حجارة العلى من (طور سينا)
وكان نزيله بالملك يدعى

فصار يلقب الكنز الثمينا

فثم جلالةوٌ قرت ودامت

على مر القرون الأربعين

جلال الملك أيام وتمضي
(1/460)
________________________________________
ولا يمضي جلال الخالدين

يجوب البرق باسمك كل سهل

ويخترق البخار به الحزونا

وأقسم كنت في (لوزان) شغلاً

وكنت عجيبة المتفاوضينا

أتعلم أنهم صلفوا وتاهوا

وصدوا الباب عنا موصدينا

ولو كنا نجرُّ هناك سيفاً

وجدنا عندهم عطفاً وليناً

سيقضي (كرزنٌ) بالأمر عنا

وحاجات (الكنانة) ما قضينا

تعالى اليوم خبرنا أكانت

نواك سنات نوم أو سنينا

وماذا جبت من ظلمات ليل

بعيد الصبح ينضي المدلجينا

وهل تبقى النفوس إذا أقامت

هياكلها وتبلى إن بلينا

وما تلك القباب وأين كانت

وكيف أضل حافزها القرونا

ممردة البناء نخال برجاً

ببطن الأرض محطوطاً دفيناً

تغطى بالأثاث فكان قصراً

وبالصور العتاق فكان زوناً

حملت العرش في فهل ترجى

وتأمل دولة في الغابرينا

هل تلقى المهيمن فوق عرش

ويلقاه الملا مترجلينا

وما بال الطعام يكاد يقدى

كما تركته أيدي الصانعينا

ولم تك أمس تصبر عنه يوماً

فكيف صبرت أحقاباً مئيناً

لقد كان الذي حذر الأوالي

وخاف بنو زمانك أن يكونا

يحبُّ المرء نبشَ أخيه حياً

وينبشه ولو في الهالكينا

سللت من الحفائر قبل يوم

يسلَّ من التراب الهامدينا

فإن تك عند بعث فيه شك

فإن وراءه البعث اليقينا

ولو لم يعصموك لكان خيراً

كفى بالموت معتصماً حصيناً

يضر أخو الحياة وليس شيءٍ

بضائره إذا صحب المنونا

***
زمان الفرد يا (فرعون) ولّى

ودالت دولة المتجبِّرينا

وأصبحت الرعاة بكل أرض

على حكم الرَّعية نازلينا

وقال أيضاً يصف ملكة النحل من قصيدة
(1/461)
________________________________________
مملكة مدبرّه

بامرأة مؤمرَّه

تحمل في العمال والصُ

نَّاع عبء السَّيطرة

فاعجب لعمال يولو

ن عليهم قيصره

تحكمهم راهبةٌ

ذكارة مغبّرة

عاقدةٌ زنارها

عن ساقها مشمرة

تلثمت بالأرجوا

ن وارتده مئزر

وارتفعت كأنها

شرارة مطيرَّة

ووقعت لم تختلجْ

كأنها مسمَّرة

مخلوقةٌ ضعيفةٌ

من خلق مصوَّره

قف سائل النحل به

بأي عقل دبره

حبك قوى الأخلاق ما

تغني القوى المفكرة

ويرفع الله بها

من شاء حتى الحشرة

أليس في ملكة الن

حل لقوم تبصره

ملك بغاه أهله

بهمة ومجدر

تقتل أو تنفي الكسا

لى فيه غير منذره

تحكم فيه قيصره

في قومها موقره

من الرجال وقيو

د حكمهم محررّه

الملك للإناث في الدّ

ستور لا للذكره

أنثى ولكن في جنا

حيها لباةٌ مخدره

ذائدة عن حوضها

طاردة من كدره

ما الملك إلا في ذرا

الألوية المنشرة

إن الأمور همة

ليس الأمور ثرثرة

مالكة عاملة

مصلحة معمرة

وتذهب النحل خفا

فاً وتجيء موقرة

حوالب الشمع من ال

خمائل المنورة

جوالب المآذي من

زهر الرياض النيرة

مشدودة جيوبها

عل الجني مزررة

وكل خرطوم أدا

ة العسل المقطرة

وكل أنف قانئ

فيه من الشهد بره

حتى إذا جاءت به

جاست خلال الأدوره

وغيبته كالسّلا

ف في الديان المحضرة
فهل رأيت النحل عن

أمانة مقصره

ما اقترضت من بقلةٍ

أو استعارت زهرة

أدت إلى الناس به

سكرة بسكرة

وللشريف الرضي في وصف السماء والأرض والليل والبرق
(1/462)
________________________________________
سمائي مذهبة بالبروق=وأرضي مفضَّضة بالحباب وروضي مطارفه غضَّةٌ=تطرَّز أطرافها بالذهاب وليلٌ ترى الفجر في عطفه=كما شاب بعض جناح الغرابُ يغار الظّلام على شمسه=إلى أن يواريها بالحجاب وتصقلُ أنجمه العاصفاتُ=إذا صدئت من عمود السَّحاب
وقال البحتري يصف الغيث
ذات ارتجاز بحنين الرَّعد

مجرورة الَّيل صدوق الوعد

مسفوحة الدَّمع لغير وجدٍ

لها نسيمٌ كنسيم الوردِ

ورنة مثل زئير الأسد

ولمع برق كسيوف الهند

جاءت بها ريح الصَّبا من نجد

فانتثرت مثل انتثار العقدِ

فراحت الأرض بعيش رغد

من وشي أنوار الرّبى في بردٍ
كأنما غدرانها في الوهد

يلعبن من حبابها بالنردِ

ومن قصيدة لصفي الدين الحلي يصف فيها الربيع
خلع الرّبيع علي غصون البان

حللاً فواضلها على الكثبانِ

ونمت فروع الدوح حتى صافحت

كفل الكثيب ذوائب الأغصانِ

وتتوّجّت هام الغصون وضرّجت

خدّ الرياض شقائق النعمانِ

وتنوعت بسط الرياض فزهرها

متباين الأشكال والألوانِ

من أبيض يققٍ وأصفر فاقعٍ

أو أزرق صاف وأحمر قانٍ

والظلُّ يسرع في الخمائل خطوهُ

والغصنُ يخطر خطرة النشوانِ

وكأنما الأغصان سوق رواقصٍ

قد قيدت بسلاسل الريحانِ

والشمس تنظر من خلال فروعها

نحو الحدائق نظرة الغيرانِ

والأرض تعجب كيف تضحكُ والحيا

يبكي بدمعٍ دائم الهملان

حتى إذا افترّت مباسم زهرها

وبكى السحاب بمدمع هتان

طفح السرور عليَّ حتّى إنّه

من عظم ما قد سرَّني أبكاني

فاصرف همومك بالرّبيع وفصله

إن الربيع هو الشباب الثاني

وله من قصيدة في وصف واد
تعانقت الأغصان فيه فأسلبت

على الرَّوض أستاراً من الورق الخضرِ
إذا ما حبال الشمسِ منها تخلصتْ

إلى روضه ألقت شراكاً من التبر
(1/463)
________________________________________
ومن قول أبي الفتح كشاجم في وصف الجمر يعلوه الرماد
كأنما الجمر والرماد وقد

كاد يواري من ناره النّورا
ورد جنيُّ القطاف أحمر قد

ذرّت عليه الأكف كافورا

ومن قصيدة لأبي الفرج عبد الواحد الببغا في وصف جيش
قاد الجياد إلى الجياد عوابساً

شعثاً ولولا بأسه لم تنقد

في جحفل كالسّيل أو كالليل أو

كالقطر صافح موج بحر مزبد
رد الظلام على الضّحى فاسترجع

الإظلام من ليل العجاج الأربد

وكأنما نقشت حوافر خيله

للناظرين أهلةً في جلمدٍ

وكأن طرف الشمس مطروف وقد

جعل الغبار له مكان الإثمدِ

ولأبي الفرج الغساني في وصف البدر
والبدر أوّل ما بدا متلثماً

يبدي الضياء لنا بخد مسفر

فكأنما هو خوذةٌ من فضةٍ

قد ركبت في هامة من عنبر
وله من قصيدة في وصف روضة
مداهن يحملن طلّ الندى

فهاتيك تبرٌ وهذي عقيق

تنظم أوراقها درّهما

وتنثر منها التي لا تطيق

يميل النسيم بأغصانها

فبعض نشاوى وبعضٌ مفيق
ويوم ستارته غيمه

وقد طرّزت رفيفها البروق

جعلتا البخور دخاناً له

ومن شرر الراح فيه حريق
تظلّ به الشمس محجوبةً

كأن اصطباحك فيه غبوق

على شجراتٍ رافعات الذيول

لماء الجداول منها شهيق

ومن قصيدة للحسن بن علي بن وكيع في وصف روض
أسفر عن بهجته الروض الأغر

وابتسم الدّوح لنا عن الزهر

أبدى لنا فصل الربيع منظراً

بمثله تفتن الألباب البشر

وشياً ولكن حاكه صانعه

لا لابتذال اللبس لكن للنّظر

عاينه طرف السماء فانثنى

عشقاً له يبكي بأجفان المطر

فالأرض في زي عروسٍ فوقها

من أدمع القطر نئارٌ من درر

وشيٌ طواه في الثرى صوانه

حتى إذا ملّ من الطي انتشر

ومن قصيدة له في وصف الربيع
انظر إلى زهر الربيع وما جلت

فيه عليك طرائف الأنوار
(1/464)
________________________________________
أبدت لنا الأمطار يه بدائعاً

شهدت بحكمة منزل الأمطار

ما شئت للأزهار فيه صحرائه

من درهم بهج ومن دينار

وجواهر لولا تغيّر حسنها

جلّت عن الأثمان والأخطار

وله أيضاً في وصفه
ألست ترى وشيء الربيع المنمنما

وما رصّع الربعي فيه ونظما

فقد حكت الأرض السماء بنورها

فلم أدر في التشبيه أيهما السما

فخضرتها كالجو في حسن لونه

وأنوارها تحكي لعينيك أنجما

فمن نرجس لما رأى حسن نقشه

تداخله عجبٌ به فتبسّما

وأبدى على الورد الجنّي تطاولا

فأظهر غيظ الورد في خده دما

وزهر شقيق نازع الورد فضله

فزاد عليه الورد فضلاً وقدماً

وظلّ لفرط الحزن يلطم خدّه

فأظهر فيه اللطم جمراً مضرماً
ومن سوسن لما رأى الصبغ كله

على كل أنوار الريّاض تقسّما

تجلبب من زرق اليواقيت حلّة

فأغرب في الملبوس منه وأحكما
وأنوار منثور تخالف شكلها

فصار بها شكل الربيع متمما

جواهر لو قد طال فينا بقاؤه

رأيت بها كل الملوك مختّما

وللقاضي محمد بن النعمان في وصف الهلال
انظر إلى حسن ذا الهلال وقد

بدا لست مضين من عمره

وقد أطافت به كواكبه

حسناً فبينته لمعتبره

مثل زنادٍ قد صيغ من ذهب

يقدح ناراً وهنّ من شرره

ثم تولى يريد مغربه

في شفق الشمس وهي في أثره
فخلته غائصاً ببحر دمٍ

يقذف بالرائعات من درره

فلم أزل ليلتي أراجعه

لحظي وأبكي للوقت من قصره
حتى تبدّى الصبّاح منتبهاً

قبل انتباه المخمور من سكره

ومن قصيدة لسليمان بن حسان الصيبي في وصف شمعة
ومجدولةٍ مثل صدر القنا

ة تعرّت وباطنها مكتسي

لها مقلة هي روحٌ لها

وتاج على الرأس كالبرنس

إذا رنقت لنعاس عرا

وقطت من الرأس لمن تنعس

وإن غازلتها الصبا حرّكت
(1/465)
________________________________________
لسانها من الذهب الأملس

وتنتج في وقت تلقيحها

ضياءٌ يجلّي دجي الحندس

فنحن من النور في أسعد

وتلك في النار في أنحس

توقّدها نزهة للعيو

ن ورؤيتها منية الأنفسي

تكيد الظَّلام كما كادها

فتفنى وتفنيه في مجلس

فيا حامل العود حث الغنا

ويا حامل الكأس لا تحبس

ويا صالح أنعم وعش سالماً

علي الدهر في عزك الأقعس
ولأبي حسن العقيلي في وصف الصبح والبرق
الصبح ينشر فوق مسك الليل كافور الضياء
والبرق يذهب ما تفضضه الغيوم من السماء
فاشرب على ديباج نبتٍ قد أحاط بشرب ماء
فالعيش في زمن الربيع رقيق حاشية الرداء
وله أيضاً في وصف نارنجة
ونارنجة بين الرّياض نظرتها

على غصنٍ رطبٍ كقامة أغيد
إذا ميلتها الريح مالت كأكرة

بدت ذهباً في صولجان زمرد

ولابن أبي عمرو الطرازي في وصف نار
نار جرت في غابةٍ

ترمي العلى بالشهب
كأنها جيش وغى

فرسانه من ذهب

??ولعلي بن لؤلؤ الكاتب في وصف الصبح والليل
ربّ صبح كطلعة الوصل جلى

جنحَ ليلٍ كطلعة الهجران

زار في حُلّة البزاة فولّى اللي

ل عنه في حلة الغربان

????ولأبي العباس الكندي في وصف الندى على البحر
كأن الندى في البحر بحران مائع

على مائعٍ هذا على ذاك مطبق
فهذا لجينٌ سابح مترقرق

وذلك لجبن في السماء معلّق

إذا أبصرته الشمس بعد احتجابها

به ساعةٌ أبصرته يتمزّق

وللسري بن أحمد الكندي في وصف الفجر من قصيدة
وركائب يخرجن من غلس الدجى

مثل السهام مرقن منه مروقا

والفجر مصقول الرداء كأنه

جلباب خودٍ أشربته خلوقا

وله من أخرى في وصف سحابة
وبكر إذا جنبتها الجنوب

حسبت العشار تؤم العشارا

ترى البرق يبسم سراً بها

إذا انتحب الرعد فيها جهارا

يعارضها في الهواء النّس
(1/466)
________________________________________
يم فينثر في الأرض درّاً صغاراً
فطوراً يشقّ جيوب الحيا

وطوراً يسخّ الدموع الغزارا

وله من أخرى
غيوم تمسّك أفق السما

ء وبرقٌ يكتبه بالذهب

وخضراء ينثر فيها الندى

فريد ندى ماله من ثقب

فأوراقها مثل نظم الحلى

وأنهارها مثل بيض القضب
حللت بها مع ندامى سلوا

عن الجد واشتهروا باللعب

وأغنتهم عن بديع السما

ع بدائع ما ضمنته الكتب

وأحسن شيءٍ ربيع الحيا

أضيف إليه ربيع الأدب

ولأبي بكر الخالدي في وصف الجو وإدبار الليل وإقبال الفجر
والجوّ يسحب من عليل هوائه

ثوباً يجود بطله المترقرق

حتى رأينا الليل قوسّ ظهره

هرماً وأثر فيه شيب المفرق

وكأن ضوء الفجر في باقي الدجى

سيفٌ حلاه من اللجين المحرق

ولسعيد بن هاشم الخالدي في وصف المطر والصبح والليل والبرق
أما ترى الطلّ كيف يلمع في

عيون نورٍ تدعو إلى الطربِ
في كل عينٍ للطل لؤلؤة

كدمعة في جفون منتحبٍ

والصبح قد جردت صوارمه

والليل قد همّ منه بالهرب

والجو في حلة ممسّكة

قد كتبته البروق بالذّهب

وللمهلبي الوزير في وصف الربيع
الورد بين مضمّخ ومضرجٍ

والزهر بين مكللٍ ومتوج

والثلج تهبط كالنثار فقم بنا

نلتذ بابنة كرمة لم تمزج

طلع البّهار ولاح نور شقائقٍ

وبدت سطور الورد تلو بنفسجٍ

فكأن يومك في غلالة فضةٍ

والنبت من ذهب على فيروزج
وللقاضي التنوخي أبي القاسم علي في وصف طول الليل والفجر
وليلة مشتاق كأن نجومها

قد اغتصبت عين الكرى وهي نوّم
كأن عيون الساهرين لطولها

إذا شخصت للأنجم الزهر أنجم

كان سواد الليل والفجر ضاحكٌ

يلوح ويخفى أسودٌ يبتسم

وله أيضاً في وصف وحشة الليل والنجوم والسماء
ربّ ليلٍ قطعته كصدودٍ

وفراق ما كان فيه وداع

موحشٌ كالثقيل تقذى به العي
(1/467)
________________________________________
ن وتأبى حديثه الأسماع

وكانّ النجوم بين دجاه

سننٌ لاح بينهن ابتداع

وكأن السماء خيمة وشي

وكأن الجوزاء فيها شراع

وله أيضاً في وصف رياض
ورياضٍ حاكت لهنّ الثريا

حللاً كان غزلها للرعود

نثر الغيث درّ دمع عليها

فتحلّت بمثل درّ العقود

أقحوان معانقٌ لشقيق

كثغور تعض ورد الخدود
وعيونٌ من نرجس تتراءى

كعيون موصولة التسهيد

وكأن الشقيق حين تبدّى

ظلمة الصدع في خدود الغيد
وكأن الندى عليها دموعٌ

في جفون مفجوعةٍ بفقيد

وكتب محمد بن عبد الله السلامي إلى صديق له يصف التاريخ
أتنشط للصبوح أبا علي

على حكم المنى ورضى الصديق
بنهر للرياح عليه درعٌ

تذهب بالغروب وبالشروق

إذا اصفرّت عليه الشمس صبّت

على أمواجه ماء الخلوق

وجمرٌ شبّ في الأغصان حتى

أضاع الماء في وهج الحريق

فدهم الخيل في ميدان تبرٍ

يصاغ لها كراتٌ من عقيقِ

وكتب إليه في وصف نهر حوله أشجار الجلّنار
ونهر تمرح الأمواج فيه

مراح الخيل في رهج الغبار

إذا اصفرت عليه الشمس خلنا

نمير الماء يمزج بالعُقارِ

كأن الماء ارضٌ من لجين

مغشاةٌ صفائح من نضار

وأشجار محملّة كؤوساً

تضاحك في احمرارٍ واخضرارِ
وله من قصيدة في وصف الرياض والبرق
نسب الرياض إلى الغمام شريف

ومحلها عند النسيم لطيف

فاشرب وثقّل وزن جامك إنه

يومٌ على قلب الزمان خفيف

أو ما ترى طور البروق توسّطت

أفقاً كان المزنّ فيه شفوف

واليوم من خجل الشقيق مضرجٌ

خجلٌ ومن مرض النسيم ضعيف

والأرض طرسٌ والرياض سطوره

والزّهر شكلٌ بينها وحروف

ولأحمد صفي الدين بن صالح بن أبي الرجال يصف بها روضة صنعاء
روضةٌ قد صبا لها السعد شوقاً

وصفا ليلها وطاب المقيل

جوها سجسجٌ وفيها نسيم
(1/468)
________________________________________
كل غصن إلى لقاه يميل

صح سكانها جميعاً من الدّا

ء وجسم النسيم فيها عليل

إيه يا ماء نهرها العذاب صلصل

حبّذا يا زلال منك الصليل

إيه يا ورقها المرنّة غنى

فحياة النفوس منك الهديل

روض صنعاء فقت طبعاً ووصفاً

فكثير الثناء فيك قليل

نهر دافقٌ وجو فتيق

زهر فائقٌ وظلٌ ظليل

لست أنسى انتعاش شحرور غصن

طرباً والقضيب منه يميل

وعلى رأس دوحةٍ خاطب الور

ق ودمع الغصون طلاً يسيل

ولسان الرعود يهتف بالسح

ب فكان الخفيف منها الثقيل

وفم السحب باسمٌ عن بروق

مستطير شعاعها مستطيل

ولابن سكرة الهاشمي في وصف روضة
أما ترى الروضة قد نوّرت

وظاهر الروضة قد أعشبا
كأنما الأرض سماءٌ لنا

نقطف منها كوكبا كوكبا

ومن زهرية لابن راجح الحلي
نثرت عقوداً سمائها إلا نداء

بيد النسيم فللثرى إثراء

وبدت تباشير الربيع كأنما

نشرت مطارف وشيه صنعاءُ

والأرض قد زهيت بحلي نباتها

والجو حلة سحبه دكناء

والروض في نشوات سكرته وقد

طافت عليه الديمة الوطفاء

وثنى الحيا عطف الغدير فصفّقت

أطرافه وتغنّت الورقاء

فكأن أعطاف الغصون منابرٌ

والورق في أوراقها خطباء

ومن زهرية لبدر الدين الذهبي
ترنّح عطف البان في الحلل الخضر

وغنّى بألحان على عوده القمري

وراقت أزاهير الحدائق بالضحى

نواظر أحداق بنوارها النضر

وأشرق خد الورد يبدي نضاره

وأشرق جيد الغصن في لؤلؤ القطر
وبات سقيط الطل في كل روضةٍ

ينبه في أرجائها ناعس الزهر

وما ذهبت شمس لأصيل عشيةً

إلى الغرب حتى أذهبت فضة النهر
وغنّت قيان الطير في كل أيكة

وقد راق كحل الطل في مقل الغدر
أقامت لها دوح الأراك أرائكا

وأرخت لها أوراق أستارها الخضر
(1/469)
________________________________________
وأمسى أصيل اليوم ملقى من الضنى

على فرش الأزهار في آخر العمر

بكته حماما الأراك وشقّقت

عليه الصبا أثواب روضتها النضر

فكم من نحيب للحمائم بالضّحى

عليه وللأنواء من دمعة تجري

ولعلي بن أحمد الجوهري من قصيدة في وصف الغيث
زرّ الصباح علينا شملة السحب

ومدّت الريح منها واهي الطنب

صكّ النسيم فراخ الغيث فانزعجت

ينفضن أجنحة من عنبر الزغب

ولأبي معمر بن أبي سعيد الإسماعيلي من قصيدة في وصف الثلج
فرحنا وقد بات السماء مع الثرى

وغاب أديم الأرض عنا فما يرى

كأن غيوم الجو صوّاغ فضة

تواصو برد الحلي عمداً إلى الورى
ولأبي العلاء السروي في وصف روض
مررنا على الروض الذي قد تبسّمت

ذراه وأوداج السحائب تسفك

فلم نر شيئاً كان أحسن منظراً

من الروض يجري دمعه وهو يضحك
وله أيضاً في وصفه من قصيدة
أما ترى قضب الأشجار قد لبست

أنوارها تتثنى بين جلاّس

منظومة كسموط الدرّ لابسةً

حسناً يبيح دم العنقود للحاسي

وغرّدت خطباء الطير ساجعة

على منابر من ورد ومن آسٍ

ولأبي الفياض سعد بن أحمد الطبري من قصيدة في وصف رياض
أصبيحة النيروز خير صبيحة

حيّت بها الأنواء والأنوار

فبكل شعب روضة معطار

تفتر عنها ديمة مدرار

ماست بها الأفنان في أسحارها

نشوى فماست تحتها الأشجار
وتبرّجت أزهارها وتبلّجت

فكأنما أزهارها أبصار

ولأبي قاسم الدينوري في وصف جواد
ومطهّم طرف العنان معوّدٍ

خوض المهالك كلّ يوم براز

وإذا توغّل في ذرى متمنّع

صعب بعيد العهد بالمجتاز

تركت سنابكه بصمّ صخوره

أثراً يلوح كنقش صدر البازي
وله في وصف سفرجل وتفاح ورمان وأذربون
بعثت إليك ضحى المهرجا

ن بمعشوقة العرف والمنظرِ

معطرةٍ صانها في الحجا

ل مطارف من سندس أخضر
وبيضاء رائقة غضّة
(1/470)
________________________________________
منقطة الوجه بالعصفر

وحق عقيق ملاه الهجي

ر من الجوهر الرائق الأحمر
وأقداح تبرٍ حشت قعرها

يد الشمس بالمسك والعنبر

فكن ذا قبول لها إنها

هدايا مقلٍّ إلى مكثر

وعش ما تشاء كما تشتهي

بعزٍّ يدوم إلى المحشر

وله في النارنج
أما ترى شجر النارنج طالعة

نجومها في غصون لدنة ميل

كأنها بين أوراق تحفُّ بها

زهر المصابيح في خضر القناديل
ولأبي الفضل الميكالي في وصف الشقائق
تصوغ لنا كف الربيع حدائقاً

كعقد عقيق بين سمط لآلي

وفيهن أنوار الشقائق قد حكت

خدود عذارى نقطت بغوالي
وله في اقتران الزهرة والهلال
أما ترى الزهرة قد لاحت لنا

تحت هلالٍ لونه يحكي اللهب

ككرة من فضّة مجلوةٍ

أوفى عليها صولجان من ذهب
وله في الفجر
أهلاً بفجر قد نضا ثوب الدجى

كالسيف جرد من سواد قراب
وقال في وصف الثلج الساقط على غصون الشجر
نثر السحاب على الغصون ذرارة

أهدت لها نوراً يروق ونوراً

شابت ذوائبها فعدن كأنها

أجفان عين تحمل الكافورا

وقال في الجليد
رب جنين من جنى نمير

مهتّك الأستار والضمير

سللته من رحم الغدير

كأنه صحائف البلّورِ

أو أكرٌ تجسّمت من نور

أو قطع من خالص الكافور
لو بقيت سلكاً على الدّهور

لعطلت قلائد النّحور

وأخجلت جواهر البخور

وسميت ضرائر الثغور

يا حسنه في زمن الحدور

إذ فيضه مثل حشا المهجور
يهدي إلى الأكباد والصدور

روحاً تحاكي نفثة المصدور
ولأبي طاهر بن الهاشمي في وصف روضة
وروضة زارها الندى فغدت

لها من الزهر أنجمٌ زهر

تنشر فيها أيدي الربيع لنا

ثوباً من الوشي حاكه القطر
كأنما شقّ من شقائقها

على رباها مطارف خضر

ثم تبدّت كأنها حدقٌ

أجفانها من دمائها حمر
(1/471)
________________________________________
ولأبي نصر سهل بن المرزبان في وصف البدر
كم ليلة أحييتها ومؤانسي

طرف الحديث وطيب حث الأكؤس
شبهت بدر سمائها لما دنت

منه الثريا في قميص سندسي

ملكاً مهيباً قاعداً في روضةٍ

حيّاه بعض الزائرين بنرجس

وللحسن بن أحمد اليروجردي في حوض لبعض الرؤساء
حوض يجود بجوهر متسلسل

ساد الجواهر كلها بنفاستهِ

لا زال عذباً جارياً ببقاء من

هو مثله في طبعه وسلآسته
ووصف ابن أنيس سيف عمرو بن معدي كرب فقال
أخضر المتين بين حدّيه نورٌ

من فرند تحار فيه العيون

أوقدت فيه للصّواعق نارٌ

ثم ساطت به الزعاف المنون
فإذا ما سللته بهر الشم

س ضياءً فلم تكد تسبين

فكأن الفرند والرونق الجا

ري في صفحتيه ماءٌ معين

وكأن المنون نيطت إليه

فهو من كل جانبيه منون

ما يبالي من انتضاه لحربٍ

أشمالٌ سطت به أم يمين

وقال ابن عبد ربه في وصف الرمح والسيف
بكل ردينيّ كأنّ سنانه

شهابٌ بدا في ظلمة الليل ساطعُ

تقاصرت الآجال في طول متنه

وعادت به الآمالُ وهي فجائعُ

وساءت ظنون الحرب في حسن ظنه

فهنَّ لحبّات القلوب قوارعُ

وذي شطبٍ تقضي المنايا لحكمهِ

وليس لما تقضي المنيّةُ دافعٌ

وقال أيضاً في وصف الحرب
ومعتركِ تهزّ به المنايا

ذكور الهند في أيدي ذكورٍ

لوامعُ يبصر الأعمى سناها

ويعمى دونها طرفُ البصير

يحوّم حولها عقبانٌ موت

تخطفّت القلوب من الصدور
ومن قوله في وصف الحرب وأبطالها
سيوفٌ يقيلُ الموتُ تحت ظباتها

لها في الكلى طعم وبين الطلى شربٌ
إذا اصطفّت الراياتُ حمراً متونها

ذوائبها تهفو فيهفو لها القلبُ

ولم تنظق الأبطالُ إلا بفعلها

فألسنها عجمٌ وأفعالها عربُ

إذا ما التقوا في مازقٍ وتعانقوا

فلقياهم طعنٌ وتعنيفهم ضربُ
(1/472)
________________________________________
ولابن قلاقس في وصف السحاب والبرق والغيث
سرى وجبين بالطّلّ يرشح

وثوب الغوادي بالبروق موشّحُ

وفي طيّ أبراد النسيم خميلةٌ

بأعطافها نورُ المنى يتفتح

يضاحك في مثنى المعاطف عارضٌ

مدامعةُ في وجنة الرّوض تسفحُ

وتورى به كفُّ الصَّبا زندبارقٍ

شرارته في فحمة الليل تقدحُ

ومن قصيدة لأبي القاسم عبد الصمد بن بابك في الصاحب يصف له فيها إضرام النار في بعض غياض طريقه
وليلةٍ بت أشكو الهمّ أوّلها

وعدت آخرها أستنجد الطّربا

في غيضةٍ من غياض الحزن دانيةٍ

مد الظلام على أوراقها طنبا

حتى إذا النار طاشت في ذوائبها

عاد الزمرّد من عيدانها ذهبا

مرقت منها وثغر الصبّح مبتسمٌ

إلى أغرّ يرى المذخور ما وهبا

يا أعزر الناس أنواء ومحتلبا

وأشرف الناس أعراقاً ومنتسبا

أصبحتُ ذا ثقة بالوفر منك وإنْ

قال العواذل ظنٌّ ربّما كذبا

فحسن ظنّي بك استوفى مدى أملي

وحسن رأيكَ لي لم يبقِ لي أربا

ومن قصيدة لأبي سعيد الرستمي يصف بها داراً بناها الصاحب بن عباد
وسامية الأعلامِ تلحظُ دونها

سنا النجم في آفاقها متضائلاً

نسخت بها إيوان كسرى بن هرمُز

فأصبحَ في أرض المدائن عاطلاً

فلو لحظت جنات تدمُر حسنها

درتْ كيف تبنى بعدهنّ المجادلا

تناطح قرن الشّمس من شرفاتها

صفوف ظباءٍ فوقهنّ مواثلا

ولو أصبحت داراً لك الأرض كلّها

لضاقت بمن ينتاب دارك آملاً

وأغنى الورى عن منزل من بنت له

معاليه فوق الشعريين منازلا

ولا غرو أن يستحدث الليثَ بالثرى

عريناً وأن يستطرقَ البحر ساحلا

ولم تعتمدْ داراً سوى حومةِ الوغى

ولا خدماً إلا القنا والقنابلا

والله ما أرضى لك الدهرَ خادماً

ولا البدرَ منتاباً ولا البحر نائلاً

ولا الفلك الدوار داراً ولا الورى
(1/473)
________________________________________
عبيداً ولا زهر النجومِ قبائلاً

فإنَّ الذي يبينهِ مثلكَ خالدٌ

وسائرُ مابيني الأنامُ إلى بلى

ولخليل مطران بك في وصف روض
أيها الروضُ كنْ لقلبي سلاماً

وملاذاً من الشقاءِ الملازمْ

زهرٌ ذابلٌ كأني أراهُ

ثملاً من أنفاسهِ في الكمائمْ

وغديرٌ صافٍ أقام سياجاً

حولهُ باسقٌ من الدَّوح قائم

تتناغى بيضٌ من الطير فيهِ

سابحاتٌ وتحتها النجم عائم

كيفما سرن فالطريق عقودٌ

نظمت من محاجرِ ومباسم

حبذا البدرُ مؤنساً يتجلى

كحبيبٍ بعدَ التغيبِ قادمُ

حبذا رسمهُ البرايا كأبهى

ماترى العينُ في صحيفةِ راسمٍ
حبذا الماءُ والمصابيحُ فيهِ

كبنانٍ يزينها بخواتمْ

جنةٌ بانتِ المكارهُ عنها

وهي بكرٌ من الأذى والمحارمْ

إنما أهلهل طيورٌ حسانٌ

إن دعاها الصباحُ قامت تنادمْ

وضياءٌ يموجُ في الماءِ حتى

لنراهُ كأنهُ متلاطم

ومروجٌ مدبحاتٌ كوشي

أتقنتْ صنعه حسان المعاصمْ

وغصون تهزها نسمات

كمهود تزهن روائم

وقال البحتري واصفاً صناعة الكتابة والإنشاء
تفننتَ في الكتابة حتى

عطل الناس فن عبد الحميد

في نظام من البلاغة ماش

ك امرؤ أنه نظام فريد

وبديع كأنه الزهر الضا

حك في رونق الربيع الجديد

مشرق في جوانب السمع مايخ

لقه عوده على المستفيد

ماأعيرت منه بطون القراطي

س وما حملت ظهور البريد

حجج تخرس الألد بأل

فاظ فرادى كالجوهر المعدود

ومعان لو فصلتها القوافي

هجنت شعر جرول ولبيد

حزن مستعمل الكلام اختياراً

وتجنبن ظلمة التعقيد

وركبن اللفظ القريب فأدرك

ن به غاية المراد البعيد

كالعذارى غدون في الحلل البي

ض إذا رحن في الخطوط السود
(1/474)
________________________________________
وقال ابن حمد يس الصقلي يصف داراً بناها المنصور
أعمرْ بقصر الملك ناديك الذي

أضحى بمجدك بيته معموراً

قصرٌ لو أنك قد كحلت بنوره

أعمى لعاد إلى المقام بصيراً

واشتق من معنى الجنان نسيمة

فيكاد يحدث بالعظام نشوراً

نسي الصبيح مع الفصيح بذكره

وسما ففاق خورنقاً وسديراً

أبصرته فرأيت أبدع منظر

ثم اثنيت بناظري محسوراً

فظننت أني حالم في جنة

لما رأيت الملاك فيه كبيراً

لو أنه بالإيوان قوبل حسنة

ماكان شيئاً عنده مذكوراً

أعيت مصانعة على الفرس الألى

لرفعوا البناء وأحكموا التدبير

ومضت على الروم الدهور ومابنوا

لملوكهم شبهاً له ونظير

أذكرتنا الفردوس حين رأيتنا

غرفاً رفعت بناءها وقصوراً

ومحصب بالدر تحسب أريتنا

غرفاً رفعت بناءها وقصورا

ومحصب بالدر تحسب تربة

مسكاً تضوع نشره وعبيراً

ووصف أعرابي تزوج امرأتين ماوقع له منهما فقال
تزوجتُ اثنتين لفرط جهلي

بما يشقى به زوج اثنتين

فقلت أصير بينهما خروفاً

أنعم بين أكرم نعجتين

فصرت كنعجة تضحي وتمسي

تداول بين أخبث ذئبتين

رضا هذي يهيج سخط هذي

فما أعري من إحدى السخطتين
وألقى في المعيشة كل ضر

كذاك الضر بين الضرتين

لهذي ليلة ولتلك أخرى

عتاب دائم في الليلتين

فإن أحببت أن تبقى كريماً

من الخيرات مملوء اليدين

فعش عزباً فإن لم تستطعه

فضرباً في عراض الجحفلين

وقال أبو تمام حبيب بون أوس الطائي في وصف الربيع
با صاحبي تقصيا نظريكما

تريا وجوزه الأرض كيف تصور
تريا نهاراً مشمساً قد زانه

زهر الربا فكأنما هو مقصر

دنيا معاشٌ للورى حتى إذا

حل اتلربيع فإنما تهي منظر

أضحت تصوغ بطونها لظهورها
(1/475)
________________________________________
نوراً تكاد له القلوب تنور

من كل زاهرة ترقرق بالندى

فكأنها عين لديك تحذر

وقال أبو عبادة البحتري يصف قصر المعتز بالله
لما كملتَ رويةً وعزيمةً

أعملتَ رأيك في ابتناء الكامل

وغدوت من بين الملوك موفقاً

منه لابمن حلة ومنازل

ذعر الحمام وقد ترنم فوقه

من منظر خطر المزلة هائل

رفعت لمخترق الرياح سموكه

وزهت عجائب حسنه المتحايل

وكأن حيطانَ الزجاج بجوه

لجج يمجن على جنوب سواحل

وكأن تفويتَ الرخام إذا التقى

تأليفه بالمنظر المتقابل

حبك المغمام رصفن بين منمر

ومسير ومقارب ومشاكلٍ

لبست من الذهب الصقيل سقوفه

نوراً يضيء على الظلام الحافل
فترى العيون يجلن في ذي رونق

متلهب العالي أنيق السافل

وكأنما نشرت على بستانه

سيراء وشي اليمنة المتواصل

أغنته دجلة إذ تلاحق فيضها

عن صوب منسحب الرباب الهاطل
وتنفست فيه الصبا فتعطفت

أشجاره من حول وحواملي

وقال المتنبي في وصف جواد
ويومٍ كلونِ المدنفين كمتنه

أراقب فيه الشمس أيان تغرب

وعيني إلى أذني أغر كأنه

من الليل باق بين عينيه كوكب

له فضلة من جسمه في إهابه

تجيء على صدر رحيب وتذهب

شققت به الظلماء أدنى عنانه

فيطغى وأرخيه مراراً فيلعب

وأصرع أي الوحش قفيته به

وأنزل عنه مثله حين أركب

وما الخيل إلا كالصديق قليلةٌ

وإن كثرت في عين من لا يجرب
إذا لم تشاهد غير حسن شياتها

وأعضائها فالحسن عنك مغيب

وقال صفي الدين الحلي المتوفى سنة 750ه? في وصف الربيع
ورد الربيعُ فمرحبا بورودهِ

وبنور بهجته ونور وروده

وبحسن منظره وطيب نسيمه

وأنيق مبسمه ووشى بروده

فصل إذا افتخر الزمان فإنه

إنسان مقلته وبيت قصيده
(1/476)
________________________________________
يغني المزاج عن العلاج نسيمة

باللطف عند هبوبه وركوده

ياحبذا أزهاره وثماره

ونبات ناجمة وحب حصيده

والغصن قد كسي الغلائل بعدما

أخذت يدا كانون في تجريده

نال الصبا بعد المشيب وقد جرى

ماء الشبيبة في منابت عوده

والو رد في أعلى الغصون كأنه

ملك تحف يبه سراة جنوده

ونظر لنرجسه الجني كأنه

طرف تنبه بعد طول هجوده

وانظر إلى المنثور في منظومة

متنوعاً بفضوله وعقوده

وقال أيضاً في وصف حديقة
وأطلق الطير فيها سجع منطقه

مابين مختلف منه ومتفق

والظل يسرق الدوح خطوته

وللمياه دبيب غير مسترق

وقد بدا الورد مفتراً مباسمه

والنرجس الفض فيها شاخص الحدق
والسحب تبكي وثغر البرق مبتسم

والطير تسجع من تيه ومن أنق

فالطير في طرب والسحب في حرب

والماء في هرب والغصن في قلق

وقال أحمد شوقي بك في وصف الطبيعة
تلك الطبيعة قف بنا ياساري

حتى أريك بديع صنع الباري

الأرض حولك والسماء اهتزتا

لروائع الآيات والآثار

ولقد تمر على الغدير تخاله

والنبت مرآة زهت بإطار

حلو التسلسل موجه وخريره

كأنامل مرت على أوتار

ينساب في مخضلة مبتلة

منسوجة من سندس ونضار

وترى السماء ضحى وفي جنح الدجى

منشقة عن أنهر وبحار

في كل ناحية سلكت ومذهب

جبلان من صخر وماء جار

وقال محمد حافظ بك إبراهيم يصف المنيل
نظرت للنيل فاهتزت جوانبه

وفاض بالخير في صهل ووديان

يجري على قدر في كل منحدر

لم يجف أرضاً ولم يعمد لطغيان

كأنه ورجال الري تحرسه

مملك سار في جند وأعوان

قد كان يشكو ضياعاً مذ جرى طلقاً

حتى أقمت له خزان أسوان

وقال أيضاً عن لسان حال اللغة العربية واصفاً لها
رجعت لنفسي فاتهمت حصاتي
(1/477)
________________________________________
وناديت قومي فاحتسبت حياتي

رموني بعقم في الشباب وليتني

عقمت فلم أجزع لقول عداتي

ولدت ولما لم أجد لعرائسي

رجالاً وأكفاء وأدت بناتي

وسعت كتاب الله لفظاً وغاية

وما ضقت عن آي به وعظات

فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة

وتنسيق أسماء لمخترعات

أنا البحر في أحشائه الدركامن

فهل سألوا الغوص عن صدفاتي
فيا ويحكم أبلي وتبلى محاسني

ومنكم وإن عز الدواء أساتي

فلا تكلوني للزمان فإنني

أخاف عليكم أن تحين وفاتي

أرى لرجال الغرب عزاً ومنعة

وكمك عز أقوام بعز لغات

أتوا أهلهم بالمعجزات تفننا

فيا ليتكم تأتون بالكلمات

أيطربكم من جانب الغرب ناعب

ينادي بوأدي في ربيع حياني

ولو تزجون الطير يوماً علمتمُ

بما تحته من عثرة وشتات

سقى الله في بطن الجزيرة أعظماً

يعز عليها أن تلين قناتي

حفظن ودادي غي البلى وحفظته

لهن بقلب دائم الحسرات

وفاخرت أهل الغرب والشرق مطرق

حياءً بتلك الأعظم النخرات

أرى كل يوم بالجرائد مزلقاً

من القبر يدنيني بغير أناة

وأسمع للكتاب في مصر ضجة

فأعلم أن الصائحين نعاتي

أيهجرني قومي عفا الله عنهم

إلى لغة لم تتصل برواتي

سرت لوثة الأعجام فيها كما سرى

لعاب الأفاعي في مسيل فرات

فجاءت كثوب ضم سبعين رقعة

مشكلة الألوان مختلفات

إلى معشر الكتاب والجمع حافل

بسطت رجائي بعد بسط شكاتي

فإما حياة تبعث الميت في البلى

وتنبت في تلك الرموس رفاتي

وإما ممات لاقيامة بعده

ممات لنعمري لم يقس بممات

وقال شاعر العراق معرف الرصافي واصفاً قطار البخار
وقاطرة ترمي الفضا بدخانها

وتملا صدر الأرض في سيرهم رعبا

تمشت بنا ليلاً تجر وراءها
(1/478)
________________________________________
قطاراً كصف الدوح تسحبه سحباً

فطوراً كعصف الريح شديدة

وطوراً رخاءً كالنسيم إذا هبا

تساوى لديها السهل والصعب في السرى

فما استسهلت سهلاً ولا استصعبت صعباً
تدك متون الحزن دكا وإنها

لتنهب سهل الأرض في سيرها نهبا

يمر بها العالي فتعلو تسلياً

ويعترض الوادي فتجتازه وثبا

طوت بالمسير الأرض حتى كأنها

تسابق قرص الشمس أن تدرك الغربا

هو العلم يعلو بالحياة سعادة

ويجعلها كالعلم محمودة العقبى

وقال ابن حمد يس الأندلسي في وصف بركة عليها أشجار من ذهب وفضة وعلى حافلتها أسود قاذفة بالمياه
وضراغم سكنت عرين رآسة

تركت خرير الماء فيه زئيرا

فكأنما غشى النضار جسومها

وأذاب في أفواهها البلورا

أسدٌ كأن سكونها متحرك

في النفس لو وجدث هناك مثير
وتذكرت فتكاتها فكأنما

أقعت على أدبارها لتثورا

وتخالها والشمس تجلو لونها

ناراً وألسنها اللواحس نوراً

فكأنما سلت سيوف جداول

ذابت بلا نار فعدن غديراً

وكأنما نسج النسيم لمائه

درعا فقدر سردها تقديراً

* * *
وبديعة الثمرات تعبر نحوها

عيناي بحر عجائب مسحوراً

شجرية ذهبية نزعت إلى

سحر يؤثر في النهى تأثيراً

قد سرجت أغصانها فكأنما

قبضت بهن من الفضاء طيوراً

وكأنما تأبى لوقع طيرها

أن تستقل بنهضها وتطيرا

من كل واقعة ترى منقارها

ماء كسلسال اللجين نميرا

خرس تعد من الفصاح فإن شدت

جعلت تفرد بالمياه صغيراً

وكأنما في كل غصن فضة

لانت فأرسل خيطها مجروراً

وتريد في الصهريج موقع قطرها

فوق الزبرجد لؤلؤاً منثوراً

* * *
ضحكت محاسنه إليك كأنما

جعلت لها زهر النجوم ثغوراً

ومصفح الأبواب تبراً نظروا
(1/479)
________________________________________
بالنقش فوق شكوله تنظيراً

وإذا نظرت إلى غرائب شقفه

أبصرت روضاً في السماء نضيراً
وضعت به صناعها أقلامها

فأرتك كل طريدة تصويراً

وكأنما الشمس فيه ليقةٌ

مشقوا بها التزويق والتشجيرا

وكأنما اللازورد فيه نخزم

بالخط في ورق السماء سطوراً

وقال المرحوم محمود باشا سامي البارودي يصف حرب سكان جزيرة اقريطش "كريد" حين خرجوا عن الطاعة سنة 1282ه? ويتشوق إلى مصر
أخذ الكرى بمعاقد الأجفان

وهفا السرى بأعنة الفرسان

والليل منشور الذوائب ضارب

فوق المتالع والربى بجران

لاتستبين العين في ظلمائه

إلا اشتغال أسنة المران

تسري به مابين لجة فتنةٍ

تسمو غواربها على الطوفان

في كل مربأة وكل ثنية

تهدار سامرة وعزف قيان

نستن عادية ويصهل أجرد

وتصيح أجراس ويهتف عان

قومٌ أبى الشيطان إلا خسرهم

فتسللوا من طاعة السلطان

ملؤا الفضاء فما يبين لناظر

غير التماع البيض والخرصان
فالبدر أكدر والسماء مريضة

والبحر أشكل والرماح دوان

والخيل واقفة على أرسانها

لطراد يوم كريهة ورهان

وضعوا السلاح إلى الصباح وأقبلوا

يتكلمون بألسن النيران

حتى إذا ماالصبح أسفر وارتمت

عيناي بين ربى وبين مجان

فإذا الجبال أسنة وإذا الوها

داعنة والماء أحمر قان

فتوجست فرط الركاب ولم تكن

لتهاب فامتنعت على الأرسان

فزعت فرجعت الحنين وإنما

تحنانها شجن من الأشجان

ذكرت م وىاردها بمصر وأين من ماء بمصر منازل الرمان

والنفس لاهية وإن هي صادفت
(1/480)
________________________________________
خلفاً بأول صاحب ومكان

فسقي السماك محلة ومقامة

في مصر كل مرنة مرنان

حتى تعود الأرض بعد ذبولها

شتى النماء كثيرة الألوان

بلدٌ خلعت بها عذار شبيبي

وطرحت في يمنى الغرام عناني

فصعيدها أحوى النبات وسرحها

ألمى الظلال وزهرها متداني

فارقتها لما هو كائن

والمرء طوع تقلب الأزمان

حمل الزمان على مالم أجنه

إن الأماثل عرضة الحدثان

نقموا علي وقد فتكت شجاعتي

إن الشجاعة حلية الفتيان

فليهنأ الدهر النغيور برحلتي

عن مصر ولتهدأ صروف زماني

فلئن رجعت وسوف أرجع واثقاً

بالله أعلمت الزمان مكاني

صادقت بعض القوم حتى خانني

وحفظت منه مغيبه فرماني

زعم النصيحة بعد أن بلغت به

غشا وجازى الحق بالبهتان

فليجر بعد كما أراد بنفسه

إن الشقي مطية الشيطان

وكذا اللئيم إذا أصاب كرامة

عادى الصديق ومال بالأخوان

كل امرئ يجري على أعرافه

والطبع ليس يحول في الغنسان

فعلام يلتمس العدو مساءتي

من بعد ماعرف الخلائق شأني

أنا لاأدل وإنما يزع الفتى

فقد الرجاء وقلة النإخوان

فليعلمن أخو الجهالة قصره

عني وإن سبقت به قدمان

فلربما رجح الخسيس من الحصى
(1/481)
________________________________________
بالدر عند تراجح الميزان

شرف خصصت به وأخطأ حاسدي

مسعاته فهذي به وقلاني

وقال السيد عبد الله النديم المتوفى سنة 1314ه? يصف قطاراً بخارياً
نظر الحكيم صفاته فتحيرا

شكلاً كطود بالبخار مسيرا

دوما يحن إلى ديار أصوله

بحديد قلب باللهيب تسعرا

ويظل يبكي والدموع تزيده

وجداً فيجري في الفضاء تستراً

تلقاكه حال السير أفعى تلتوي

أو فارس الهيجا أثار العثيرا

أو أكرة أرسلتها ترمي بها

غرضاً فجلت أن ترى حال السرى

أو سبع غاب قد أحس بصائد

في غابة فعدا عليه وزمجراً

فكأنه المديرون جاء غريمه

فانسل منه وغاب عن تلك القرى

أو أكنه شهب هوت من أفقها

أو قبة المنطاد تنبذ بالعرا

لاعجب للنيران إذ يمشي بها

فمن اللظى تجري الورى كي تحشرا
وقال أحمد بك شوقي يصف الجسر الواصل بين ضفتي البسفور
أمير المؤمنين رأيت جسراً

أمر على الصراط ولا عليه

له خشب يجوع السوس فيه

وتمضي الفار لاتأوي إليه

ولا يتكلف المنشار فيه

سوى مر الفطيم بساعديه

ويبلى فعل من يمشي عليه

وقبل النعل يدمي أخمصيه

وكم قد جاهد الحيوان فيه

وخلف في الهزيمة حافريه

وأسمج منه في عيني جباة

تراهم وسطه وبجانبيه

إذا لاقيت واحدهم تصدى

كعفريت يشير براحتيه

ويمشي (الصدر) فيه كل يوم

بموكبه السني وحارسيه

ولكن لا يمر عليه إلا

كما مرت يداه بعارضيه

ومن عجب هو الجسر المعلى

على (البسفور)يجمع شاطئيه
يفيد حكومة السلطان مالا

ويعطيها الغنى من معدنيه

يجود العالمون عليه هذا

بعشرته وذاك بعشرتيه

وغاية أمره أنا سمعنا

لسان الحال ينشدنا لديه

(أليس من العجائب أن مثلي
(1/482)
________________________________________
يرى ماقل ممتنعاً عليه)

(وتؤخذ باسمه الدنيا جميعاً

وما من ذاك شيء في يديه)

وقال حفني بك ناصيف المتوفى سنة 1919م يصف حريق عابدين
وافى يقبل راحتيك العام

وحنت إليك رؤوسها الأيام

والدهر أقسم لايجيء بغير ما

ترضى وكم يرت له أقسام

فاقبل معاذير الزمان فطالما

قبلت معاذير المنيب كرام

واغفر جنايته على القصر الذي

لم تحو مصر نظيره والشام

شبت به النيران فارتاعت لها

مهج الأنام وهالها استعظام

لولا الدخان أحاط حول لهيبها

ماشك فرد أنهما أعلام

أمرٌ به نفذ القضاء وليس في

أحكامه نقضٌ ولا إبرام

بل حكمة شاء الإله بيانها

لعبادة ليذيع الاستسلام

حتى يروا أن الملوك وإن علوا

قدراً تسير عليهم الأحكام

فإذا اقتدى بهم الرعية أحسنوا

صبراً وخفت عنهم الآلام

عين السماء لعابدين تطلعت

حسداً عليك وللعيون سهام

وتشوق القصر الكريم لأهله

والشوق في قلب المحب ضرام

لم يستطع صبراً على طول النوى

والصبر في شرع الغرام حرام

فتصعدات زفراته وتأججت

جمراته والصب كيف يلام

لولا الدموع من المطافئ ماانقضى

منه الهيام ولم يبل أوام

خرقت طباق الجو إلا أنها

برد قصارى آمرها وسلام

هذا: وكم نعمة في نقمة

طويت فلم تفطن لها الأفهام

وقال يصف ابتهاج الأمة بالأمير
طاروا سروراً من شهود أميرهم

فكأنهم حول القطار حمام

يتسابقون إلى اجتلاء سموه

وبهم زفير نحوه وهيام

لو لم تكن نار القطار لجره

وجد يجيش بصدرهم وغرام

في كل رستاق وكل مدينة

شوقاً إليك تجمع وزحام

من كل فج ينسلون فأترعت

بهم الوهاد وماجت الآكام

والنور أمسى أبحراً غرق الدجى

فيها ومات بلجها الأظلام

فكأن وجه الأرض وجه أبلج
(1/483)
________________________________________
بين الكواكب والغمام لثام

والناس من كل الجوانب هتف

عش ياعزيز يحوطك الإعظام

وقال حافظ بك إبراهيم يصف خزان أسوان ويمدح الحضرة الخديوية
أخزان مصر أنت أم مصر

أجل وأسمى في المكانة والقدر

أعدت لنا مجد القرون التي مضت

وجددت من عهد الفراعنة الغر

وهيهات ماأهرام مصر وإن سمت

بأرفع رأساً من حضيضك لو تدري

وليس سنان بن المشلل خالداً

بانبه من "عباس"عصرك في الذكر

وماقطرت السحب كالدر تنهمي

بألطف وقعاً من عقيقك إذ يجري

وماأنت خزان المياه وطميها

وإبليزها بل خازن الدر والتبر

تدفقت بالخيرات من كل جانب

وجمعت أقطار المنافع في قطر

فقل للغوادي وال روائح تنجلي

وفي مصر فلتسمح على قفر

إذا ماجرت أمواهها دون حاجة

وفاضت جرت منك المياه على قدر
ضربت على آثار مصر ولم يكن

ليطمسها لولا جلالك من إثر

ألا فلتسد مصر على كل بقعة

به وليطاول قطرها مسقط القطر

بناءٌ من الدهر استعار بقاءه

وأقسم ألا يسترد من الدهر

الباب الخامس
في الاستعطاف والمعاتبات والاعتذارات قال النابغة الذبياني
يادار مية بالعلياء فالسند

أفوت وطال عليها سالف الأبد

وقفت فيها أصيلالا أسائلها

عيت جواباً وما بالربع من أحد

ألا أواري لأيا ماأبينها

والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد

ردت عليه أقاصيه ولبده

ضرب الوليدة بالمسحاة في الثأد

خلت سبيل أتي كان يحبسه

ورفعته إلى السجفين فالنضد

أضحت خلاء وأضحى أهلها احتملوا

أخني عليها الذي أخنى علي لبد

??وقال الغيرة بن حبناء
خذ من أخيك العفو واغفر ذنوبه

ولاتك في كل الامور تعاتبه

فإنك لن تلقى أخاك مهذباً

وأي امرئ ينجو من العيب صاحبه
أخوك الذي لا ينقض الناي عهده
(1/484)
________________________________________
ولا عند صرف الدهر يزور جانبه

وليس الذي يلقاك في البشر والرضا

وإن غبت عنه لسعتك عقاربه

وقال سعيد بن حميد المتوفى سنة 888ه?
أقلل عتابك فالبقاء قليل

والدهر يعدل مرة ويميل

لم أبك من زمن ذممت صروفه

إلا بكيت عليه حين يزول

ولكل نائبة ألمت فرجة

ولكل حال أقبلت تحويل

والمنتمون إلى الصفاء جماعة

إن حصلوا أفناهم التحصيل

وأجل أسباب المنية والردى

يوم سيقطع بيننا ويحول

فلئن سبقت لتفجعن بصاحب

حبل الصفاء بحلبه موصول

لعل أيام البقاء قليلة

فعلام يكثر عتبنا ويطولا

?وقال شاعر الحجاز المخضرمي معن بن أوس المزني المتوفى سنة 29ه?
لعمرك ماأدري وإني لأوجل

على أينا تعدو المنية أول

وإني أخوك الدائم العهد لم أخن

إن أبزاك خصم أو نبابك منزل

أحارب من حاربت من ذي عداوة

وأحبس مالي إن غرمت فأعقل

وإني على أشياء منك تريبني

قديماً لذو صفح على ذاك مجمل

ستقطع في الدنيا إذا ماقطعتني

يمينك فانظر أي كف تبدل

إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته

على طرف الهجران إن كان يعقل

ويركب حد السيف من أن تضيمه

إذا لم يكن عن شفرة السيف مزحل
وكنت إذا ماصاحب رام ظنتي

وبدل سواء بالذي كنت أفعل

قلبت له ظهر المجن فلم أدم

على ذاك إلا ريثما أتحول

إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد

إليه بوجه آخر الدهر تقبل

??وقال بهاء الدين زهير معتذراً لتأخيره عن لقاء بعض أصحابه
على الطائر الميمون ياخير قادم

وأهلاً وسهلاً بالعلا والمكارم

قدمت بحمد الله أكرم مقدم

مدى الدهر يبقى ذكره في المواسم
قدوماً به الدنيا أضاءت وأشرقت

ببشر وجوه أو بضوء مباسم

فيا حسن ركب جئت فيه مسلماً

ويا طيب ماأهدته أيدي الرواسم

أمولاي سامحني فإنك أهله
(1/485)
________________________________________
وإن لم تسامحني فما أنت ظالمي

ووالله ماحالت عهود مودتي

وتلك يمين لست فيما بآثم

مقيم وقلبي في رحالك سائر

لعلك ترضاه لبعض المواسم

ولو كنت عنه سائلاً لوجدته

على بابك الميمون أول قادم

وإلا فسل عنه ركابك في الدجى

لقد برئت من لثمه للمياسم

وقال محمد بن زريق البغدادي نادماً على الإفراط في طلب الدنيا وكان قصد الأندلس في طلب الغنى فلم يرجع لبغداد رحمة الله عليه
لتغذليه فإن العذل يولعه

قد قلت حقاً ولكن ليس يسمعه

جاوزت في لومه حداً أضر به

من حيث قدرت أن اللوم ينفعه

فاستعملي الرفق في تأنيبه بدلاً

من عنفه فهو مضني القلب موجعه

قد كان مضطلعاً بالخطب يحمله

فضيقت بخطوب البين أضلعه

يكفيه من لوعة التفنيد أن له

من النوى كل يوم مايروعه

ماآب من سفر إلا وأزعجه

رأي إلى سفر بالعزم يجمعه

كأنما هو من حل ومرتحل

موكل بفضاء الأرض يذرعه

إذ الزمان أراه في الرحيل غنى

ولو إلى السند أضحى وهو يزمعه

تأبى المطامع إلا أن تجثمه

للرزق كداً وكم من يودعه

وما مجاهدة الإنسان توصله

رزقاً ولا دعة الإنسان تقطعه

والله قسم بين الخلق رزقهم

لم يخلق اتلله مخلوقاً يضيعه

لكنهم ملئوا حرصاً فلست ترى

مستربزقاً وسوى الغايات يقنعه

والسعي في الرزق والأرزاق قد قسمت

بغي ألا إن بغي المرء يصرعه

والدهر يعطي الفتى ماليس يطلبه

يوماً ويمنعه من حيث يطمعهُ

استودع الله في بغداد لي قمرا

بالكرخ فلكِ الأزرار مطلعهُ

ودعتهُ وبودي لو يودعُني

صفو الحياة وإني لا أودعه

وكم تشفع أني لا أفارقه

وللضرورات حالٌ لا تشفعه
(1/486)
________________________________________
وكم تشبث بي يومَ الرحيل ضحى

وأدمعي مستهلات وأدمعه

لا أكذبُ الله ثوبُ العذرُ منخرق

عني بفرقته لكن أرقعهُ

أني أوسع عذري في جنايتَه

بالبين عنه وقلبي لايوسعهُ

أعطيت ملكا فلم أحسن سياسته

كذاك من لايسوس الملك يخلعهُ

ومن إذا لابساً ثوب النعيم بلا

شكر الإله فعنه الله ينزعهُ

اعتضتُ عن وجهِ خلي بعد فرقته

كأساً أجرعُ مكنها ما أجرعهُ

كم قائل ليَ ذنبُ البين قلتُ له

الذنب والله ذنبي لستُ أدفعه

هلاّ أقمتُفكان الرشد أجمعه

لو أنني يومَ بانَ الرشدُ أتبعهُ

إني لأقطع أيامي وأنفذها

بحسرةٍ منه في قلبي تقطعه

بمن إذا جع النوام بتُّ لهُ

بلوعةٍ منهُ ليلي لستُ أهجعهُ

لا يطمئنُّ لجنبي مضجعٌ وكذا

لا يطمئنُ له مذْ بنتُ مضجعهُ

ماكنتُ أحسبُ أنّ الدهر يفجعني

به ولا أن أبي الأيامُ تفجعه

حتى جرى الدهر فيما بيننا بيدِ

عسراءَ تمنعني حظي وتمنعهُ

* * *
بالله يامنزل القصف الذي درست

آثارهُ وعفتُ مذ غبتُ أربعهُ

هل الزمان معيدٌ فيك لذيتنا؟

أم الليالي التي أمضته ترجعهُ

في ذمة الله من اصبحت منزله

وجادَ غيثٌ عل مغداكَ يمرعهُ

منْ عنده ليَ عهدٌ لا يضيعهُ

كما له عهدُ صدقٍ لا أضيعه

ومن يصدع قلبي ذكرُه وإذا

جرى على قلبه ذكري يصدعه

لأصبرن لدهرٍ لا يمتّعني

بهِ ولا بيَ في حالٍ يمنّعه

علماً بأنّ اصطباري معقب فرجا

وأضيقُ الأمر إن فكرتَ أوسعه
علّ اللّيالي التي أضنت بفرقتنا

جسمي ستجمعني يوماً وتجمعه

وإن تنل أحداً منّا منيّته

فما الذي بقضاء الله يصنعه

وقال حافظ إبراهيم "بين اليقظة والمنام في استعطاف الزمان"
أشرقْ فدتكَ مشارقُ الإصباحِ

وأمطْ لثامك عن نهار ضاحِ
(1/487)
________________________________________
بوركتَ يا يومَ الخلاصَ ولا ونتْ

عنكَ السّعودُ بغدوة ورواحِ

بالله كنْ يمنا وكنْ بشرى لنا

في ردّ مغتربٍ وفك سراحِ

أقبلتَ والأيامُ حولك مثَّلٌ

صفّين تخطرُ خطرةً الميَّاح

وخرجتَ من حجبِ الغيوبِ محجّلا

في كلّ لحظ منك ألفُ صباحِ

لو صحّ في هذا الوجود تناسخٌ

لرأيتُ فيكَ تناسخَ الأرواحِ

ولكنتَ يومَ "الَّلابرنت" بعينهِ

في عزةٍ وجلالة وسماح

يومٌ يريك جلالهُ ورواؤهُ

في الحسن قدرةَ فالقِ الإصباحِ

خلعت عليهِ الشمسُ حلّة عسجدٍ

وحباه آذار أرقً وشاحِ

الله أثبته لنا في لوحهِ

أبد إلا بيدِ فما له من ماحِ

حبّيه عنّا يا أزهرُ واملئي

أرجاءهُ بأريجك الفياّحِ

وانفحهُ عنا يا ربيعُ بكلّ ما

أطلعتَ من رند ونور أقاحِ

للنيلِ مجدً في الزمانِ مؤثلٌ

من عهد "آمونٍ" وعهد "فتاحِ"

فسل العصور به وسل آثارهُ

في مصر كم شهدت من السيّاحِ

قد قال عمروٌ في ثراها آيةٌ

مأثورةٌ نقشتْ على الألواحِ

بينا تراهُ لآلئاً وكأنما

نثرت بتربتهِ عقودُ ملاحِ

وإذا بهِ للناظرين زمرد

يشفيك أخضرهُ من الأتراحِ

وإذا بهِ مسكٌ تشقُ سواده

شقً الأديمِ محارثُ الفلاّح

قم يا ابن مصرَ فأنت حرَّ واستعدّ

مجدَ الجدود ولا تعدْ لمراح

شمّرْ وكافحْ في الحياة فهذهِ

دنياك دارُ تناحرٍ وكفاحِ

وانهل مع النهّال من عذب الحيا

فإذا رقا فامتحْ مع المتاحِ

وإذا ألح عليك خطبٌ لا تهن

واضرب على الإلحاح بالألحاحِ

وخض الحياةَ وإن تلاطم موجها

خوض البحارِ رياضةُ السباحِ

واجعل عيانك قبلَ خطوكَ رائداً

لا تحسبنَّ الغمر كالضحضاحِ

وإذا احتوتك محلةٌ وتنكّرت

لك فاعدها وانزحْ مع النزاحِ
(1/488)
________________________________________
في البحر لا تثنيك نار بوارج

في البرّ لا يلويك غابُ رماحِ

وانظر إلى الغربي كيف سمت به

بين الشّعوب طبيعة الكداح

والله ما بلغت بنو الغربِ المنى

إلاّ بنيّاتٍ هناك صحاحِ

ركبوا البحارَ وقد تجمَّدَ ماؤها

والجو بين تناوحِ الأرواحِ

والبرّ مصهورَ الحصى متأججاً

يرمي بنزاعِ الشّوى لواحِ

يلقى فتبهم الزمان بهمةٍ

عجبٍ ووجهٍ في الخطوبِ وقاحِ

ويشقُ أجواز القفار مغامراً

وعرُ الطريق لديهِ كالصحصاحِ

وأين الكنانةِ راكد

يرنو بعين غير ذات طماحِ

لا يستغل، كما علمت، ذكاءهُ

وذكاؤهُ كالخاطفِ اللّماحِ

أمسى كماءِ النّهرِ ضاعَ فراتهُ

في البحرِ بين أجاجهِ المنداحِ

فانهضْ ودعْ شكوى الزمانِ ولا تنخ

في فادح البؤسى مع الأنواحِ

واربح لمصرَ برأس مالك عزّةً

إن الذكاء حبالةُ الأرباحِ

وإذا رزقت رياسةً فانسج لها

بردين من حزم ومن إسجاجِ

واشرب من الماءِ القراحٍ منعماً

فلكم وردت الماءَ غيرَ قراحِ

الباب السادس
في التهاني والتهادي والإغراء قال أبو الطيب المتنبي
المجد عوفيَ إذ عوفيتَ والكرمُ

وزال عنك إلى أعدائك الألمُ

صحّتْ بصحّتك الغارات وابتهجت

بها المكارم وانهلّت بها الدّيمَ

وراجع الشمسَ نورٌ كان فارقها

كأنّما فقدهُ في جسمها سقم

ولاح برقك لي من عارضيْ ملك

ما يسقطُ الغيث إلا حين يبتسمُ

يسمى الحُسام وليست مشابهة

وكيفَ يشتبه المخدوم والخدم

تفرّد العربُ في الدّنيا بمحتدهِ

وشارك العربَ في إحسانه العجمُ
وأخلصَ الله للإسلام نصرته

وأن تقلّبَ في آلائه الأمم

وما أخصّك في برءٍ بتهنئةِ

إذا سلمتَ فكلّ الناس قد سلموا

وقال الصاحب بن عباد
هذي المكارم والعلياء تفتخرُ
(1/489)
________________________________________
بيومِ مأثرة ساعاتهُ غررُ

يومٌ تبسّم عنه الدّهر واجتمعت

له السّعود وأغضت دونه الغير

حتى كأنا نرى في كل ملتفتِ

روضاً تفتّحَ في أثنائه الزهر

لما تجلّى عن الآمال مشرقةً

قال العلي بك استعلى وأقتدر

وافى على غير ميعاد يبشرنا

بأن ستتبعه أمثاله الأخر

أهنا المسرّاتِ ما جاءت مفاجأةً

وما تناجى بها الألفاظ والفكرُ

لو أن بشرى تلقتها بموردها

لأقبلت نحوها الأرواح تبتدر

وما تعنّف من يسخو بمهجته

فإنَّ يومك هذا وحده عمرُ

فما غدوت وما للعين منقلبٌ

إلا إلى منظر يبهي ويحتبر

ثنت مهابتك الأبصار حاسرة

حتى تبين في ألحاظها خزر

إذا تأملتهم غضّوا وإن نظروا

خلال ذاك فأدنى لفته نظروا

في ملبس ما رأته عين معترض

فشكَّ في أنّه أخلاقك الزّهر

ألبسته منك نوراً يستضاء به

كما أضاء ضواحي مزنه القمر

وقد تقلّدت عضباً أنت مضربه

وعنك يأخذ ما يأتي وما يذر

ما زال يزداد من إشراق غرّته

زهراً ويشرق فيهِ التيه والأشر

والشّمس تحسد طرفاً أنت راكبه

حتى تكاد من الأفلاك تنحدر

حتى لقد خلت أن الشمس أزعجها

شوقاً وظلّت على عطفيه تنتشر

وقال أبو أذينة يغري الأسود بن المنذر بقتل آل غسان وكانوا قتلوا أخاً له
ما كلُّ يوم ينالُ المرءُ ما طلبا

ولا يسوغهُ المقدارُ ما وهبا

وأحزمُ الناس منْ غن فرصة عرضت

لم يجعل السبب الموصول منقضبا

وأنصفُ الناس في كلّ المواطن منْ

سقّى المعادين بالكاس الذي شربا

وليس يظلمهم من راح يضربهم

بحدّ سيفٍ بهِ منْ قبلهم ضربا

والعفو إلا عن الأكفاءِ مكرمةٌ

من قال غير الذي قد قلته كذبا

قتلت عمراً وتستبقي يزيدَ لقد

رأيتَ رأياً يجرُّ الويلَ والحربا

لا تقطعن ذنب الأفعى وترسلها
(1/490)
________________________________________
إن كنت سهماً فأتبع رأسها الذّنبا

هم جرّدوا السّيف فاجعلهم له جزراً

وأوقدوا النار فاجعلهم لها حطبا

إن تعفُ عنهم يقول الناس كلهم

لم يعفُ حلماً ولمن عفوه رهباً

هم أهلّه غسّان ومجدهم

عالٍ فإن حاولوا ملكا فلا عجبا

وعرّضوا بفداء واصفين لنا

خيلاً وابلاّ تروقُ العجم والعربا

أيحلبون دماً منّا ونحلبهم

رسلاً، لقد شرفونا في الورى حلبا

وقال صفي الدين الحلي يحرض السلطان الملك الصالح
على الاحتراز من المفعول ومنافرتهم عند إقبالهم ويهنيه بعيد النحر
لا يمتطي المجدَ منْ يركبِ الخطرا

ولا ينال العلاَ من قدّم الحذرا

ومن أراد العلاَ عفواً بلاَ تعبٍ

قضى ولم يقض من إدراكها وطرا

لا بدّ للشَّهد من نحل يمنّعهُ

لا يجتني النّفع من لم يحملِ الضّررا
لا يبلغ السؤال إلا بعد مؤلمةٍ

ولا يتمُّ المنى إلاّ لمن صبرا

وأحزم الناس منْ لو مات من ظماءٍ

لا يقربُ الوردَ حتى يعرف الصدرا

وأغزرُ الناس عقلاً من إذا نظرت

عيناه أمراً غداً بالغير معتبراً

فقد يقال عثارُ الرّجل إن عثرت

ولا يقال عثار الرّأي إن عثرا

من دبّر العيش بالآراء دام له

صفواً وجاء إليه الخطبُ معتذراً

يهونُ بالرّأي ما يجري القضاء به

من أخطأ الرّأي لا يستذنبُ القدرا

من فاته العزّ بالأقلام أدركه

بالبيض يقدح من أطرافها الشّررا

بكلّ أبيضَ قد أجرى الفرندَ به

ماء الردى فلو استقطرتهُ قطرا

خاض العجاجة عرياناً فما انقشعت

حتى أتى بدم الأبطال مؤتزرا

لا يحسنُ الحلمُ إلا في مواطنه

ولا يليق الوفا إلاّ لمن شكرا

ولا ينال العلى إلاّ فتى شرفتْ

خلالهُ فأطاع الدّهرُ ما أمرا

كالصّالح الملكِ المرهوب سطوتهُ
(1/491)
________________________________________
فلو توعّد قلب الدهر لا نفطرا

لما رأى الشرّ قد أبدى نواجذه

والغدرَ عن نابه للحرب قد كشرا

رأى القسيّ إناثاً عن حقيقتها

فعافها واستشارَ الصّارم الذّكرا

فجرّد العزمَ من قبل الصفاح لها

ملك عن البيض يستغني بما شهرا

يكاد يقرأُ من عنوان همّتهِ

ما في صحائف ظهر الغيبِ قد سطرا
كالبحر والدهر في يومي ندّى وردّى

واللّيثِ والغيث في يومي وغى وقرى

ما جاد للنّاس إلاّ قبل ما سألوه

ولا عفا قطُ إلاّ بعد ما قدرا

لاموه في بذله الموال قلت لهم

هل يقدر السّحبُ ألاّ ترسلَ المطرا

إذا غدا الغصنُ غضّا من منابته

من شاء فليجن من أفنانهِ الثمرا

من آل أرتق المشهور ذكرهم

إذا كان كالمسك إن أخفيتهُ ظهرا

الحاملين من الخطيّ أطوله

والناقلين من الأسياف ما قصرا

لم يرحلوا عن حمى ارض إذا نزلوا

إلاّ وأبقوا بها من جودهم أثرا

تبقى صنائعهم في الأرض بعدهم

والغيثُ إن سار أبقى بعده الزّهرا

لله درُّ سما الشّهباء من فلك

وكلّما غاب نجمٌ أطلعت قمرا

يا أيها الملك الباني لدولته

ذكراً طوى ذكر أهل الأرض وانتشر

كانت عداك لها دستٌ فقد صدعت

حصاةُ جدّك ذاك الدّست فانكسرا

فأوقعْ إذا غدروا سوطَ العذاب بهم

يظلّ يخشاك صرفُ الدّهر إن غدرا

ظنّوا تأنّيك من عجز وما علموا

أن التأنيَ فيهم يعقب الظّفرا

أحسنتهم فبغوا جهلاً وما اعترفوا

بصنعكم ومن جحد النعمى فقد كفرا

واسعد بعيدك ذا الأضحى وضحّ به

وصلْ وصلّ لربّ العرش مؤتمرا

وانحر عداك فبالإنعام ما انصلحوا

إن كان غيرك للأنعام قد نحرا

وقال المرحوم عبد الله باشا فكري يهنئ الخديوي توفيق بتوليه مصر
اليومَ يستقبل الآمالَ راجيها
(1/492)
________________________________________
ويجلي عن سماء العزّ داجيها

وتزدهي مصرُ والنّيل السّعيد بها

والملك والدّين والدّنيا وما فيها

قد أطلع الله في سعد السّعود سني

بدرٌ بلألائه ابيضّتْ لياليها

ذو همّة أدنى شأوها قصرت

غايات من رام في أمر يدانيها

وراحة لو تحاكيها السّحائبُ في

فيض الندّى هطلت تبراً غواديها

ورأفة بعباد الله كافلة

بخير ما حدثتْ نفساً أمانيها

تربو على وصف مطريه محاسنهُ

وهل يعدّ نجومَ الأفق راعيها

توفيق مصر ومولاها وموثلها

وركنها ومفدّاها وفاديها

وغصنها النّصر أنمته منابتها

من دوحة أينعت فيها مجانيها

خديوها ابن خديويها ابن فارسها

أميرها البطل الشّهم ابن واليها

لله يومٌ جلا عن نور غرّته

كالشّمس مزّق برد الغيم ضاحيها

يسير في مصر والبشرى تسابقه

من حيث سار وتسري في نواحيها
فلتفتخر مصر إعجاباً بحاضرها

على محاسن ماضيها وآتيها

هذا الذي كانت الآمال ترقبه

دهراً وتعتدّه أقصى مراميها

ما زال في قلب مصر من محبّه

سرٌّ تبوح بهِ نجوى أهاليها

تصبو له وأمانيها تطاوعها

في حبّه ولياليها تعاصيها

وترتجيه من الرّحمن سائلة

حتى استجيب بما ترجوه داعيها
فالحمد لله شكرناً لأنعمه

فالشكر حافظ نعماه وواقيها

وقال مؤلف هذا الكتاب مهنئاً صديقه المرحوم الشيخ علي يوسف بك
صاحب جريدة المؤيد سنة 1320 ه? بأويته من أوربا
(عليُ) القدرِ ذو الشرف المؤيدْ

شديدُ العزمِ (يوسفُ) قد تفرّدْ

وحيد الفضل والعلياءِ تشهد

رفيع المجدِ في عزّ وسؤدد

شريف النفس محمودُ السّجايا

عريقُ الأصل في المعروف أوحد
همامٌ ما له أبداً مثيلٌ

بليغُ النطقِ في الكتابِ مفردْ

محبُ العدل مشكور المساعي

عليمٌ بالسياسةِ بل (مؤيدُ)
(1/493)
________________________________________
قويّ البأس بسّام الثنايا

سعيد الجدّ ذو قدر ممجدُ

فمن يكُ راقياً شرف المعالي

كمثلك في الورى لا شكّ يحمد

وكيف وأنت اعظم من تصدّى

لتأييد الصّحافةِ (بالمؤيّد)

وكيف وأنت أفوق كل رامٍ

بسهم للكتابةِ قد تجرّدْ

وليس الشمس تخفى عن عيون

سوى أن كان صاحبهنّ أرمد

وإن البدرَ بالأنوار زاهٍ

ويأبى الله إلا أن تؤيّد

فسبحان الذي أسرى (عليّ)

إلى التّاميز والسّين المنضد

تهنّيكَ المناصبَ كلّ وقت

وتخدمك السعادة ما تجدّد

فدم يا سيّدي بدراً منيراً

وحصناً للمعالي قد تشيّد

وهاكَ من المحبّ قصيد شعر

تشيرُ إلى وفائي بل وتشهدْ

تفاخرُ مصرُ أهل الشرق فيها

تقول الهاشميُ شدا وأنشد

?وقال محمد حافظ بك إبراهيم مهنئاً أبناء وطنه بالعام الهجري
أهلاً بنابتةِ البلادِ ومرحباً

جدتم العهد الذي قد أخلقا

لا تيأسوا أن تستردّوا مجدكم

فلربَّ مغلوب هوى ثمّ ارتقى

مدّت لهُ الآمال في أفلاكها

خيط الرّجاء إلى العلا فتسلّقا

فتجشموا للمجد كلّ عظيمةٍ

إني رأيت المجدَ صعبَ المرتقى

من رام وصلَ الشمس حاك خيوطها

سبباً إلى آماله وتعلقا

عار على ابن النيل سباق الورى

مهما تغلبَ دهرهُ أن يسبقا

أوَ كلّما قالوا تجمّع شمله

لعبَ الخلاف بجمعنا فتفرقا

فتدفقوا حججاً وخوضوا نيلكم

فلكم أفاض عليكّم وتدفقا

حملوا علينا بالزمان وصرفهِ

فتأنّقوا في سلبنا وتأنق

فتعلّموا فالعلم مفتاح العلاَ

لم يبق باباً للسعادة مغلقا

ثم استمدّوا منهُ كل قواكم

أن القوىَّ بكلّ أرضٍ متّقى

وابنوا حوالي حوضكم من يقظة

سوراً وخطوا من حذارٍ خندقا
(1/494)
________________________________________
وزنوا الكلام وسدّدوه فإنهم

خبأوا لكم في الهلاك وحلّقا

وامشوا على حذرٍ فغن طريقكم

وعرٌ أطاف به الهلاكَ وحلّقا

نصبوا لكم فيه الفخاخَ وأرصدوا

للسالكين بكل فجّ موبقا

الموتُ في غشيانه وطروقه

والموتُ كل الموت ألاّ يطرقا

فتحيّنو، فرصُ الحياة ثمينةٌ

وتعجّلوها بالعزائم والرّقى

أو فاخلقوها قادرين فإنما

فرصُ الحياة خليقة أن تخلقا

?الباب السابع في المراثي
?قال المهلهل التغلبي يرثي أخاه كليباً وهو جاهلي توفي سنة 531 م
أهاجَ قذاء عينيّ الادّكارُ؟

هدوءاً فالدموع لها انهمارُ

وصار الليل مشتملاً علينا

كأنّ الليلّ ليسَ لهُ نهار

وبتُّ أراقب الجوزاءَ حتى

تقاربَ من أوائلها انحدار

أصرّف مقلتي في إثرْ قوم

تباينت البلادُ بهم فغاروا

وأبكي والنّجومُ مطلّعات

كأن لم تحوها عنّي البحارِ

على من نعيت وكان حيّا

لقاد الخيلَ يحجبها الغبار

دعوتك يا كليب فلم تجبني

وكيف يجيبني البلد القفار؟
أجبني يا كليب خلاك ذمّ

ضنينات النفوس لها مزار

أجبني يا كليب خلاك ذمُّ

لقد فجعت بفارسها نزّار

سقاك الغيث إنك كنت غيثاً

ويسراً حين يلتمس اليسار

وإنك كنتَ تحلمُ عن رجال

وتعفو عنهم ولك اقتدار

وتمنعُ أن يمسهمُ لسانٌ

مخافة من يحير ولا يجار

وكنت أعدّ قربي منك ربحاً

إذا ما عدّت الرّبحَ التّجار

فلا تبعد فكلَّ سوف يلقى

شعوباً يستدير بها المدار

يعيش المرء عند بني أبيه

ويوشك أن يصير بحيث صاروا
أرى طول الحياة وقد تولّى

كما قد يسلب الشيء المعار

كأنّي إذ نعى النّاعي كليباً

تطاير بين جنبيّ الشّرار

فدرت وقد غشى بصري عليه

كما دارت بشاربها العقار

سألتُ الحيّ أين دفنتموه
(1/495)
________________________________________
فقالوا لي بأقصى الحيّ دار

فسرت إليه من بلدي حثيثاً

وطار النّوم وامتنع القرار

وحادثْ ناقتي عن ظلّ قبرٍ

ثوى فيهِ المكارم والفخار

لدى أوطان أروع لم يشنهُ

ولم يحدثْ له في الناس عار

أتغدو يا كليب معي إذا ما

جبان القوم أنجاه الفرار

أتغدو يا كليب معي إذا ما

حلوق القوم يشحذها الشَّفار

أقول لتغلب والعز فيها

أثيرها لذلكم انتصار

تتابعَ أخوتي ومضّوا لأمر

عليه تتابع القوم الحسار

خذِ العهد الأكيد عليّ عمري

بتركي كلّ ما حوت الدّيار

ولستُ بخالعٍ درعي وسيفي

إلى أن يخلع الليلَ النهارُ

وقال صفي الدين الحلي يرثي غريقاً
أصفحُ ماء أم أديمُ سماءُ

فيهِ تغور كواكب الجوزاءِ

ما كنت أعلم قبل موتك موقناً

أن البدورَ غروبها في الماءِ

ولقد عجبت وقد هويتَ بلجّة

فجرى على رسلٍ بغير حياءِ

لو لم يشقَّ لك العباب وطالما

أشبهتَ موسى باليد البيضاء

أنفَ العلاء عليك من لمس الثّرى

وحلول باطن حفرة ظلماءِ

وأجلّ جسمك أن بغيّر لطفه

عفن الثّرى وتكاثف الأرجاءِ

فأحلّه جدثاً طهوراً مشبهاً

أخلاقه في رقّة وصفاء

ما ذاك أن يضمّ صفاؤه

نوراً يضنُّ به على الغبراء

فالبحر أولى في القياس من الثّري

بجوار تلك الدرّة الغرّاءِ

وقال أيضاً يرثي الملك ناصر الدين عمر
بكى عليك الحُسام والقلمُ

وانفجع العلمُ فيك والعلمُ

وضجَّتِ الأرضُ فالعبادُ بها

لاطمة والبلادُ تلتطمُ

تظهر أحزانها على ملك

جلُّ ملوك الورى له خدمُ

أبلجَ غضَ الشبابُ مقتبل ال

عمر ولكنْ مجدهُ هرمُ

محكّم في الورى وآمله

يحكمُ في ماله ويحتكم

يجتمع المجدُ والثناءُ له

وماله في الوفود يقتسم

قد سئمتْ جوده الأنام ولا
(1/496)
________________________________________
يلقاه من بذله النّدى سأمُ

ما عرفت منه لا ولا نعم

بل دونهنّ الآلاءُ والنّعمُ

ألواهبُ الألف وهو مبتسمٌ=والقاتل الألفَ وهو مقتحم
مبتسم والكماةُ عابسة

وعابسٌ والسيوف تبتسم

لم يعلم العالمون ما فقدوا

منه ولا الأقربون ما عدموا

ما فقد فرد من الأنام كمن

إن مات ماتت لفقده أمم

يا طالب الجود قد قضي عمرُ

فكلّ جود وجوده عدمُ

فالناسُ كالعين إن نقدتهم

تفاوتتْ عند نقدك القيمُ

مضى الذي كان للأنام أباً

فاليومَ كلُّ الأنام قد يتموا

وحلَّ ضاقت بساكنها

ودون أدنى دياره إرم

وقال أبو الحسن التهامي يرثي صغيراً له
ويفتخر بفضله ويشكو زمانه وحاسديه
حكمُ المنية في البرية جار

ما هذه الدّنيا بدار قرار

بينما يرى الإنسان فيها مخبرا

حتى يري خبراً من الأخبار

طبعت على كدر وأنت تريدها

صفواً من الأقذار والأكذار

ومكلّف الأيامِ ضد طباعها

متطلّب في الماء جذوة نار

وإذا رجوت المستحيلَ فإنما

تبني الرّجاءَ على شفير هار

فالعيش نومٌ والمنية يقظةٌ

والمرء بينهما خيالٌ سار

فاقضوا مآربكم عجالا إنما

أعماركم سفرٌ من الأسفار

وتركضوا حيل الشَّباب وبادروا

أم نسترد فإنهنّ عوار

فالدَّهر يخدع بالمنى ويغصّ إن

هنّا ويهدمُ ما بنى ببوّار

ليس الزمان وغن حرصت مسالماً

خلقُ الزّمان عداوة الأحرار

إني وترتُ بصارمٍ ذي رونقٍ

أعددتهُ لطلابةِ الأوتار

والنّفس إن رضيت بذلك أو أوبتْ

منقادةٌ بأزمّةِ المقدار

أثنى عليه بأثرهِ ولو أنهُ

لم يغتبطْ اثنيتُ بالآثار

يا كوكباً ما كانَ أقصرَ عمرهُ

وكذّاك عمرُ كواكب الأسحار

وهلال أيام مضى لم يستدر

بدراً ولم يمهل لوقتِ سرار

عجلَ الخسوفُ عليه قبل أوانه
(1/497)
________________________________________
فحماهُ قبل مظنّةِ الإبدار

واستلّ من أترابهِ ولدتهِ=كالمقلةِ استلت من الأشفار
فكأنّ قلبي قبره وكأنهُ

في طيّهِ سرٌّ من الأسرار

أن يعتبط صغراً فربَّ مقمّم

يبدو ضئيل الشخص للنظّار

إن الكواكب في علوّ محلّها

لترى صغاراً وهي غير صغار

ولدُ المعزى بعضهُ فإذا مضى

بعضُ الفتى فالكلّ في الآثار

أبكيه ثم أقولُ معتذراً لهُ

وفّقت حين تركت ألام دار

جاوزتُ أعدائي وجاور ربّهُ

شتّان بين جواره وجواري

أشكو بعادكَ لي وأنت بموضع

لولا الرَّدى لسمعت فيه مزاري

والشّرق نحو الغرب أقرب شقّةً

من بعد تلك الخمسة الأشبار

هيهات قد علقتك أسباب الرَّدى واغتالَ عمرك قاطعُ الأعمار
ولقد جريتَ كما جريتُ لغايةٍ

فبلغتها وأبوك في المضمار

فإذا نطقتُ فأنت أوَّلُ منطقي

وإذا سكت فأنت في أضماري

أخفي من البرحاءِ ناراً مثل ما

يخفى من النار الزّناد الواري

واخفض الزَّفرات وهي صواعد

وأكفكفُ العبرات وهي جوار

وشهابُ نارِ الحزنِ إنْ طاوعتهُ

أورى وإن عاصيتهُ متواري

وأكفُّ نيرانَ الأسى ولربما

غلب التصبُّرُ فارتمتْ بشرار

ثوبُ الرّياءِ يشفُ عمّا تحته

وإذا التحفتَ به فإنك عار

قصرت جفوني أن تباعدَ بينها

أم صوّرتْ عيني بلا أشفار
(1/498)
________________________________________
جفّت الكرى حتى كانّ غراره

عند اغتماص العين وخزُ غرار

ولو استزارت رقدةٌ لطحا بها

ما بين أجفاني من التَّيار

أحيي اللّيالي التّيم وهي تميتني

ويميتهنَّ تبلُّج الأسحار

حتى رأيت الصُّبح تهتك كفُّه

بالضَّوءِ رفرف خيمة كالقار

والصُّبح قد غمرَ النُّجوم كأنه

سيلٌ طغى فطفا على النُّوَّار

لو كنتَ تمنعُ خاض دونك فتيةٌ

منّا بحارَ عوامل وشفار

ودحوا قويق الأرض أرضاً من دم

ثم انثنوا فبنوا سماء غبار

قومٌ إذا لبسوا الدُّروع حسبتها=خلجاً تمدُّ بها أكفّ بحار لو شرَّعوا إيمانهم في طولها=طعنوا بها عوض القنا الخطَّار
جنبوا الجياد إلى المطيّ وراوحوا

بين السُّروج هناك وأكوار

وكأنما ملؤوا عيابَ دروعهم

وغمود أنصلهم سرابَ قفار

وكأنما صنعُ السوابغِ عزَّه

ماءُ الحديد فصاغ ماءَ قرار

زرداً فأحكم كل موصل حلقةٍ

بحبابةٍ في موضع المسمار

فتسربلوا بمتون ماءٍ جامدٍ

وتقنَّعوا بحبابِ ماء جار

أسدٌ ولكن يؤثرون بزادهم

والأسدُ ليس تدينُ بالإيثار

يتزيَّن النَّادي بحسن وجوههم

كتزيُّن الهالات بالأقمار

يتعطّفون على المجاور فيهم

بالمنفسات تعطُّفَ الآظار

من كلّ منْ جعل الظُّبى أنصاره

وكومنَ واستغنى عن الأنصار

وإذا هو اعتقل الفتاة حسبتها

صلاَّ تأبطهُ هزبزٌ ضار

والليث إن ثاورتهُ لم يعتمد

إلا على الأنياب والأظفار

زردُ الدّلاص من الطّعان يريحه

في الجحفل المتضايق الجرَّار

ما بين ثوب بالدّماء مضمّخٍ

زلقٍ ونقعٍ بالطّرد مثار
(1/499)
________________________________________
والهونُ في ظلّ الهواينا كامنٌ

وجلالة الأخطار في الإخطار

تندى أسرّة وجهه ويمينه

في حالة الإعسار والإيسار

ويمدُّ نحو المكرمات أناملاً

للرّزق في أثنائهنَّ مجار

يحوي المعاليَ كاسباً أو غالباً

أبداً يدارى دونها ويداري

قد لاح في ليل الشّباب كواكب

إن أمهلت آلت إلى الإسفار

وتلهُّبُ الأحشاءِ شيّب مفرقي

هذا الضياءُ شواظ تلك النار

شاب القذال وكلُّ غصن صائرٌ

فبنانه الأحوى إلى الإزهار

والشّبه منجذبٌ فلم بيضُ الدُّمى

عن بيض مفرقه ذوات نفار

وتودّ لو جعلت سوادَ قلوبها

وسوادَ أعيتها خضابَ عذّار

لا تنفرُ الظبيات عنه فقد رأت

كيف اختلاف النّبتِ في الأطوار

شيئان ينقشعان أوَّلَ وهلة

ظلُ الشباب وخلّة الأشرار

لا حبذا الشيبُ الوفيُ وحبذا

ظلُّ الشّباب الخائنِ الغذَّار

وطري من الدَّنيا الشّباب وروقهُ

فإذا انقضى فقد انقضت أوطاري

قصرت مسافته وما حسناته

عندي ولا آلاؤه بقصار

نزداد همَّا كلّما ازددنا غنى

والفقر كلُّ الفقر في الإكثار

ما زاد فوقَ خلّفَ ضائعاً

في حادث أو وارث أو عار

إني لأرحم حاسديّ لحرّما

ضمنتْ صدورهم من الأوغار

نظروا صنيع الله بي فعيونهم

في جنَّة وقلوبهم في نار

لا ذنب لي قد رمت كتم فضائلي

فكأنما بزقعتُ وجهَ نهار

وسترتها بتواضعي فتطلّعت

أعناقها تعلو على الأستار

ومن الرجال معالمٌ ومجاهل

ومن النجُّوم غوامضٌ ودراري

والناس مشتبهون في إيرادهم

وتفاضل الأقوام في الإصدار

عمري لقد أوطأتهم طّرق العلا

فعموا فلم يقفوا على آثاري

لو أبصروا بقلوبهم لاستبصروا

وعمى البصائر من عمى الأبصار
هلاّ سعوا سعي الكرام فأدركوا
(1/500)
________________________________________
أو سلّموا لمواقع الأقدار

وفشت خيانات الثّقات وغيرهم

حتى اتّهمنا رؤية الأبصار

ولربما اعتضدَ الحليم بجاهل

لا خير في يمنى بغير يسار

ولأبي البقاء صالح بن شريف الرندي المتوفى سنة 798 ه? يرثي الأندلس
لكلّ شيءٍ إذا ما تمّ نقصانُ

فلا يغرَّ بطيب العيش إنسان

هي الأمور كما شاهدتها دول

منْ سرّه زمنٌ ساءتهُ أزمان

وهذه الدّار لا تبقى على أحد

ولا يدوم على حالٍ لها شان

يمزّق الدّهر حتماً كل سابغةً

إذ انبتْ مشرفيات وخرصانُ

وينتضي كلَّ سيفٍ للفناءِ ولو

كان ابن ذي يزنٍ والغمدَ غمدان

أين الملوك ذووا التُّيجان من يمن

وأين منهم أكاليلٌ وتيجان

وأين ما شاده شدّاد في إرمٍ

وأين ما ساسه في الفرس ساسان

وأين ما حازه قارونُ من ذهب

وأين عادٌ وشدَّاد وقحطان

أتى على الكلّ أمرٌ لا مردَّ له

حتى قضوا فكأن القومَ ما كانوا

وصار ما كان من ملكٍ ومن ملكٍ

كما حكى عن خيال الطيف وسنانُ
دارَ الزمانُ على دارا وقاتله

وأمّ كسرى فما آواه إيوان

كإنما الصَّعب لم يسهل له سببٌ

يوماً ولا ملك لدُّنيا سليمان

فجائعُ الدَّهر أنواعٌ منوَّعة

وللزّمان مسرَّات وأحزان

وللحوادث سلونٌ يسلهلها

وما لما حلَّ بالإسلام سلون

دهى الجزيرة أمرٌ لا عزاءَ له

هوى له أحدٌ وانهدّ ثهلان

أصابها العين في الإسلام فارتزأت

حتى خلت منه أقطار وبلدان

فاسأل بلنسيةً ما شأنُ مرسيةٍ

وأين شاطبةٌ أم أين جيّان

وأين قرطبةٌ دارُ العلوم فكم

من عالمٍ قد سما فيها له شان

وأين حمصٌ وما تحويه من نزه

ونهرها العذب فياض وملآن

قواعد كنّ أركان البلاد فما

عسى البقاءُ إذا لم تبقَ أركان
(2/1)
________________________________________
تبكي الحنيفيّة البيضاء من أسف

كما بكى لفراق الإلف هيمان

على ديار من الإسلام خالية

قد أقفرتْ ولها بالكفر عمران

حيث المساجد قد صارت كنائس ما

فيهنَّ إلاَّ نواقيسٌ وصلبان

حتى المحاريب تبكي وهي جامدة

حتى المنابر ترثي وهي عيدان

يا غافلاً وله في الدّهر موعظة

إن كنت في سنّة فالدّهرُ يقظان

وماشياً مرحاً يلهيه موطنهُ

أبعدَ حمصٍ تغزُّ المرء أوطان

تلك المصيبة أنستْ ما تقدّمها

وما لها من طوال الدَّهر نسيان

يا راكبينَ عتاقَ الخيل ضامرة

كأنّما في مجال السّبق عقبان

وحاملين سيوفَ الهند مرهفةٌ

كأنها في ظلام النقع نيران

وراتعين وراءَ البحر في دعةٍ

لهم بأوطانهم عزٌّ وسلطان

أعندكم نبأٌ من أهل أندلس

فقد سرى بحديث القوم ركبان

كم يستغيث بنا المستضعفون وهم

قتلى وأسرى فما يهتزّ إنسان

ماذا التّقاطع في الإسلام بينكم

وأنتم يا عباد الله إخوان

ألا نفوسٌ أبيَّات لها هممٌ

أما على الخير أنصار وأعوان

يا من لذلّة قومٍ بعد عزوّهم

أحال حالهم جورٌ وطغيان

بالأمس كانوا ملوكاً في منزلهم

واليومَ هم في بلاد الكفر عبدانُ

فلو تراهم حيارى لا دليل لهم

عليهم ف ثياب الذُّلّ ألوان

ولو رأيت بكاهم عند بيعهمُ

لهالكَ الأمرُ واستهوتك أحزان

يا ربَّ أمّ وطفل حيل بينهما

كما تفرقُ أرواح وأبدان

وطفلةٍ مثل حسن الشمس إذ طلعت

كأنما هي ياقوت ومرجان

يقودها العلج للمكروه مكرهة

والعين باكية والقلب حيران

لمثل هذا يذوب القلب من كمد

إن كان في القلب إسلام وإيمان

وقال أبو الطيب المتنبي يرثي أبا شجاع فاتكاً
الحزن يقلقُ والتجمُّل يردع

والدَّمعُ بينهما عصىَّ طيع

يتنازعان دموع عين مسهَّد
(2/2)
________________________________________
هذا يجيء بها وهذا يرجع

النَّوم بعد أبي شجاع نافر

والليلُ معي والكواكب طلّع

إني لأجبن من فراق أحبَّني

وتحسُّ نفسي بالحمام فأشجعُ

ويزيدني غضبُ الأعادي قسوةً

ويلمّ بي عتب الصديق فأجزع

تصفو الحياةُ لجاهل أو غافل

عمّا مضى منها وما يتوقع

ولمن يغالطُ في الحقائق نفسه

ويسومها طلب المحال فتطمع
أين الذي الهرمان من بنيانه

ما قومهُ ما يومهُ ما المصرع

تتخلفُ الآثار عن أصحابها

حيناً ويدركها الفناءُ فتتبع

وقال عبد المجيد بن عبدون الفهري المتوفى سنة 520 ه? راثياً ملوك
بني الأفطس من قصيدة ممتعة في التاريخ والأدب
الدَّهر يفجعُ بعد العين بالأثر

فما البكاءُ على الأشباح والصُّور

أنهاكَ أنهاكَ لا أنهاكَ واحدةً

عن نومة بين ناب الَّليث والظفر

فالدَّهر حربٌ وإن أبدى مسالمةً

فالبيضُ والسمر مثلُ البيض والسُّمر
ولا هوادةً بين الرأس تأخذه

يدُ الضّراب وبين الصّارم الذكر

فلا يغرَّنك من دنياك نومتها

فما صناعة عينيها سوى السَّهر

فبالليالي أقال الله عثرتنا

من الليالي وغالتها يد العير

في كل حين لها في كل جارحة

منا جراح وإن زاغت عن الصبر

تسر بالشيء لكن كي تغرَّ به

كالأيم ثار إلى الجاني من الزهر

كم دولة وليت بالنصر خدمتها

لم تبق منها وسل دنياك عن خير

?وقال أبو ذؤيب يرثي أولاده
أمنَ المنون وريبها تتوجّعُ

والدّهر ليس بمعتبٍ منْ يجزع

قالت أمامة ما لجسمك شاحباً

منذ ابتذلت ومثل مالك ينفعُ

ولقد حرصتُ بأن أدافع عنهمُ

وإذا المنية أقبلتْ لا تدفعُ

وإذا المنية أنشبت أظفارها

ألفيتَ كلّ تميمة لا تنفعُ

فالعين بعدهمُ كأن جفونها

كحلتْ بشوكٍ فهي عورٌ تدمعُ

وتجلدي لشامتين اربهمُ
(2/3)
________________________________________
أني لرّيب الدَّهر لا أتضعضعُ

حتى كأني للحوادث مروةٌ

نصفَ المشقر كلّ يوم تقرع

لا بدَّ من بلف مقيم فانتظر

أبأرض قومك أن بأخرى المضجع
ولقد أرى أن البكاءَ سفاهةٌ

ولسوف يولع بالبكا من يفجع

وليأتينّ عليك يوماً مرّة

يبكي عليك معنَّفاً لا تسمع

فلئنْ بهم فجع الزَّمان وريبهُ

أني بأهل مودّتي لمفجع

والنّفس راغية إذا رغّبتها

وإذا تردُّ إلى قليل تقنعْ

????وقال أبو الأنباري المتوفى سنة 328 ه? يرثي أبا طاهر بن بقية وزير عز الدولة لما قتل وصلب وهي من أعظم المراثي ولم يسمع بمثلها في مصلوب حتى أن عضد الدولة الذي صلبه تمنى لو كان هو المصلوب وقيلت فيه.
علوَّ في الحياةِ وفي الممات

لحقٌ أنتَ إحدى المعجزات
كأنّ النَّاس حولك حين قاموا

وفودُ نداك أيام الصلاتِ

كأنكَ قائم فيهم خطيباً

وكَّلهمُ قيامٌ للصّلاةِ

مددت يديك نحوهم احتفاءً

كمدّهما إليهمْ بالهباتِ

ولمّا ضاقَ بطنُ الأرضِ عن أن

يضمَّ علاكَ من بعدِ الوفاةِ

أصاروا الجوَّ قبرك واستعاضوا

عن الأكفان ثوب السّافيات

لعظمك في النّفوس تبيت ترعى

بحراَّس وحفّاظ ثقاب

وتوقدُ حولك النّيرانُ ليلاً

كذلك كنتَ أيَّامَ الحياة

ركبت مطيَّة منْ قبلُ زيدٌ

علاها في السّنينَ الماضياتِ

وتلكَ قضيّةٌ فيها تاسّ

تباعدُ عنك تعييرَ العداةِ

ولم أر قبل جذعك قطُّ جذعاً

تمكّن منْ عتاق المكرمات

أسأتَ إلى النوائبِ فاستثارت

فأنت قتيل ثأر النائباتِ

وكنت تجيرنا من صرف دهر

فعاد مطالبا لك بالثّرات

وصيَّرَ دهرك الإحسانَ فيهش

إلينا منْ عظيمِ السيئاتِ

وكنتَ لمعشرِ سعداً فلمّا

مضيتَ تفرقوا بالمنحساتِ

غليلٌ باطنٌ لك في فؤادي
(2/4)
________________________________________
يخفّفُ بالدُّموعِ الجارياتِ

ولو أني قدرتُ على قيام

بفرضك والحقوق الواجبات

ملأت الأرض من نظم القوافي

ونحتُ بها خلاف النائحاتِ

ولكنّي أصبّرُ عنك نفسي

مخافةَ أنْ أعدَّ من الجناةِ

ومالك تربةٌ فأقولُ تسقى

لأنك نصبَ هطل الهاطلات

عليك تحيةُ الرّحمن تترى

برحماتٍ غوادٍ رائحات

وقال بهاء الدين زهير المتوفى سنة 656 ه?
أراكَ هجرتني هجراً طويلاً

وما عوّدتني من قبلُ ذا كا

عهدتك لا تطيق الصَّبر عنّي

وتعصى في ودادي من نهاكا

فكيفَ تغيَّرتْ تلك السَّحايا

ومن هذا الذي عنّي ثناكا

فلا والله ما حاولتَ غدراً

فكلُّ النّاس يغدر ما خلاكا

وما فارقتني طوعاً ولكن

دهاك في المنية ما دهاكا

فيا من غابَ عنّي وهو روحي

وكيفَ أطبق من روحي انفكاكا
بعزُّ عليَّ أدير عيني

أفتشُ في مكانك لا أراكا

ختمتُ على ودادك في ضميري

وليس يزال مختوماً هناك

فيا أسفي لجسمك كيف يبلى

ويذهبُ بعدَ بهجته سناك

يا قبرَ الحبيب وددتُ أنّي

حملت ولو على عيني ثراكا

ولا زال السّلام عليك منّي

يزفّ على النّسيم إلى ذراكا

?وقال السيدة تماضر الخنساء المتوفاة سنة 24 ه?
قذّى بعينك أم بالعين عوّارُ

أم أقفرت إذ خلت من أهلها الدّار
كأنَّ عيني لذاكرة إذا خطرت

فيضٌ يسيلُ على الخدّين مدرارُ

تبكي خناسٌ على صخر وحقّ لها

إذ رابها الدّهر إنّ الدّهر ضرارُ

لا بدّ من ميتةِ في صرفها عبرٌ

والدَّهر في صرفه حولٌ وأطوارُ

يا يخرُ ورَّاد ماءٍ قد توارده

أهل الموارد في ورده عارُ

وإنّ صخراً لحامينا وسينا

وغنَّ صخراً إذا نشتوا لنحّارُ

وإنَّ صخراً لتأتمُّ الهداة بهِ

كأنهُ علمٌ في رأسه نارُ

لم ترهُ جارةٌ يمشي بساحتها
(2/5)
________________________________________
لريبة حين يخلى بيتهُ الجارُ

مثل الرُّدينيّ لم تنفد شبيبتهُ

كأنّه تحت طيّ البردِ أسوارُ

طلقُ اليدينِ بفعل الخير معتمدٌ

ضخمُ الدَّسعية بالخيرات أمارُ

حمالُ ألوية هبّاط أوديةَ

شهّاد أندية للجيش جرارُ

وقالت أعرابية ترثي ابنها
أيا ولدي قد زاد قلبي تلهُّبها

وقد حرقت منّي الشُّؤون المدامعُ

وقد أضرمت نارُ المصيبةِ شعلةُ

وقد حميت منّي الحشا والأضالعُ
وأسأل عنك الرّكب هل تخبرونني

بحالك كيما تستكنُّ المضاجع

فلم يكُ فيهم مخبرٌ عنك صادق

ولا فيهمُ من قال إنّك راجع

فيا ولدي غبت كدَّرت عيشتي

فقلبي مصدوع وطرفي دامع

وفكري مسقومٌ وعقلي ذاهب

ودمعي مسفوحٌ وداري بلا قع

وقالت ليلى الأخيلية المتوفاة سنة 80 ه?
?لعمرك ما بالموت عارٌ على الفتى=إذا لم تصبه في الحياة المعابرُ
وما أحدٌ حيٌّ وإن عاشَ سالماً

بأخلد ممّن غيبتهُ المقابر

ومن كان مما يحدث الدَّهر جازعاً

فلا بد يوماً يرى وهو صابر

وليس لذي عيش عن الموت مقصر

وليس على الأيام والدهر غابر

ولا الحيّ مما يحدث الدَّهر معتب

ولا الميت أن لم يصبر الحيّ ناشرُ
وكل شباب أو جديد إلى بلّى

وكل امرئ يوماً إلى الله صائر

وقالت عائشة هانم التيمورية المتوفاة سنة 1300 ه?
إن سألَ من غرب العيون بحور

فالدَّهر باغ والزمانُ غدورُ

فلكلّ عين حقّ مدرار الدّما

ولكل قلبٍ لوعةٌ وثبورُ

ستر السنا وتحجَّبت شمس الضّحى

وتغيّبت بعد الشّروق بدور

ومضى الذي أهوى وجرّعني الأسا

وغدت بقلبي جذوة وسعير

يا ليته لمَّا نوى عهد النّوى

وافى العيون من الظّلام نذير

ناهيك ما فعلت بماء حشاشتي

نارٌ لها بين الضلوع زفير

لو بثّ حزني في الورى لم يلتفت

لمصاب قيسٍ والمصاب كبير
(2/6)
________________________________________
طافت بشهر الصوم كاسات الرَّدى

سحراً وأكوابُ الدّموع تدّور

فتناولت منها ابنتي فتغيَّرت

وجنات خدّ شانها التَّغيير

فذوت أزاهير الحياة بروضها

وانقدَّ منها مائسٌ ونضير

لبستْ ثيابَ السُّقم في صغرٍ وقد

ذاقتْ شراب الموت وهو مرير

جاء الطبيب ضحّى وبشّر بالشفا

إن الطبيب بطبّه مغرور

وصفَ التجرُّع وهو يزعم أنهُ

بالبرءِ من كل السّقامِ بشير

وارحم شبابي إن والدتي غدت

ثكلى يشير لها الجوى وتشير

وارأف بعين حرّمت طيب الكرى

تشكو السُّهاد وفي الجفون فتور

لمّا رأت يأس الطبيب وعجزه

قالت ودمعُ المقلتين غزير

أماه قد كلّ الطّبيبُ وفاتني

ممّا أؤمّلُ في الحياة نصير

لو جاءَ عرَّاف اليمامة يبتغي

يرئي لردّ الطّرف وهو حسير

يا روع روحي حلّها نزعُ الضنّا

عمّا قليل ورقها ستطيرُ

أمّاه قد عزّ اللقاءُ وفي غدٍ

سترين نعشي كالعروس يسيرُ

وسينتهي المسعى إلى الّلحد الذي

هو منزلي وله الجموع تصيرُ

قولي لرب اللحد رفقاً بابنتي

جاءت عروساً ساقها التّقدير

وتجلّدي بإزاء لحدي برهة

فتراك روحٌ راعها المقدور

أماه قد سلفت لنا أمنيةً

يا حسنها لو ساقها التيسير

كانت كأحلامٍ مضتْ وتخلفتْ

مذْ بان يوم البين وهو عسير

عودي إلى ربعٍ خلا ومآثر

قد خلّفتْ عنّي لها تأثير

صوني جهاز العرس تذكاراً فلي

قد كان منه إلى الزّفاف سرور

جرت مصائب فرقتي لك بعدَ ذا

لبس السّواد ونفّذَ المسطور

والقبرُ صار لغصن قدَّي روضةٌ

ريحانها عند المزار زهور

أماه لا تنسي بحقّ بنوتي

قبري لئلا يحزن المقبور

ورجاء عفو أو تلاوة منزل

فسواك من لي بالحنين يزور

فلعلما أحظى برحمة خالق

هو راحمٌ برٌّ بنا وغفور
(2/7)
________________________________________
فأجبتها والدّمع يحبسُ منطقي

والدّهر من بعد الجوار يجور

بنتاه يا كبدي ولوعة مهجتي

قد زال صفوٌ شانه التكدير

لا توصي ثكلى قد أذاب فؤادها

حزنٌ عليك وحسرةٌ وزفير

قسماً بغضّ نواظري وتلهفي

مذ غاب إنسانٌ وفارقَ نور

وبقلتي ثغراً تقضّي نحبه

فحرمتُ طيب شذاه وهو عطير

والله لا أسلو التلاوة والدُّعا

ما غرَّدت فوقَ الغصون طيور

كلا ولا أنسى زفير توجعي

والقدّ منك لدى الثرى مدثور

إني ألفت الحزن حتى أنّني

لو غاب عنّي ساءني التأخير

قد كنتُ لا أرضى التّباعد برهة

كيف التّصبّر والبعاد دهور

أبكيك حتى نلتقي في جنّة

برياض خلد زينتها الحور

إن قيل على "توحيدة" الحسن التي

قد غاب بدرُ جمالها المستور

قلبي وجفني واللسان وخالقي

راض وباك شاكرٌ وغفور

متعتِ بالرّضوان في خلد الرّضا

ما ازّنيت لك غرفة وقصور

وسمعت قول الحقّ للقوم داخلوا

دار السّلام فسعيكم مشكور

هذا النّعيم به الأحبة تلتقي

لا عيشَ إلا عيشهُ المبرور

وقالت المرحومة ملك حفني ناصف ترثي عائشة هانم تيمور
ألا يا موت ويحك لم تراع

حقوقاً للطروس ولا اليراع

تركتَ الكتب بالكيةٌ بكاءً

يشيبُ الطفل في عهد الرضاع

ولم تهب الفضائلَ والمعالي

وطول السّعي في خير المساعي
ولم يمنعك ممّا رمتَ نثرٌ

ولا شعرٌ ولا حسنُ ابتداع

نراك تجودُ بالأرزاء حتى

عددنا البخلَ من كرم الطّباع

فذبْ يا قلبُ لا تكُ في جمّود=وزد دمع لا تكُ في امتناع
ولا تبخل عليّ وكن جموماً

فكنز العلم أمسى في ضياع

سنبقى بعد عائشةٍ حيارى

كسربٍ في الفلاةَ بغير راع

لقد فقدت ولم تفقد علاها

وهل شمسٌ تغيب بلا شعاع

هي الدُّرّ المصون ببطن أرض
(2/8)
________________________________________
وقد كانت كذلك في قناع

هي البحرُ الخضمّ ومات سمعنا

بأن البحرَ يدفن في التّلاع

لها القدحُ المعلّى في العوالي

وفي نشر المعارف طول باع
فيا شمس المحامد غبت عنّا

وخلفت البكاءَ لكل ناع

ويا خيرَ النساءِ بلا خوف

وقدوتنا بلا أدنى نزاع

لقد أحييت ذكر نساء مصر

وجدّدت العلا بعد انقطّاع

وشدت صروح طهر باذخات

محصّنةٍ كتحصين القلاع

وقال المرحوم حفني بك ناصف راثياً عبد الله باشا فكري
ليدعِ المدّعون العلم والأدبا

فقد تغيّبَ عبدُ الله واحتجا

ولينتسب أدعياء الفضل كيف قضت

آراؤهم إذا قضى من يحفظ النّسبا

وليفخر اليوم قومٌ باليرّاع ولا

خوفٌ عليهم فمن يخشونه ذهبا

وليرق من شاء أعواد المنّابر إذا

مات الذي يتقّيهِ كلّ من خطبا

لو عاش لم يطرق الأسماع ذكرهم

في طلعة الشمس من ذا يبصرُ الشُّهبا
فليسمُ من شاء بالإنشاءِ لا عجبٌ

مضى الذي كان من آياته عجبا

طودٌ من الفضل من بعد الرُّسوخ هوى

وكوكب بعد أن أبدي الهدى غربا

أجلْ فقد مات عبدُ الله وا أسفا

وأوحشتْ مصرُ من فكري فواحربا

فكلّ نفس لمعناه شكتْ وبكت

وكلُّ فكرٍ بفكري ماجَ واضطربا

قضى الحياة ونصرُ الحقّ ديدنهُ

لا ينثني رهناً عنه ولا رغبا

لا كان عيدٌ رأينا صفوه كدراً

بفقدهِ وانثنت راحاته تعبا

سارت جنازتهُ والعلم في جزع

والفضلُ يندبهُ في ضمن من ندبا

وقال أحمد بك شوقي يرثي مصطفى باشا كامل المتوفى 1326 ه?
ألمشرقان عليك ينتحبان

قاصيهما في مأنم والدَّاني

يا خادمَ الإسلام أجرَ مجاهد

في الله من خلد ومن رضوان

الله يشهد أن موتك بالحجا

والجدّ والإقدام والعرفان

إن كان للأخلاق ركن قائم

في هذه الدنيا فأنت الباني
(2/9)
________________________________________
بالله فتَّش عن فؤادك في الثرى

هل فيه آمالٌ وفيه أماني

وجدانك الحي المقيم على المدى

ولربّ حيّ ميّت الوجدان

الناسُ جار في الحياة لغاية

ومضللٌ يجري بغير عنان

والخلد في الدّنيا وليس بهيّن

عليا المراتب لم تتح لجبان

فلو أن رسل الله قد جبنوا لما

ماتوا على دين ولا إيمان

المجد والشرف الرّفيع صحيفةٌ

جعلت لها الأخلاق كالعنوان

وأحبُّ من طول الحياة بذلّه

قصرٌ يريك تقاصر الأقران

دقات قلب المرء قائلة له

إن الحياة دقائقٌ وثواني

فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها

فالذّكر للإنسان عمرٌ ثاني

للمرء في الدّنيا وجمّ شؤونها

ما شاء من ربح ومن خسران

فهي الفضاء لراغبٍ متطلّع

وهي المضيق لمؤثر السُّلوان

النّاس غادٍ في الشفاء ورائح

يشقى له الرّحماء وهو الأشجان
ومنعّم لم يلقَ إلاّ لذّة

في طيّها شجنٌ من الأشجان

فاصبر على نعم الحياة وبؤسها

نعمُ الحياة وبؤسها سيّان

يا طاهر الغدوات والرّوحات وال

خطرات والأسرار والإعلان

هل قامَ قبلك في المدائن فاتحاً

غازٍ بغير مهنّد وسنان

يدعو إلى العلم الشريف وعنده

أنّ العلوم دعائم العمران

لفّوك في علم البلاد منكساً

جزع الهلالُ على فتى الفتيان

ما احمر من خجل ولا من رتبة

لكنّما يبكي بدمع قاني

يزجون نعشك في السّناء وفي السّنا

فكأنما في نعشك القمران

وكأنه نعش (الحسين بكربلا)

يختال بين بكّي وبين حنّان

في ذمّة الله الكريم وبرّه

ما ضمّ من عرف ومن إحسان

(ومشى جلال الموت وهو حقيقةٌ

وجلالك المصدوق يلتقيان)

شقتْ لمنظرك الجيوب عقائلٌ

وبكتك بالدّمع الهتون غواني

والخلق حولك خاشعون كعهدهم

إذ ينصتون لخطبة وبيان
(2/10)
________________________________________
يتساءلون بأيّ قلب ترتقي

بعد المنابر أم بأيّ لسان

فلو أن أوطاناً تصوّر هيكلا

دفنوكَ بين جوانح الأوطان

أو كان يحملُ في الجوارح ميّت

حملوكَ في الأسماع والأجفان

أو صيغ من غرر الفضائل والعلى

كفنَ لبست أحاسن الأكفان

أو كان للذّكر الحكيم بقيّة

لم تأت بعدُ رثيتَ في القرآن

يا صبَّ مصر ويا شهيد غرامها

هذا ثرى مصرِ فنم بأمان

اخلع على مصرٍ شبابك عالياً

والبس شباب الحور والولدان

فلعلَّ مصراً من شبابك ترتدي

مجداً تتيه به على البلدان

فلو أن بالهرمين من عزماته

بعض المضاء تحرّك الهرمان

علّمتَ شبّان المدائن والقرى

كيف الحياة تكون في الشبّان

مصر الأسيفةُ ريفها وصعيدها

قبرٌ أبرُّ على عظامك حاني

أقسمت أنّك في التّراب طهارة

ملك يهابُ سؤاله الملكان

?وقال ابن هانئ الأندلس يرثي إبراهيم بن جعفر بن علي
وهبَ الدّهر نفيساً فاستردْ

ربّما جادَ بخيلٌ فحسد

خاب من يرجو زماناً دائماً

تعرف الباساءُ منه والنَّكد

فلقد أذكر منْ كان سها

ولقد نبّه منْ كان رقد

قلْ لمنْ شاءَ يقل ما شاءه

إنّ خصمي في حياتي لألد
منتضٍ نصلاً إذا شاء مضى

رائشٌ سهماً إذا شاء قصدْ

ماتَ منْ لو عاش سرباله

غلبَ النّور عليه فاتقد

إنما كان شهاباً ثاقباً

صعق الّليل له ثم خمد

لا رجاءٌ في خلود كلّنا

واردُ الماءِ الذي كان ورد

وقال شاعر النيل أحمد بك شوقي راثياً
خلقنا للحياة وللممات

ومن هذين كلّ الحادثات

ومن يولك يعش ويمت كان لم

يمرَّ خياله بالكائنات

ومهدُ المرء في أيدي الرواقي

كنعش المرء بين النائحات

وما سلم الوليد من اشتكاء

فهل يخلو المعمّر من أداة

هي الدنيا قتالٌ نحن فيه

مقاصد للحسام وللقنّاة
(2/11)
________________________________________
وكل الناس مدفوع إليه

كما دفع الجبان إلى الثّبات

نروع ما نروّع ثم نرمى

بسهم من يد المقدورِ آتٍ

وقال محمد بك حافظ إبراهيم راثياً الإمام الشيخ محمد عبده
سلامٌ على الإسلام بعد محمدٍ

سلامٌ على أيامه النّضراتِ

لقد كنت أخشى عادي الموت قبله

فأصبحتُ أخشى أن تطول حياتي

فوالهفي والقبرُ بيني وبينه

على نظرةٍ من تلكمُ النظراتِ

وفقت عليه حاسرَ الرأس خاشعاً

كأنّي حيال القبر في عرفاتِ

أبنتَ لنا التنزيلَ حكماً وحكمة

وفرَّقت بين النور والظلّمات

ووفقت بين الدّين والعلم والدّجى

فأطلعت نوراً من ثلاث جهات

وقفتَ (لها نوتر ورينان) وقفة

أمدّك فيها الروح بالنفحاتِ

وخفتَ مقام الله في كل موقفٍ

فخافك أهل الشكْ والنَّزعاتِ

وأرصدت للباغي على دين أحمد

شباة يراعٍ ساحر النفثاتِ

مشى نعشه يختال عجباً بربه

ويخطر بين الّلمس والقبلات

بكى الشرق فارتجت له الأرض رجّة

وضاقت عيون الكون بالعبراتِ

بكى عالمُ الإسلام عالمَ عصره

سراج الدَّياجي هادم الشبهات

فيا ويح للشُّورى إذا جدّ جدذها

وطاشت بها الآراء مشتجرّاتِ

ويا ويح للفتيا إذا قيل منْ لها

ويا ويح للخيرات والصّدقات

بكينا على فرد وإن بكاءنا

على أنفس لله منقطعات

تعهدها فضل الإمام وحاطها

بأحسانه والدّهر غير مؤآني
الباب الثامن
في الحكم والنصائح قال عبيد بن الأبرص
كفى زاجراً للمرء أيّام دهرهِ

تروح له بالواعظاتِ وتغتدي

إذا أنت طالبت الرجال نوالهم

فعفّ ولا تطلب بجهد فتنكد

عسى سائل ذو حاجة غن منعته

من اليوم سؤلاً أن يسرّك في غد

ولا تقعدن عن سعي ما قد ورثته

وما استطعت من خير لنفسك فازدد
(2/12)
________________________________________
إذا ما رأيت الشرّ يبعث أهله

وقام جناة الشرّ بالشرّ فاقعد

وبالعدل فانطلق إن نطقت ولا تج

وذا الذمّ فاذممه وذا الحمد فاحمد

عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه

فكل قرين بالمقارن يقتدي

ولا ابتغي ودّ امرئ قلّ خيره

وما أنا عن وصل الصديق بأحيد

إذا أنت حملت الخؤون أمانة

فإنك قد أسندتها شرّ مسند

ولا تظهرن ودّ امرئ قبل خبره

وبعد بلاء المرء فاذمم أو أحمد

وقال أبو بكر محمد بن الحسين بن دريد الأزدي المتوفى سنة 321 ه?
يا ظبيةً أشبهَ شيءٍ بالمها

ترعى الخزامى بين أشجارِ النَّقا

إما ترى رأسي حاكى لونه

طرَّة صبحٍ تحت أذيال الدُّجى

واشتعل المبيضُّ في مسوده

مثل اشتعال النَّار في جزل الغضى

فكان كالليل البهيم حلّ في

أرجائه ضوء صباحٍ فانجلى

وغاض ماءَ شرَّتي دهرٌ رمى

خواطر القلب بتبريح الجوى

وآض روضُ الّلهو يبساً ذاويا

من بعد ما قد كان مجاجَ الثرى

وضرّمَ النّأيُ المشتُّ جذوةٌ

ما تأتلي تسفعُ أثناءَ الحشى

واتخذ التّمهيد عيني مألفاً

لمّا جفا أجفانها طيفُ الكرى

فكلُّ ما لاقيتهُ مفتفرٌ

في جنبٍ ما أسأره شحط النَّوى

لوْ لابسَ الصّخرَ الأصمَّ بعضُ ما

يلقاه قلبي فضَّ أصلادَ الصّفا

إذا ذوي الغصنُ الرطيبُ فاعلمن

أنّ قصاراه نفاد وتوى

شجيتُ لا بلْ أجرضتني غصَّه

عنودها اقتلُ لي من الشجى

إنْ يحمِ عن عيني البكا تجلُّدي

فالقلب موقوف على سبل البكا

لو كانت الأحلام ناجتني بما

ألقاهُ يقظانَ لأصماني الرَّدى

منزلة ما خلتها يرضى بها

لنفسه ذو أدب ولا حجا

شيمُ سحابٍ خلَّب بارقه

وموقفٌ بين أرتجاء ومنّى
(2/13)
________________________________________
في كل يوم منزلٌ مستوبلٌ

يشتفُ ماءَ مهجتي أو مجتوي

ما خلت أن الدّهر يثنني على

ضرَّاء لا يرضى بها ضبُّ الكدى

أرمق العيش على برض فإن

رمت ارتشافاً فارمت صعبَ المنتسى
أراجعٌ لي الدَّهر حولاً كاملاً

إلى الذي عوّد أم لا يزتجي

يا دهر إن لم تك عتبى فائتد

فإنّ إروادك والعتبى سوى

رفه عليّ طالما أنصبتني

واستبقِ بعض ماءِ غصنِ ملتحى

لا تحسبنْ يا دهر أني ضارعٌ

لنكبةٍ تعرقني عرقَ المدى

مارستَ من لو هوت الأفلاك من

جوانب الجوّ عليه ما شكا

لكنها نفثةُ مصدورٍ إذا

جاش لغامٌ من نواحيها غما

رضيت قسراً وعلى القسر رضى

من كان ذا سخط على صرف القضا

إن الجديدين إذا ما استوليا

على جديدٍ أذنياه للبلى

ما كنتُ أدري والزّمان مولعٌ

بشتَّ ملمومٍ وتنكيث قوي

إنّ القضاء قاذفي في هوَّةٍ

لا تستبلُّ نفس من فيها هوى

فإن عثرتُ بعدها غن وألتْ

نفسي من هاتا فقولا لا لعا

وإن تكن مدتها موصولةً

بالحتف سلّطتُ الأسى على الأسا

إنَّ امرأ القيس جرى إلى مدى

فاعتاقه حمامهُ دون المدى

وخامرت نفسُ أبي الجبرِ الجوى

حتى حواه الحتف فيمن قد حوى

وابن الأشجّ القيلُ ساق نفسه

إلى الرَّدى حذار إشمات العدى

واحترم الوضّاح من دون التي

أملّها سيفُ الحمامِ المنتضى

فقد سما قبلي يزيدُ طالباً

شأو العلا فما وهيَ ولا ونى

فاعترضت دون الذي رام وقد

جدّ به الجدُّ الهيمُ الأربى

هل أنا بدعٌ من عرانين علاَ

جار عليهم صرف دهر واعتدى

فإن أنالتني المقاديرُ الذي

أكيده لم آل في رأب الثأى

وقد سما عمرو إلى أوتاره
(2/14)
________________________________________
فاحتطَّ منها كلَّ عالي المستمى

فاستنزل الرَّبَّا قسراً وهي من

عقاب لوح الجوَ أعلى منتمى

وسيفٌ استعلتْ به همتهُ

حتى رمى أبعد شاو المرتمى

فجرّع الأحبوش سمّاً ناقعاً

واحتلّ من غمدان محراب الدُّمى

ثم ابن هند باشرتْ نيرانه

يوم أوراتٍ تميماً بالصلا

ما اعتنّ لي بأس يناجي همتي

إلا تحداهُ رجاءٌ فاكتمى

أليّة باليعملاتِ يرتمى

بها النَّجاء بين أجوزِ الفلا

خوص كأشباح الحنايا ضمرّ

يرعفن بالأمشاج منْ جذب البري

يرسبن في بحر الدُّجى وبالضُّحى

يطفون في الآل إذا الآل طفا

أخفافهنّ من حفّا ومن وجّى

مرثومةٌ تخضبُ مبيض الحصا

يحملن كلّ شاحبٍ محقوقف

من طول تدآب الغدوّ والسُّرى

بارٌّ برى طولُ الطوى جثمانه

فهو كقدحِ النّبع محني القرا

ينوي التي فضلها ربّ العلى

لما دحا تربتها على البنى

حتى إذا قابلها استعبر لا

يملك دمع العين من حيث يرى

ثمّت طاف وانثنى مستلماً

تمَّت جاءَ المروتين فسعى

وأوجب الحجَّ وثنى عمرةً

من بعد ما عجَّ ولبَّى ودعا

ثمَّت راح في الملبين إلى

حيث تحجّى المأزمان ومنى

ثم أتى التعريف يقرو مختباً

مواقفاً بين الآل فالتَّقا

واستأنف السّبع وسبعاً بعدها

والسَّعى ما بين العقابِ والصُّوى

وراح للتَّوديع فيمن راح قد

أحرز أجراً وقلى هجر اَّلغا

بذاك أم بالخيل تعد المرطى

ناشزةً أكتادها قبَّ الكلى

شعثاً تعادى كسراحين الغضا

ميل الحماليق يبارين الش?با

يحملن كلّ شمَّري ياسل

شهم الجنانِ خائضٍ غمر الوغى

يغشى صلا الحربِ بحدَّيه إذا

كان لظى الحرب كريه المصطلى

لو مثّل الحتفُ لهث قرناً لما
(2/15)
________________________________________
صدتهُ عنهُ هيبة ولا انثنى

ولوْ حمى المقدار عنهُ مهجه

لرامها يستبيح ما حمى

تغدو المنايا طائعاتٍ أمرهُ

ترضى الذي يرضى وتأبى ما أبى

بل قسماً بالشمّ منْ يعربَ هل

لمقسمٍ من بعد هذا منتهى

همُ الأولى إن فخروا قال العلا

بفي امرئ فاخركم عفرا البرا

همُ الأولى اجروا ينابيع النّدى

هاميةً لمنْ عرا او اعتفى

همُ الَّذين دوخوا من انتحى

وقوموا منْ صعر ومن صغا

همُ الَّذين جرعوا فما حلّوا

أفارق الضَّيم ممراة الحسا

أزال حشو نثرةِ موضونة

حتى أورى بين أثناءِ الحثى

وصاحبيَّ صارمٌ في متنه

مثلُ مدبّ النّمل يعلو في الرُّبى

أبيض كالملح إذا انتصيته

لم يلق شيئاً حدُّهُ إلاّ فرى

كأنّ بين عيره وغرّ به

مفتأداً تأكلتْ فيه الجذى

يري المنونَ حين تقفو إثرهُ

في ظلمِ الأكبادِ سبلاً لا ترى

إذا هوى في جثةٍ غادرها

من بعدما كانت خساً وهي زكا

ومشرفُ الأقطار خاطٍ نحضهُ

حابى القصيرى جرشعٍ عردُ النسى
قريبُ ما بين القطاة والمطا

بعيد ما بين القذال والصُّلا

سامي التَّليل في دسيع مقعمٍ

رحب اّلليان في أمينات العجى

ركينَ في حواشبٍ مكتنةٍ

إلى نسور مثل نلفوظ النوى

يرضخ بالبيدِ الحصى فإن رقى

إلى الرُّبى أورى بها نارَ الحبا

يديرُ إغليطين في ملمومةٍ

إلى لموحين بألحاظ اللأى

مداخلُ الحلقَ رحيبٌ شجرهُ

مخلولقُ الصَّهوةِ ممسودٌ وأى

لا صككٌ يشينه ولا فجا

ولا دخيسٌ واهنٌ ولا شطا

يجري فتكبوا الرّيح في غاياته

حسرى تلوذ بجراثيم السَّحا

لو اعتسفتَ الأرض فوق متنه

يجوبها ما خفتَ أن يشكو الوجى
(2/16)
________________________________________
تظنهُ وهو يرى محتجباً

عن العيون إن دأى أو إن ردى

إذا اجتهدت نظراً في إثره

قلت سناً أو مض أو برقٌ خفا

كأنمّا الجوزاءٌ في أرساغه

والنجم في جبهته إذا بدا

هما عتادي الكافيان فقد من

أعددتهُ فلينأ عنَّي من نأى

فإن سمعت برحّى منصوبة

للحزب فاعلم أنّني قطب الرَّحى

وإن رأيت نار حرب تلتظى

فاعلم بأني مسعرٌ ذاك اللظى

خيرُ النفوس الَّسائلاتُ جهرةً

على ظباتِ المرهفات والقنا

إنّ العراق لم أفارقْ أهله

عنْ شنآنٍ صدّني ولا قلى

ولا أطّبي عيني مذ فارقتهم

شيءٌ يروق العين من هذا الورى

هم الشَّناخيبُ المنيفاتُ الذرا

والناس أدحالٌ سواهم وهوى

همُ البحور زاخرٌ ادبُّها

والناس ضخضاح ثعابٌ وأضى

إن كنتُ أبصرتُ لهم من بعدهم

مثلاً فأغضيتُ على وخز السّفا

حاشا الأميرينِ الذين أوفدا

عليَّ ظلاَّ منْ نعيمٍ قد ضفا

هما الّلذان أثبتا لي أملاً

قد وقف اليأسُ به على شفا

تلافيا العيش الذي رنَّقه

صرفُ الزّمان فاستساغَ وصفا

وأجريا ماءَ الحيا لي رغداً

فاهتزَّ غصني بعدما كان ذوى

هما الّلذان سموا بناظري

من بعد إغضائي على لذعِ القذى

هما الّلذان عمَّرا لي جانيا

من الرّجاءِ كان قدماً قدْ عفا

وقلّداني منَّهُ لوْ قرنتْ

بشكر أهل الأرض عنّي ما وفى

بالعشر من معشارها وكان كال

حشوة في آديّ بحرِ قد طمى

إنّ ابنَ ميكال الأميرَ انتاشني

من بعدما قد كنتُ كالشيء الّلقا

ومدَّ ضبعيَّ أبو العبّاس من

بعد انقباض الدَّرعِ والباعِ الوزى

ذاك الذي ما زال يسمو للعلا

بفعله حتى علا فوق العلا
(2/17)
________________________________________
لو كان يرقّى أحدٌ بجوده

ومجده إلى السَّماء لارتقى

ما إن أتى بحرَ نداه معتفٍ

على أوارى علم إلا ارتوى

نفسي الفداءُ لأميري ومنْ

تحت السماءِ لأميريّ الفدا

لا زال شكري لهما موصلا

لفظيَ أو يعتاقني صرفُ المنى

إن الأولى فارقتُ من غير قلى

ما زاغ قلبي عنهم وما هفا

لكنَّ لي عزماً إذا امتطيتهُ

لمبهمِ الخطبِ فآهُ فانفأى

ولو أشاءُ ضمَّ قطريه الصَّبا

عليّ في ظلّ نعيم وغنى

ولا عبتني غاذةٌ وهنانة

تضني وفي ترشافها برءُ الضنى

تفري بسيفِ لحظها غن نظرتْ

نظرةَ غضبى منك اثناء الحشا

في خدّها روضٌ من الورد على النَّس

رين بالألحاظِ منها يجتنى

لو ناجتِ الأعصمَ لانحطّ لها

طوعَ القياد في شماريخ الذُّرا

أوْ صابت القانتَ في مخلولقِ

مستصعبٍ المسلكَ وعر المرتقى

ألهاه عنْ تسبيحه ودينه

تأنيسها حتى تراه قد صبا

كأنّما الصّهباء مقطوبٌ بها

ماءُ جنى وردٍ إذا الّليلُ عسا

يمتاحهُ راشفُ بردٍ ريقها

بين بياض الظَّلم منها والَّلمى

سقى العقيق فالحزيز فالملا

إلى النَّحيت فالقريّات الدُّنا

فالمريد الأعلى الذي يلقى به

مصارع الأسد بألحاظ المها

محلَّ كلّ مقرم سمتْ به

مآثر الأباءِ في فرع العلا

من الأولى جوهرهمْ إذا اعتزوا

منْ جوهر منهُ النبيّ المصطفى

صلَّى عليه ما جنَّ الدُّجى

وما جرت في فلك شمس الضحى

جونٌ أعارته الجنوبُ جانباً

منها وواصتْ صوبهُ يدُ الصَّبا

نأى يمانياً فلمَّا انتشرتُ

أحضانهُ وامتدّ كسراه غطا

فجلّل الأفق فكلُّ جانبٍ

منها كأن من قطره المرن حبا
(2/18)
________________________________________
وطبّق الأرض فكل بقعةٍ

منها تقولُ الغيثُ في هاتا ثوى

إذا خبت بروقهُ عنّتْ لها

ريحُ الصَّبا تشبُّ منها ما خبا

وإنْ ونتْ رعودهُ حدا بها

راعي الجنوبِ فحدثْ كما حدا

كأنّ في أحضانهِ وبركهِ

بركاً تداعى بينَ سجر ووحى

لم تر كالمرنِ سواماً بهلاَ

تحتسبهامرعيَّة وهي سدا
تقولُ للأجراز لمّا استوسقتْ

بسوقهِ ثقي بريّ وحيا

فأوسعَ الأحداب سيباً محسباً

وطبّق البطنان بالماءِ الرّوى

كأنما البيداءُ غيبَّ صوبه

بحرٌ طما تيارهُ ثمّ سجا

ذاك الجدا لا زال مخصوصاً به

قوم هم للأرض غيثٌ وجدا

لستُ إذا ما بهظتني غمرةٌ

ممن يقول بلغ السّيلُ الزُّبى

نهنهتها مكظومةً حتى يرى

مخضوضعاً منها الذي كان طغا

ولا أقول إن عرتني نكبةٌ

قول القنوطِ انقدّ في البطن السّلا
قد مارستْ منّي الخطوبُ مارساً

يساورُ الهول إذا الهولُ علا

طمعي شريُّ للعدوّ تارة

والرَّاح والأريُ لمن ودّي ابتغي

لدنٌ إذا لوينتُ سهلٌ معطفي

ألوى إذا خوشنتُ مرهوب الشدّا

يعتصمُ الحلمُ بجنبيْ حبوتي=إذا رياحُ الطّيشِ طارتْ بالحبا
لا يطبيني طمعُ مدنّسٌ

إذا استعمالَ طمعٌ أواطبى

وقد علتْ بي رتباً تجاربي

أشفين بي منها على سباِ النُّهى

إن امرؤٌ خيف لإفراط الأذى

لم يخش مني نزقٌ ولا أذى

من غير ما وهن ولكنّي امرؤٌ

أصونُ عرضاً لم يدنسهُ الطُّخا

وصونُ عرض المرءِ أن يبذلَ ما

ضنّ به ممّا حواهُ وانتضى

والحمد قرن ناجم في زمن

فهو شبيهُ زمن فيه بدا

والناس كالنّبت فمنهمْ رائقٌ

غضَّ نضيرٌ عوده مرُّ الجنى

ومنهُ ما تقتحم العين فإن

ذقت جناه انساغ عذاباً في اللها
(2/19)
________________________________________
يقومُ الشارخُ منْ زيغانهَ

فيستوي ما انعاجَ منهُ وانحنى

والشّيخ إن قومتهُ منْ زيغه

لمْ يقم التثقيفُ منه ما التوى

كذلك الغصن يسيرٌ عطفه

لدناً شديدٌ غمزهُ إذا عسا

من ظلمَ الناس تحاموا ظلمهُ

وعزَّ عنهم جانباه واحتمى

وهم لمنْ لان لهم جانبه

أظلمُ من حيّاتٍ أنباثِ السّفا

عبيدُ ذي المال وإن لم يطمعوا

منْ غمره في جرعه تشفي الصدى
وهم لمنْ أملقَ أعداءٌ وإن

شاركهم فيما أفاد وحوى

عاجمتُ أيامي وما الغرّ كمن

تأزرَ الدَّهرُ عليهِ واعتدى

لا يرفعُ الّلبُّ بلا جدَّ ولا

يحطُّكَ الجهل إذا الجدُّ علا

منْ لم يعظهُ الدَّهر لم ينفعه ما

راحَ به الواعظ يوماً أو غدّاً

من لم تفدهُ عبراً أيامهُ

كان العمى أولى به من الهدى

منْ قاس ما لم يره بما يرى

أراهُ ما يدنو إليه ما نأى

منْ ملكَ الحرصَ القيادَ لم يزل

يكرعُ منْ ماءِ من الذُّلّ صرى

منْ عارض الطماع باليأسِ رنتْ

إليه عينُ العزّ من حيث رنا

منْ عطف النَّفس على مكروها

كان الغنى قرينه حيثُ انتوى

من لم يقف عند انتهاء قدره

تقاصرت عنه فسيحات الخطا

منْ ضيع الحزم جنى لنفسه

ندامةً ألذع من سفع الذَّكا

من ناط بالعجبِ عرى أخلاقه

نيطت عرى المقتِ إلى تلك العرى

منْ طالَ فوقَ منتهى بسطته

أعجزه نيل الدُّنى بله القصا

?من رام ما يعجزُ عنه طوقهُ=ملعبء يوماً آض مجزول المطا
والناس ألفٌ منهمُ كواحد

وواحدٌ كالألف أن أمرق عنى

وللفتى ماله ما قدمتْ

يداه قبل موتهِ لا ما اقتنى

وإنما المرءُ حديثٌ بعده

فكن حديثاً حسناً لمن وعى

إنّي حلبتُ الدّهر شطريه فق
(2/20)
________________________________________
أمرَّ لي حيناً وأحياناً حلا

وفرَّ عن تجربة نابي فقلْ

في بازلٍ راضَ الخطوبَ وامتطى
والناس للموتِ خلاً يلسُّهمْ

وقلّ ما يبقى على الَّلسّ الخلا

عجبت منْ مستيقن أنّ الرّدى

إذا أتاه لا يداوي بالرُّقى

وهو من الغفلةِ في أهويةٍ

كخابط بين ظلام وعشا

نحن ولا كفران لله كما

قد قيل للسّارب أخلى فارتعى

إذا أحسَّ نبأةً ريعَ وإنْ

تطامنتْ عنه تمادى ولها

كثلةٍ ريعت لليثِ فانزوت

حتى إذا غاب اطمأنَّت إنْ مضى

نهالُ للسّير الذي يروعنا

ونرتعي في غفلة إذا انقضى

إن الشقاءَ بالشقيّ مولعٌ

لا يملكُ الرَّدَّ له إذا أتى

والّلوم لحرّ مقيمٌ رادعٌ

والعبدُ لا يردعهُ إلاّ العصا

وآفة العقل الهوى فمن علا

على هواهُ عقله فقد نجا

كم من أخٍ مسخوطة أخلاقه

أضفيتهُ الودَّ لخلق مرتضى

إذا بلوتَ السيَّف محموداً فلا

تذممه يوماً أن تراه قد نبا

والطّرف يجتاز المدى وربّما

عنَّ لمعداهُ عثارٌ فكبا

منْ لك بالمهذَّب النّدبِ الذي

لا يجدُ العيبُ إليهِ مختطى

إذا تصفَّحت أمور الناس لم

تلف امرأَ حاز الكمال فاكتفى

عوّلْ على الصبّر الجميل أنّه

أمنعُ ما لاذ به أولوا الحجا

وعطّفِ النّفس على سبلِ الأسى

إذا استفزّ القلب تبريح الجوى

والدّهر يكبو بالفتى وتارة

ينهضهُ منْ عثرةٍ إذا كبا

لا تعجبنْ من هالكٍ كيف هوى

بلى فاعجبن من سالمٍ كيف نجا

إنّ نجوم المجدِ أمستْ أفّلا

وظلّهُ القالصُ أضحى قد أزى

إلا بقايا منْ أناسٍ بهم

إلى سبيلِ المكرمات يقتدى

إذا الأحاديث انتضتْ أنباءهم

كانت كنشر الرَّوض غاداهُ السَّدى
(2/21)
________________________________________
لا يسمع السّامع في مجلسهم

هجراً إذا جالسهم ولا خنا

ما أنعم العيشة لو أن الفتى

يقبل منه الموتُ أسنّاء الرُّشا

أو لو تحلَّى بالشبّاب عمرهُ

لم يستبله الشَّيبُ هاتيك الحلى

هيهات مهما يستعرّ مسترجعٌ

وفي خطوب الدّهر للناس أسى

وفتية سامرهم طيفٌ السكرى

فسامروا النَّوم وهم غيد الطّلى

والليل ملقٍ بالموامي بركهُ

والعيس ينبئن أفاحيص القطا

بحيث لا تهدي لسمع نبأة

إلاّ نئيمُ البوم أو صوت الصَّدى

شايعتهم على السُّرى حتى إذا

مالت أداةُ الرّحلِ بالحبس الدّرى

قلت لهم إنّ الهوينا غبُّها

وهنٌ فجدُّوا نحمدوا غب السرى

وموحش الأقطار طام ماؤهُ

مدعثر الأعضادِ مزومِ الجبا

كأنما الرّيشُ على أرجائه

زرقُ نصالِ أرهفت لتمتهي

وردتهُ والذئبُ يعوي حولهُ

مسنكُّ سمُّ السمع من طول الطّوى

ومنتجٍ أمُّ أبيهِ أمُّهُ

لم يتخوَّنْ جسمهُ مسّ الضّوى

أفرشتهُ بنتَ أخيه فانثنت

عن ولد يورى به ويشتوى

ومرقبٍ مخلولقٍ أرجاؤهُ

مستصعب المسلكِ وعرِ المرتقى

والشّخص في الآل يرى لناظر

ترمقه حيناً وحيناً لا يرى

أوفيت والشّمس تمجُّ ريقها

والضّلُّ من تحت الحذاءِ محتذى

وطارقٍ يؤنسهُ الذّئب إذا

تضورّ عشاءً وانضوى

آوى إلى ناريَ وهيَ مألفٌ

يدعو العفاةَ ضوؤها إلى القرى

لله ما طيفُ خيال زائرٍ

تزفُّهُ للقلب أحلام الرُّؤى

يجوبُ أجواز الفلا محتقراً

هول دجى الّليل إذا الّليل انبرى

سائلهُ إن أفصح عن أنبائه

أنّى تسدَّى الليل أن أنّى اهتدى

أو كان يدري قبلها ما فارسٌ

وما مواميها القفار والقرّى

وسائلي بمزعجي في وطني

ما ضاق بيَ جنابهُ ولا نبا
(2/22)
________________________________________
قلتُ القضاءُ مالكٌ أمرَ الفتى

من حيث لا يدري ومن حيث درى
لا تسألني واسأل المقدارَ هل

يعصمُ منه وزرُ ومزدرى

لا بدّ أن يلقى امرؤٌ ما خطه

ذو العرش مما هو لاقٍ ووحي

لا غرو إن لح زمان جائرٌ

فاعترق العظم الممخّ وانتقى

فقد ترى القاحلَ مخصرّاً وقد

تلقى أخا الأقتارِ يوماً قد نما

يا هؤليّا هلْ نشدتنَّ لنا

ناقية البرقع عن عيني طلا

ما أنصفتْ أم الصَّبيَّين التي

أصبتَ أخا الحلم ولما يصطبى

استحي بيضاً بين أفوادك أن

يقتادك البيضُ اقتياد المهتدى

هيهات ما أسفعَ هاتا زلّةً

أطرباً بعدَ المشيب والجّلا

ياربَ ليل جمعتْ قطريهِ لي

بنتُ ثمانين عروساً تجتلى

لم يملك الماُء عليها أمرها

ولم يدنسها الضَّرام المحتضى

حيناً هي الدَّاء وأحياناً بها

من دائها إذا يهيج يشتفى

قد صانها الخمارُ لمّا اختارها

ضنّا بها على سواها واختبى

فهي ترى من طول عهدٍ أن بدت

في كاسها الأعين الناس كلا

كأنّ قرن الشّمس في ذرورها

بفعلها في الصَّحن والكاس اقتدى

نازعتها أروع لا تسطو على

نديمهِ شرَّتهُ إذا انتشى

كأن نور الرّوض نظمُ لفظه

مرتجلاً أو منشداً أو إن شدا

من كلّ ما نال الفتى قد نلته

والمرءُ يبقى بعده حسن الثّنا

فإن أمت فقد تناهت لذّتي

وكلُّ شيء بلغ الحدّ انتهى

وغن اعش صاحبت دهري عالماً

بما انطوى من صرفهِ وما انتشى
حاشا لما أساره فيّ الحجا

والحلم أن أتبع رواد الخنا

أو أن أرى لنكبة مختضعاً

أو لابتهاج فرحاً ومزدهى

وقال المثقب العبدي الجاهلي المتوفى سنة 587 م من قصيدة
لا تقولنّ إذا ما ترد

أن تتمّ الوعد في شيء (نعم)
(2/23)
________________________________________
حسن قول (نعم( من بعد (لا)

وقبيح قول (لا) بعد (نعم)

إن (لا) بعد (نعم) فاحشةٌ

فبلا فابدأ إذا خفت الندم

وإذا قلت نعم فاصبر لها

بنجاز الوعد إن الخلفَ ذم

اكرم الجار وراعٍ حقّه

إن عرفان الفتى الحقَّ كرم

لا تراني راتعاً من مجلسِ

في لحوم الناس كالسّبع الضّرم
إن شرّ الناس من يمدحني

حين يلقاني وإن غبت شتم

وكلام سيءِ قد وقرت

عنه أذناي بي من صمم

ولبعضُ الصفح والأعراض عن

ذي الخنا أبقى وإن كان ظلم

وقال الأفوه الأودي الجاهي المتوفى سنة 570 م
البيت لا يبتنى إلا على عمد

ولا عماد إذا لم ترسُ أوتاد

فإن تجمَّع أوتاد وأعمدة

يوماً فقد بلغوا الأمر الذي كادوا

لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم

ولا سراة إذا جهّالهم سادوا

تهدى الأمور بأهل الرأي ما صلحت

فإن تولّت فبالأشرار تنقاد

إذا تولى سراة الناس أمرهم

نما على ذاك أمر القوم فازدادوا

كيف الرشاد إذا ما كنت في بقر

لهم عن الرّشد أغلال وأقياد

أعطوا غواتهمُ جهلاً مقادتهم

فكلهم في حبال الفيّ منقاد

وقال الإمام علي كرم الله وجهه
أما والله الظَّلم شؤمق

ولا زال المسيءُ هو الظّلومُ
إلى الدّيان يوم الدين نمضي

وعند الله تجتمع الخصوم

ستعلم في الحساب إذا التقينا

غداً عند المليك من الملوم

ستنقطع الّلذاذةُ عن أناسٍ

من الدُّنيا وتنقطع الهموم

لأمر تصرّمت الليالي

لأمرٍ ما تحرّمت النّجوم

سل الأيّام عن أمم تقضّتْ

ستنبيك المعالم والرُّسوم

تروم الخلد في دار الدّنايا

فكم قد رام غيرك ما تروم

تنام ولم تنم عنك المنايا

تنبّه للمنيّة يا نؤوم

لهوت عن الفناء وأنتَ تفنى

فما شيءٌ من الدُّنيا يدوم

تموت غداً وأنت قرير عين
(2/24)
________________________________________
من الشّهوات في لجج تعوم

وقال أيضاً
عليك ببّر الوالدين كليهما

وبرّ ذوي القربى وبرّ الأباعد

ولا تصحبن إلاّ تقيّا مهذباً

عفيفاً ذكياً منجزاً للمواعد

وقارن إذا قارنتَ حرّاً مؤدباً

فتى من بني الأحرار زين المشاهد
وكفّ الأذى واحفظ لسانك واتّق

فديتك في ودّ الخليل المساعد

ونافس ببذل المال في طلب العلى

بهمّة محمود الخلائق ماجد

وكن واثقاً بالله في كل حادثٍ

يصنكَ مدى الأيام من شرّ حاسد

وبالله فاستعصم ولا ترجُ غيره

ولا تكُ في النّعماءِ عنه بجاحد

وغضّ عن المكروه طرفك واجتنبْ

أذى الجارِ واستسمك بحبل المحامد

ولا تبينِ في الدُّنيا بناءَ مؤمل

خلوداً فما حيَّ عليها بخالد

وقال أيضاً
قدَّم لنفسك في الحياة تزوَّداً

فلقد تفارقها وأنت مودّع

واهتم للسّفر القريب فإنه

أنأى منَ السَّفر البعيد وأشنعُ

واجعل تزودُّدك المخافة والتُّقى

فلعلّ حتفك في مسائك أسرعُ

واقنع بقوتك فالقناع هو الغنى

والفقر مقرون بمن لا يقنع

وأحذر مصاحبة اللئام فإنهم

منعوك صفو ودادهم وتصنّعوا

أهلُ المودّة ما أنلتهمُ الرَّضا

وإذا منّعت فسمُّهم لك منقّع

لا تفش سراً ما استطعت إلى امرئ

يفشى إليك سرائراً يستودع

فكما تراه بسّرٍ غيرك صانعاً

فكذا بسرّك لا محالة يصنع

لا تبدأن بمنطق في مجلس

قبل السُّؤال فإن ذلك يشنع

فالصمت يحسنُ كل ظنّ بالفتى

ولعلهُ خرقٌ سفيهٌ أرقع

ودع المزاحَ قربَّ لفظةِ مازحٍ

جلبت إليك بلابلاً لا تدفع

وحفاظَ جارٍ لا تضعهُ فإنه

لا يبلغُ الشرفَ الجسيمَ مضيّع

وإذا استقالك ذو الإساءةِ عثرةً

فأقلهُ إن ثواب ذلك أوسع

وإذا ائتمنت على السّرائر فاخفها
(2/25)
________________________________________
واستر عيوب أخيك حين تطلَّع

لا يجزَعنَّ الحوادث إنما

خرقُ الرّجال عن الحوادث يجزع
وأطعْ أباك بكل ما أوصى به

إن المطيع أباه لا يتضعضعُ

وقال أيضاً
صن النّفس واحملها على ما يزينها

تعشْ سالماً والقول فيك جميلُ

ولا تريَّن الناسَ إلا تجملاً

نبا بك دهرٌ أو جفاك خليل

وإن ضاق رزق اليوم فاصبر إلى غدٍ

عسى نكبات الدّهر عنك تزول

يعزُّ غنيُّ النّفس إن قلّ مالهُ

ويفنى غنيُّ المال وهو ذليل

ولا خير في وُدّ امرئٍ متلونٍ

إذا الرّيح مالت مال حيث تميل

جوادٌ إذا استغنيت عن أخذِ مالهِ

وعند احتمال الفقر عنك بخيل

فما أكثر الأخوان تعدُّهم

ولكنّهم في النائباتِ قليل

وقال عبد الله بن جعفر الطالبي المتوفى سنة 80 ه?
إذا كنتَ في حاجةٍ مرسلاً

فأرسلْ حكيماً ولا توصهِ

وإن بابُ أمرٍ عليك التوى

فشاورْ لبيباً ولا تعصهِ

وإن ناصحٌ منكَ يوماً دنا

فلا تنأ عنهُ ولا تقصهِ

ولا تذكر الدهرَ في مجلسٍ

حديثاً إذا أنت لم تحصهِ

ونص الحديث إلى أهلهِ

فإن الأمانةَ في نصّه

وكم من فتى عازبٍ لبهُ

وقد تعجبُ العينُ من شخصهِ
وآخرَ تحسبهُ أنوكاً

ويأتيكَ بالأمرِ من فصهِ

وقال أبو الأسود الدؤلي
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه

فالقوم أعداءٌ له وخصومُ

وترى اللبيبَ محسداً لم يجترم

شتمَ الرّجال وعرضهُ مشتوم

وكذاكَ من عظمتْ عليه نعمةٌ

حساده سيفٌ عليه صروم

فاترك مجاراة السّفيه فإنها

ندمٌ وغبٌّ بعد ذاك وخيم

فإذا جريتَ مع السّفيه كما جرى

فكلاَ كما في جرْيه مذموم

وإذا عتبتَ على السّفيه ولمتهُ

في مثل ما تأتي فأنت ظلوم

أيها الرجلُ المعلّم غيره
(2/26)
________________________________________
هلا لنفسك كان ذا التعليم

تصفُ الدّواءَ وذي السّقام وذي الضّنى

كيما يصحُّ به وأنت سقيم

وأراك تصلحُ بالرّشاد عقولنا

أبداً و أنت من الرّشاد عقيم

لا تنه عن خلقٍ وتأتي مثله

عارٌ عليك إذا فعلت عظيم

ابدأ بنفسك فانهها عن غيّها

فإذا انتهتْ عنه فأنت حكيم

فهناك يقبلُ ما وعظتَ ويقتدى

بالعلم منك وينفع التّعليم

لا تكلمنْ عرض بن عمّك ظالماً

فإذا فعلتَ فعرضك المكلوم

وحريمه أيضاً حريمك فاحمهِ

كيلا يباع لديك منه حريم

وإذا اقتصصت من ابن عمّك كلمةً

فكلومهُ لك إن علقتَ كلوم

وإذا طلبت إلى كريم حاجةً

فلقاؤه يكفيك والتّسليم

فإذا رآك مسلّماً ذكر الذي

كلّمتهُ فكأنه ملزوم

ورأى عواقب حمدِ ذاك وذمّه

للمرء تبقى والعظام رميم

فارجُ الكريم وإن رأيتَ جفاءه

فالعتب منه والكريم كريم

إن كنتَ مضطرّاً وإلا فاتخذْ

نفقاً كأنك خائفٌ مهزوم

واتركه واحذر أن تمرّ ببابه

دهراً وعرضك إن فعلتَ سليم

فالناس قد صاروا بهائم كلُّهم

ومن البهائم قائلٌ وزعيم

عميٌ وبكمٌ ليس يرجى نفعهم

وزعيمهم في النّائبات مليم

وإذا طلبتَ إلى لئيم حاجة

فألحّ في رفقٍ وأنت مديم

والزم قبالةَ بيته وفنائه

بأشدّ ما لزمَ الغريَم غريمُ

وعجبت للدّنيا ورغبة أهلها

والرّزق فيما بينهم مقسوم

والأحمق المرزوقُ أعجبُ من أرى

من أهلها والعاقلُ المحروم

ثم انقضى عجبي لعلمي أنّه

رزقُ موافٍ وقتهُ معلوم

وقال العباس بن مرداس المتوفى سنة 16ه?
ترى الرجلَ النّحيف فتزدريه

وفي أثوابه أسدٌ مزيرُ

ويعجبك الطّرير فتبتليه

فيخلف ظنّك الرّجل الطرير
(2/27)
________________________________________
فما عظمُ الرّجال لهم بفخر

ولكن فخرهم كرمٌ وخير

بغاثُ الطّير أكثرها فراخاً

وأم الصَّقر مقلاتٌ نزور

ضعافُ الطّير أطولها جسوماً

ولم تطل البزاة ولا الصُّقور

لقد عظم البعير بغير لبّ

فلم يستغن بالعظم البعير

يصرّفه الصبيّ بكل وجهٍ

ويحسبه على الخسف الجرير
فإن أك في شراركم قليلاً

فإني في خياركم كثير

وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه
دع الأيّام تفعل ما تشاءُ

وطب نفساً إذا حكم القضاءُ

ولا تجزع لحادثة الليالي

فما لحوادث الدنيا بقاء

وكن رجلاً على الأهوال جلداً

وشيمتك السماح والسّخاء

يغطّى بالسّماحة كلّ عيب

وكم عيب يغطّيه السّخاء

ولا حزنٌ يدوم ولا سرور

ولا بأسٌ عليك ولا رخاء

ولا تريَ الأعادي قط ذلاًّ

فإن شماتة الأعدا بلاء

ولا ترجُ السّماحة من بخيل

فما في النار للظّمآن ماء

ورزقك ليس ينقصه التأنّي

وليس يزيد في الرّزق العناء
إذا ما كنت ذا قلب قنوع

فأنتَ ومالكُ الدنيا سواء

ومن نزلت بساحته المنايا

فلا أرضٌ تقيهِ ولا سماء

وأرض الله واسعة ولكن

إذا نزل القضا ضاق الفضاء
دع الأيام تغدر كلّ حين

ولا يغني عن الموت الدواء

وقال عبدة بن الطيب المتوفى سنة 39 ه?
أبنيَّ إني قد كبرتُ ورابني

بصري وفّي لمنظرٌ مستمتعُ

أوصيكم بتقى الإله فإنّه

يعطي الرغائب من يشاءُ ويمنع

وببّر والدكم وطاعة أمره

إن الأبرّ من البنين الأطوعُ

إنّ الكبير إذا عصاهُ أهله

ضاقت يداهُ بأمره ما يصنع

ودعوا الضّغائن لا تكن من شأنكم

إن الغضائن للقرابة توضع

يزجي عقاربه ليبعث بينكم

حرباً كما بعث العروقَ الأخدع

إن الذين ترونكم إخوانكم

يشفي غليل صدورهم أن تصرعوا
(2/28)
________________________________________
وإذا مضيتُ إلى سبيلي فابعثوا

رجلاً له قلب حديد أصمع

إنّ الحوادث تخترِمنَ وإنما

عمر الفتى في أهله مستودع

يسعى ويجمعُ جاهداً مستهتراً

جدَّا وليس بآكل ما يجمع

وقال قيس بن الخطيم المتوفي سنة 612 م من قصيدة
وما بعض الإقامة في ديار

يهان بها الفتى إلا بلاءُ

وبعضُ خلائق الأقوام داءُ

كداء البطن ليس له دواءُ

يريدُ المرءُ أن يعطي مناهُ

ويأبى الله إلا ما يشاءُ

وكل شديدة نزلت بقوم

سيأتي بعد شدّتها رخاءُ

ولا يعطى الحريص غنى لحرص

وقد يمنى على الجود الثَّراء

غنيُّ النفس ما عمرتْ غنيٌّ

وفقرُ النّفس ما عمرتْ شقاءُ

وليس بنافع ذا البخل مالٌ

ولا مزر بصاحبه السّخاء

وبعض الدواء ملتمسٌ شفاءً

وداءُ النوك ليس له إناء

وبعض القول ليس له غناجٌ

كمحضِ الماءِ ليس له إناء

ولم أرى كامرئٍ يدنو لخسفٍ

له في الأرض سيرٌ واستواء

يصوغ لك اللسان على هواهُ

ويفضحُ أكثر القيل البلاء

ألا من مبلغ الشعراءِ عني

فلا ظلم لديّ ولا ابتداء

ولستُ بغائظِِ الأكفاء ظلماً

وعندي للملمّاتِ اجتراء

وقال صالح بن عيد القدوس المتوفى سنة 855 ه??
المرء يجمعُ والزّمان يفرقُ

ويظل يرقع والخطوب تمزّقُ

لأن يعادي عاقلاً خيٌر له

من أن يكون له صديقٌ أحمق

فاربأ بنفسك أن تصادق أحمقاً

إن الصّديق على الصّديق مصدق
وزن الكلام إذا نطقت فإنما

يبدي عقول ذي العقول المنطق

ومن الرّجال إذا استوت أخلاقهم

من يستشار إذا استشيَر فيطرق

حتى يحلَّ بكل وادٍ قلبه

فيرى ويعرف ما يقول فينطق

لا ألفينّك ثاوياً في غربةٍ

إن الغريب بكل سهم يرشق

ما النّاس إلا عاملان فعامل

قد مات من عطش وآخر يغرق
(2/29)
________________________________________
والناس في طلب المعاش وإنما

بالجدّ يرزق منهم من يرزق

لو يرزقون الناسُ حسب عقولهم

ألفيت أكثر من ترى يتصدَّق

لكنه فضل المليك عليهم

هذا عليه موسعُ ومضيّق

وإذا الجنازة والعروس تلاقيا

ورأيت دمع نوائحٍ يترقرق

سكت الذي تبع العروس مبهتاً

ورأيت من تبع الجنازة ينطق

وإذا امرؤٌ لسعته أفعى مرة

تركتهُ حين يجر حبل يفرق

بقيَ الذين إذا يقولوا يكذبوا

ومضى الذين إذا يقولوا يصدقوا
وقال أيضاً
صرمتْ حبالكَ بعد وصلك زينبُ

والد?ّهر فيه تصرمٌّ وتقلبُ

وكذاك وصلُ الغانيات فإنهُ

آلٌ ببلقعةٍ وبرقٌ خلبُ

فدع الصّبا فلقد عداك زمانه

واجهدْ فعمر مرّ منه الأطيبُ

ذهب الشّباب فما له من عودةٍ

وأتى المشيب فأين منهُ المهرب

دع عنك ما قد فات في زمن الصّبا

واذكرْ ذنوبكَ وابكها يا مذنب

واخش مناقشة الحسابِ فإنّه

لا بدّ يحصى ما جنيتَ ويكتب

والليل فاعلم والنهار كلاهما

أنفاسنا فيه تعدُّ وتحسب

لم ينسهُ الملكان حينَ نسيتهُ

بل أثبتاه وأنت لاهٍٍ تلعب

والرُّوح فيك وديعة أودعتها

ستردُّها بالرغَّم منك وتسلبُ

وغرور دنياك التي تسعى لها

دار حقيقتها متاع يذهب

وجميع ما حصلته وجمعته

حقّاً يقيناً بعد موتك ينهب

تبَّاً لدار لا يدوم نعيمها

ومشيدها عمّا قليل يخرب

فاسمع هديتَ نصائحاً أولاكها

برٌّ نصوح للأنام مجرّب

أهدى النصيحة فاتعظ بمقاله

فهو التقيُّ اللّوذعيُّ الأدرب

لا تأمن الدّهرَ الخؤون لأنه

ما زالت قدماً للرجال يهذّب

وكذلك الأيام في غصاتها

مضضٌ يذلُّ له الأعزّ الأنجب

ويفوز بالمال الحقيرُ مكانةً

فتراه يرجى ما لديه ويرغب

ويسرُّ بالتّرحيب عند قدومه
(2/30)
________________________________________
ويقامُ عند سلامه ويقرَّب

فاقنعْ ففي بعض القناعة راحة

ولقد كسي ثوبَ المذلَّة أشعب

?لا تحرصنّ فالحرص ليس بزائدٍ=في الرّزق بل يشقي الحريص ويتعب
كم عاجزٍ في الناس يأتي رزقهُ

رغداً ويحرمُ كيس ويخيّب

فعليك تقوى الله فالزمها تفزْ

إن التقيَّ هو البهيُّ الأهيب

واعملْ بطاعته وتنلْ منه الرضا

إن المطيع لربّه لمقرَّب

أدّ الأمانة والخيانة فاجتنب

واعدل ولا تظلم يطيبُ المكسبُ

واحذر من المظلوم سهماً صائباً

واعلم بأن دعاءهُ لا يحجب

واخفض جناحك للأقارب كلّهم

يتذللٍ واسمح لهم إن أذنبوا

وإذا بليتَ بنكبة فاصبر لها

من ذا رأيتَ مسلماً لا ينكب

وإذا أصابك في زمانك شدَّةٌ

وأصابك الخطبُ الكريهُ الأصعب

فادعُ لربّك إنه أدنى لمن

يدعوه لحبل الوريد وأقرب

واحذر مؤاخاة الدَّني لأنه

يعدي كما يعدي الصحيحَ الأجرب

واختر صديقك واصطفيه تفاخراً

إن القرينَ إلى المقارن ينسبُ

ودع الكذوب ولا يكن لك صاحباً

إن الكذوب لبئس خلاًّ يصحبُ

وذرِ الحقودُ وإن تقادم عهدهُ

فالحقدُ باقٍ في الصُّدور مغيَّب

واحفظ لسانك واحترز لفظه

فالمرءُ يسلم باللسان ويعطب

وزن الكلام إذا نطقت ولا تكن

ثرثارةً في كل ناد تخطب

والسرّ فاكتمه ولا تنطق به

فهو الأسيُر لديك إذ لا ينشبُ

واحرص على حفظ القلوب من الأذى

فرجوعها بعد التنافر يصعب

إن القلوب إذا تنافر ودها

شبهُ الزجاجة كسرها لا يشعب

واحذر عدوّك إذ تراه باسماً

فالليثُ يبدو نابهُ إذ يغضب

وإذا الصّديق رأيته متملقاً

فهو العدوُّ وحقُّه يتجنب

لا خير في ودّ امرئ متملّق

حلو اللّسان وقلبه يتلّهب
(2/31)
________________________________________
يعطيك من طرف اللّسان حلاوة

ويروغِ منك كما يروغ الثعلب

يلقاك يحلف أنه بك واثقٌ

وإذا توارى عنك فهو العقرب

إذا رأيت الرّزق ضاق ببلدة

وخشيت فيها أن يضيق المكسب

فارحل فأرض الله واسعة الفضا

طولاً وعرضاً شرقها والمغرب
???????????????وقال أبو الفتح البستني المتوفي سنة 1122 ه?
زيادة المرء في دنياه نقصانُ

وربحه غير محض الخير خسران

وكلُّ وجدان حظّ لا ثبات له

فإن معناه في التحقيق فقدان

يا عامراً لخراب الدهر مجتهداً

بالله هل لخرابِ العمر عمران

ويا حريصاً على الأموال تجمعها

أنسيتَ أن سرور المال أحزان

دع الفؤاد عن الدّنيا وزينتها

فصفوها كدر والوصل هجران

وأرعِ سمعك أمثالاً افصلها

كما يفضّل ياقوت ومرجان

أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم

فطالما استعبدَ الإنسانَ إحسان

يا خادم الجسم كم تسهى لخدمته

أتطلب الرّبح ممّا فيه خسران

أقبل على النفس واستكمل فضائلها

فأنت بالنّفس لا بالجسم إنسان

وكن على الدّهر معواناً لذي أملٍ

يرجو نداك فإن الحرّ عنوان

واشدد يدك بحبل الله معتصماً

فإنه الركنُ إن خانتك أركان

من يتق الله يحمد من عواقبه

ويكفه شرّ من عزُّوا ومن هانوا

من استعان بغير الله في طلب

فإنَّ ناصره عجزٌ وخذلان

من كان للخير منَّاعاً فليس له

على الحقيقة إخوانٌ وأخدان

من جاد بالمال مال الناس قاطبة

إليه والمال للإنسان فتَّان

من سالم النَّاس يسلم من غوائلهم

وعاش وهو قرير العين جذلان

من كان للعقل سلطان عليه غدا

وما على نفسه للحرص سلطان

ومن مد طرفاً بفرط الجهل نحو هوى

أغضى على الحقّ يوماً وهو خزيان

من استشار صروف الدهر قام له
(2/32)
________________________________________
على حقيقة طبع الدهر برهان

من يزرع الشر يحصد في عواقبه

ندامة ولحصد الزَّرع إبَّان

ومن استنام على الأشرار نام وفي

قميصه منهم صلٌّ وثعبان

كن ريّق البشر إن الحرّ همته

صفيحة وعليها البشرُ عنوان

ورافق الرّفق في كل الأمور فلم

يندم رفيقٌ ولم يذممهُ إنسان

ولا يغرنك حظٌّ جرّه خرقٌ

فالخرقُ هدم ورفق المرءِ بنيان

أحسن إذا كان إمكانٌ ومقدرة

فلن يدوم على الإحسان إمكان

فالروض يزدان بالأنوار فاغمه

والحرُّ بالعدل والإحسان يزدان

صنْ حرّ وجهك لا تهتك غلالته

فكلُّ حرّ لحرّ الوجه صوّان

دع التكاسل في الخيرات تطلبها

فليس يسعد بالخيراتِ كسلان

لا ظلّ للمرءِ يعرى من نهى وتقى

وإن أظلّتهُ أوراق وأفنان

والناس أعوانُ من والته دولته

وهم عليه إذا عادتهُ أعوان

سبحان من غير مال باقلٌ حصرٌ

وباقلٌ في ثراء المال سبحان

لا تودع السرّ وشاء بهِ مذلاً

فما رعى غنماً في الدَّوّ سرحان

لا تحسبِ الناس طبعاً واحداً فلهم

غرائز لستَ تحصيهنّ ألوان

ما كلّ ماءٍ كصداءٍ لوارده

نعم ولا كلُّ نبت فهو سعدان

لا تخدشنّ بمطل وجهَ عارفة

فالبُّر يخدشه مطلٌ وليّان

لا تستشر غيرَ ندب حازمٍ يقظ

قد استوى فيه أسرارٌ وإعلان

فللتّدابير فرسان إذا ركضوا

فيها أبرُّوا كما للحرب فرسان

وللأمور مواقيتٌ مقدّرة

وكل أمرٍ له حدٌّ وميزان

فلا تكن عجلاً في الأمر تطلبه

فليس يحمدُ قبل النُّضج بحران

كفى للعيش ما قد سدّ من عوزٍ

ففيه للحرّ قنيانٌ وغنيان

وذو القناعةِ راضٍ من معيشته

وصاحبُ الحرص إن أثرى فغضبان
حسب الفتى عقله خلاًّ يعاشرهُ
(2/33)
________________________________________
إذا تحاماه إخوانٌ وخلاَّن

هما رضيعا لبان حكمةٌ وتقى

وساكنا وطن مالٌ وطغيان

إذا نبا بكريم موطنٌ فله

وراءه في بسيط الأرض أوطان

يا ظالماً فرحاً بالعز ساعده

إن كنت في سنةٍ فالدَّهر يقظان

ما استمرأ الظلم لو أنصفت آكلهُ

وهل يلذُّ مذاق المرء خطبان

يا أيها العالم المرضيُّ سيرتهُ

أبشر فأنت بغير الماء ريان

ويا أخ الجهل لو أصبحت في لججٍ

فأنت ما بينها لاشكَّ ظمآن

لا تحسبنَّ سروراً دائماًُ أبداً

من سرّهُ زمن ساءته أزمان

يا رافلاً في الشَّباب الوحف منتشياً

من كأسه هل أصاب الرُّشد نشوان
لا تغترر بشباب رائقٍ خضل

فكم تقدم قبل الشَّيب شبّان

ويا أخا الشَّيب لو ناصحت نفسك لم

يكن لمثلك في الإسراف إمعان

هب الشَّبيبة تُبلى صاحبها

ما غذرُ أشيب يستهويه شيطان

وكلُّ كسرٍ فإنَّ الدّين يجبرهُ

وما لكسر قناةِ الدّين جبران

?وقال ابن أبي بكر المقري المتوفى سنة 1001 ه?
زيادة القول تحكي النّقص في العمل

ومنطق المرءِ قد يهديه للزّللِ

إن اللّسان صغيرٌ جرمهُ وله

جرمٌ كبيرٌ كما قد قيل في المثل

عقل الفتى ليس يغني عن مشاورةٍ

كحدَّة السَّيف لا تغني عن البطل

إن المشاور إما صائبٌ غرضاً

أو مخطئٌ غير منسوب إلى الخطل
لا تحقر الرّأي يأتيك الحقير به

فالنحلُ وهو ذبابٌ طائر العسل

ولا يغرنك ودٌّ من أخي أمل

حتى تجربه في غيبة الأمل

لا تجزعنّ لخطب ما به حيلٌ

تغنى وإلا فلا تعجز عن الحيل

وقدرُ شكر الفتى لله نعمتهُ

كقدرِ صبِر الفتى للحادث الجلل

وإن أخوف نهج ما خشيت به

ذهاب حريةٍ أو مرتضى عمل

لا تفرحنّ بسقطات الرجال ولا

تهزأ بغيرك واحذر صولة الدُّول
(2/34)
________________________________________
أحقّ شيءٍ بردّ ما تخالفه

شهادةُ الدّين فافهم صنعة الجدل

وقيمة المرءِ ما قد كان يحسنهُ

فاطلب لنفسك ما تعلو به وصل

وكلُ علم جناه ممكنٌ أبداً

إلاّ إذا اعتصم الإنسانُ بالكسل

والمال صنهُ وورثهُ العدوّ ولا

تحتج حياتك للإخوان في الأكل

فخير مالِ الفتى مال يصون به

عرضاً وينفقهُ في أشرف السُّبل

وأفضل البّر مالاً منَّ يتبعهُ

ولا تقدّمه شيءٌ من المطل

فإنما الجود بذلٌ لم تكلف به

صنعاً ولم تنتظر فيه جزا رجل

إن الصنائع أطواق إذا شكرت

وإن كفرت فأغلال لمنتحل

وإن عندي الخطا أفضل من

إصابةٍ حصلت بالمنع والبخل

خير من الخير مسديهِ إليك كما

شرٌ من الشرّ أهل المطل والدَّخل

ظواهرُ العتب للإخوان أيسر من

بواطن الحقدِ في التّسديد للخلل

***
دعِ الجموحَ وسامحهُ تغظهُ ولا

تصحب سوى السّمح واحذر سقطة العجل
والقَ الأحبّة والإخوان قطعوا

حبلَ الوداد بحبل منك متصل

فأعجزُ الناس حرٌ ضاع من يده

صديق ودّ فلم يردده بالحيل

من يقظةٍ بالفتى إظهارُ غفلته

مع التحفُّظ من غدرٍ ومن ختل

وكن مع الخلق ما كانوا لخالقهم

واحذر معاشرة الأوغاد والسّفل

واخش الأذى عند إكرام اللّئيم

تخشى الأذى إن أهنت الحرّ ذا النّبل

واصبر لواحدة تأمن توابعها

فربما كانت الصُّغرى من الأول

ولا يغرَّنك من مرقّى سهولتهُ

فربما ضقتَ ذرعاً منه في النُّزُل

*** ??من المروءة تركُ المرء شهوتهُ=فانظر لأيهما آثرت فاحتمل شرُّ الورى من بعيب الناس مشتغل=مثلُ الدُّباب يراعي موضعَ العلل
لو كنت كالرّمح في الأعمال معتدلاً

لقالت الناسُ هذا غيرُ معتدل

يا ظالماً جار فيمن لا نصير له
(2/35)
________________________________________
إلا المهيمنُ لا تغترّ بالمهل

غداً تموت ويقضي الله بينكما

بحكمه الحقّ لا بالزّيغ والميل

وإن أولى الملا بالعفو أقدرهم

على العقوبة إن يظفر بذي زلل

وقال تقي الدين أبو بكر بن حجة الحموي المتوفى سنة 837 ه?
"أرجوزة استخلصها من كتاب الصادح والباغم"
العيشُ بالرزق والتّقدير

وليس بالرأي ولا والتدبير

في الناس من تسعدهُ الأقدار

وفعلهُ جميعهُ إدبار

من عرف الله أزال التُّهمة

وقال كلُّ فعلهِ للحكمة

من أنكر القضاءَ فهو مشرك

إن القضاء بالعباد أملكُ

ونحن لا نشرك بالله ولا

نقنط من رحمته إذ نبتلى

عارٌ علينا وقبيحُ ذكرِ

أن نجعل الكفرَ مكان الشكر
وليس في العالِم ظلمٌ جاري

إذ كان ما يجري بأمرِ الباري

وأسعدُ العالِم عند الله

من ساعد الناسَ بفضل الجاه

ومن أغاث البائس الملهوفا

أغاثهُ الله إذا أخفيا

إنّ العظيمَ يدفع العظيما

كما الجسيم يحمل الجسيما

فإنّ من خلائق الكرام

رحمةَ ذي البلاء والأسقام

وإنّ من شرائط العلو

العطفَ في البؤس على العدو

قد قضت العقول أنّ الشفقة

على الصديق والعدوّ صدقه

وقد علمتَ واللبيب يعلم

بالطبع لا يرحم من لا يرحم

فالمرءُ لا يدري متى يمتحن

فإنه في دهره مرتهن

وإن نجا اليومَ فما ينجو غداً

لا يأمن الآفات إلا ذو الرَّدى

لا تغْترِر بالخفض والسلامة

فإنما الحياة كالمدامه

والعمرُ مثل الكأسِ والدَّهر القدر

والصفو لا بدَّ له من الكدر

وكلُّ إنسان فلا بدَّ له

من صاحب يحمل ما أثقلهُ

جهد البلاء صحبة الأضداد

فإنها كيٌّ على الفؤاد

أعظم ما يلقى الفتى من جهد

أن يبتلى في جنسهِ بالضَّدّ

فإنما الرّجال بالإخوان
(2/36)
________________________________________
واليد بالساعد والبنان

لا يحقر الصُّحبة إلا جاهل

أو مارقٌ عن الرّشاد غافل

صحبةُ يوم نسبٌ قريب

وذمَّة يحفظها اللّبيب

وموجب الصّداقة المساعدة

ومقتضى المودَّة المعاضدة

لا سيّما في النوب الشدائد

والمحن العظيمة والأوابد

فالمرءُ يحيي أبداً أخاه

وهو إذا ما عدّ من أعداه

إن من عاشر قوماً يوماً

ينصرهم ولا يخاف لوما

وإن من حارب من لا يقوى

لحربه جر إليه البلوى

فحارب الأكفاءَ والأقرانا

فالمرء لا يحارب السلطانا

واقنع إذا حاربت بالسلامة

واحذر فعالاً لا توجب النَّدامة

فالتاجر الكيّس في التجارة

من خاف من متجره الخسارة

يجهد في تحصيل رأس ماله

ثم يروم الّربح باحتياله

وإن رأيت النّصر قد لاح لكا

فلا تقصر واحترْز أن تهلكا

واسبق إلى لأجود سبق الناقدِ

فسبقك الخصم من المكايد

وانتهز الفرصة إن الفرصة

تصير إن لم تنتهزها غصّة

كم بطر الغالب يوماً فترك

عنه التوقّي واستهان فهلك

ومن أضاع جنده في السّلم

لم يحفظوه في لقاء الخصم

وإن من لا يحفظَ القلوبا

يخذل حين يشهد الحروبا

والجند لا يرعون من أضاعهم

كلاّ ولا يحمون من أجاعهم

وأضعفُ الملوك طرَّا عقدا

من غرَّه السلم فأقصى الجندا

والحزم والتّدبير روح العزم

لاخيرَ في عزم بغير حزم

والحزم كلذ الحزم في المطاولة

والصّبر ف يسرعة المزاولة

وفي الخطوب تظهر الجواهرُ

ما غلبَ الأيام إلاّ الصابر

لا تيأسنْ من فرج ولطف

وقوَّة تظهرُ بعدَ ضعف

فربَّما جاءك بعد اليأس

روحٌ بلا كدّ ولا التماس

في لمحة الطرف بكاءٌ وضحكْ

وناجد بادٍ ودمع ينسفك

ينال بالرّفق وبالتأنّي

مالم تنلْ بالحرص والتّعنّي
(2/37)
________________________________________
ماأحسنَ الثَّباتَ والتجلُّدا

وأقبح الحيرة والتَّبلُّدا

ليس الفتى إلا الذي إن طرقه

خطبٌ تلقّاه بصبر وثقة

إذا الرَّزايا أقبلت ولم تقف

فثمَّ أحوالُ الرّجال تختلف

وكم لقيتُ لذَّة في زمني

فأصبرُ الآن لهذي المحن

فالموتُ لايكون إلا مرّة

والموتُ أحلى من حياة مرّة

إني من الموت على يقين

فأجهدُ الآن لما يقيني

صبراً على أهوالها ولا ضجرْ

وربّما فاز الفتى إذا صبر

لا يجزع الحرّ من المصائب

كلاّ ولا يخضع للنَّوائب

فالحرُّ للعبءِ الثّقيل يحملُ

والصبرُ عند النّائبات يحمل

لكل شيءٍ مدَّةٌ وتنقضي

ما غلب الأيامَ إلا منْ رضي

قد صدق القائلُ في الكلام

ليس النُّهى بعظم العظام

لا خيَر في جسامة الأجسام

بل هو في العقول والأفهام

فالخيل للحرب وللجمال=والإبل للحمل وللتَّرحال
لاتحتقر شيئاً صغيراً يحتقر

فربمّا أسالت الدّم الإبرْ

لاتحرج الخصم ففي إحراجه

جميعُ ما تكره من لجاجهِ

لاتطلب الفائتَ باللّجاج

وكنْ إذا كويت ذا إنضاج

فعاجز من ترك الموجودا

طماعةً وطلبَ المفقودا

وفتّش الأمور عن أسرارها

كم نكتةٍ جاءتك معْ إظهارها

لزمتَ للجهل قبيح الظاهرِ

وما نظرتَ حسن السَّرائر

ليس يضرُّ البدر في سناه

أنّ الضّرير قطُّ لا يراه

كم حكمةٍ أضحت بها المحافل

نافقةً وأنت عنها غافل

ويغفلون عن خفي الحكمة

ولو رأوها لأزالوا التُّهمة

كم حسن ظاهرهُ قبيحُ

وسمجٍ عنوانهُ مليح

والحق قد تعلمه ثقيلُ

أبوهُ إلا نفرٌ قليلُ

فالعاقل الكامل في الرّجال

لا ينثني لزخرف المقال

إن العدوّ قولهُ مردودُ

وقلّما يصدق الحسود

لا تقبلُ الدعوى بغير شاهد
(2/38)
________________________________________
لاسيما إن كان من معاند

أيؤخذ البريءُ بالسَّقيم

والرَّجل المحسن باللّئيم

كذاك من يستنصح الأعادي

يردونه بالغشّ والفساد

إن أكلَّ من ترى أذهانا

منْ حسب الإساءة الإحسانا

فادفع إساءة العدى بالحسنى

ولا تخلْ يسراك مثل اليمنى

وللرجال فاعلمنْ مكايدُ

وخدعٌ منكرةٌ شدائدُ

فالنَّدب لا يخضع للشّدائد

قطّ ولا يغتاظ بالمكائد

فرقّع الخرق بلطفٍ واجتهد

وامك إذا لم ينفع الصّدق وكد

فهكذا الحازم إذ يكيدُ

يبلغ في الأعداء ما يريد

وهو بريءٌ منهم في الظاهر

وغيرهُ مختضب الأظافر

والشهمُ من يصلح أمر نفسه

ولو بقتل ولده وعرسه

فإن من يقصد قلعُ ضرسه

لم يعتمدْ إلاّ صلاح نفسه

وإن من خصّ اللئيم بالندى

وجدته كمن يربّي أسدا

وليس في طبعِ اللئيم شكر

وليس في أصل الدّنيء نصر

وإن من ألزَمهُ وكلّفه

ضدُّ الذي في طبعه ما أنصفه
كذاك من يصطنع الجهّالا

ويؤثرِ الأرذال والأنذال

لو أنكم أفاضلُ أحرارُ

ما ظهرتْ بينكم الأسرار

إن الأصول تجذب الفروعا

والعرق دساسٌ إذا أضيعا

ما طاب فرعٌ أصله خبيثُ

ولازكا من مجدهُ حديث

قد يدركون رتباً في الدُّنيا

ويبلغون وطراً من بقيا

لكنك لا يبلغون في الكرم

مبلغ من كان له فيها قدم

وكلّ من تماثلتْ أطرافهُ

في طيبها وكرمتْ أسلافه

كان خليقا بالعلى وبالكرم

وبرعتْ في أصله حسن الشّيم
لولا بنو آدم بين العالمِ

ما بان للعقول فضل العالم

فواحدٌ يعطيك فضلاً وكرم

فذاك من يكفرهُ فقد ظلم

وواحدٌ يعطيك للمصانعة

أو حاجةٍ له إليك واقعة

لا تشرهنْ إلى حطامٍ عاجلِ

كم أكلةٍ أودت بنفس الآكل

واحذر أخيَّ يا فتى من الشّره
(2/39)
________________________________________
وقس بما رأيته مالم تره

فليس من عقل الفتى أو كرمه

إفسادُ شخص كامل لقرمه

فالبغيُ داءٌ ماله دواء

ليس لملكِ معه بقاء

لاتعطيْن شيئاً بغير فائدة

فإنها من السّجايا الفاسدة

?????????"وللإمام علي الرضا المتوفي سنة 77ه?"
واعجباً للمرء في ذاته

يجرُّ ذيل التّيه في خطرته

يزجره الوعظ فلا ينتهي

كأنه الميت في سكرته

يبارز الله بعصيانه

جهراً ولا يخشاه في خلوته

وإن يقع في شدّة يبتهل

فإن نجا عاد إلى عادته

أرغب لمولاك وكن راشداً

وأعلم بأن العز في خدمته

واتل كتاب الله تهدى به

واتبع الشرع على سنته

لاتحرصن فالحرص يزري بالفتى

ويذهب الرونق من بهجته

والحظ لا تجلبه حيلة

ته

مافاتك اليوم سيأتي غدا

مافي الذي قدر من حيلته

قضاؤه المحتوم في خلقه

وحكمه النافذ مع قدرته

والرزق مضمون على واحد

مفاتح الأشياء في قبضته

قد يرزق العاجز مع عجزه

ويحرم الكيس مع فطنته

لاتنهر المسكين يوماً أتى

فقد نهاك الله عن نهرته

إن عضك الدهر فكن صابرا

على الذي نالك من عضته

أو مسك الضر فلا تشتكي

إلا لمن تطمع في رحمته

لسانك احفظه وصن نطقه

واحذر على نفسك من عثرته
فالصمت زين ووقار وقد

يؤتى على الإنسان من لفظته

من أطلق مالقول بلا مهلة

لاشك أن يعثر في عجلته

من لزم الصمتى نجا سالماً

لايندم المرء على سكتته

من أظهر الناس على سره

يستوجب الكي على مقلته

من مازح الناس استحفوا به

وكان مذموماً على مزحته

كن عن جميع الناس في معزل

قد يسلم المعزول في عزلته

من جعل الخمر شفاء له

فلا شفاه الله من علته

من نازع الأقيال في أمرهم

بات بعيد الرأس عن جثته
(2/40)
________________________________________
من لاعب الثعبان في كفه

هيهات أن يسلم من لسعته

من عاشر الأحمق في حاله

كان هو الأحمق في عشرته

لاتصحب النذل فتردى به

لاخير في النذل ولاصحبته

منة اعتراك الشك في جنسه

وحاله فانظر إلى شيمته

من غرس الحنظل لا ترتجي

أن يجتني السكر من غرسته

من جعل الحق له ناصراً

أيده الله على نصرته

واقنع بما أعطاك من فضله

واشكر لموليك على نعمته

وقال أبو العتاهية المتوفي سنة 211ه?
أنلهو وأيامنا تذهب

ونلعب والموت لايلعب

عجبت لذي لعب قد لها

عجبت ومالي لا أعجب
أيلهو ويلعب من نفسه

تموت ومنزله يخرب

نرى كل ما ساءنا دائماً

على كل سرنا يغلب

+نرى الليل يطلبنا والنها_ر ولم ندر أيهما أطلب
أحاط الجديدان جمعا بنا

فليس لنا عنهما مهرب
وكل له مدة تنقضي

وكل له أثر يكتب

"وقال صلاح الدين الصفدي المتوفي سنة 764ه?
الجد في الجد والحرمان في الكسل

فانصب تصب عن قريب غاية الأمل
وأصبر على كل مايأتي الزمان به

صبر الحسام بكف الدارع البطل

وجانب الحرص والأطماع تحظ بما

ترجو من العز والتأييد في عجل

ولا تكونن على مافات ذا حزن

ولاتظل بما أوتيت ذا جذل

واستشعر الحلم في كل الأمور ولا

تسرع ببادرة يوما إلى رجل

وإن بليت بشخص لاخلاق له

فكن كأنك لم تسمع ولم يقل

ولا تمار سقيها في محاورة

ولا حليما لكي تقصى عن الزلل

ولايغرك من يبدي بشاشته

إليك خدعا فإن السم في العسل

وإن أردت نجاحاً في كل آونة

فاكتم أمورك عن حاف ومنتعل

إن الفتى من بماضي الحزم متصف

وماتعود نقص القول والعمل

ولا يقيم بأرض طاب مسكنها

حتى يقد أديم السهل والجبل

ولايضيع ساعات الزمان فلن

يعود مافات من أيامه الأول
(2/41)
________________________________________
ولايراقب إلا من يراقبه

ولايصاحب إلا كل ذي نبل

ولايعد عيوبا للورى أبداً

بل يعتني بالذي فيه من الخلل

ولا يظن بعهم سواءاً ولا حسنا

بل التجارب تهديه على مهل

ولايؤمل آمالا بصبح غد

إلا على وجل من وثبة الأجل

ولا يصد عن التقوى بصيرته

لأنها للمعالي أوضح السبل

فمن تكن حلة التقوى ملابسه

لم يخش في دهره يوماً من العطل

من لم تفده صروف الدهر تجربة

لافيما يحاول فليسكن مع الهمل

من سالمته الليالي فليثق عجلاً

منها بحرب عدو جاء بالحيل

من ضيع الحزم لم يظفر بحاجته

ومن رمى بسهام العجب لم ينل

من جاد ساد وأحيا العالمون له

بديع حمد بمدح الفعل متصل من

رام نيل العلى بالمال يجمعه

من غير حل بلي من جهله وبلي

من لم يصن نفسه ساءت خليقته

بكل طبع رديء غير منتقل

من جالس الوغد والحمقى جنى ندماً

لنفسه ورمي بالحادث الجلل

فخذ مقال خبير قد حوى حكماً

إذ صغته بعد طول الخبر في عملي

"وقال حسام الدين الواعظي المتوفى سنة 990ه?"
من ضيع الحزم في أفعاله ندما

وظل مكتئباً والقلب وقد سقما
مالمرء إلا الذي طابت فضائله

والدين زين يزين العاقل الفهما

والعلم أنفس شيء أنت ذاخره

فلا تكن جاهلاً تستورث الندما

تعلم العلم واجلس في مجالسه

ماخاب قط لبيب جالس العلماء

والوالدين فأكرم تنج من ضرر

ولا تكن نكداً تستوجب النقما

ولازم الصمت لات نطق بفاحشة

وأكرم الجار لاتهتك له حرما

واحذر من المزح كم في المزح من خطر

كم من صديقين بعد المزح فاختصما

وصبر النفس وارشدها إذا جهلت

وإن حضرت طعاما لا تكن نهماً

آس اللهيف إذا ماكنت مقتدراً
(2/42)
________________________________________
على الزمان وكن للخير مقتسما

وصد نفسك عن لهو وعن مرح

وإن حضرت مقاماً كنت فيه سما

"وقال عمر بن الوردي المتوفي سنة 749ه? مخاطباً ولده"
اعتزل ذكر الأغاني والغزل

وقل الفصل وجانب من هزل

ودع الذكر لأيام الصبا

فلأيام الصبا نجم أفل

واترك الغادةلاتحفل بها

تمس في عز رفيع وتجل

وافتكر في منتهى حسن الذي

أنت تهواه تجدأمراً جلل

واهجر الخمرة إن كنت فتى

كيف يسعى في جنون من عقل

ولاتق الله فتقوى الله ما

جاورت قلب امرئ إلا وصل

ليس من يقطع طرقاً بطلاً

إنما من يتقي الله البطل

كتب الموت على الخلق فكم

فل من جيش وأنفى من دول

أين نمرود وكنعان ومن

ملك الأرض وولى وعزل

أي من سادوا وشادوا وبنوا

هلك الكل ولم تغن القلل

أين أرباب الحجى أهل النهى

أين أهل العلم والقوم الأول

سيعيد الله كلا منهم

وسيجزي فاعلاً ماقد فعل

يابني اسمع وصايا جمعت

لاحكماً خصت بها خير الملل

اطلب العلم ولاتكسل فما

أبعد الخير على أهل الكسل

واحتفل للفقه في الدين ولا

تشتغل عنه بمال وخول

واهجر النوم وحصله فمن

يعرف المطلوب ويحقر مابذل

لاتقل قد ذهبت أربابه

كل من سار على الدرب وصل
في أزدياد العلم إرغام العدا

وجمال العلم إصلاح العمل

جمل المنطق بالنحو فمن

يحرم الإعراب بالنطق اختبل

انظم الشعر ولازم مذهبي

في اطراح الرفد لاتبغ النحل

فهو عنوان ع لى الفضل وما

أحسن الشعر إذا لم يبتذل

أنا لاأختار تقبيل يد

قطعها أجمل من تلك القبل

ملك كسرى عنه تغني كسرة

وعن البحر اجتزاء بالوشل

اطرح الدنيا فمن عاداتها

تخفض العالي وتعلي من سفل

عيشة الراغب في تحصيلها
(2/43)
________________________________________
عيشة الجاهل فيها أو أقل

كم جهول بات فيها مكثراً

وعليه بات منها في علل

كم شجاع لم ينل فيها المنى

وجبان نال غايات الأمل

فاترك الحيلة فيها واتكل

إنما الحيلة في ترك الحيل

لاتقل أصلي وفصلي أبداً

إنما أصل الفتى ماقد حصل

قد يسود المرء من دون أب

وبحسن السبك قد ينفى الدغل

إنما الورد من الشوك وما

ينبت النرجس إلا من بصل

قيمة الإنسان مايحسنه

أكثر الإنسان منه أم أقل

بين تبذير وبخل رتبة

وكلا هذين إن زاد قتل

ليس يخلو المرء من ضد ولو

حاول العزلة في رأس الجبل

دار جار السوء بالصير وإن

لم تجد صبراً فما أحلى النقل

جانب السلطان واحذر بطشه

لاتعاند من إذا قال فعل

لا تل الأحكام إن هم سألوا

رغبة فيك وخالف من عذل

إن نصف الناس أعداءه لمن

ولي الأحكام هذا إن عدل

قصر الآمال في الدنيا تفز

فدليل العقل تقصير الأمل

غب وزر غبا تزد حبا فمن

أكثر الترداد أقصاه الملل

لا يضر الفضل إقلال كما

لايضر الشمس إطباق الطفل

خذ بنصل السيف واترك غمده

واعتبر فضل الفتى دون الحلل

حبك الأوطان عجز ظاهر

فاغترب تلق عن الأهل بدل

فمكث الماء يبقى آسنا

وسرى البدر به البدر اكتمل

وقال العميد أبو إسماعيل الطغرائي المتوفى سنة 513ه?
أصالة الرأي صانتي عن الخطل

ودحلية الفضل زانتني لدى العطل

مجدي أخير ومجدي أولا شرعٌ

والشمس راد الضحى كالشمس في الطفل
فيم الإقامة بالزوراء لاسكني

بها ولاناقتي فيها ولاجملي

ناء عن الأهل صفر الكف منفرد

كالسيف عري متناه عن الخلل

فلا صديق إليه مشتكى حزني

ولاأنيس إليه منتهى جذلي

طال اغترابي حتى حن راحلتي
(2/44)
________________________________________
ورحلها وقر العسالة الذبل

وضج من لغب نضوي وعج لما

ألقى ركابي ولج الركب في عذلي

أريد بسطة كف أستعين بها

على قضاء حقوق للعلى قبلي

والدهر يعكس آمالي ويقنعني

من الغنيمة بعد الكد بالقفل

وذي شطاط كصدر الرمح معتقل

بمثله غير هياب ولاوكل

حلو الفكاهة مر الجد قد مزجت

بشدة البأس منه رقة الغول

طردت سرح الكرى عن ورد مقلته

والليل أغرى سوام النوم بالمقل

والركب ميل على الأكوار من طرب

صاح وآخر من خمر الكرى ثمل

فقلت أدعوك للجلي لتنصرني

وأنت تخذلني في الحادث الجلل

تنام عني وعين النجم ساهرة

وتستحيل وصبغ الليل لم يحل

فهل تعين علي غي هممت به

والغي يثزجر أحياناً عن الفشل

إني أريد طروق الحي من إضم

وقد حماه رماةٌ من بني ثعل

فسر بنا في ذمام الليل معتسفاً

فنفحة الطيب تهدينا إلى الحلل

فالحب حيث العدا والأسد رابضة

حول الكناس لها غاب من الأسل

نؤم ناشئة بالزع قد سقيت

نصالها بمياه الغنج والكحل

قد زاد طيب أحاديث الكرام بها

ما بالكرائم من جبن ومن بخل

تبيت نار الهوى منهن في الكبد

حرى ونار القرى منهم على القلل

يقتلن أنضاء حب لاحراك بهم

وينحرون كرام الخيل والإبل

يشفى لديغ العوالي في بيوتهم

بنهلة منم غدير الخمر والعسل

لعل إلمامه بالجزع ثانية

يدب منها نسيم البرء في عللي

لاأكره الطعنة النجلاء قد شفعت

برشقة منم نبال الأعين النجل

ولاأهاب الصفاح البيض تسعدني

باللمح من خلل الأستار والكلل

ولاأخل يغزلان تغازلني
(2/45)
________________________________________
ولو دهتني أسود الغيل بالغيل

حب السلامة يثني عزم صاحبه

عن المعالي ويغري المرء بالكسل

فإن جنحت إليه فاتخذ نفقا

في الأرض أو سلما في الجو فاعتزل

ودع غمار العلى للمقدمين على

ركوبها واقتنع منهن بالبلل

يرضى الذليل يخفض العيش مسكنة

والعز عند رسيم الأينق الذلل

فأدرأ بها في نحور البيد جافلة

معارضات مثاني اللجم بالجدل

عن العلى حدثتني وهي صادقة

فيما تحدث أن العز في النقل

لو أن في شرف المأوى بلوغ منى

لم تبرح الشمس يوماً دارة الحمل

أهبت بالحظ لو ناديت مستمعاً

والحظ عني بالجهال في شغل

لعله إن بدا فضلى ونقصهم

لعينه نام عنهم أو تنبه لي

أعلل النفس بالآمال أرقبها

ماأضيق العيش لولا فسحة الأمل

لم أرتض العيش والأيام مقبلة

فكيف أرضى وقد ولت على عجل

غالى بنفسي عرفاني بقيمتها

فصنتها عن رخيص القدر مبتذل

وعادة السيف أن يزهى بجوهره

وليس يعمل إلا في يدي بطل

ماكنت أوثر أن يمتد بي زمني

حتى أرى دولة الأوغاد والسفل

تقدمتني أناس كان شوطهم

وراء خطوي لو أمشي على مهل

هذا جزءاً امرئ أقرانه درجوا

من قبله فتمنى فسحة الأجل

فإن علاني من دوني فلا عجب

لي أسوة بانحطاط الشمس عن زحل

فاصبر لها غير محتال ولاضجر

في حادث الدهر مايغنيعن الحيل

أعدى عدوك أدنى من وثقت به

فحاذر الناس واصحبهم على دخل

فإنما رجل الدنيا وواحدها

من لايعول في الدنيا على رجل

وحسن ظنك بالأيام معجزة

فظن شراً وكن منها على وجل

غاض الوفاء وفاض الغدر وانفرجت
(2/46)
________________________________________
مسافة الخلف بين القول والعمل

وشان صدقك عند الناس كذبهم

وهل يطابق معوج بمعتدل

وهضم النفس أقبح كل شيء

على حرله فيها كمال

ومن لزم القناعة نال عزاً

وهل بالذل منقبة تنال

وقال مؤلف هذا الكتاب معارضاً لامية الطغرائي
عليك بالصبر والإخلاص في العمل

ولازم الخير في حل ومرتحال

وجانب الشر وأعلم أن صاحبه

لابد يجزاه في سهل وفي جبل

واثبت ثبات الرواسي الشامخات ولا

تركن إلى فشل في ساعة الوهل

وكن كرضوى لما يعروك من نوب

ولا تكن جازماً في الحادث الجلل

واصبر على مضض الأيام محتملاً

ففيه قرع لباب النجح والأمل

تأن متئداً فيما تروم ولا

تعجل وإن خلق الإنسان من عجل

لاتطلب العز في دار ولدت بها

فالعز عند رسيم الأينق الذلل

شمر وجد لأمر أنت طالبه

إذ لاتنال المعالي قط بالكسل

واحذر مساوئ أخلاق تشان بها

وأسوء السوء سوء الخلق والبخل

واخفض جناحك للمولى وجد ونل

ماأسمج الكبر والإمساك بالرجل

لاتسأل النذل واقصد ماجداً حدبا

في طلعة الشمس مايغنيك عن زجل

نور بلقياك من تلقى نواظره

ولا تكن كالقذي في الأعين النجل

ولاتجادل جهولاً ليس يفهم ما

تقول فالشر كل الشر في الجدل

ولاتكن لنزول الخطب مضطرباً

في حادث الدهر مايغني عن الحيل

الجود أحسن ماأوليت من خلق

والعفو أنفى لداء الضغن والدخل

والحلم ملح فساد الأمر يصلحه

والبذل خير فعال الماجد البطل

لاتقتحم غمرات البحر مرتكباً

وأنت يكفيك منه مصة الوشل

ولاتعاشر سوى حزم أخا ثقة

وأربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل

لا تنخدع لصديق يدعي ملقا

فحاذر الناس واصحبهم على دخل
(2/47)
________________________________________
لاتأمنن أحداً واحذر مكائدهم

وظن سراً وكن منهم على وجل

لا تغرَّنك الدنيا بزهرتها

فهل سمعت بظل غير منتقل

إن الغني غني النفس في كرم

بالطبع لاباقتناء الشاء والإبل

إن الصنيعة للأنذال تفسدهم

كما تضر رياح الورد بالجعل

مرارة النصح تحل لي مضاضتها

وربما صحت الأجسام بالعلل

دع التكلف لايجديك منفعة

ليس التكحل في العينين كالكحل

أرى الرعاء رعاء الشاء في ترف

في أخفض العيش بين الخيل والخول

وسادة العصر قد ألقوا مقالدهم

إلى الطغاة شرار النماس والسفل

تحكموا في قضايا الناس واحتكموا

وحكموا كل ذي جهل أخي خبل

من كل غر جهول لايرى رشداً

كباقل مثلاً في العي والخطل

تعسا لشر زمان ظل طوع يد الل

ئاميسقيهم علا على نهل

القبض والبسط في أيدي ذوي شطط

من كل سكران من خمر الهوى ثمل

تسطو الكلاب على أسد الشرى سفها

والباز الأشهب يخشى صوله الحجل

والقرد يضحك من نمر على هزؤ

والكلب يوعد ليث الغيل بالغيل

نال المرام علوج لاخلاق لهم

فوق المؤمل من شب ومكتهل

أملى لهم دهرهم فاستمهلوا أمداً

مرخى لهم في مروج العيش والطول
شر العصر زمان يستمد به

خب لئيم غدا في الشر كالثمل

لايعلم الرشد من غي وليس له

سوى الشرارة في قول وفي جدل

ناهيك من غمة غماء ماسمعت

بمثلها أذن في الأعصر الأول

أشدد بها أزمة،الله يفرجها

مااضيق العيش لولا فسحة الأمل

مالي وللبلدة الحمقاء اسكنها

مساكنها لذوي خرق أولي حيل

وليس لي ناقة فيها ولاجمل

وليس لي ثم من ثور ولاحمل

ولا يستقيم وفاق لي بمثلهم

وهل يطابق معوج بمعتدل
(2/48)
________________________________________
قد ذقتهم وبلوت الحال عندهم

فما حصلت على صاب ولاعسل

ليسوا كراماً ولكن من مكارمهم

مابالكرائم من جبن ومن بخل

إني ابتليت باخلاق فوصلعهم

وعد ومطل وارجاء على مذل

لايفعلون إذا قالوا فقد بعدت

مسافة الخلف بين القول والعمل

أضحت مواعيد عرقوب لهم مثلاً

ومامواعيدهم غلا على دخل

أخلاقهم صح إنجازاً لموعدهم

إذ كان وعدهم كذباً من الخجل

أشكو الزمان وأهليه وأمقتهم

إذ سوء أفعالهم أوفى على القلل

ساءت سريرتهم حالت طريقتهم

زاغت بصيرتهم عن أقوم السبل

علمٌ بلا عمل حكم بلا حكم

ظلم على عجل وعدٌ على مهل

الإفك والزور والبهتان عندهم

والسعي في الأرض بالإفساد والخلل

الكذب مستحسن والصدق عندهم

مستهجن من صفات العاجز الوكل

أهنى الطعام لحوم الناس عندهم

ألنم فيما لديهم شربة العسل

نكث العهود سجاياهم ودأبهم

خلف الوعود وذا من أسوإ الثقل

إن السعاية في التضريب أحسن من

ضرب من الحذق والعرفان في الزجل
يادهر مالك والأ؛رار تقهرهم

تذل كل كريم الأصل مقتبل

حتى متى يازمان السوء تفعل ما

تشيب فيه النواصي غير محتمل

تؤخر الفاعل المرفوع تحفظه

مقدما لمفاعيل على البدل

وساقه الجيش قد أضحت مقدمة

مثل التليل إذا في مؤخر الكفل

فلست أحفظ في ذي الدهر من أسف

أطال أيام عمري أو دنا أجلي

واهاً لقلبي يوم البين إذا ظعنوا

فالعين في لجج والقلب في شعل

كيف التصبر من ناري نوى وجوى

وفي الحشا أنكاء جرح غير مندمل

فقد فقدت الألى كانت ببهجتهم

نور النواظر في الأحداق والمقل

لم أكتحل بقرار بعد ما ارتحلوا

ولاابتغيت لهم في الناس من بدل
(2/49)
________________________________________
لم يبق لي الدهر بعد البين من جلد

ما استطيع به توديع مرتحل

ولا من الغمض ماأقري الخيال به

ولا من الدمع ماأبكي على طلل

فلبي على لهب والجسم في نصب

والروح في وصب واللب في ذهل

حسبي الغرام حليف والجوى أبداً

منادما وسميرٌ غير منفصل

خذها محبرة غيداء غانية

أتت على عجل كالقابس العجل

جاءت من (الهاشمي) لا تبتغي مهرا

من خاطب لبنات النظم في عطل

وقال محمد اليمني المقلب بنجم الدين المتوفى سنة 569ه?
ولا تحتقر كيد الضعيف فربما

تموت الأفاعي من سموم العقارب
وقد هد قدما عرش بلقيس هدهد

وخرب حفر الفأر سد مآرب

إذا كان رأس المال عمرك فاحترز

عليه من الإنفاق في غير واجب

فبين اختلاف الليل والصبح معرك

يكر علينا جيشه بالعجائب

وماراعني غدر الشباب لأنني

أنست بهذا الخلق من كل صاحب

وغدر الفتى في عهده ووفائه

وغدر المواضي نبو المضارب

?وقال مهذب الدين المتوفى سنة 48ه?
وإذا الكريم رأى الخمول نزيله

في منزل قالحزم أن يترحلا

كالبدر لما أن تضاءل جد في

طلب الكمال فحازه متنقلا

سفها لحلمك إن رضيت بمشرب

رنق ورزق الله قد ملأ الملا

ساهمت عيسك مر عيشك قاعداً

أفلا فليت بهن ناصية الفلا

فارق ترق كالسيف سل فبان في

متنيه ماأخفى القراب وأخملا

لا تحسبن ذهاب نفسك ميتة

ماالموت غلا أن تعيش مذللا

للقفر لا للفقر هبها إنما

مغناك ماأعناك أمن تتوسلا

لا ترض من دنياك مأدناك من

دنس وكن طيفاً جلاثم انجلى

وصل الهجير بهجر قوم كلما

أمطرتهم شهدا جنوا لك حظلا

أنا من إذا ما الدهر هم بخفضه

سامته همته السماك الأعزلا

وقال الحريري المتوفي سنة 516ه?
سامح أخاك إذا خلط

منه الإصابة بالغلط

وتجاف عن تعنيفه
(2/50)
________________________________________
إن زاغ يوماً أو قسط

واحفظ صنيعك عنده

شكر الصنيعة أو غمط

وأطعه إن عاصى وهن

إن عز وأدن إذا شحط

واقن الوفاء ولو أخ

ل بما استرطت وما اشترط
واعلم بأنك إن طلب

ت مهذبا رمت الشطط

من ذا الذي ماساء قط

ومن له الحسنى فقط

وقال أيضاً
اسمع أخي وصيةً من ناصح

ماشاب محض النصح منه بغشه
لا تعجلن بقضية مبتوتة

في مدح من لم تبله أو خدشه

وقف القضية فيه حتى نجتلي

وصيفه في حالي رضاه وبطشه
فهناك إن تر ما يشين فواره

كرماً وإن مايزين فأفشه

وأعلم بأن التبر في عق الثرى

خاف إلى أن يستثار بنبشه

وفضيلة الدينار يظهر سرها

من حكه لا من ملاحة نقشه
ومن الغباوة أن تعظم جاهلا

لصقال ملبسه ورونق رقشه
أو أن تهين مهذباً في نفسه

لدروس بزته ورثه فرشه

?الباب التاسع
?قال مؤيد الدين الأصبهاني المعروف بالطفرائي المتوفي سنة 513ه?
من قاس بالعلم الثراء فإنه

في حكمه أعمى البصيرة كاذب
العلم تخدمه بنفسك دائماً

والمال يخدم عنك فيه نائب

والمال يسلب أو يبيد لحادث

والعلم لايخشى عليه سالب

والعلم نقش في فؤادك رسخ

والمال ظل عن فنائك ذاهب

هذا على الإنفاق يغزو فيضه

أبداً وذلك حين تنفق ناضب

العلم أشرف شيء قاله رجل

من لم يكن فيه علمك لم يكن رجلا
تعلم العلم واعمل ياأخي به

فالعلم زين لمن بالعلم قد عملا

العلم مبلغ قوم ذروة الشرف

وصاحب العلم محفوظ من التلف
ياصاحب العلم مهلاً لا تدنسه

بالموبقات فما للعلم من خلف

العلم يرفع بيتاً لاعماد له

والجهل يهدم بيت العز والشرف

لو كان نور العلم يدرك بالمنى

ماكان يبقى في البرية جاهل
أجهد ولاتكسل ولا تك غافلاً

فندامة العقبى لمن يتكاسل
(2/51)
________________________________________
وفي الجهل قبل الموت موتٌ لأهله

وأجسادهم دون القبور قبور

وإن أمرأ لم يحي بالعلم قلبه

فليس له حتى النشور نشور

لكل مجد في الروى نفع فاضل

وليس يفيد العلم منم دون عامل

يسابق بعض الناس بعضاً بجدهم

وماكل كر بالهوى كر باسل

إذا لم يكن نفع لذي العلم والحجا

فما هو بين الناس إلا كجاهل

كذاك إذا لم يكن نفع لذي العلم والحجا

فما هو بين الناس إلا كجاهل

كذاك إذا لم ينفع المرء غيره

يعد كشوك بين زهر الخمائل

ياساعياً وطلاب المال همته

غني أراك ضعيف العقل والدين

عليك بالعلم لاتطلب له بدلاً

واعلم بأنك فيه غير مغبون

العلم يجدي ويبقى للفتى أبداً

والمال يفنى وإن أجدى إلى ىحين
هذاك عز وذا ذل لصاحبه

مازال بىلبعد بين العز والهون

العلم زين وتشريف لصاحبه

فاطلب هديت فنونه العلم والأدبا

كم سيد بطل آباؤه نجب

كانوا الرؤوس فأمسى بعدهم ذنباً

ومقرف خامل الآباء ذي أدب

نال المعالي بالآداب والرتبا

العلم كنز وذخر لا فناء له

نعم القرين إذا ما صاحب صحبا

قد يجمع المال شخص ثم يحرمه

عما قليل فيلقى الذل والحربا

وجامع العلم مغبوط به أبداً

ولا يحاذر منه الفوت والسلبا

ياجامع العلم نعم الذخر تجمعه

لا تعدلن به دراً ولا ذهباً

بالعلم والعقل لا بالمال والذهب=يزداد رفع الفتى قدراً بلا طلب
فالعلم طوق النهى يزهو به شرفاً

والجهل قيد له يبليه باللعب

كم يرفع العلم أشخاصاً إلى رتب

ويخفض الجهل أشرافاً بلا أدب

العلم كنز فلا تفنى ذخائره

والمرء مازاد علماً زاد بالرتب

فالعلم فاطلب يجديك جوهره

كالقوت للجسم لا تطلب غنى الذهب
العلم زين فكن للعلم مكتسباً

وكن له طالباً ماعشت مقتبساً
(2/52)
________________________________________
اركن إليه وثق بالله واغن به

وكن حليماً رزين العقل محترساً

وكن فتى سالكاً محض التقى ورعاً

الدين مغتنما في العلم منغمساً

فمن تخلق بالآداب ظل بها

رئيس قوم إذا مافارق الرؤسا

الناس من جهة التمثال أكفاء

أبوهم آدم والأم حواء

فإن يكن لهم في أصلهم شرف

يفاخرون به فالطين والماء

مالفخر إلا لأهل العلم انهموا

على الهدى لمن استهدى أدلاء
وقدر كل امرئ ماكان يحسنه

والجاهلون لأهل العلم أعداء

وإن أتيت بجود في ذوي نسب

فإن نسبتنا جودٌ وعلياء

ففز بعلم تعش حياً به أبداً

الناس موتى وأهل العلم أحياء

العلم يغرس كل فضل فاجتهد

ألا يفوتك فضل ذاك المغرس

واعلم بأن العلم ليس يناله

من همه في مطعم أو ملبس

ألا أخو العلم الذي يزهو به

في حالتيه عارياً أو مكتسي

فاجعل لنفسك منه حظاً وافراً

واهجر له طيب الرقاد وعبس

فلعل يوماً إن حضرت بمجلس

كنت الرئيس وفخر ذاك المجلس
الباب العاشر
في العقل
لولا العقول لكان أدنى ضيغم

أدنى إلى شرف من الإنسان
ولربما طعن الفتى أقرانه

بالرأي قبل تطاعن الأقران

ألم تر أن العقل زين لأهله ولكن تمام العقل طول التجارب
يقول لك العقل الذي زين الفتى

إذا لم تكن تقدر عدوك داره

ولا قه بالترحيب والبشر والقرى

وبادراك له مادمت تحت اقتادره

وقبل يد الجاني التي لست قادراً

على قطعها وراقب سقوط جداره

العقل حلة فخر من تسربلها

كانت له نسباً تغني عن النسب

والعقل أفضل مافي الناس كلهم

بالعقل ينجو الفتى من حومة الطلب
وأفضل قسم الله للمرء عقله

فليس من الخيرات شيء يقاربه

يعيش الفتى بالعقل في الناس أنه

على العقل يجري علمه وتجاربه
(2/53)
________________________________________
يشين الفتى في الناس قلة عقله

وإن كرمت أعراقه ومناسبه

وإذا أكمل الرحمن للمرء عقله

فقد كملت أخلاقه ومآربه

ماوهب الله لا مرئ هبة

أشرف من عقله ومن أدبه
هما حياة الفتى فإن عدما

فإن فقد الحياة أجمل به

يعد رفيع القوم من كان عاقلاً

وإن لم يكن في قومه بحسيب

وإن حلّ أرضا عاش فيها بعقله

وما عاقل في بلدة بغريب

ومن كان ذا مال لم يك عاقلاً

فذاك حمار حملوه من التبر

أرى العقل مرآة الطبيعة إذا به

نرى صور الأشياء في عالم الفكر
ذو العقل في معترك الأقدار مقتدر

لكن ذا الجهل مغلوب ومغلول

وعقل ذي الحزم مرآة الأمور بها

يرى الحقائق، والمجهول مهول

وعقول الأنام لو تستوي لم

يك فرق بين الغبي والنبيه

محور الأرض لو عدا مستقيماً

لتساوى النهار والليل فيه

الباب الحادي عشر في الأدب
قال أبو تمام
إذا جاريت في خلق دنيئاً

فأنت ومن تجاريه سواءُ

رأيت الحر يجتنب المخازي

ويحميه عن الغدر لالوفاء

وما من شدة إلا سيأتي

لها من بعد شدتها رخاء

لقد جربت هذا الدهر حتى

أفادتني التجارب والعناء

يعيش المرء مااستحيا بخير

ويبقى العود ما بقي اللحاء
فلا الله مافي العيش خير

ولا الدنيا إذا ذهب الحياء

إذا لم تخش عاقبة الليالي

ولم تستح فاصنع ماتشاء

وقال أيضاً
سأصرف وجهي عن بلاد إذا بها

لساني معقولاً وقلبي مقفلاً

وإن صريح الحزم والرأي لامرئ

إذا بلغته الشمس أن يتحولا

وقال أبو فراس الحمداني
لا أشتري بعد التجارب صاحباً

إلا وددت بأنني لم أشره

وتركت حلو العيش لم أحفل به

لما رأيت اعزه في مره

والمرء ليس بغانم في أرضه

كالصقر ليس بصائد في كره
وقال أبو العلا المعري
لئن قدرت فلا تفعل سوى حسن

بين الأنام وجانب كل ماقبحا
(2/54)
________________________________________
فكم شيوخ غدوا بيضاً مفارقهم

يسبحون وباتوا في الخنا سبحاً

وليس عندهم دينٌ ولا نسك

فلا تغرك أيد تحمل السبحا

لو اعقل الأرض ودت أنها صفرت

مكنهم فلم ير فيها ناظر شبحا

وقال الطغرائي
جامل عدوك مااستطعت فإنه

بالرفق يطمع في صلاح الفاسد
واحذر حسودك مااستطعت فإنه

إن نمت عنه فليس عنك براقد

إن الحسود وإن أراد توددا

منه أضر من العدو الحاقد

ولربما رضي العدو إذا رأى

منك الجميل فصار غير معاند

ورضا الحسود زوال نعمتك التي

أوتيتها من طارف أو تالد

فاصبر على غيظ الحسود فناره

ترمي حشاه بالعذاب الخالد

أو ما رأيت النار تأكل نفسها

حتى تعود إلى الرماد الهامد

تضغو على المحسود نعمة ربه

ويذوب من كمد فؤاد الحاسد

وقال ابن الرومي
عدوك من صديقك مستفاد

فلا تستكثرون من الصحاب

فإن الداء أكثر ما تراه

يحول من الطعام أو الشراب
إذا انقلب الصديق غدا عدوا

مبيناً والأمور إلى انقلاب

ولو كان الكثير يطيب كانت

مصاحبة الكثير من الصواب
وقال في الانفراد والوحدة
ذقت الطعوم فما التذذت براحة

من صحبة الأخيار والأشرار

أما الصديق فلا أحب لقاءه

حذر القلى وكراهة الأعوار

وأرى العدو قذى فأكره قربه

فهجرت هذا الخلق عن أعذار

من جود إخوان الزمان سرورهم

بتفاضيل الأحوال والأخطار

لو أن إخوان الصفاء تناصفوا

لم يفرحوا بتفاصيل الأعمار

أأحب قوماً لم يحبوا ربهم

إلا لفردوس لديه ونار

وقال المتنبي
إذا غامرت في شرف مروم

فلا تقنع بما دون النجوم

فطعم الموت في أمر حقير

كطعم الموت في أمر عظيم
يرى الجبناء أن العجز عقل

وتلك خديعة الطبع اللئيم

وكل شجاعة في المرء تغني

ولا مثل الشجاعة في الحكيم
وكم من عائب قولاً صحيحاً
(2/55)
________________________________________
وآفته من الفهم السقيم

وقال بشار بن برد
خبر إخوانك المشارك في المر

روأين الشريك في المرأينا

الذي إن شهدت سرك في الحي

ى وإن غبت كان أذنا وعينا

مثل سر الياقوت إن مسه النا

ر جلاه البلاء فازداد زينا

أنت في معشر إذا غبت عنهم

بدلوا كل مايزينك شينا

وإذا مالارأوك قالوا جميعاً

أنت من أكرم البرايا علينا

ماأرى للأنام ودا صحيحاً

عاد كل الوراء زورا ومينا

وقال أبو العتاهية
خيراٌ أيام الفتى يوم نفع

واصطناع الخير أبقى ماصنع
ماينال الخير بالشر ولا

يحصد الزارع إلا مازرع

خذ من الدنيا الذي درت به

واسل عما بان منها وانقطع

إنما الدنيا متاع زائل

فاقتصد فيه وخذ منه ودع

وارض للناس بما ترضى به

واتبع الحق فنعم المتبع

كن ابن من شئت واكتسب أدباً

يغنيك محموده عن النسب

إن الفتى من يقول هأنذا

ليس الفتى من بقول كان أبي
لكل شيء زينة في الورى

وزينة المرء تمام الأدب

قد يشرف المرء بآدابه

فينا وإن كان وضيع النسب
وأنشد أبو عبد الله نفطويه لنفسه
أراني أنسى ماتعلمت في الكبر

ولست بناس ماتعلمت في الصغر

وما العلم إلا بالتعلم في الصبا

وماالحلم إلا بالتحلم في الكبر

ولو فلق القلب المعلم في الصبا

لألفى فيه العلم كالنقش في الحجر

وماالعلم بعد الشيب غلا تعسف

إذا كل قلب المرء والسمع والبصر
وما المرء غلا اثنان: عقل ومنطق

فمن فاته هذا وهذا فقد دمر

وما ينشد لخلف الأحمر
خير ماورث الرجال بينهم
أدب صالح وحسن ثناء

هو خير من الدنانير والأو

راق في يوم شدة ورخاء
تلك تفنى والدين والأدب الصا_لح لا يفينان حتى اللقاء
إن تأدبت يابني صغيراً

كنت يوماً تعد في الكبراء

وإذا ماأضعت نفسك الفي
(2/56)
________________________________________
ت كبيراً في زمرة الغوغاء

ليس عطفي للعود إن كان رطباً

وإذا كان يابساً بسواء

ومن شعر المنصور الفقيه
أيها الطالب الحريص تعلم

إن للحق مذهباً قد ضللته

ليس يجدي عليك علمك إن لم

تك مستعملاً لما قد علمته

قد لعمري اغتربت في طلب العل

م وحاولت جمعه فجمعته

ولقيت الرجال فيه وازحم

ت عليه الجميع حتى سمعته

ثم ضيعت أو نسيت، وماين

فع علم نسيته أو أضعته

وسواءٌ عليك علمك إن لم

يجد نفعاً عليك أم ما جهلته

كم إلى كم تخادع النفس جهلاً

ثم تجري خلاف ماقد عرفته
تصف الحق والطريق إليه

فإذا ماعلمت خالفت سمته

??وقال محمود سامي باشا البارودي
بادر الفرصة واحذر فوتها

فبلوغ العز في نيل الفرص

واغتنم عمرك إبان الصبا

فهو إن زاد مع الشيب نقص

وابتدر مسعاك واعلم أن من

بادر الصيد مع الفجر قنص

واجتنب كل غبي مائق

فهو كالغير، إذا جد قمص

إنما الجاهل في العين قذى

حيثما كان،وفي الصدر غصص
واجتز من شئت تعرفه فما

يعرف الأخلاق إلا من فحص

إن ذا الحاجة إن لم يغترب

عن حماه مثل طير في قفص

وقال أبو اسحاق إبراهيم الغزي
بمسيره نقص الهلال، وزاد

فاجعل كراك إذا اعتزمت سهادا

لولا أنصلات البيض من أغمادها

مشحوذة لم تفضل الأغماد

وفضيلة الحيوان في حركاته

لولا منافعة لكان جمادا

مالعمر إلا راحل، وأظنه أت

خذ الشبيبة للمسافة زادا

لا تخلعن عن اللسان لجامه

وتوق فرط جماحه المعتادا

فالله خص الاستماع بآلةٍ+مثنى وجارحة الكلام فرادى
وقال أبو نصر عبد العزيز بن نباتة السعدي
حاول جسيمات الأمور، ولا تقل
(2/57)
________________________________________
إن المحامد والعلا أرزاق

وأرغب بنفسك أن تكون مقصراً

عن غلاية فيها الطلاب سباق

لا تشفقن فإن يومك إن أتى ميقاته لم ينفع الإشفاق
وإذا عجزت عن العدو فداره

وأمزج له إن المزاج وفاق

فالنار بالماء الذي هو ضدها

تعطي النضاج، وطيعها الإحراق

عود بينك على الآداب في الصغر

كيما تقربهم عيناك في الكبر

فإنما مثل الآداب تجمعها

في عنفوان الصبا كالنقش في الحجر

هي الكنوز التي تنمو ذخائرها

ولا يخاف عليها حادث العبر

إن الأديب إذا زلت به قدم

يهوى على فرش الديباج والسرر

الناس صنفان ذو علم ومستمع

واع وسائرهم كاللغو والعكر

من لم يكن عقله مؤدبة

لم يغنه واعظ من النسب

كم من وضيع الأصول في أمم

قد سودوه بالعقل والأدب

لا تيأسن إذا ماكنت ذا أدب

على خمولك أن ترقى إلى الفلك

فبينما الذهب الإبريز مختلط

بالترب إذ صار إكليلاً على الملك
السبع سبع ولو كلت مخالبه

والكلب كلب ولو بين السباع ربي

وهكذا الذهب الإبريز خالطه

صفر النحاس وكان الفضل للذهب

لا يعجبنك أثواب على رجل

دع عنك أثوابه وانظر إلى الأدب

فالعود لو لم تفح منه روائحه

لم يفرق الناس بين العود والحطب

وليس يسود المرء إلا بنفسه

وإن عد آباء كراماً ذوي حسب

إذا العود لم يثمر ولو كان شعبه

من المثمرات اعتده الناس من حطب
قد ينفع الأدب الأحداث من صغر

وليس ينفع بعد الشيبة الأدب

إن الغصون إذا قومتها اعتدلت

ولن تلين إذا قومتها الخشب

الباب الثاني عشر في الصبر والتأني
تصبر ففي اللأواء قد الصبر
(2/58)
________________________________________
ولولا صروف الدهر لم يعرف الحر
وإن الذي أبلى هو العون فانتدب

جميل الرضا يبقى لك الذكر والأجر

وثق بالذي أعطى ولاتك جازعاً

فليس بحزم أن يروعك الضر

فلا نعم تبقى ولا نقم ولا

يدوم كلا الحالين عسر ولا يسر

تقلب هذا الأمر ليس بدائم

لديه مع الأيام حلو ولا مر

اصبر على مضض الأدلاج في السحر

وفي الرواح إلى الطاعات في البكر

إني رأيت وفي الأيام تجربة

للصبر عاقبه محمودة الأثر

وقل من جد في أمر يؤمله

واستصحب الصبر إلا فاز بالظفر

إن الأمور إذا اشتدت مسالكها

فالصبر يفتح كل ما ارتجا

لا تيأسن وإن طالت مطالبه

إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا
عليك بإظهار التجلد للعدى

ولا تظهرن منك الذبول فتحقرا
أما تنظر الريحان بشمم ناضراً

ويطرح في البيدا إذا ماتغيرا

صبراً على نوب الزما

ن وإن أبى القلب الجريح
فلكل شيء آخر

إما جميل أو قبيح

الدهر أدبني والصبر رباني

والقوت أنعني واليأس أغناني

وحنكتني من الأيام تجربة

حتى نهيت الذي قد كان ينهاني
إني رأيت الصبر خير معول

رفي النائبات لمن أراد معولاً

ورأيت أسباب القناعة أكدت

بعرى الغنى فجعلتها لي معقلا
فإذا نبابي منزل جاوزته

وجعلت منه غيره لي منزلاً

وإذا غلا شيء علي تركته

فيكون أرخض مايكون إذا غلا
إذا ماأتاك الدهر يوماً بنكبة=فافرغ لها صبراً وأوسع لها صدراً
فإن تصاريف الزمان عجيبة

فيوماً ترى يسراً ويوماً ترى عسراً
على قدر فضل المرء تأتي خطوبه

ويحمد منه الصبر مما يصيبه

فمن فيما يتقيه اصطباره

لقد قل فيما يرتجيه نصيبه

أصبر قليلاً فبعد العسر تيسير

وكل وقت له أمر وتدبير

وللمهيمن في حالتنا نظر

وفوق تدبيرنا لله تدبير
(2/59)
________________________________________
اصبر ففي الصبر خيرٌ لو علمت به

لكنت باركت شكراً صاحب النعم

وأعلم بأنك إن لم تصطبر كرماً

صبرت قهراً على خط بالقلم

كن حليماً إذا بليت بغيظ

وصبوراً إذا أتتك مصيبة
فالليالي من الزمان حبالى

مثقلات يلدان كل عجيبة

تصبر أيها العبد اللبيب

لعلك بعد صبرك ماتخيب

وكل الحادثات إذا تناهت

يكون وراءها فرج قريب
أيا صاحبي إن رمت أن لاتكسب العلا

وترقى إلى العلياء غير مزاحم

عليك بحسن الصبر في كل حالة

فما صابر فيما يروم بنادم

بنى الله للأخيار بيتاً سماؤه

هموم وأحزان وحيطانه الضر
وأدخلهم فيه وأغلق بابه

وقال لهم مفتاح بابكم الصبر

اصبر قليلاً وكن بالله معتصما

لاتعجلن فإن العجز بالعجل

الصبر مثل اسمه في كل نائبة

لكن عواقبه أحلى من العسل
إذا جرحت مساويهم فؤادي

صبرت على الإساءة وانطويت
وجئت إليهم طلق المحيا

كأني لا سمعت ولا رأيت

تأن ولا تضيق للأمر ذرعاً

فكم بالنجح يظفر من تأنى
تأن فالمرء إن تأنى

أدرك لاشك ما تمنى

الباب الثالث عشر في الصدق
الصدق عز فلا تعدل عن الصد

واحذر من الكذب المذموم في الخلق
عليك بالصدق ولو أنه

أحرقك الصدق بنار الوعيد
ماأحسن الصدق في الدنيا لقائله

وأقبح الكذب عند الله والناس

الباب الرابع عشر في الكذب
لي حيلة فيمن ين

م وليس في الكذب حيلة
من كان يخلق مايقو

ل فحيلتي فيه قليلة

نعم إنما النمام ذو ضرر

لكنما الكاذب الجاني أشد ضرر

نعم نعم إنما النام ذو ضرر

لكنما الكاذب الجاني أشد ضرر

أخو النميمة إن يسمع ينم ومن

يكذب يقل ما يشا قولاً بغير أثر

لذاك لي حيلة في من ينم وما

لي حيلة في كذوب ملء فيه شرر
لي حيلة في من ينم فإنني

أطوي حديثي دونه وخطابي
(2/60)
________________________________________
لكنما الكذاب يخلق قوله

ماحيلتي في المفتري الكذاب
لا يكذب المرء إلا من مهانته

أو فعله السوء أو من قلة الأدب

لبعض جيفة كلب خير رائحة

من كذبة المرء في جد وفي لعب
إياك من كذب الكذوب وإفكه

فلربما مزوج اليقين بشكه

ولربما كذب امرؤ بكلامه

وبصمته وبكائه وبضحكه

إذا عرف الإنسان بالكذب لم يزل

لدى الناس كذاباً ولو كان صادقاً
فإن قال لم تصغ له جلساؤه

ولم يسمعوا منه ولو كلن ناطقاً

الباب الخامس عشر في التواضع
إن شئت أن تبني بناءً شامخاً

يلزم لذا البنيان أسّ راسخ

إن البناء هو الكمال وأسه ال

الصخريّ فهو الإتضاع الباذخ
تواضع لربّ العرش علك ترفع

فما خاب عبد للمهيمن يخضع

تواضع تكن كالنجم لا لناظر

على صفحات الماء وهو رفيع
ولا تك كالدخان يعلو بنفسه

إلى طبقات الجو وهو وضيع

إذا شئت أن تزداد قدراً ورفعة

فلن وتواضع واترك الكبر والعجبا
تواضع إذا ما نلت في الناس رفعة

فإن رفيع القوم من يتواضع

تواضع إذا ما كان قدرك عالياً

فإن اتضاع المرء من شيم العقل
الباب السادس عشر في الكرم والكرماء
ونكرم ضيفنا ما دام فينا

ونتبعه الكرامة حيث مالا
فتى كملت خيراته غير أنه

جواد فما يبقى من المال باقيا
إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا

من كان يألفهم في المنزل الخشن
أبى الجود في الدنيا سواك لأنه

تفرع من جود وأنت أبو الجود

وأضدادك الوادي لهم سال واستوت

سفينة بحر العلم منك على الجودي
إن الكريم الذي لا مال في يده

مثل الشجاع الذي في كفه شلل

والمال مثل الحصى مادام في يدنا

فليس ينفع إلا حين ينتقل

لا تراني مصافحاً كفّ يحيى

إن فعلت ضيعت مالي

لو يمس البخيل راحة يحيى

لسخت نفسه ببذل النوال

لو أشبهتك بحار الأرض في كرم
(2/61)
________________________________________
لأصبح الدر مطروحاً على الطرق

أو أشبه الغيث جوداً منك منهملاً

لم ينج في الأرض مخلوق من الغرق
من قاس جدواك بالغمام فما

أنصف في الحكم بين شكلين
أنت إذا جدت ضاحكاً أبداً

وهو إذا جاد دامع العين

ما نوال الغمام وقت ربيع

كنوال الأمير وقت سخاء

فنوال الأمير بدرة مال

ونوال الغمام قطرة ماء

الباب السابع عشر في البخل والبخلاء
يفنى البخيل بجمع المال مدته

وللحوادث والأيام ما يدع

كدودة القز ما تبنيه يهدمها

وغيرها بالذي تبنيه ينتفع

إن هذا الفتى يصون رغيفاً

ما إليه من ناظر من سبيل

في جراب في جوف تابوت موسى

والمفاتيح عند ميكائيل

شرابك مختوم وخبزك لا يرى

ولحمك بين الفرقدين معلّق

نديمك عطشان وضيفك جائع

وكلبك نباح وبابك مغلق

نوالك دونه شوك القتاد

وخبزك كالثريا في البعاد

ولو أبصرت ضيفاً في منامٍ

لحرّمت الرقاد على العباد
قد شاب رأسي ورأس الدهر لم يشب

إن الحريص على الدنيا لفي تعب

وذي حرص تراه يلم وفراً

لوارثه ويدفع عن حِماه

ككلب الصيد يمسك وهو طاو

فريسته ليأكلها سواه

حسبي بعلمي إن نفع

ما الذل إلا في الطمع

من راقب الله نزع

عن سوء ما كان صنع
ما طار طير وارتفع

إلا كما طار وقع

أصبحت أجوع خلق الله كلهم

وأفزع الناس من خبز إذا وضعا
خبز البخيل لمكتوب عليه ألا

لا بارك الله في ضيف إذا شبعا

إني أحذّركم من خبز صاحبنا

فقد ترون اليوم بحلقي ما صنعا

إياك والحرص إن الحرص متعبةٌ

فإن فعلت فراع القصد في الطلب

قد يرزق المرء لم تتعب رواحله

ويحرم المرء ذو الأسفار والتعب

فاجزر فؤادك عن حرص وعن نصب

فما وقّحك يأتي الرزق بالنصب

إذا كسر الرغيف بكى عليه

بُكا الخنساء إذ فجعت بصخر
(2/62)
________________________________________
ودون رغيفه قلع الثنايا

وضرب مثل وقعة يوم بدر

تغير إذا دخلت عليه حتى

فطنت فقلت في المقال

علي اليوم نذر من صيام

فأشرق وجهه مثل الهلال
رغيف في الحجاب عليه قفل

وحراس وأبواب منيعة

رأى في بيته ضيفٌ رغيفاً

فقال لضيفه هذا وديعة

ويظهر عيب المرء في الناس بخله

ويستره عنهم جميعاً سخاؤه

رأى الصيف مكتوباً على باب داره

فصحفه ضيفاً فقام إلى السيف

فقلنا له خيراً فظن بأننا

نقول له خبزاً فمات من الخوف
"وقال أبو محمد إسحاق الموصلي المتوفى سنة 235 ه في ذم البخل"
وآمرة بالبخل قلت لها أقصري

فليس إلى ما تأمرين سبيل

أرى الناس خلان الجود ولا أرى

بخيلاً له في العالمين خليل

وإني رأيت البخل يزري بأهله

فأكرمت نفسي أن يقال بخيل

ومن خير حالات الفتى لو علمته

إذا نال شيئاً أن يكون ينيل

عطائي عطاء المكثرين تجملاً

ومالي كما قد تعلمين قليل

وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى

ورأي أمير المؤمنين جميل

الباب الثامن عشر في وصف الدنيا
أيا من عاش في الدنيا طويلاً

وأفنى العمر في قيل وقال
وأتعب نفسه في ما سيفنى

وجمع من حرام أو حلال

هب الدنيا تقاد إليك عفواً

أليس مصير ذاك الانتقال

إن لله عباداً فطنا

طلّقوا الدنيا وعافوا الفتنا
فكروا فيها فلما علموا

أنها ليست لحيّ وطنا

جعلوها لجّة واتخذوا

صالح الأعمال فيها سفنا
عجبت للمرء في دنياه تطعمه

في العيش والأجل المحتوم يقطعه
يمسي ويصبح في عشواء يخطبها

أعمى البصيرة والآمال تخدعه

يغتر بالدهر مسروراً بصحبته

وقد درى أنه للغير يجمعه

تراه يشفق من تضييع درهمه

وليس يشفق من دين يضيعه

وأسوأ الناس تدبيراً لعاقبة

من أنفق العمر في ما ليس ينفعه
(2/63)
________________________________________
ألا إنما الدنيا كأحلام نائم

وما خير عيش لا يكون بدائم

تأمل إذا ما نلت بالأمر لذّة

فأفنيتها هل أنت إلا كحالم

فمن غافل عنه وليس بغافل

ومن نائم عنه وليس بنائم

ومن يذق الدنيا فإني طعمتها

وسبق إلينا عذبها وعذابها

فلم أرها إلا غروراً وباطلاً

كما لاح في ظهر الفلاة سرابها

وما هي إلا جيفة مستحيلة

عليها كلاب همهن اجتذابها

فإن تجتنبها كنت سلماً لأهله

وإن تجتذبها نازعتك كلابها

فدع عنك فضلات الأمور فإنها

حرام على نفس التقي ارتكابها

ومن يحمد الدنيا لشيء يسرّه

فسوف لعمري عن قليل يلومها

إذا أدبرت كانت على المرء حسرة

وإن أقبلت كانت كثيراً همومها

هي الدنيا تقول بملء فيها

حذارِ حذار من بطشي وفتكي
فلا يغرركمو مني ابتسام

فقولي مضحك والفعل مبكي

سألت عن الدنيا الدنية قيل لي

هي الدار فيها الدائرات تدور

إذا أضحكت أبكت وإن أحسنت أست

وإن أعدلت يوماً فسوق تجور

يا خاطب الدنيا الدّنية إنها

شرك الردى وقرارة الأكدار
دار متى أضحكت في يومها

أبكت غداً تباً لها من دار

الباب التاسع عشر في السر
ولست بمبدٍ للرجال سريرتي

ولا أنا عن أسرارهم بسؤول

لا يكتم السر إلا كل ذي ثقة

والسر عند خيار الناس مكتوم

فالسر عندي في بيت له غلقٌ

ضاعت مفاتيحه والباب مختوم
صن السر عن كل مستخبر

وحاذر فما الرأي إلا الحذر

أسيرك سرّك إن صنته

وأنت أسيرٌ له أن ظهر

كل علم ليس في القرطاس ضاع

كل سر جاوز الإثنين شاع

إذا لم يكن في الورى صاحب

وفيه ثلاث خصال حميدة

وفاءٌ وسرٌ وحفظ الولا=فصحبته قط ليست مفيدة
عليك بكتم السر في كل حالة

فقد جاء في الأخبار من ألف حجّة
إذا دخل اثنان الحديث فسرّه
(2/64)
________________________________________
يشيع وصمت المرء أعظم حكمة

الباب العشرون في اللسان
لا يعجبنك من خطيب خطيبة

حتى يكون مع الكلام أصيلا

إن الكلام لفي الفؤاد وإنما

جعل اللسان على الفؤاد دليلا
يصاب الفتى من عثرة بلسانه

وليس يصاب المرء من عثرة الرّجل
فعثرته في القول تذهب رأسه

وعثرته بالرّجل تبرأ على مهل

احفظ لسانك أيها الإنسان

لا يلدغنك أنه ثعبان

كم في المقابر من قتيل لسانه

كانت تهاب لقاءه الشجعان

الصمت زين والسكوت سلامة

فإذا نطقت فلا تكن مكثاراً

فإذا ندمت على سكوتك مرة

فلتندمن على الكلام مرارا

إن القليل من الكلام بأهله

حسنٌ وإن كثيره ممقوت

ما زل ذو صمت وما من مكثر

ألا يزلّ ما يعاب صموت

إن كان ينطق ناطق من فضة

فالصمت درّ زانه الياقوت

احفظ لسانك واستعذ من شره

إن اللسان هو العدو الكاشح

وزن الكلام إذا نطقت بمجلسٍ

فإذا استوى هناك حلمك راجح

والصمت من سعد السعود بمطلع

تحيا به والنطق سعدٌ رابح

عود لسانك قول الخير تنج به

في زلّة اللفظ أو من زلة القدم
واحذر لسانك من خل تنادمه

إن النديم لمشتق من الندم

الباب الحادي عشر في المعاشرة
قال الإمام الشافعي رضي الله عنه
إذا المرء لا يرعاك إلا تكلفا

فدعه ولا تكثر عليه التأسفا

ففي الناس أبدالٌ وفي الترك راحة

وفي القلب صبر للحبيب ولو جفا

فما كل من تهواه يهواك قلبه

ولا كل من صافيته لك قد صفا

إذا لم يكن صفو الوداد طبيعة

فلا خير في ود يجيء تكلفا

ولا خير في خل يخون خليله

ويلقاه من بعد المودة بالجفا

وينكر عيشاً قد تقادم عهده

ويظهر سراً كان بالأمس قد خفا

سلام على الدنيا إذا لم يكن بها

صديق صدوق صادق الوعد منصفا
صاف الكرام فخير من صافيته
(2/65)
________________________________________
من كان ذا أدب وكان ظريفا

واحذر مؤاخاة اللئيم فإنه

يبدي القبيح وينكر المعروفا

إن الكريم وإن تضعضع حاله

فالخلق منه لا يزال شريفا

والناس مثل دراهم قلبتها

فأصبحت منها فضّة وزيوفا

وما المرء إلا حيث يجعل نفسه

فأبصر بعين منك أمراً فيعتمد

ولن يصبح الإنسان إلا نظيره

وإن لم يكونا من قبيل ولا بلد

وما الغيّ إلا أن تصاحب غاوياً

وما الرشد إلا أن تصاحب مرتشد
أخو الفسق لا يغررك منه تودّد

فكل حبال الفاسقين مهين

وصاحب إذا ما كنت يوماً مصاحباً

أخا ثقة بالغيب منك أمين

اجعل قرينك من رضيت فاعله

واحذر مقارنة اللئيم الشائن

كم من قرين شائن لقرينه

ومهجن منه لكل محاسن

وعينك إن أبدت إليك مساوياً

من الناس قل يا عين للناس أعين
وعاشر بمعروف وكن متودّداً

ولا تلق إلا بالتي هي أحسن

الباب الثاني والعشرون في القناعة
وأكل كسيرة في جنب بيتي

أحب إلي من أكل الرغيف

ولبس عباءة وتقر عيني

أحب إلي من لبس الشفوف
هي القناعة فالزمها تعش ملكا

لو لم يكن منك إلا راحة البدن

وانظر لمن ملك الدنيا بأجمعها

هل راح منها بغير القطن والكفن
قنعت بالقوت من زماني

وصنت نفسي عن الهوان
خوفاً من الناس أن يقولوا

فضل فلان على فلان

من كنت عن ماله غنياً

فلا أبالي إذا جفاني

ومن رآني بعين نقص

رأيته بالتي رآني

ومن رآني بعين ثم

رأيته كامل المعاني

إذا المرء عوفي في جسمه

وملكه الله قلباً قنوعا

وألقى المطامع عن نفسه

فذاك الغني ولو مات جوعا
النفس تجزع أن تكون فقيرة

والفقر خير من غنىً يطغيها

وغنى النفوس هو الكفاف فإن أبت

فجميع ما في الأرض لا يكفيها

إن القنوع نفيس النفس راشدها

وهو الغني الذي يحيا بلا نصب
(2/66)
________________________________________
وذو المطامع مغرور ومفتقر

ولو حوى ملك سلطان وعلم نبي
أفادتني القناعة كل عزّ

وهل عز أعز من القناعة
ولقد طلبت رضا البرية جاهداً

فإذا رضاهم غاية لا تدرك

وأرى القناعة للفتى كنزاً له

والبر أفضل ما به يتمسك

الباب الثالث والعشرون في الحسد
تخلق الناس بالأدناس واعتمدوا

من الصفات ألدها والمكر والحسدا
كرهت منظرهم من سوء مخبرهم

فقد تعاميت حتى لا أرى أحدا

اصبر على كيد الحسو

د فإن صبرك قاتله

كالنار تأكل نفسها

إن لم تجد ما تأكله

دع الحسود وما يلقاه من كمد

يكفيك منه لهيب النار في كبده
إن لمت ذا حسد نفثت كربته

وإن سكت فقد عذبته بيده

أيا حاسداً لي على نعمتي

أتدري على من أسأت الأدب
أسأت على الله في حكمه

لأنك لم ترض لي ما وهب

فأخزاك ربي بأن زادني

وسد عليك وجوه الطلب

إن شئت قتل الحاسدين تعمداً

من غير مادية عليك ولا قود

وبغير سم قاتل وصوارم

وعقاب رب ليس يغفل عن أحد

عظيم تجاه عيونهم محسودهم

فتراهموا موتى النفوس مع الجسد
ذوب المعادن باللظى لكنما

ذوب الحسود بحر نيران الحسد

الباب الرابع والعشرون في الحلم
إلا أن حلم المرء أكرم نسبة

تسامى بها عند الفخار حليم

فيا رب خب لي منك حلماً فإن

ني أرى الحلم لم يندم عليه كريم
أحب مكارم الأخلاق جهدي

وأكره أن أعيب وأن أعابا

وأصفح عن سباب الناس حلماً

وشر الناس من يهوى السبايا

ومن هاب الرجال تهيبوه

ومن حقر الرجال فلن يهابا

ولا خير في حلم إذا لم يكن له

بوادر تحمي صفوه أن يكدرا

ولا خير في جهل إذا لم يكن له

حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
إذا كنت محتاجاً إلى الحلم أنني

إلى الجهل في بعض الأحيان أحوج
ولي فرس للحلم بالحلم ملجمٌ
(2/67)
________________________________________
ولي فرس للجهل بالجهل مسرج

فمن شاء تقويمي فإني مقوم

ومن شاء تعويجي فإني معوج

وما كنت أرضى الجهل خذناً وصاحباً

ولكنني أرضى به حين أحرج

إذا كنت بين الحلم والجهل ناشئاً

وخيرت أنى شئت فالحلم أفضل

ولكن إذا أنصفت من ليس منصفاً

ولم يرض منك الحلم فالجهل أمثل
وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه
وعين الرضا عن كل عيب كليلةٌ

كما أن عين السخط تبدي المساويا
ولست بهياب لمن لا يهابني

ولست أرى للمرء ما لا يرى ليا

فإن تدن منك مودتي

وإن تنأ عني تلقني عنك نائيا

كلنا غني عن أخيه حياته

ونحن إذا متنا أشد تغانيا

الباب الخامس والعشرون في الحماقة
لكل داءٍ دواءٌ يستطب به

إلا الحماقة أعيت من يداويها

لا تيأسنّ من اللبيب وإن جفا

واقطع حبالك من حبال الأحمق
فعداوة من عاقل متجمّل

أولى وأسلم من صداقة أخرق

الباب السادس والعشرون في الوطن
قال ابن الرومي
ولي وطن آليت ألا أبيعه

وألا أرى غيري له الدهر مالكا

عمرت به شرح الشباب منعماً

بصحبة قوم أصبحوا في ظلالكا
وحبب أوطان الرّجال إليهم

مآرب قضاها الشباب هنالكا

إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم

عهود الصّبا فيها فحنّوا لذلكا

قد ألفته النفس حتى كأنه

لها جسدٌ إن بان غودر هالكا

الباب السابع والعشرون في المال
إن الدراهم كالمرا

هم تجبر العظم الكسيرا

لو نالهنّ تعليبٌ

في صبحه أضحى أميرا
إن قلّ مالي فلا خلٌّ يصاحبني

إن زاد مالي فكلّ الناس خلاني
فكم عدوٍّ لأجل المال صاحبني

وكم صديق لفقد المال عاداني

لعمرك إن المال قد يجعل الفتى

سرياً وإن الفقر بالمرء قد يزري
وما رفع النفس الدنية كالغنى

ولا وضع النفس النفيسة كالفقر

وإذا ما رأيت صعوبة في مطلب
(2/68)
________________________________________
فاحمل صعوبته على الدّينار

وابعثه فيما تشتهيه فإنه

حجرٌ يليّن قسوة الأحجار

الناس أتباع من دامع له نعم

والويل للمرء إن زلت به القدم
المال زينٌ ومن قلت دراهمه

حي كمن مات إلا أنه صنم

لما رأيت أخلائي وخالصتي

والكل مستتر عني ومحتشم

أبدو جفاءً وإعراضاً فقلت لهم

أذنبت ذنباً فقالوا ذنبك العدم

فصاحة حسّان وخط ابن مقلةٍ

وحكمة لقمان وزهد ابن أدهم

إذا اجتمعت في المرء والمرء مفلس

ونودي عليه لا يباع بدرهم

إذا كنت في حاجة مرسلا

وأنت بها كلفٌ مغرم

فأرسل حكيماً ولا توصه

وذاك الحكيم هو الدّرهم
أظهروا للناس زهداً

وعلى الدينار داروا
وله صاموا وصلّوا

وله حجوّا وزاروا

لو يرى فوق الثريا

ولهم ريش لطاروا

المال يفرقُ بين الأم والولد

فذاك أدنى نسيبٍ عند كل يد

عهدي به خادماً كالعبد نملكه

فما لعيني تراه سيد البلد

مالٌ يميل إلى المرء من صغر

وكلما شب شبّ الحبّ في الكبد

لو يجمع الله ما في الأرض قاطبة

عند امرئ لم يقلّ حسبي فلا تزد
كلٌ يروح من الدنيا الغرور كما

أتى بلا عدد منها ولا عُدّد

لو كان يأخذ شيئاً قبلنا أحد

لم يبق شيء لنا من سالف الأمد

إذا المرء لم يعتق من المال نفسه

تملّكه المال الذي هو مالكه

إلا إنما مالي الذي أنا منفقٌ

وليس لي المال الذي أنا تاركه

من كان يملك درهمين تعلّمت

شفتاه أنواع الكلام فقالا

وتقدّم الإخوان فاستعموا له

ورأيته بين الورى مختالا

لولا دراهمه التي يزهو بها

لوجدته في الناس أسوأ حالا

إن الغنيّ إذا تكلّم بالخطا

قالوا صدقت وما نطقت محالا
أما الفقير إذا تكلم صادقاً

قالوا كذبت وأبطلوا ما قالا

إن الدراهم في المواطن كلّها

تكسو الرجال مهابة وجمالا
(2/69)
________________________________________
فهي اللسان لمن أراد فصاحةً

وهي السلاح لمن أراد قتالا

الباب الثامن والعشرون في السياحة والغربة
وإذا البلاد تغيّرت عن حالها

فدع المقام وبادر التحويلا

ليس المقام عليك فرضاً واجباً

في بلدة تدع العزيز ذليلا

تنقّل فلذّات الهوى في التنقل

ورد كل صافٍ ولا تقف عند منهل
ففي الأرض أحبابٌ وفيها مناهل

فلا تبك من ذكرى حبيب ومنزل

تغرّب عن الأوطان في طلب العلا

وسافر ففي الأسفار خمس فوائد

تفرّج همٍّ واكتساب معيشةٍ

وعلم وآداب وصحبة ماجد

وإن قيل في الأسفار ذلٌ ومحنة

وقطع الفيافي واكتساب الشدائد

فموت الفتى خير له من حياته

بدار هوانٍ بين واشٍ وحاسد

ارحل بنفسك من أرض تضام بها

ولا تكن لفراق الأهل في حرق

من ذل بين أهاليه ببلدته

فالاغتراب له من أحسن الخلق

الكحل نوع من الأحجار منطرحاً

في أرضه كالثرى ير أي على الطرق
لما تغرّب نال العزّ أجمعه

وصار يحتمل بين الجفن والحدق

وقال الإمام الشافعي
ما في المقام الذي عقل وذي أدب

من راحة فدع الأوطان واغترب

سافر تجد عوضاً عمّن تصاحبه

وانصب فإن لذيذ العيش في النّصب
إني رأيت وقوف المال يفسده

إن سال طاب وإن لم يجر لم يطب

الأسدُ لولا فراق الغاب ما قنصت

والسهم لولا فراق القوس لم يصب

والشمس لو وقفت في الفلك دائمةً

لملّها الناس من عجم ومن عرب

والبدر لولا أفول منه ما نظرت

إليه في كل حين عينٌ مرتقب

والتبر كالتُّرب ملقى في أماكنه

والعود في أرضه نوعٌ من الحطب

فإن تغرّب هذا عز مطلبه

وإن أقام فلا يعلو على رتب

إذا ما ضاق صدرك من بلاد

ترحّل طالباً أرضاً سواها

عجبت لمن يقيم بدار ذلّ

وأرض الله واسعة فضاها

فذاك من الرّجال قليل عقل
(2/70)
________________________________________
بليد ليس يعلم ما طحاها

فنفسك فز بها إن خفت ضيمها

وخلّ الدار تنعي من بناها

فإنك واجد أرضاً بأرضٍ

ونفسك لم تجد نفساً سواها

ومن كانت منيته بأرضٍ

فليس يموت في أرض سواها
إن قل نفعك في أرضٍ حللت بها

سافر لتدرك قصداً أم ترى أملا

فالبيض لو لازمت أغمادها تلفت

والشمس لو لم تسر ما حلت الحملا
وقال الحريري في الحث على السفر من مقامة له
لا تقعدن عن ضرّ ومسغبة

لكي يقال عزيز النفس مصطبر

وانظر بعينيك هل أرضٌ معطلة

من النبات كأرض حفّها الشجر

فعد عما تشير الأغبياء به

فأيُّ فضلٍ لعود ما له ثمر

وارحل ركابك عن ربع ظمئت به

إلى الجناب الذي يهمي به المطر
وستنزل الريَّ من در السحاب فإن

بلت يداك به فليهنك الظفر

بلاد الله واسعة فضاءً

ورزق الله في الدنيا فسيح

فقل للقاعدين على هوان

إذا ضاقت بكم أرضٌ فسيحوا

وإذا رأيت الرزق ضاق ببلدة

وخشيت فيها أن يضيق المكسب
فارحل فأرض الله وسعة الفضا

طولاً وعرضاً شرقها والمغرب
إذا ما كنت في قوم غريباً

فعاملهم بفعل يستطاب

ولا تحزن إذا فاهوا بفحش

غريب الدار تنبحه الكلاب
وما طلب المعيشة بالتمني

ولكن ألق دلوك في الدّلاء

تجيء بمثلها طوراً وطوراً

تجيء بحمأة وقليل ماء

ولا تقعد على كسل التمني

تحيل على المقعد والقضاء

فإن مقادر الرحمن تجري

بأرزاق الرّجال من السماء
مقدرة بقبض أو ببسط

وعجز المرء أسباب البلاء

الباب التاسع والعشرون في الغدر
لا أشتكي زمني هذا فأظلمه

وإنما أشتكي من أهل ذا الزمن
هم الذئاب التي تحت الثياب فلا

تكن إلى أحدٍ منهم بمؤتمن

وزهّدني في الناس معرفتي بهم

وطول اختباري صاحباً بعد صاحب
فلم ترني الأيام خِلاً تسرني
(2/71)
________________________________________
مباديه إلا ساءني في العواقب

ولا قلت أرجوه لدفع ملمة

من الدّهر إلا كان إحدى المصائب

أني بلوت الناس أطلب منهمو

أخا ثقة عند اعتراض الشدائد

فلم أر فيما ساءني غير شامت

ولم أر فيما سرني غير حاسد
وقال علي بن الجهم وهو مسجون
قالوا حبست فقلت ليس بضائري

حبسي وأي مهند لا يغمد

أو ما رأيت الليث بألف غيله

كبراً وأوباش السباع تردّد

والشمس لولا أنّها محجوبةٌ

عن ناظريك لما أضاء الفرقد

والبدر يدركه السّرار فتنجلي

أيامه وكأنه متجدّد

والغيث يحسره الغمام فما يرى

إلا وريقه يراع ويرعد

والزاعبية لا يقيم كعوبها

إلا الثقاف وجذوةٌ تتوقد

والحبس ما لم تغشه لدنيةٌ

شنعاء نعم المنزل المتودد

بيت يجدد للكريم كرامةً

ويزار فيه ولا يزور ويحمد

كم من عليل قد تخطاه الردى

فنجا ومات طبيبه والعوّد

الباب الثلاثون في الختام بالدعاء
قال البحتري
حاطه الله حيث أمسى وأضحى

وتولاه حيث سار وحلا

وقال ابن الرومي
لازلت نجماً يهدى

بك في الضّلال ويستدل
ينبوع عزم يستقى

منه الصوّاب وستمل

وقال الوزير المهلبي
أراني الله وجهك كل يوم

صباحاً للتيمّن والسرور

وأمتع مقلتيّ بصفحتيه

لأقرأ الحسن من تلك السطور
وقال آخر
بقيت مدى الدنيا وملكك راسخٌ

وطودك ممدودٌ وبابك عامر

يودّ سناك البدر والبدرُ زاهرٌ

ويقفو نداك البحر والبحر غامر

وهنّئت أياماً توالت سعودها

كما تتوالى في العقود (الجواهرُ)
(2/72)
________________________________________
رد مع اقتباس
إضافة رد

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر رد
خمس جواهر تزيل الهموم محمد علي مواقع متنوعه 0 08-10-2011 08:41 AM
برنامج المفكرة لإدارة وإنشاء الملاحظات للجيل الثاني حمدان مواقع متنوعه 0 08-09-2011 10:54 AM
إلى الأخت بسمة خجولة ... و الأخت أم عيشة برنوس ... إلى الأخت صاحبة الملحفة الشاوي سعيد مواقع متنوعه 0 07-01-2011 11:46 PM
متى نرد ... وكيف .. من أدبيات الحوار الديني حائرة مواقع متنوعه 0 12-07-2010 10:16 AM
الأدب .. الأدب ... ياأمة الأدب ... شاركونا حائرة مواقع متنوعه 0 11-26-2010 03:40 PM

أدوات الموضوع
طريقة عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الراشدي : الراشدي

الساعة الآن 03:23 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd d3m